لبنان: تراجع التدابير الأمنية في معقل حزب الله بعد انحسار التفجيرات

رئيس اتحاد البلديات يعدها خطوة لتخفيف معاناة الناس.. ويعد بخطط سياحية

متظاهرون لبنانيون ينضمون إلى مظاهرة مناوئة لنظام الرئيس الأسد في طرابلس شمال لبنان بعد صلاة الجمعة أمس (رويترز)
متظاهرون لبنانيون ينضمون إلى مظاهرة مناوئة لنظام الرئيس الأسد في طرابلس شمال لبنان بعد صلاة الجمعة أمس (رويترز)
TT

لبنان: تراجع التدابير الأمنية في معقل حزب الله بعد انحسار التفجيرات

متظاهرون لبنانيون ينضمون إلى مظاهرة مناوئة لنظام الرئيس الأسد في طرابلس شمال لبنان بعد صلاة الجمعة أمس (رويترز)
متظاهرون لبنانيون ينضمون إلى مظاهرة مناوئة لنظام الرئيس الأسد في طرابلس شمال لبنان بعد صلاة الجمعة أمس (رويترز)

انعكس انحسار التفجيرات التي ضربت مناطق حزب الله في لبنان منذ نحو عام، ارتياحا في صفوف الحزب وقاعدته الشعبية، تمثل في عودة الحياة تدريجيا إلى مركز نفوذه في ضاحية بيروت الجنوبية التي بدأت أمس تتخلص من العوائق الحديدية المزروعة في الشوارع «بهدف إراحة السكان وتخفيف معاناتهم اليومية مع الزحمة، وتسهيل عودة الحركة التجارية إلى سابق عهدها».
وتلت هذه الخطوة، إجراءات اتخذتها الأجهزة الرسمية اللبنانية قبل نحو أسبوع، تمثلت في تخفيف التدابير الأمنية على بعض مداخل الضاحية، لا سيما في منطقتي الأوزاعي وبئر حسن حيث يقع مركز المستشارية الثقافية الإيرانية وتلفزيون «المنار» التابع لحزب الله، قبل أن تنسحب التدابير على شوارع الضاحية الداخلية.
وبدأت آليات تابعة لاتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، تواكبها عناصر في الشرطة البلدية، صباح أمس، بإزالة العوائق في مدخل الضاحية الشمالي في المشرفية، وامتدت الأعمال إلى العمق لتشمل شوارع بئر العبد وحارة حريك والرويس والمعمورة. وعملت الآليات على رفع عوائق حديدية وإسمنتية كانت وضعها اتحاد البلديات عقب تفجير الرويس في 15 أغسطس (آب) الماضي، لمنع ركون السيارات الغريبة في المنطقة، وهو ما دفع انتحاريين فيما بعد إلى تنفيذ عمليات انتحارية أهمها في حارة حريك التي شهدت عمليتين انتحاريتين منفصلتين في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، وانفجارين انتحاريين منفصلين استهدفا مبنى السفارة الغيرانية في بيروت في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، و19 فبراير (شباط) الماضي.
وأعلن رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية لبيروت محمد سعيد الخنسا لـ«الشرق الأوسط» عن «توجه لتخفيف العوائق الحديدية والتدابير التي وضعت في السابق في الغبيري التي لم تشهد تدابير قاسية في الأساس، ومنطقة بئر العبد ومناطق كثيرة في الضاحية، باستثناء بعض النقاط الحساسة»، موضحا أن الاستثناء «يعود إلى تقديرات الأجهزة الأمنية الرسمية». وأكد أن الطرقات الرئيسة في الضاحية ستزال منها كل المعوقات «بهدف إراحة الناس بعد انحسار الأعمال الإرهابية وضبط الحدود»، واعدا بأن الضاحية الجنوبية «ستشهد حركة ازدهار كبيرة هذا الصيف الذي سنستقبله بمهرجانات ونشاطات تنعكس إيجابا على الحركة السياحية، وتخلق حركة اقتصادية نشطة»، مشيرا إلى «إننا بدأنا بتنفيذ هذا التوجه منذ يوم أمس (الأول) بافتتاح حدائق عامة وإطلاق مهرجانات للصيف».
