تاريخ الآداب الفرنسية منذ عصر النهضة وحتى اليوم

كتاب موسوعي مؤلف من ثلاثة أجزاء وساهم في تأليفه ثلاثون باحثاً

فولتير - فرنسيس بيكون
فولتير - فرنسيس بيكون
TT

تاريخ الآداب الفرنسية منذ عصر النهضة وحتى اليوم

فولتير - فرنسيس بيكون
فولتير - فرنسيس بيكون

اسمحوا لي بأن «أثرثر» قليلا على هامش هذا الكتاب الموسوعي الضخم المؤلف من ثلاثة أجزا،ء والذي ساهم في تأليفه ما لا يقل عن ثلاثين باحثا من أساتذة الجامعات الفرنسية. إنه يدعى: تاريخ فرنسا الأدبية. وهو يستعرض تاريخ الآداب الفرنسية منذ عصر النهضة وحتى اليوم، لكن بالمعنى الواسع لكلمة أدب. فهو يضم التيارات الفلسفية والفكرية، بل والسياسية أيضا. وقد أشرف عليه كل من الباحثين جان شارل دارمون وميشيل ديلون. والأول هو أستاذ في جامعة سان كانتان وعضو المعهد الجامعي الأعلى لفرنسا. وأما الآخر فهو أستاذ الآداب الفرنسية في السوربون. ويتحدث الكتاب في أحد أجزائه عن معارك المفكرين في عصر التنوير، ويقول: لا ريب في أن الحركة الانتقادية للعقائد المسيحية كانت قد ابتدأت في القرن السابع عشر، لكنها لم تبلغ ذروتها إلا في القرن الثامن عشر: أي عصر التنوير الكبير. فالمفكر الفرنسي ريشار سيمون طبّق النقد التاريخي على التوراة والإنجيل منذ عام 1698، أي في أواخر القرن السابع عشر، ودشن بذلك حقبة جديدة في التنوير الديني العقلاني. وكشف عن العلاقات الكائنة بين هذه النصوص والتاريخ بكل ملابساته اللغوية والاجتماعية والثقافية. فالنصوص الدينية لها علاقة بالتاريخ أيضا، وليست فوق التاريخ إلا بمقاصدها الروحية والأخلاقية السامية. لكنه أثار عليه حقد التيار الأصولي في المسيحية، فحاربوه وحاصروه إلى درجة أنه اضطر في آخر حياته بعد أن تجاوز السبعين إلى حرق مخطوطاته في البرية؛ خوفا من أن يكبسوا عليه ليلا ويجدوها عنده ويتهموه بالكفر والضلال. لكن ريشار سيمون هذا يظل رجل دين ولا يتحدث عن المسيحية من الخارج كما سيفعل فلاسفة التنوير لاحقا، وإنما من الداخل. ومع ذلك؛ فقد لاحقته الكنيسة ومحاكم التفتيش ونغّصت عيشه. فما بالك بالآخرين؟ والواقع أن «الإخوان المسيحيين» راحوا يلاحقون كل أتباع الأفكار الجديدة المتولدة عن الفلسفة الديكارتية. وراحوا يتهمونهم في إيمانهم ومعتقدهم وينعتونهم بالكفر والإلحاد، على الرغم من أن معظمهم لم يكن ملحدا أبدا، وإنما فقط مؤمنا عقلانيا: أي مستنيرا. لكن الأصولي المتعصب لم يكن يفرق بين الإلحاد والإيمان المستنير. فإما أن تؤمن مثله، أي بطريقة عمياء مغلقة وطائفية متعصبة، وإما أن يتهمك بالكفر والخروج على الدين. ولهذا السبب اضطر الكثيرون من الفلاسفة إلى الهرب من فرنسا في ذلك الزمان؛ خوفا على حياتهم. وأشهرهم فولتير الذي أمضى معظم حياته خارج بلاده. لكنه عندما عاد بعد ثلاثين عاما استقبل استقبال الأبطال. وهذه هي حالة بعض المثقفين العرب اليوم. انظر تبعثرهم في أرض المنافي والشتات من باريس إلى لندن إلى بروكسل إلى أميركا، بل وحتى أستراليا. وربما وصلوا قريبا إلى المريخ؛ خوفا من زمجرات الفضائيات ورجال الدين! ثم ظهر في أواخر عصر التنوير، أي عام 1793 كتاب مهم للفيلسوف كوندورسيه تحت العنوان التالي: رسم المخطط التاريخي للروح البشرية (1793). وفيه يقول المؤلف إن أساتذة الفكر الجديد في أوروبا هم الإنجليزي فرانسيس بيكون، والإيطالي غاليليو، والفرنسي رينيه ديكارت. فهم الذين قدموا المنهج العلمي الجديد لأوروبا. وقالوا بما معناه: منذ اليوم فصاعدا لا ينبغي علينا أن نقبل كل ما وصلنا عن تراث الأقدمين وكأنه حقائق مطلقة. هذا ما تقوله مؤلفة هذا الفصل من الكتاب على لسان كوندورسيه، وهي الباحثة نيكول جاك لوفيفر، الأستاذة في جامعة باريس - نانتير حاليا. ثم تردف قائلة على لسان كوندورسيه: لا ينبغي على الإنسان الأوروبي بعد اليوم أن يصدق كل ما جاء في كتب التراث المسيحي وكأنها حقائق مطلقة، معصومة. لا يكفي أن يقول المطارنة والخوارنة أو حتى البابا شيئا لكي