مجزرة في حلب.. والمعارضة تسيطر على أكبر حقول سوريا النفطية

وفد من «الائتلاف» يلتقي الإبراهيمي وبوغدانوف في جنيف

سوريون يحاولون إنقاذ ناجين من بين الأنقاض بعد غارات جوية شنها النظام السوري في حلب أمس (رويترز)
سوريون يحاولون إنقاذ ناجين من بين الأنقاض بعد غارات جوية شنها النظام السوري في حلب أمس (رويترز)
TT

مجزرة في حلب.. والمعارضة تسيطر على أكبر حقول سوريا النفطية

سوريون يحاولون إنقاذ ناجين من بين الأنقاض بعد غارات جوية شنها النظام السوري في حلب أمس (رويترز)
سوريون يحاولون إنقاذ ناجين من بين الأنقاض بعد غارات جوية شنها النظام السوري في حلب أمس (رويترز)

ارتكبت القوات النظامية أمس مجزرة جديدة في مدينة حلب، عبر غارات جوية متفرقة استهدفت حي طريق الباب، ومدينة الباب وبلدة تادف، الواقعتين شمال شرقي حلب، مما أدى إلى مقتل 44 شخصا على الأقل وجرح العشرات من المدنيين. وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان مقاتلين معارضين إسلاميين سيطرتهم على حقل العمر النفطي بدير الزور، لتخسر القوات النظامية سيطرتها على كل الحقول النفطية في المنطقة الشرقية.
وقصف الطيران الحربي حي طريق الباب، مما أدى إلى مقتل 30 شخصا في محصلة أولية، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى عشرات الجرحى. واستهدفت الغارات الجوية سوقا للخضار في حي كرم البيك الصغير المحاذي لدوار الحلوانية، ظهر أمس، خلال وقت الذروة وازدحام السوق بروادها. وأظهر شريط فيديو بثه ناشطون على موقع «يوتيوب» عددا من الأشخاص وهم متجمعون على كومة من الركام بعد انهيار مبنى، فيما كان آخرون يبحثون عن ناجين تحت الأنقاض. فيما أظهر شريط فيديو آخر عددا من الأشخاص وهم يطفئون النار في حافلة صغيرة وسط الركام.
ورجح المرصد السوري لحقوق الإنسان ارتفاع عدد القتلى بسبب وجود عدد كبير من الجرحى في حالات خطرة، مشيرا من جهة أخرى إلى مقتل نحو 20 شخصا على الأقل من جراء قصف بالطيران الحربي استهدف مدينة الباب وبلدة تادف. ولم تستهدف القوات النظامية منذ نحو ستة أشهر تجمعات للمدنيين بهذا الشكل في مدينة حلب، مع انشغالها بالقتال على جبهات أخرى.
وفي دير الزور، أعلن مقاتلون إسلاميون سيطرتهم على واحد من أكبر وأهم الحقول النفطية الاستراتيجية في محافظة دير الزور، إذ تمكن مقاتلو «جبهة النصرة» وكتائب إسلامية أخرى من السيطرة بشكل كامل أمس على حقل العمر النفطي، عقب اشتباكات ليلية مع القوات النظامية استمرت حتى فجر أمس وانتهت بالسيطرة الكاملة على الحقل الذي يعد أكبر وأهم حقل نفط في سوريا. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن قدرة الحقل الإنتاجية تبلغ 75 ألف برميل في اليوم، لافتا إلى سيطرة المقاتلين الإسلاميين أيضا على آليات عسكرية ومعدات نفطية.
وأظهر شريط فيديو بثه ناشطون معارضون على موقع «يوتيوب» عددا من المقاتلين وهم يتجولون عند مدخل الحقل النفطي، فيما يقود آخرون دبابة تابعة للنظام استولوا عليها بعد انسحاب قواته. وقال أحد الناشطين إن مقاتلي المعارضة سيطروا على سبع دبابات للنظام.
وتعد محافظة دير الزور من أوائل المحافظات المنتجة للنفط في سوريا منذ عام 1977، وتضم حقولا عدة أبرزها حقل العمر، الذي كانت القوات النظامية لا تزال تحتفظ به، فيما حقل رحيم الخاضع لسيطرة المعارضة متوقف عن الإنتاج، بعد قصفه من القوات النظامية. ويعتبر حقل الورد أبرز حقول النفط في دير الزور الخاضع لسيطرة المعارضة أيضا من دون أن يتوقف عن الإنتاج. وتشكل حقول النفط السورية محط أطماع مقاتلي المعارضة والمقاتلين الأكراد، بينما يصارع النظام من أجل الحفاظ على حقل رميلان بالحسكة.
