مجزرة في حلب.. والمعارضة تسيطر على أكبر حقول سوريا النفطية

وفد من «الائتلاف» يلتقي الإبراهيمي وبوغدانوف في جنيف

سوريون يحاولون إنقاذ ناجين من بين الأنقاض بعد غارات جوية شنها النظام السوري في حلب أمس (رويترز)
سوريون يحاولون إنقاذ ناجين من بين الأنقاض بعد غارات جوية شنها النظام السوري في حلب أمس (رويترز)
TT

مجزرة في حلب.. والمعارضة تسيطر على أكبر حقول سوريا النفطية

سوريون يحاولون إنقاذ ناجين من بين الأنقاض بعد غارات جوية شنها النظام السوري في حلب أمس (رويترز)
سوريون يحاولون إنقاذ ناجين من بين الأنقاض بعد غارات جوية شنها النظام السوري في حلب أمس (رويترز)

ارتكبت القوات النظامية أمس مجزرة جديدة في مدينة حلب، عبر غارات جوية متفرقة استهدفت حي طريق الباب، ومدينة الباب وبلدة تادف، الواقعتين شمال شرقي حلب، مما أدى إلى مقتل 44 شخصا على الأقل وجرح العشرات من المدنيين. وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان مقاتلين معارضين إسلاميين سيطرتهم على حقل العمر النفطي بدير الزور، لتخسر القوات النظامية سيطرتها على كل الحقول النفطية في المنطقة الشرقية.
وقصف الطيران الحربي حي طريق الباب، مما أدى إلى مقتل 30 شخصا في محصلة أولية، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى عشرات الجرحى. واستهدفت الغارات الجوية سوقا للخضار في حي كرم البيك الصغير المحاذي لدوار الحلوانية، ظهر أمس، خلال وقت الذروة وازدحام السوق بروادها. وأظهر شريط فيديو بثه ناشطون على موقع «يوتيوب» عددا من الأشخاص وهم متجمعون على كومة من الركام بعد انهيار مبنى، فيما كان آخرون يبحثون عن ناجين تحت الأنقاض. فيما أظهر شريط فيديو آخر عددا من الأشخاص وهم يطفئون النار في حافلة صغيرة وسط الركام.
ورجح المرصد السوري لحقوق الإنسان ارتفاع عدد القتلى بسبب وجود عدد كبير من الجرحى في حالات خطرة، مشيرا من جهة أخرى إلى مقتل نحو 20 شخصا على الأقل من جراء قصف بالطيران الحربي استهدف مدينة الباب وبلدة تادف. ولم تستهدف القوات النظامية منذ نحو ستة أشهر تجمعات للمدنيين بهذا الشكل في مدينة حلب، مع انشغالها بالقتال على جبهات أخرى.
وفي دير الزور، أعلن مقاتلون إسلاميون سيطرتهم على واحد من أكبر وأهم الحقول النفطية الاستراتيجية في محافظة دير الزور، إذ تمكن مقاتلو «جبهة النصرة» وكتائب إسلامية أخرى من السيطرة بشكل كامل أمس على حقل العمر النفطي، عقب اشتباكات ليلية مع القوات النظامية استمرت حتى فجر أمس وانتهت بالسيطرة الكاملة على الحقل الذي يعد أكبر وأهم حقل نفط في سوريا. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن قدرة الحقل الإنتاجية تبلغ 75 ألف برميل في اليوم، لافتا إلى سيطرة المقاتلين الإسلاميين أيضا على آليات عسكرية ومعدات نفطية.
وأظهر شريط فيديو بثه ناشطون معارضون على موقع «يوتيوب» عددا من المقاتلين وهم يتجولون عند مدخل الحقل النفطي، فيما يقود آخرون دبابة تابعة للنظام استولوا عليها بعد انسحاب قواته. وقال أحد الناشطين إن مقاتلي المعارضة سيطروا على سبع دبابات للنظام.
وتعد محافظة دير الزور من أوائل المحافظات المنتجة للنفط في سوريا منذ عام 1977، وتضم حقولا عدة أبرزها حقل العمر، الذي كانت القوات النظامية لا تزال تحتفظ به، فيما حقل رحيم الخاضع لسيطرة المعارضة متوقف عن الإنتاج، بعد قصفه من القوات النظامية. ويعتبر حقل الورد أبرز حقول النفط في دير الزور الخاضع لسيطرة المعارضة أيضا من دون أن يتوقف عن الإنتاج. وتشكل حقول النفط السورية محط أطماع مقاتلي المعارضة والمقاتلين الأكراد، بينما يصارع النظام من أجل الحفاظ على حقل رميلان بالحسكة.
