«فيسبوك» يحقق ديمقراطية الشعر

رسخ الشعراء المتميزين وفتح الباب لهواة الخواطر والمدونات

«فيسبوك» يحقق ديمقراطية الشعر
TT

«فيسبوك» يحقق ديمقراطية الشعر

«فيسبوك» يحقق ديمقراطية الشعر

فرضت «الميديا» ثقافتَها وتقاليدها، ومع التطور الهائل في علوم التكنولوجيا والإنترنت، اتسع فضاؤها المفتوح، وأصبح قوتاً يومياً من الصعب الاستغناء عنه، أو تنحيته جانباً، لا سيما في ظل عالم أصبح يموج بالتحولات والتغيرات وإقامة الحدود والحواجز التي تحدّ من حرية الإنسان والتعبير عن آرائه وأفكاره بشكل حر.
لكن هناك من يرى أن «الميديا» بإيقاعها اللاهث المتغير تنتج ثقافةً عابرةً لا يمكن أن تؤصل لأشكال وأنماط معينة، خصوصاً في مجال الأدب والفن.
ظاهرة شعراء «الفيسبوك»، لا تنفصل عن هذا الجدل... هل هم شعراء فعلاً؟ هل ما يكتبونه شعر؟ هل نجح قسم منهم في تقديم قصيدة ناضجة فنياً؟ هل أصبحوا جزءاً من المشهد الشعري العربي؟ أم أن كتاباتهم مجرد «خواطر» يبثها أصدقاء لأصدقاء؟ ولماذا الشعر فقط؟ لماذا لا نقرأ قصةً قصيرةً مثلاً في وسائل التواصل الاجتماعي؟!
«الشرق الأوسط» استطلعت في هذا التحقيق آراء عدد من الشعراء والشاعرات ينتمون لأجيال وتيارات مختلفة، لكن «الفيسبوك» أصبح الحاضن الأساس لنصوصهم وأفكارهم حول الشعر وقضاياه.
الشاعر صلاح اللقاني، أحد أبرز شعراء السبعينات في مصر، يرى أن «تقنية (الفيسبوك) تمثل في حياتنا الفكرية المعاصرة أكبر ديمقراطية ثقافية وسياسية في العصر الحديث»، لافتاً إلى أنها «أتاحَتْ للمرة الأولى في التاريخ إمكانية التعبير عن الرأي ونشره دون تدخل من أحد، ودون محظورات في الغالب، وذلك للجميع، ودون استثناء. هذه الإتاحة، وتلك الديمقراطية، وهذا الفضاء حدد مثلما مكّن شكلاً للتعبير يعتمد على التركيز الشديد، والتوهج، وكراهة الإطناب والحشو. ومثلما جمع هذا الفضاء الراسخين في العلم والمعرفة، فقد أضاف لهم أعداداً هائلة من متوسطي الحال في توقد الذهن، وما خبروه من معارف، ومن تجارب الحياة، وأعداداً أخرى من حرافيش المجتمع وعابري سبيله».
يضيف اللقاني متابعاً: «إذا كانت أسئلة الواقع، وأسئلة الوجود، مطروحة على الجميع فقد أسهم الجميع بإجاباتهم على قدر فهمهم. وتصادف في هذا الفضاء الجاذب للمكثف والمتوهج والجارح كشفرة الموسى أن كان الشعر أقربَ الفنون ملاءمةً له، ومجانسةً لإطاره. ومثلما كان هذا الفضاء السيبراني متنفَّساً لكبار الشعراء، فإنه كان مجالاً لكل من يقرزم الشعر، ومن قطع فيه شوطاً ما. وتصادف أن تتوفر تلك الوسيلة في اللحظة التي احتلَّتْ فيها قصيدة النثر المتن الشعري، فكان الاقتراب من عالم الشعر دون تهيُّب فرضه العروض زمناً طويلاً».
ويخلص صاحب ديوان «ضل من غوى وسر من رأى»، بقوله: «لم يصنع (الفيسبوك) شعراءً جدداً، إنما عرف بالشعراء راسخهم ومحدثهم من خلال وصوله لأعداد لم يحلم بها الشعراء من قبل. ومن خلال عملية تفاعل بين التقنية والقصيدة، والشاعر فإن شكل القصيدة اتسع للتوقيعات وللومضة وللقطعة المركزة بشكل غير مسبوق، كما أن المزاج العام للتلقي صار ضيِّق الصدر بالمطولات والملاحم. إن (الفيسبوك) لا يصنع شاعراً، ولكنه يؤثر في الشعراء، وفي القصيدة شكلاً وأسلوباً».