ونقلت صحيفة «تشرين» الرسمية عن مؤسسة النفط السورية، في الثاني عشر من الشهر الحالي، بلوغ قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي أصابت قطاع النفط في سوريا نتيجة الأزمة المستمرة في البلاد، نحو 17.7 مليار دولار أميركي.
وفي جبال القلمون بريف دمشف، تعرضت المنطقة أمس لقصف نظامي استهدف بشكل خاص أنحاء في بلدات النبك ويبرود ودير عطية التي تمكن مقاتلو المعارضة من السيطرة عليها قبل يومين. ونفذ الطيران الحربي غارات جوية استهدفت أمس مناطق بمحيط بلدة الدير سلمان والمرج، مما أدى لسقوط عدد من الجرحى.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بتعرض النبك لقصف مستمر من القوات النظامية، بالتزامن مع غارات جوية تجاوز عددها 12 غارة حتى الظهر، مما أدى لأضرار في الممتلكات وسقوط عدد من الجرحى، وسط انقطاع تام للكهرباء والماء ووسائل الاتصال والإنترنت منذ يومين.
وبينما أعلنت الكتائب المقاتلة الحي الغربي في النبك منطقة عسكرية، تداولت صفحات المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي أمس مضمون رسالة وجهها مقاتلو المعارضة إلى أهالي بلدة دير عطية بالقلمون، ذات الغالبية المسيحية، عبر مآذن الجوامع، وذلك بعد السيطرة على البلدة أول من أمس. وقال مقاتلو المعارضة في رسالتهم «إلى إخوتنا وأهلنا المسيحيين في دير عطية، نحن نعلم مدى الخوف والرعب الذي زرعه النظام اﻷسدي في قلوبكم تجاهنا، ونقدر خوفكم، ولكن نتعهد أمام الله وأمامكم.. أنكم إخواننا في الله وأننا سنبذل الغالي والرخيص لحمايتكم وحماية المسلمين من إجرام نظام (الرئيس السوري بشار) اﻷسد. ونؤكد لكم أننا والله ما خرجنا للجهاد إلا لنرد عنكم الأذى والإجرام ونحرركم من هذه العصابة القذرة التي عاثت في سوريا الفساد والإرهاب».
وأبدى مقاتلو المعارضة «الجهوزية» لمحاسبة أي أحد يتعدى على أهالي البلدة و«لو بالكلام»، مبدين كذلك استعدادهم «لتأمين جميع ما يلزمهم من دواء أو طعام أو مأمن». وكانت مناطق في الغوطة الشرقية ومدينتي معضمية الشام وداريا وبلدة بيت سحم ومخيم خان الشيح تعرضت ليل الجمعة - السبت لقصف نظامي، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة، وفق المرصد، بين القوات النظامية، مدعمة بقوات جيش الدفاع الوطني ومقاتلي حزب الله اللبناني ومقاتلي «لواء أبو الفضل العباس» من جهة ومقاتلي الكتائب الإسلامية المقاتلة من جهة أخرى، على أطراف بلدة بيت سحم من جهة مطار دمشق الدولي. وأوقعت الاشتباكات خسائر بشرية في صفوف الطرفين.
وفي العاصمة دمشق، دارت اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية ومقاتلي المعارضة على أطراف حي جوبر، بالتزامن مع قصف نظامي استهدف الحي. وفي محافظة حمص، وسط سوريا، دارت اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية ومقاتلي المعارضة في محيط بلدة الكم، ذات الغالبية الشيعية وأطراف بلدة تلبيسة، التي استهدفها القصف النظامي. كما حصلت اشتباكات عنيفة في مزرعة اصمد بريف حمص الشرقي، التي تعتبر خط الدفاع عن قرية تل جديد التي يقطنها مواطنون من الطائفة العلوية والإسماعيلية، انتهت بسيطرة المعارضة.
وبريف حماه، أعلن مقاتلو المعارضة سيطرتهم على بلدتي البرغوتية والعصافرة بريف حماه، خلال معركة «قادمون»، وفق الهيئة العامة للثورة السورية، بالتزامن مع اشتباكات أخرى على جبهة بلدة البوبلايا وقصف الطيران المروحي لأحياء مدينة كفرزيتا بالبراميل المتفجرة.