ونقلت صحيفة «تشرين» الرسمية عن مؤسسة النفط السورية، في الثاني عشر من الشهر الحالي، بلوغ قيمة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي أصابت قطاع النفط في سوريا نتيجة الأزمة المستمرة في البلاد، نحو 17.7 مليار دولار أميركي.
وفي جبال القلمون بريف دمشف، تعرضت المنطقة أمس لقصف نظامي استهدف بشكل خاص أنحاء في بلدات النبك ويبرود ودير عطية التي تمكن مقاتلو المعارضة من السيطرة عليها قبل يومين. ونفذ الطيران الحربي غارات جوية استهدفت أمس مناطق بمحيط بلدة الدير سلمان والمرج، مما أدى لسقوط عدد من الجرحى.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بتعرض النبك لقصف مستمر من القوات النظامية، بالتزامن مع غارات جوية تجاوز عددها 12 غارة حتى الظهر، مما أدى لأضرار في الممتلكات وسقوط عدد من الجرحى، وسط انقطاع تام للكهرباء والماء ووسائل الاتصال والإنترنت منذ يومين.
وبينما أعلنت الكتائب المقاتلة الحي الغربي في النبك منطقة عسكرية، تداولت صفحات المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي أمس مضمون رسالة وجهها مقاتلو المعارضة إلى أهالي بلدة دير عطية بالقلمون، ذات الغالبية المسيحية، عبر مآذن الجوامع، وذلك بعد السيطرة على البلدة أول من أمس. وقال مقاتلو المعارضة في رسالتهم «إلى إخوتنا وأهلنا المسيحيين في دير عطية، نحن نعلم مدى الخوف والرعب الذي زرعه النظام اﻷسدي في قلوبكم تجاهنا، ونقدر خوفكم، ولكن نتعهد أمام الله وأمامكم.. أنكم إخواننا في الله وأننا سنبذل الغالي والرخيص لحمايتكم وحماية المسلمين من إجرام نظام (الرئيس السوري بشار) اﻷسد. ونؤكد لكم أننا والله ما خرجنا للجهاد إلا لنرد عنكم الأذى والإجرام ونحرركم من هذه العصابة القذرة التي عاثت في سوريا الفساد والإرهاب».
وأبدى مقاتلو المعارضة «الجهوزية» لمحاسبة أي أحد يتعدى على أهالي البلدة و«لو بالكلام»، مبدين كذلك استعدادهم «لتأمين جميع ما يلزمهم من دواء أو طعام أو مأمن». وكانت مناطق في الغوطة الشرقية ومدينتي معضمية الشام وداريا وبلدة بيت سحم ومخيم خان الشيح تعرضت ليل الجمعة - السبت لقصف نظامي، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة، وفق المرصد، بين القوات النظامية، مدعمة بقوات جيش الدفاع الوطني ومقاتلي حزب الله اللبناني ومقاتلي «لواء أبو الفضل العباس» من جهة ومقاتلي الكتائب الإسلامية المقاتلة من جهة أخرى، على أطراف بلدة بيت سحم من جهة مطار دمشق الدولي. وأوقعت الاشتباكات خسائر بشرية في صفوف الطرفين.
وفي العاصمة دمشق، دارت اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية ومقاتلي المعارضة على أطراف حي جوبر، بالتزامن مع قصف نظامي استهدف الحي. وفي محافظة حمص، وسط سوريا، دارت اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية ومقاتلي المعارضة في محيط بلدة الكم، ذات الغالبية الشيعية وأطراف بلدة تلبيسة، التي استهدفها القصف النظامي. كما حصلت اشتباكات عنيفة في مزرعة اصمد بريف حمص الشرقي، التي تعتبر خط الدفاع عن قرية تل جديد التي يقطنها مواطنون من الطائفة العلوية والإسماعيلية، انتهت بسيطرة المعارضة.
وبريف حماه، أعلن مقاتلو المعارضة سيطرتهم على بلدتي البرغوتية والعصافرة بريف حماه، خلال معركة «قادمون»، وفق الهيئة العامة للثورة السورية، بالتزامن مع اشتباكات أخرى على جبهة بلدة البوبلايا وقصف الطيران المروحي لأحياء مدينة كفرزيتا بالبراميل المتفجرة.