وتقول الشاعرة بهية طلب، إحدى البارزات في موجة التسعينات الشعرية: «لا أعتقد بشعرية هؤلاء الشعراء؛ فهي مجرد خواطر فعلاً تتوافق مع المتابعين لهم وحالاتهم التي لا يملكون ترجمتها إلى كلمات، ويستطيع هؤلاء صفَّها داخل لغة ركيكة وتراكيب بسيطة يصدق المتابعون أنها تعبر عنهم. أنا أتابع صفحات الكتب والقراءة على (الفيسبوك)، والكتب التي يقرأها الشباب مثلاً ويعيدون تذكير الآخرين بقراءتها، لا تختلف عن هذه الكتابات لشعراء (الفيسبوك)، فليس بها أي ملمح جمالي أو رؤية فلسفية أو عمق ما، ولكنهم ينجذبون إليها لأن هذه حدود ثقافتهم الآنية؛ فهم جيل أغاني المهرجانات، وكل ما يمكن أن يؤخذ سريعا (كساندوتش البرغر)». وتخلص صاحبة ديوان «قبل هروب أنجلينا جولي»، قائلة: «هذا هو السر... إنهم لا ينشرون على الصفحات قصصاً؛ فهذا تطويل يحتاج إلى وقت لاستيعابه، أما بخصوص أن أحدهم أنتج قصيدة جيدة أو في سبيله لإنتاجها، فالمسألة تحتاج إلى متابعة لهذا النوع من الكتابة ولعدة سنوات حتى نتأكد إن كان سيخطّ خطّاً في الشعرية العربية، أو أن ما يحدث هو كالزبد يذهب جفاء؟!».
ويرى الشاعر محمد القليني، أحد أبرز شعراء قصيدة النثر، أن «الفيسبوك» وجبة خفيفة، متفقاً ضمنياً مع ما سبق، وعلى حد قوله: «في قاع البحر يتناثر الحصى، لكن هذا لا يمنع من وجود بعض الشعاب المرجانية الجميلة. (الفيسبوك) بحر واسع، يتناثر داخله كثير من الشعراء الذين يقدمون نصوصاً متشابهة وعادية ولا تدفع عجلة المشهد الشعري إلى الأمام، لكن أيضاً - لو دققنا - سنجد شعراء حقيقيين لديهم من الوعي ما يجعلهم يقدمون نصوصاً مفارِقة. وعن نفسي أتعامل مع (الفيسبوك) باعتباره مجردَ وجبة خفيفة، فهو لا يصنع ثقافة شعرية كبيرة، الثقافة في الكتب والاحتكاك الإنساني المباشر... لكنه - ككل شيء - صاحب وجهين: وجه إيجابي، وآخر سلبي».
ولا يخلو «الفيسبوك» من إيجابيات، فكما يرى صاحب ديوان «أركض طاوياً العالم تحت إبطي» الحاصل على عدد من الجوائز أن «من إيجابياته طيّ المسافات... الشعر يسافر بلا جواز سفر، وينتقل من يد الشاعر إلى عيني القارئ في اللحظة نفسها، بلا وسطاء يحتكرونه، أو دور نشر تفشل في توزيع كتبه، ومن عيوبه أنه جعل الكتابة متاحة للجميع، وجعل (الفضفضة) شعراً، ولا مشكلة لدي في أن يكتب من يشاء ما يشاء، المشكلة تكمن في الاسم الذي يطلقه على ما يكتبه، فالشعر له مواصفات معينة، وليست كل كتابة شعراً. لكن تجدر الإشارة إلى أن (فيسبوك) في حياة الشعراء أصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وربما (بمرور الوقت) يصبح بديلاً عن الكتب، ويصبح هو المشهد الشعري بالكامل، لكن إلى هذه اللحظة فهو يعج بشعراء يكتبون ما يمكن أن نسميه (فضفضة) أو (خواطر)، أما الشعراء الذين يقدمون نصوصاً ناضجة تجعلهم جزءاً من المشهد الشعري العربي فهم قلة قليلة لا تكاد تُرَى إلا بعدسة مكبرة».
أما الشاعر الناقد خالد حسان، صاحب أطروحة مهمة حول قضايا قصيدة النثر، حصل بها على الماجستير أخيراً، فيبدي قلقه من مصطلح «شعراء الفيسبوك» قائلاً: «لا أطمئن كثيراً لمصطلح (شعراء الفيسبوك) وأشم من ورائه رائحة تهكُّم لوصف مجموعة من الشعراء بالسطحية من خلال اللهاث وراء أعداد (اللايكات) على موقع (فيسبوك)».
يتابع حسان: «لقد ارتبط الشعر أخيراً بموقع (فيسبوك)، وذلك لسهولة النشر، فبالضغط على زر واحد في لوحة المفاتيح يمكن لآلاف من البشر أن يشاهدوا قصيدتك ويتفاعلوا معها، يمكن لقصيدتك أن تدخل في أي مكان وتسافر إلى كل بلاد العالم ليقرأها القاصي والداني في لمح البصر. لقد أصبح (فيسبوك) بمثابة نافذة نشر لجيل كامل من الشعراء ربما لم يجدوا طريقاً إلى النشر الورقي، كما أنه ساعد كثيرين على الانتشار والوصول إلى عدد لا بأس به من الجمهور على مستوى عربي أوسع، أتاح (فيسبوك)، كذلك وجود الجماعة المرجعية التي هي جزء لا يتجزأ من حياة أي مبدع؛ فحضور الأصدقاء والمتابعين على (فيسبوك) ومشاركاتهم وتعليقاتهم يقوم بدور سحري في تحفيز الشاعر ودفعه إلى الكتابة».
وبعين الناقد يؤكد حسان أن «(الفيسبوك) ساعد على إيجاد مناخ شعري حقيقي، ظهر من خلاله شعراء حقيقيون لم نكن نسمع عنهم. وأيضاً فتح الباب على مصراعيه أمام كل من هب ودب ليقول أي شيء ويسميه شعراً. ولكن أعتقد أن هذه ظاهرة صحية طالما ليس هناك اتفاق في أي مستوى على ما يمكن أن نطلق عليه شعراً، وهكذا يبقى فتح باب التجريب هو المعول عليه».
