مَن ينزع سطوة ميليشيات ليبيا؟

يحتمي بها مسؤولون وسياسيون... وتمتلك سجوناً وتسن «قوانين»

مَن ينزع سطوة ميليشيات ليبيا؟
TT

مَن ينزع سطوة ميليشيات ليبيا؟

مَن ينزع سطوة ميليشيات ليبيا؟

استيقظت مدينة ترهونة الليبية، ذات صباح، على جريمة قتل جماعي في «حي القانون»، سالت فيها دماء ثمانية أشخاص من عائلة واحدة، رمياً بالرصاص، بجانب هدم وإضرام النيران في منزلها، على أيدي عناصر من ميليشيا «الكاني» التي يقودها أحمد الساعدي، مقرر المؤتمر الوطني السابق، القيادي البارز بتنظيم «الجماعة الليبية المقاتلة». و«الكاني» أو «الكانيات» كما يطلق عليها سكان البلدات المجاورة للمدينة الواقعة جنوب شرقي العاصمة طرابلس، هي واحدة من عشرات الميليشيات المسلحة التي أسس بعضها بهدف إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في عام 2011، لكنها عقب التخلص منه تتمدد على طول البلاد وعرضها، تحت شعار «الثورة والثوار» بهدف «ضبط الأمن والمحافظة على المنشآت العامة»، وسرعان ما استشرى نفوذها في البلاد في غيبة الجيش والشرطة، وبفضل مساعدة حكومات متعاقبة أغدقت عليها بالرواتب الشهرية، فأصبحت ملاذاً آمناً للطامعين، والعاطلين، والخارجين عن القانون.
على مدار ست سنوات، ترسّخ وجود الميليشيات الليبية، من «سرايا الدفاع عن بنغازي» شرقاً إلى «فجر ليبيا» غرباً، بحسب الانتماءات الجهوية أو الأيديولوجية، حتى أصبح منها الذراع العسكرية لمدن بعينها، أو لجماعات إسلامية بذاتها. وبعضها بات يستخدم في حراسة المسؤولين، وكبار السياسيين، وصولاً إلى نوع أخير يمتهن الخطف والسرقة والحرابة، وفي أحسن الأحوال يتاجر في البشر.
باتت ليبيا غارقة في بحر من الميليشيات ذات الطابع الاقتصادي والأيديولوجي، عوضاً عن الملمح الذي يكتسب خصوصية فريدة والمتعلق بـ«ميليشيات القبائل»؛ وهي جيوش صغيرة متماسكة تختص بحماية القبائل والذود عنها- أو الدفاع عن مصالحها ومهاجمة أعدائها.
المشهد الليبي ضاعت فيه حقوق ودماء كثيرة بين كتيبة «ثوار طرابلس» الموالية للمجلس الرئاسي، و«الجماعة الليبية المقاتلة» الداعمة لحكومة «الإنقاذ الوطني». وبالفعل، باتت هذه الجماعات والزمر المسلحة كابوساً ثقيلاً يجثم على صدور المواطنين، وهو ما دفع هؤلاء في القرة بوللي (شرق العاصمة) للتهديد بالعصيان المدني لحين إخراج التشكيلات المسلحة من مدينتهم.

بحثاً عن حلول
«الشرق الأوسط» حققت في الأزمة، وسألت مسؤولين في المؤسستين العسكرية والأمنية، ومشايخ قبائل، ونشطاء، وإعلاميين، عن الجهة التي تستطيع نزع سلاح الميليشيات، وتفكيك بنيتها؟ ومدى إمكانية دمج أعضائها وكوادرها في الحياة العامة؟
في يوم 29 سبتمبر (أيلول) 2012 انطلقت مبادرة لجمع السلاح من المواطنين و«الثوار» وتسليمه للجيش الوطني الليبي في ساحة الحرية في مدينة بنغازي وميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس، تحت إشراف رئاسة الأركان العامة بالجيش، ووزارتي الداخلية والأوقاف والشؤون الإسلامية، ومؤسسات المجتمع المدني. غير أن توترات المشهد السياسي وتعقيداته، ألقت بظلالها على الميليشيات، فكما يسعى كل فريق سياسي إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات حسماً من رصيد الطرف الآخر، يفعل «الميليشياوية». وبالتالي، نجدهم يعملون على حماية «فريقهم السياسي» نهاراً، ويحاربون بعضهم البعض بالمدرعات والمدفعية الثقيلة ليلاً «لكسب أرضٍ جديدة»، وهو ما فعلته كتيبتا «ثوار طرابلس»، التي يقودها هيثم التاجوري، و«النواصي» المواليتان لوزارة الداخلية في حكومة «الوفاق الوطني»، عندما اندلعت بينهما حرب في زاوية الدهماني بالعاصمة، مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لاسترداد مقارٍ استولوا عليها من بعضهما.
الميليشيات الموالية للمجلس الرئاسي لـ«حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فائز السراج لا تقتصر على «ثوار طرابلس» و«النواصي» فقط، بل هناك أيضاً ميليشيا «الأمن المركزي» في حي «أبو سليم» بقيادة عبد الغني الككلي الملقب بـ«غنيوة»، و«قوة الردع الخاصة» - وهي الأكثر تسليحاً وعدداً في العاصمة - ويترأسها الشيخ عبد الرؤوف كارة. وهذه الأخيرة تمارس سلطاتها على المنطقة المجاورة لمطار معيتيقة الدولي، وهي المنطقة التي شهدت اشتباكات واسعة في منتصف أكتوبر الفائت بين «قوة الردع الخاصة» وميليشيا مسلحة من منطقة الغرارات، تعطلت على إثرها حركة الملاحة الجوية، فضلاً عن سقوط عديد القتلى والجرحى.
أيضاً تُعدّ ميليشيا «لواء زاوية المحجوب» التابعة للمجلس العسكري في مدينة مصراتة (شمال غرب ليبيا، شرق طرابلس) من أهم داعمي «المجلس الرئاسي» فهي مكلفة بحراسة مبنى رئاسة الوزراء بوسط طرابلس، وتتكوّن من 1200 مسلح وينطق باسمها حمزة بوسنينة. وتُضاف إليها ميليشيات أحمد الدباشي، الشهير بـ«العمو» في مدينة صبراتة (إلى الغرب من طرابلس) المتهم بالاتجار في البشر، قبل أن يباشر بالاعتماد عليه كمناهض للاتجار، والاعتراف بأنه سبق له ممارسة عمليات تهريب البشر لكنه اعتزلها وأصبح يقف ضدها في المدينة. غير أن الناطق باسم غرفة مكافحة «داعش» في صبراتة صالح قريسيعة، اتهم الدباشي خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» بأنه «من أكبر مهرّبي البشر على مستوى ليبيا». وادعى أنه «ضالع في تهريب الوقود، والسيطرة على المصارف في صبراتة وتحويل العملة إلى الخارج».