نصدقه فورا. وإنما ينبغي أن نضع كل هذه المقولات والفتاوى على محك الغربلة والتمحيص والنقد العقلاني لكي نكشف عن صحتها أو خطئها. فالله زوّد الإنسان بالعقل لكي يستخدمه لا لكي يلغيه كما يجبرنا على ذلك المتزمتون الأصوليون في المسيحية. فهم يحشون عقول عامة الشعب حشوا بأفكار التواكل، والتسليم، والغيبيات، والخرافات، والمعجزات. وهكذا يساهمون في إلغاء عقولهم: أي أفضل ما أعطاه الله لهم. ثم تردف المؤلفة قائلة: في الواقع أن رينيه ديكارت كان أول من أقام التمييز بين الاعتقاد الديني- والمعرفة العلمية العقلانية. وقد جاء ذلك في كتابه الشهير: تأملات ميتافيزيقية. وهو كتاب صدر لأول مرة عام 1641: أي في النصف الأول من القرن السابع عشر. وبالتالي، فديكارت هو أستاذ كل فلاسفة التنوير في فرنسا من فولتير، إلى ديدرو، إلى جان جاك روسو، إلى كوندورسيه إلى عشرات الآخرين. فديكارت هو الذي دشّن الثورة الراديكالية في تاريخ الفكر الفرنسي والأوروبي كله. وكان ذلك عندما نصّ على المبدأ الأساسي التالي: ينبغي علينا أن نفكك كل التصورات والأفكار الموروثة عن الأقدمين إذا ما أردنا أن نؤسس معرفة علمية دقيقة بالظواهر والقضايا أيا تكن. لا يكفي أن يقول رجال الدين شيئا ما لكي يصبح صحيحا بشكل أوتوماتيكي. ونحن نقول على أثره ما يلي: لا يكفي أن يكرر مشايخنا على الفضائيات نفس الكلام الخرافي صباحا ومساء لكي يصبح حقائق منزلة. فرجال الدين بشر في نهاية المطاف. ولا عصمة إلا لله. وكفانا جهلا وجهالات!
وبالتالي، فالمعرفة بالنسبة لديكارت كانت تتألف من حركتين: الأولى سلبية، والثانية إيجابية. في الأولى نتخلص من معظم الأفكار القديمة التي تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا أو تشرّبناها مع حليب الطفولة في البيت والعائلة والكنيسة وحتى المدرسة. وبعد أن ننجح في هذه العملية الصعبة والخطرة يمكننا أن ننتقل إلى المرحلة الإيجابية ونشكل المعرفة الجديدة الصحيحة بالظواهر والقضايا. وبالتالي، فينبغي أن تهدم قبل أن تبني، أن تدمر قبل أن تعمّر. وهذا ما لا يفهمه المثقفون العرب حتى اليوم أو قل جلهم. فهم يعتبرون ذلك تدميرا للتراث! ونحن نرد عليهم قائلين: كل القيم الأخلاقية والروحية لتراثنا العربي الإسلامي العظيم لن تهدم أبدا، ولن يمسها أحد. فقط أفكار التعصب والتزمت والتمييز الطائفي بين الناس سوف تتعرض للنقد والتفكيك.
على أي حال، فإن هذا الكلام الديكارتي النقدي اعتبرته الأصولية المسيحية بمثابة تدمير لها؛ ولذلك حاربت الفلسفة الديكارتية، بل ووضعت كتبها على لائحة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان. بمعنى أنه لا يحق لأي متدين مسيحي بعد اليوم أن يقرأها أو يقتنيها في بيته؛ لأنها ضد الإيمان والعقيدة. إنها رجس من عمل الشيطان وسيعاقب الله كل من يهتم بها أو حتى يفتحها مجرد فتح! وبما أن الكثيرين كانوا يطيعون وصايا البابا والكنيسة في ذلك الزمان فإنهم امتنعوا عن قراءة الفلسفة الديكارتية. لكن الكثيرين أيضا قرأوها وبخاصة في أوساط النخبة المثقفة. والواقع أنهم وحدهم كانوا القادرين على قراءتها وفهمها والاستفادة منها لأن أغلبية الشعب الفرنسي آنذاك كانت أمية لا تحسن القراءة أو الكتابة. وربما زاد منع الكنيسة لها من إقبال المثقفين عليها طبقا للمثل القائل: كل ممنوع مرغوب. فهم يريدون أن يعرفوا ماذا فيها ولماذا منعت يا ترى؟ وترى الباحثة المذكورة أن التصديق الأعمى على المقولات التراثية أو التسليم بكل ما قاله القدماء لم يعد واردا بالنسبة للمثقفين المستنيرين في ذلك الزمان. فهم يريدون أن يتفحّصوا كل شيء على ضوء العقل لمعرفة فيما إذا كان صحيحا أم لا، ويريدون أن يغربلوا كل الأفكار والعقائد القديمة بعد وضعها على محك العقل والتجربة العملية. فما أثبتت التجربة صحته آمنّا به وما لم تثبته طرحناه وتركناه، حتى ولو كان صاحبه من أعظم القديسين في العصور الخوالي أو من أكبر رجال الدين. فلا يكفي أن يكون صاحب المقولة شخصا كبيرا شهيرا في تاريخ الكنيسة لكي نصدق فورا مقولته ونأخذها على حرفيتها كما تفعل عامة الشعب مع أقوال الباباوات ورجال الدين الكبار، وإنما ينبغي أن نغربل كل ذلك لفرز الصحيح عن الخاطئ. هذا ما يقوله البارون دولباك، أحد فلاسفة التنوير الراديكاليين، في كتابه الشهير: نظام الطبيعة. وهو كتاب مضاد كليا للعقائد التقليدية، ولا يعترف إلا بالعلم والتجربة العلمية المحسوسة لفهم نظام الطبيعة وظواهرها. ولذلك؛ وُضع كتابه أيضا على لائحة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية، وحاربوه محاربة شديدة بعد أن أصدروا الفتاوى اللاهوتية بتكفيره. ولكن البارون دولباك تطرف في الاتجاه المعاكس للتيار الأصولي، وتحول إلى مادي إلحادي محض. ولهذا السبب أدانه فولتير وجان جاك روسو اللذان دشنا التنوير المؤمن في الثقافة الفرنسية.
على هذا النحو اندلعت الحرب بين الفلسفة - والخرافات الدينية في الثقافة الفرنسية إبان عصر التنوير. وعلى هذا النحو أيضا راح الفلاسفة يحاربون أفكار التعصب الطائفي أو المذهبي التي كانت منتشرة آنذاك في صفوف الشعب كثيرا. ومعلوم أن معظم الدول الأوروبية كانت منقسمة طائفيا إلى قسمين كبيرين: قسم كاثوليكي تابع لبابا روما والفاتيكان، وقسم بروتستانتي يكره البابا كرها شديدا بل ويلعنه ويشتمه. وعلى الرغم من أن كلا المذهبين كانا مسيحيين ويؤمنان بيسوع المسيح والإنجيل، إلا أن بعض التفاصيل العقائدية أو اللاهوتية كانت تفرق بينهما. والشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال. ولذلك؛ كان الكره شديدا بين أتباع المذهب الكاثوليكي وأتباع المذهب البروتستانتي. وقد جرت مجازر كثيرة بين الطرفين. وضد هذا التعصب نهض فلاسفة التنوير لكي يجتثوا الأفكار المتعصبة والطائفية من جذورها. وقد نجحوا في العملية، لكن بعد صراع طويل ومرير... والحداثة الأوروبية كلها ليست إلا ثمرة لهذا الصراع التاريخي.
أخيرا، نلاحظ أن المجتمعات العربية دخلت الآن الصيرورة التاريخية نفسها التي شهدتها المجتمعات الأوروبية قبل قرنين أو ثلاثة عندما واجهت أصوليتها الذاتية و«إخوانها المسيحيين». فنحن أيضا أصبحنا مدعوين لغربلة عقائدنا القديمة ومقولاتنا التراثية التي علاها الغبار وصدئت من كثرة التكرار والاجترار. هذا ناهيك عن الفتاوى التكفيرية التي أصبحت تشكل خطرا على سلام العالم. كل هذه الأفكار المتطرفة الجاهلة ينبغي أن تُراجع وتُنقد إذا ما أردنا أن نتصالح مع العالم الذي نعيش فيه. ولكنها للأسف لا تزال تمثل حقائق مطلقة بالنسبة لعموم الشعب المتدين: أي لتسعين في المائة من العرب والمسلمين. إنهم يتشربونها تشربا. أما العشرة في المائة المتبقية من علية القوم ونخبة المثقفين المتنورين فماذا تستطيع أن تفعل أمام تسعين في المائة من جحافل الشعب؟ الكفة مختلة وغير متوازنة على الإطلاق. من هنا خطورة الوضع الحالي وصعوبة مواجهة الإخوان المسلمين وجحافل «داعش» والداعشيين. باعتراف القرضاوي نفسه، فإن إبراهيم البدري، أي ما يدعى بالخليفة البغدادي كان إخوان مسلمين. وهو يعرف عما يتحدث بالضبط لأنه شيخهم الأكبر. كلهم خرجوا من رحم هذه الجماعة التي كانت وبالا على العرب والمسلمين منذ تأسيسها عام 1928 وحتى اليوم. لقد دمرت المستقبل العربي بسبب هذا التفسير التوتاليتاري الإرهابي لرسالة الإسلام السمحة. لقد قلبت الإسلام على نفسه أو عكسته ضد ذاته كما يقول المفكر الفرنسي المسلم إريك (يونس) جوفروا، الأستاذ في جامعة ستراسبورغ. وقد أسلم حبا بالتراث الروحاني والقيم الأخلاقية والإنسانية العالية للإسلام.. ولكن الجماعة المذكورة أفقدت الدين الحنيف كل شفقة أو رحمة أو نزعة إنسانية على الرغم من أنه يبتدئ دائما بالآية الكريمة: بسم الله الرحمن الرحيم. فكيف تحول دين السماحة والرحمة إلى «بعبع» خطير يرعب الآخرين؟ يضاف إلى ذلك أنهم هم الذين دشنوا عصر الاغتيالات والتفجيرات العمياء وكل أنواع العنف اللاهوتي في تاريخنا الحديث.