وبرمزية ديوانها النثري الجديد الشيق «الرقص فوق الماء» تقول الشاعرة منال محمد علي: «عندما تريد للماء أن يصل بين يديك وتحت ناظريك يروح ويجيء بين شفاهك بلا حدود ولا قيود، بل مجاني تماماً تطلبه ليلاً أو نهاراً، هذا هو الشعر الذي صادف وسيلة فائقة السرعة للنشر، وما اصطلح على تسميته بوسائل التواصل الاجتماعي. يمكننا الآن أن نضبط إيقاع التطور في شكل القصائد عالمياً فكل تطور وشكل للإبداع جديد في العالم يولد أمامك، تستطيع أن ترى المأساة شعراً وقت حدوثها، فالحرب أيضاً والمعاناة يترجمها الشعر. هذه الوسائل استطاعت في غضون سنوات أن تختصر المسافات وتؤلف بين قلوب البشر... فهنا تولد الصداقات والمحبات، وتستطيع أن تتعرف على أجيال سبقتك في الإبداع وغيرها مقبلة في البعيد لم تزل تنبت بين جنوب الصغار».
تتابع منال: «(الفيسبوك) كوسيلة للتواصل الاجتماعي هي الآن الناشر الأفضل والأسرع رَشَّحت الكثيرين ممن منعتهم ظروف الحرب وفوضى البلاد من النشر أو حضور المؤتمرات أو التواصل بالمعارض الدولية للكتاب للشهرة والمحبة والمتابعة، اختصرت ذلك كله. فهناك من تقرأ له من مبدعي العراق وشعرائها وكذلك اليمن وسوريا ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب والسعودية، وفرنسا وألمانيا وأميركا والهند والمكسيك، وغيرها من أقطار العالم... هناك من يكتب ويقرأ العربية في كل بقاع الأرض وهناك الناشر الإلكتروني الذي بات يستمد معرفته بالمبدعين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي فنبتت مواقع إلكترونية تخصصت في النشر الأدبي، جذبت الكثيرين من الشعراء والكتاب».
وتلفت منال إلى الدعاية كملمح مهم يقدمه «فيسبوك»، حيث أصبحت هذه الوسائل تقدم الدعاية للكتاب المصدر وكذلك حفلات المناقشة والتوقيع وجميع المناسبات الأدبية حتى إن المعارض الدولية للكتاب باتت تحفل بالدعاية عبرها ليحضر الفعاليات الكثير من المبدعين والرواد وكذلك من يهتمون بالكتابة، كما تنشر ما كتب حول الكتاب من دراسات نقدية، والترجمات من اللغات الأخرى للعربية والعكس، فباتت محفلاً أدبياً شديد الالتصاق بيومنا وكل ما تمر به البشرية من حب وصراعات، كما قدمت البديل الأسرع والعملي للكتاب الورقي الذي يصادف نشره كثير من الصعوبات.
ويربط الشاعر مؤمن سمير الأمر كله بالماضي قائلا: «كان لإنسان الكهوف تصاوير وتهويمات شعرية، ثم تَمَشَّى الشعر مع الإنسان عبر سنواته الطويلة ملازماً ومصاحباً فريداً ولأن الشعر كائنٌ يدرك حتمية مرونته كان لا بد أن يبدل مراياه كل فترة الشعر الذي يتوق للحرية بعد حبسه طويلاً في الذاكرة أو على الأحجار أو على الورق ارتاح للواقع الافتراضي، الذي يتماهى معه من زاوية مخاتلته ومروره الضوئي بين الأنواع والأشكال والمشاعر».
ويلفت صاحب ديوان «بلا خبز ولا نبيذ» إلى أنه «عبر هذه النافذة أتاح (فيسبوك) لشعراء كبار أن يصلوا لأجيال وجغرافيا كانت بعيدة، مثل نصيف الناصري وصلاح فائق، وأتاح لشعراء غائبين أن تحفزهم فكرة التدوينات اليومية فعادوا إلى تجاربهم أو طوروها، كما أدخل شعراء صغاراً مضمار التجربة بلعبة التفاعل وفي المجمل أعاد ترتيب وتصنيف الأجيال، وكَشَفَ وأضاف ونَقَضَ وأعاد هيكلة مشهد الشعر العربي ونَكَزَ أسئلة الشعر الدائمة بشكل أكثر حيوية، وبشكل طبيعي هناك خواطر وكتابات لا تصمد أمام الفرز الدائم والمستمر كما أن هناك غثاً يَثْبُتْ كعظيم ولكن وسط أشباهه.هذا عكاظٌ عصري لا تغيب عنه القصة لكنها تظهر كَظِلٍ للشعر الأسرع في التلقي والولوج إلى الروح، الذي سيحكي دائماً عن رسوخ موقعه في الثقافة والوعي والذاكرة».