وكانت الضاحية الجنوبية شهدت تعثرا اقتصاديا كبيرا، بفعل النزوح منها والتدابير الأمنية التي اتخذت فيها، على ضوء تفجيرات ضربت المنطقة، وتبنت بعضها مجموعات متشددة مثل «كتائب عبد الله عزام». وبدأت التهديدات الأمنية في 26 مايو (أيار) الماضي، حين أطلقت صواريخ باتجاه الضاحية، تلاها تفجير سيارة مفخخة في بئر العبد في 9 يونيو (حزيران) الفائت، وكرت سبحة التفجيرات لتصل إلى سبعة، كان آخرها التفجير الانتحاري المزدوج الذي استهدف المستشارية الثقافية الإيرانية في 19 فبراير (شباط) الماضي.
وأكد الخنساء أن تخفيف الإجراءات الأمنية الداخلية، يأتي نتيجة «تنسيق مع الأجهزة الأمنية الرسمية والجيش اللبناني»، إضافة إلى «استشارة الهيئات المحلية في بعض القضايا الأمنية»، في إشارة إلى الفعاليات الاجتماعية والأحزاب السياسية وأهمها حزب الله الذي يتمتع بنفوذ كبير في المنطقة، وتعتبر الضاحية حاضنة مؤسساته. لكن تخفيف الإجراءات على مداخل الضاحية الذي بدأ أواخر الأسبوع الماضي مع إزالة الدشم من أمام المستشارية الثقافية وفتح بعض الطرقات على المدخل الغربي للضاحية، «يعود تقديرها إلى قيادة الجيش والأجهزة الأمنية»، بحسب ما أكده الخنساء، قائلا إن «وزارة الداخلية اللبنانية معنية أساسا بهذا الإجراء».
وتشارك الشرطة التابعة لاتحاد بلديات الضاحية في التدابير المفروضة على مداخل المنطقة، إلى جانب حواجز الأجهزة الأمنية الرسمية اللبنانية، وقد تكثف دورها بعد مطالبة وزير الداخلية اللبناني السابق مروان شربل البلديات بالمشاركة في حفظ الأمن إلى جانب الشرطة البلدية.
وقال الخنساء إن الشرطة البلدية «ستكمل مشاركتها في فرض الاستقرار في المنطقة، حتى لو خُففت التدابير الرسمية، نظرا لأن الشرطة البلدية معنية بالأمن والسلامة العامة وتحمل صفة رسمية»، مشددا على أن مشاركتها «قانونية بهدف تأمين أمن الناس، كونهم من أولاد المنطقة ونستفيد من موقعهم لتأمين سلامة السكان وتنظيم المرور»، مشيرا إلى أن دورهم «محدد في النص القانوني للبلديات وتأتي المشاركة من ضمن صلاحياتهم».
وانحسرت التفجيرات في الضاحية الجنوبية بعد سلسلة تدابير أمنية اتخذتها الأجهزة الرسمية اللبنانية لملاحقة المسؤولين عن عمليات إرهابية وتوقيف أفراد شبكاتها، أهمها شبكة نعيم عباس، وشبكة جمال دفتردار وعمر الأطرش، بالإضافة إلى ملاحقة أفراد تنظيم «كتائب عبد الله عزام» المرتبطة بتنظيم القاعدة، بدءا من توقيف أميره ماجد الماجد في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وتزامنت تلك الإجراءات مع تقدم القوات الحكومية السورية في القلمون بريف دمشق الغربي، واستعادة السيطرة على مدينة يبرود التي كانت متهمة بأن السيارات المفخخة التي تمر إلى لبنان، كانت تفخخ فيها.
وأرجع وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق، في تصريح سابق، هذا التطور إلى «ما قام به حزب الله في منطقة القلمون السورية قلّص عدد السيارات المفخخة»، إلى جانب التدابير الأمنية الرسمية، بموازاة «قرار إقليمي يقضي بضرورة أن تكون الأمور هادئة في لبنان»، مشيرا إلى أن «الجميع تلقّى هذه الرسالة وتصرّف على أساسها وخاصة حزب الله».
وانسحب تخفيف الإجراءات الأمنية في الضاحية ارتياحا في صفوف السكان وجمهور حزب الله. وقال حسين، وهو تاجر ألبسة في منطقة بئر العبد، إن هذا القرار «من شأنه أن يعيد تحريك العجلة التجارية التي شلّتها التفجيرات، وقوضتها المخاوف والتدابير الأمنية»، مشيرا إلى أن الحركة «بدأت تستعيد سابق عهدها منذ مطلع أبريل (نيسان) الماضي، على ضوء انحسار التفجيرات».
وبدأت الحركة تعود إلى الضاحية تدريجيا، ما انعكس على تجدد الطلب على الإيجارات، بعدما نزح عدد من سكان الضاحية منطقتهم إلى مناطق أكثر أمانا، أهمها في المناطق المسيحية شرق بيروت.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.