دراسة: جواز سفرك قد يحمل بكتيريا أكثر من حذائك

جوازات سفر (أرشيفية - أ.ف.ب)
جوازات سفر (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

دراسة: جواز سفرك قد يحمل بكتيريا أكثر من حذائك

جوازات سفر (أرشيفية - أ.ف.ب)
جوازات سفر (أرشيفية - أ.ف.ب)

كشفت دراسة جديدة أن جواز السفر قد يكون أكثر أغراض السفر التي تحمل البكتيريا مقارنة بالأحذية، والحقائب، وحتى الهواتف الجوالة.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، ففي الدراسة، التي أجريت بتكليف من شركة «جيه آر باس JRPass»، المزودة لتذاكر السفر اليابانية، قام الباحثون بأخذ مسحات من عدة أغراض سفر شائعة، ثم فحصوا العينات لقياس مستويات البكتيريا بها، باستخدام وحدة تكوين المستعمرة البكتيرية (CFUs)، وهي وحدة قياس تُستخدم لتقدير عدد الخلايا البكتيرية أو الفطرية الحية القابلة للتكاثر.

ووجد فريق الدراسة أن جوازات السفر تحتوي على نحو 436 وحدة تكوين مستعمرة بينما جاءت حقائب السفر في المرتبة الثانية بـ97 وحدة، تليها الأحذية بـ65 وحدة، والحقائب اليدوية بـ56 وحدة، والهواتف بـ45 وحدة، والسترات بـ15 وحدة.