مقالات ذات صلة

«ميتا» تعلن نتائج قوية وتكشف إنفاقاً ضخماً على الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد تظهر تطبيقات «فيسبوك» و«ماسنجر» و«إنستغرام» و«واتساب» على شاشة هاتف ذكي تعكس شعار تطبيق الذكاء الاصطناعي «ميتا» (د.ب.إ)

«ميتا» تعلن نتائج قوية وتكشف إنفاقاً ضخماً على الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «ميتا بلاتفورمز»، المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، عن نتائجها المالية للربع الرابع، والتي جاءت متفوقة على توقعات المحللين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
تكنولوجيا «ميتا» قالت إن الخطوة ستساعد في تحسين قدراتها في الذكاء الاصطناعي من خلال إتاحة ما يُعرف بـ«الوكلاء» للمستخدمين(رويترز)

«ميتا» تختبر اشتراكات مدفوعة لـ«إنستغرام» و«فيسبوك» و«واتساب»

تستعد شركة «ميتا»، عملاق التكنولوجيا، لتجربة إطلاق اشتراكات مدفوعة لمستخدمي «إنستغرام» و«فيسبوك» و«واتساب» خلال الأشهر المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العلامة التجارية لشركة «ميتا» (أ.ف.ب)

بسبب الحظر… «ميتا» تحذف 540 ألف حساب في أستراليا

أعلنت شركة «ميتا»، اليوم الاثنين، أنها عطّلت أكثر من نصف مليون حساب بأستراليا نتيجة أول حظر في العالم لوسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق قطاع السياحة المصري يروّج لمقاصده (المتحف المصري بالتحرير على «فيسبوك»)

الحكومة المصرية تلجأ لمؤثري «السوشيال ميديا» للترويج لأنشطتها وحل الأزمات

الاستعانة بالمؤثرين تتركز غالباً في الوزارات الخدمية التي تتطلب دعاية واسعة وانتشاراً جماهيرياً أكبر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

دراسة جديدة: «فيسبوك» يتصدر منصات الاحتيال الرقمي عالمياً

أصبحت منصة «فيسبوك» الآن مسؤولة عن الغالبية العظمى من عمليات الاحتيال على وسائل التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».