ومن جهة اخرى قالت مصادر في «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» إن لقاء سيجمع وفدا مصغرا من أعضائه بنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف في جنيف اليوم، لبحث الاستعدادات لعقد مؤتمر «جنيف 2» للسلام الخاص بسوريا.
وأوضحت أن «الائتلاف لن يشارك في المفاوضات من أجل حل النزاع في سوريا من دون ضمانات دولية لتنفيذ مقررات «جنيف 1».
ويلتقي الأمين العام للائتلاف الوطني السوري بدر جاموس، وأعضاء الائتلاف عبد الحكيم بشار وعبد الأحد اصطيفو ونذير الحكيم، في جنيف اليوم، نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، للتباحث معه حول عقد مؤتمر «جنيف 2» المرتقب أواسط الشهر المقبل. كما يلتقي الوفد ممثلا عن الجانب الأميركي، والمبعوث الدولي والعربي في سوريا الأخضر الإبراهيمي.
وأوضحت تقارير إعلامية أمس أن «الوفد سيسعى للوصول إلى ثوابت مشتركة حول الخطوة التالية التي يمكن أن يخطوها الائتلاف باتجاه الحل السياسي، وباتجاه المشاركة في المؤتمر». وقال المتحدث باسم الائتلاف الوطني المعارض لؤي صافي لـ«الشرق الأوسط» إن الهدف من هذه اللقاءات التحضير لمؤتمر «جنيف 2»، موضحا أن «المعارضة لا تريد أن تذهب إلى المفاوضات من دون ضمانات دولية تلزم النظام بتنفيذ المقررات التي ستفضي عن المؤتمر».
وأكد صافي «ضرورة التوصل إلى توافق مع مختلف الأطراف حول مطالبنا التي تتمحور حول الالتزام الكامل من قبل النظام ببيان «جنيف 1» وإجراء خطوات أساسية كإطلاق المعتقلين وإيقاف أعمال القتل ضد المدنيين. وتنص بنود «جنيف 1» على تشكيل سلطة انتقالية تتألف من النظام السوري والمعارضة دون دور واضح للرئيس السوري بشار الأسد.
ونسق الوفد مع رئيس الائتلاف أحمد الجربا، الذي يجري جولة خليجية، حول تفاصيل الزيارة والرؤية الأساسية للائتلاف حول «جنيف 2»، التي حددها اجتماع الهيئة العامة الأخير، وفق المصادر ذاتها.
وبحث الإبراهيمي أمس عقد «جنيف2» مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في جنيف. ومن المتوقع أن يجتمع الإبراهيمي مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري في وقت لاحق.
ورغم الجهود الدولية لبدء المحادثات لا تبدي المعارضة ولا القوات الموالية للأسد استعدادا لإلقاء السلاح. ويسبق هذه الاجتماعات لقاء ثنائي غدا (الاثنين) في جنيف بين بوغدانوف ومساعدة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان بحضور الإبراهيمي.
وكانت الهيئة العامة للائتلاف وافقت على حضور مؤتمر «جنيف 2»، على أن يؤدي إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة، بما فيها الصلاحيات الرئاسية والعسكرية والأمنية، إضافة إلى عدم وجود أي دور للرئيس السوري بشار الأسد ومساعديه في المرحلة الانتقالية. وأشارت الهيئة في رؤيتها إلى أن انتقال السلطة منصوص عليه في بيان «جنيف 1»، وفي قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118، الذي تبنى بيان جنيف، ودعا إلى عقد مؤتمر دولي لتطبيقه.
وسبق لكل من بدر جاموس وفاروق طيفور أن التقيا بنائب وزير الخارجية الروسية في إسطنبول في لقاء قصير، وقال جاموس حينها إنه «من الأولويات التركيز على ما يجري على الأرض من أوضاع إنسانية في المناطق التي يحاصرها النظام، ولفت الأنظار إلى ازدياد عنفه وإجرامه كلما اقترب (جنيف 2)»، مشددا على «ضرورة إنهاء مأساة الشعب السوري، لكن ضمن محددات الائتلاف ورؤيته التي لن تسمح ببيع دماء السوريين».
في حين قال بيان لوزارة الخارجية الروسية بعد اللقاء إن بوغدانوف بحث في إسطنبول مع جاموس وطيفور الوضع الإنساني في سوريا، وجرى البحث في التحضير لمؤتمر «جنيف 2»، في ضوء موافقة الائتلاف على المشاركة فيه.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.