وقالت الدكتورة بريمروز فريستون، الأستاذة المشاركة في علم الأحياء الدقيقة السريري بجامعة ليستر، إنه كلما زاد تداول جواز السفر بين أيدي أشخاص مختلفين، زادت كمية وتنوع البكتيريا والفطريات وحتى الفيروسات التي تتراكم على سطحه.

وأشارت فريستون إلى أن يد الإنسان تحمل بكتيريا طبيعية، ولكن عندما يلمس الناس الأشياء في الأماكن المزدحمة كالمطارات، فإنهم يلتقطون أيضاً ميكروبات تركها العديد من المسافرين الآخرين.

وأضافت أن غسل اليدين جيداً أو استخدام مطهر كحولي بعد التعامل مع جواز السفر والأسطح المشتركة من أبسط الطرق وأكثرها فاعلية لتقليل التعرض للبكتيريا.

كما نصح فريق الدراسة بمسح الأغراض الشخصية التي تتعرض للمس كثيراً، مثل جواز السفر والهواتف ومقابض الحقائب، قبل وبعد الرحلات، وتغيير الملابس فور العودة من السفر وغسلها لمنع انتقال الميكروبات إلى المنزل.


الخدعة انكشفت... دماغكم لا ينجز مَهمَّتين في وقت واحد!

خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)
خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)
TT

الخدعة انكشفت... دماغكم لا ينجز مَهمَّتين في وقت واحد!

خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)
خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)

لا يستطيع الدماغ البشري إنجاز مَهمّتين في الوقت عينه فعلياً حتى مع قدر كبير من التدريب، بل إنه يعالج هذه المَهمّات بالتتابع كما هو معتاد، وفقاً لدراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «كوارترلي جورنال أوف إكسبيريمينتال سايكولوجي»، وأجرتها جامعة مارتن لوثر في هاله فيتنبرغ الألمانية، وجامعة التعليم عن بعد في هاغن، وكلية «ميديكال سكول هامبورغ».

وخلال الدراسة عالج المشاركون مَهمّتين حسّيتين في الوقت عينه، إذ طُلبت منهم الإشارة إلى حجم دائرة تظهر لمدّة وجيزة باستخدام اليد اليمنى، وفي الوقت نفسه تحديد ما إذا كان الصوت الذي يسمعونه حاداً أو متوسطاً أو منخفضاً. وقيست سرعة استجابتهم وعدد الأخطاء التي ارتكبوها، وكُرِّرت الاختبارات على مدار أيام.

ومع زيادة التدريب أصبح المشاركون أسرع وارتكبوا أخطاء أقل. وكان يُنظر إلى مثل هذا التأثير التدريبي لمدّة طويلة على أنه دليل على استطاعة الدماغ معالجة المَهمّات بشكل متوازٍ إذا توفّر التدريب الكافي.

وقال عالم النفس تورستن شوبرت من جامعة هاله: «هذه الظاهرة المعروفة باسم التقاسم المثالي للوقت عُدَّت لمدّة طويلة دليلاً على المعالجة المتوازية الحقيقية في الدماغ، وعلى أنّ دماغنا قادر على تعدُّد المَهمّات بلا حدود»، مضيفاً في المقابل أنّ النتائج الجديدة تشير إلى عكس ذلك.

ووفق الباحثين، فإنّ الدماغ يقوم بتحسين ترتيب خطوات المعالجة بحيث لا تعوق بعضها بعضاً بشكل كبير. وقال شوبرت: «دماغنا بارع جداً في ترتيب العمليات واحدة تلو الأخرى»، مؤكداً أنّ لهذا التقاسم المثالي حدوداً.

كما تمكن فريق البحث من إثبات أنه عند إجراء تغييرات طفيفة جداً في المَهمّات، ارتفعت نسبة الأخطاء واحتاج المشاركون إلى وقت أطول لحلِّها. وشارك 25 شخصاً في 3 تجارب أُجريت ضمن الدراسة.

وأشار عالم النفس تيلو شتروباخ من كلية «ميديكال سكول هامبورغ» إلى أنّ لهذه النتائج أهمية أيضاً في الحياة اليومية، موضحاً أنّ تعدُّد المَهمّات قد يتحوّل إلى خطر، على سبيل المثال خلال قيادة السيارة أو في المهن التي تتطلَّب تنفيذ مَهمّات متوازية كثيرة.