ومن جهة اخرى قالت مصادر في «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» إن لقاء سيجمع وفدا مصغرا من أعضائه بنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف في جنيف اليوم، لبحث الاستعدادات لعقد مؤتمر «جنيف 2» للسلام الخاص بسوريا.
وأوضحت أن «الائتلاف لن يشارك في المفاوضات من أجل حل النزاع في سوريا من دون ضمانات دولية لتنفيذ مقررات «جنيف 1».
ويلتقي الأمين العام للائتلاف الوطني السوري بدر جاموس، وأعضاء الائتلاف عبد الحكيم بشار وعبد الأحد اصطيفو ونذير الحكيم، في جنيف اليوم، نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، للتباحث معه حول عقد مؤتمر «جنيف 2» المرتقب أواسط الشهر المقبل. كما يلتقي الوفد ممثلا عن الجانب الأميركي، والمبعوث الدولي والعربي في سوريا الأخضر الإبراهيمي.
وأوضحت تقارير إعلامية أمس أن «الوفد سيسعى للوصول إلى ثوابت مشتركة حول الخطوة التالية التي يمكن أن يخطوها الائتلاف باتجاه الحل السياسي، وباتجاه المشاركة في المؤتمر». وقال المتحدث باسم الائتلاف الوطني المعارض لؤي صافي لـ«الشرق الأوسط» إن الهدف من هذه اللقاءات التحضير لمؤتمر «جنيف 2»، موضحا أن «المعارضة لا تريد أن تذهب إلى المفاوضات من دون ضمانات دولية تلزم النظام بتنفيذ المقررات التي ستفضي عن المؤتمر».
وأكد صافي «ضرورة التوصل إلى توافق مع مختلف الأطراف حول مطالبنا التي تتمحور حول الالتزام الكامل من قبل النظام ببيان «جنيف 1» وإجراء خطوات أساسية كإطلاق المعتقلين وإيقاف أعمال القتل ضد المدنيين. وتنص بنود «جنيف 1» على تشكيل سلطة انتقالية تتألف من النظام السوري والمعارضة دون دور واضح للرئيس السوري بشار الأسد.
ونسق الوفد مع رئيس الائتلاف أحمد الجربا، الذي يجري جولة خليجية، حول تفاصيل الزيارة والرؤية الأساسية للائتلاف حول «جنيف 2»، التي حددها اجتماع الهيئة العامة الأخير، وفق المصادر ذاتها.
وبحث الإبراهيمي أمس عقد «جنيف2» مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في جنيف. ومن المتوقع أن يجتمع الإبراهيمي مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري في وقت لاحق.
ورغم الجهود الدولية لبدء المحادثات لا تبدي المعارضة ولا القوات الموالية للأسد استعدادا لإلقاء السلاح. ويسبق هذه الاجتماعات لقاء ثنائي غدا (الاثنين) في جنيف بين بوغدانوف ومساعدة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان بحضور الإبراهيمي.
وكانت الهيئة العامة للائتلاف وافقت على حضور مؤتمر «جنيف 2»، على أن يؤدي إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة، بما فيها الصلاحيات الرئاسية والعسكرية والأمنية، إضافة إلى عدم وجود أي دور للرئيس السوري بشار الأسد ومساعديه في المرحلة الانتقالية. وأشارت الهيئة في رؤيتها إلى أن انتقال السلطة منصوص عليه في بيان «جنيف 1»، وفي قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118، الذي تبنى بيان جنيف، ودعا إلى عقد مؤتمر دولي لتطبيقه.
وسبق لكل من بدر جاموس وفاروق طيفور أن التقيا بنائب وزير الخارجية الروسية في إسطنبول في لقاء قصير، وقال جاموس حينها إنه «من الأولويات التركيز على ما يجري على الأرض من أوضاع إنسانية في المناطق التي يحاصرها النظام، ولفت الأنظار إلى ازدياد عنفه وإجرامه كلما اقترب (جنيف 2)»، مشددا على «ضرورة إنهاء مأساة الشعب السوري، لكن ضمن محددات الائتلاف ورؤيته التي لن تسمح ببيع دماء السوريين».
في حين قال بيان لوزارة الخارجية الروسية بعد اللقاء إن بوغدانوف بحث في إسطنبول مع جاموس وطيفور الوضع الإنساني في سوريا، وجرى البحث في التحضير لمؤتمر «جنيف 2»، في ضوء موافقة الائتلاف على المشاركة فيه.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.