«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها
TT

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

لا تطيق كيت وينسلت، بطلة «تيتانيك»، أن تشاهد نفسها في هذا الفيلم الذي حطّم الأرقام القياسية وأطلقها إلى العالميّة. صرّحت مرةً لشبكة «سي إن إن» بأنّ أداءها فيه فاشل، لا سيّما لكنتَها الأميركية المصطنعة التي لا تتحمّل الاستماع إليها، وفق تعبيرها.

ليست الممثلة البريطانية الحائزة على أوسكار، وحدها من بين النجوم السينمائيين الذين ندموا على أدوارٍ قدّموها وذهبوا إلى حدّ التنكّر لها. فلا أحد معصومٌ عن سوء التقدير والاختيار، لكن في عالم التمثيل لا يمرّ الخطأ من دون تسديد ضريبة أمام الجمهور. وفي سجلّات بعض كبار الممثلين، جوائز أوسكار تصطفّ إلى جانبها جوائز «راتزي» أو «التوتة الذهبيّة»، التي تُمنح لأسوأ أداء تمثيلي.

الراتزي لبراندو وبيري

حتى مارلون براندو، أحد عظماء هوليوود، حصل على «راتزي». هو الحائز على جائزتَي أوسكار خلال مسيرته عن فيلمَي «العرّاب» و«على الواجهة البحريّة»، نال جائزة أسوأ أداء عن فيلم «جزيرة الدكتور مورو» عام 1996.

مارلون براندو عام 1996 في فيلم «جزيرة الدكتور مورو» (إكس)

غالباً ما يجري توزيع تلك الجوائز بغياب مستحقّيها، إلّا أن لدى بعض الممثلين ما يكفي من جرأةٍ كي يتسلّموها شخصياً. وهكذا فعلت هالي بيري عام 2004، عندما اعتلت مسرح جوائز الراتزي ورفعت سعفة أسوأ أداء عن دورها في فيلم «المرأة القطّة».

حرصت بيري يومها على أن يرافقها إلى المسرح مخرج الفيلم وبعض زملائها الممثلين، حيث توجّهت إليهم ممازحةً: «لتقديم أداء سيئ فعلاً كأدائي، يجب أن يكون أمامك ممثلون سيّئون حقاً». وكي تزداد اللحظة فكاهةً، حملت بيري الراتزي في اليد اليمنى أما في اليسرى فرفعت الأوسكار الذي كانت قد حصدته قبل 3 سنوات عن فيلم «Monster's Ball».

الممثلة هالي بيري حاملةً جائزتَي أفضل وأسوأ ممثلة عام 2004 (موقع راتزي)

ساندرا بولوك لم تنجُ

في ظاهرة فريدة، نالت ساندرا بولوك جائزتَي أوسكار وراتزي في العام نفسه. حصل ذلك في 2010، عندما كُرّمت الممثلة الأميركية في أهم المحافل الهوليوودية عن أدائها في فيلم «البُعد الآخر». لكن ما هي إلا أسابيع حتى مُنحت جائزة راتزي لأسوأ تمثيل في فيلم «كل شيء عن ستيف».

مثل زميلتها بيري، لم تتردّد بولوك في الحضور، وقد جلبت معها صندوقاً مليئاً بنُسَخ من الفيلم. وهي مازحت الجمهور قائلةً: «أتحدّاكم بأن تقرأوا سطوري في الفيلم أفضل ممّا فعلت».

ساندرا بولوك لدى تسلمها جائزة راتزي عن أسوأ أداء عام 2010 (أ.ب)

براد وليو

قبل أن يثبت نفسه كأحد الأرقام الصعبة في هوليوود، وقبل سنواتٍ من حصوله على أوسكار، نال الممثل براد بيت بدوره جائزة راتزي عن أسوأ أداء في فيلم «مقابلة مع مصّاص الدماء» عام 1994.

وهكذا حصل مع ليوناردو دي كابريو، الذي وصفه المخرج مارتن سكورسيزي كأحد أعظم الممثلين في تاريخ السينما. فقبل سنوات على تلك الشهادة وعلى الأوسكار الذي حصده عام 2016، كان دي كابريو قد نال جائزة أسوأ أداء عن فيلم «الرجل في القناع الحديدي».

نيكول كيدمان وكبار الزملاء

مهما بلغت بهم الخبرة والشهرة وأعداد جوائز الأوسكار، يكاد لا ينجو أيٌ من كبار نجوم هوليوود من صفعة «التوتة الذهبية». ومن بين مَن حملوا الأوسكار بيَد وحُمّلوا الراتزي باليد الأخرى، الممثلون توم هانكس، وميل غيبسون، وآل باتشينو، ولورنس أوليفييه، وليزا مينيللي، وكيفن كوستنر، ونيكول كيدمان.

وعلى قاعدة «جلّ من لا يخطئ»، يقرّ عدد كبير من الممثلين بالهفوات التي ارتكبوها ولا يمانعون في التعبير عن ندمهم على المشاركة في بعض الأفلام.

عن بطولتها فيلم «أستراليا» عام 2008، تقول الممثلة نيكول كيدمان، في حديث مع صحيفة «سيدني مورنينغ هيرالد»: «لا يمكنني أن أشاهد هذا الفيلم وأشعر بالفخر بما فعلت. لكن أظنّ أنّ زميليّ هيو جاكمان وبراندون والترز كانا رائعَين».

نيكول كيدمان في فيلم «أستراليا» الذي تصف أداءها فيه بالفاشل (موقع الفيلم)

«جيمس بوند» و«باتمان»

من قال إنّ جيمس بوند لا يخطئ؟ يكفي سؤال الممثل بيرس بروسنان للحصول على الردّ. ففي حديث مع صحيفة «تلغراف» عام 2014 صرّح الممثل المخضرم بأنه لم يشعر بالأمان عندما أدّى تلك الشخصية، وذهب إلى حدّ القول: «لا رغبة لديّ في مشاهدة نفسي كجيمس بوند، لأنّ الشعور مريع».

نجمٌ آخر من الطراز الأول يعتبر نفسه فاشلاً في أداء شخصية أسطورية. هو جورج كلوني الذي أعلن في مجموعة من الحوارات الصحافية أنه كان سيّئاً جداً في فيلم «باتمان وروبن». ويضيف كلوني: «إذا شاهدت الفيلم أصاب بآلام جسدية. لقد دمّرتُ فكرة باتمان».

جورج كلوني في شخصية باتمان (موقع الفيلم)

«هاري بوتر»

من الصعب التصديق أنّ بطل «هاري بوتر»، الممثل دانييل رادكليف، غير راضٍ إطلاقاً عن تجربته التاريخية تلك. يصعب عليه مشاهدة أدائه في السلسلة لما ارتكب فيها من أخطاء. يقول رادكليف لصحيفة «ديلي ميل» عن جزء «هاري بوتر والأمير الهجين»: «أكرهه. من الصعب أن أشاهده لأنني لست جيّداً فيه وأدائي رتيب».

الممثل دانييل رادكليف بطل سلسلة هاري بوتر (موقع الفيلم)

حتى أنتِ يا مارلين...

عندما سألته صحيفة «غارديان» عن أسوأ ما فعله، أجاب الممثل إيوان ماك غريغور: «مهنياً، شخصية فرانك تشرشل في فيلم إيما. اتخذتُ قرار المشاركة في هذا الفيلم لأني اعتقدتُ أنه يجب أن أظهر بمظهر مختلف عن فيلم Trainspotting، لكن قراري كان خاطئاً». وأضاف أن الفيلم جيّد لكنه لم يبرع فيه.

إيوان ماك غريغور في فيلم إيما عام 1996 (إنستغرام)

رُشِّحت ميريل ستريب لجائزة الأوسكار عن دورها في فيلم «امرأة الملازم الفرنسي» (1981)، لكنها لا تعتقد أنها قدّمت فيه أداءً جيداً. وفي حديثها عن الدور ضمن برنامج تلفزيوني، قالت ستريب: «كانت بنية الفيلم مصطنعة نوعاً ما، كما أنني كنتُ شابة وحديثة العهد في هذا المجال لكني لم أكن سعيدة بما يكفي. لم أشعر بأنني أعيش التجربة».

حتى أميرة الشاشة الفضية ومحبوبة الجماهير مارلين مونرو، أبدت امتعاضها من أدائها في فيلم «المنبوذين». وفي رسالةٍ عُرضت للبيع في مزاد علنيّ عام 2020، كتبت مونرو أنها لم تكن راضية عن الفيلم الذي ألّفه زوجها آرثر ميلر، محوّلاً حياة الشخصية روزلين تابلر إلى ما يشبه حياة مونرو.