اتهامات... اتهامات
من جهة ثانية، دائماً ما يوجّه المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، العميد أحمد المسماري، اتهامات للسراج وبعض أعضاء مجلسه، بأنهم «يدعمون الميليشيات» في طرابلس، لكن مسؤولاً عسكرياً كبيراً بحكومة «الوفاق الوطني» قال لـ«الشرق الأوسط» إن «المجموعات المسلحة في العاصمة تتحمل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة، بسبب منحها المال، والإفلات من القانون». وتابع «أن المجلس الرئاسي يتعامل مع الكيانات المسلحة وفقاً للمادة (33) من اتفاق الصخيرات، بدمج المسلحين الراغبين في صفوف المؤسستين العسكرية والأمنية»، وهو ما اتفق عليه السراج وحفتر خلال لقائهما في فرنسا الخامس والعشرين من يوليو (تموز) الماضي.
وفي موازاة الميليشيات التي تقف خلف «المجلس الرئاسي»، تأتي نظيراتها الموالية لـ«المؤتمر الوطني العام» (المنتهية ولايته) وللمفتي الصادق الغرياني، ما يجعل العاصمة تقف على حافة الخطر كل ليلة مع تجدد الاشتباكات من وقت لآخر في معارك يسقط فيها قتلى وجرحى. وعلى الرغم من تفكيك عملية «فجر ليبيا»، وانسلاخ بعض ميليشيا «جبهة المؤتمر»، فإن البعض الآخر منها يتربص بحكومة «الوفاق الوطني» ومنشآته في العاصمة، ومنها «لواء الصمود» بقيادة صلاح بادي و«القوة المتحركة» بقيادة عادل شيتا، وكتيبة صلاح البركي أحد قادة التشكيلات المسلحة، وينتظر هؤلاء «لحظة اقتحام طرابلس».

«الجماعة»... و«الحرس الوطني»
وتظل «الجماعة الليبية المقاتلة» هي الأكثر ارتباطاً بالتطرف في البلاد منذ أعاد عبد الحكيم بالحاج تأسيسها وترتيب صفوفها في عام 1990 وتدريب أعضائها بـالجبل الأخضر (شمال شرقي البلاد)، بعد مشاركاته المسلحة في أفغانستان ضمن تنظيم القاعدة، في حين يسيطر القيادي بالجماعة ذاتها خالد الشريف على قوات تسمى «حرس السجون»، ومع أنه لا يحمل أي رتبة عسكرية إلا أنه كان يشغل منصب وكيل وزارة الدفاع خلال فترة حكومتي عبد الرحيم الكيب، وعلى زيدان، عامي 2012 حتى 2014.
وفي فبراير (شباط) الماضي، أعلن العميد محمود الزقل، بمقر كتيبة الصواريخ بمنطقة صلاح الدين بطرابلس، عن تأسيس «الحرس الوطني الليبي»، مؤكداً أنه سيتعاون مع وزارة الداخلية وكل المؤسسات الأمنية لتحقيق أهدافها. وللعلم، ميليشيا «الحرس الوطني» موالية لـ«حكومة الإنقاذ»، ودار الإفتاء المناوئة للمجلس الرئاسي، وأكثر عناصره من مدن مصراتة وزليتن وترهونة وغريان وطرابلس.

وضع شرق ليبيا
وبعيداً عن العاصمة، وفي شرق البلاد، قال ناصر سوالم، المتحدث باسم كتيبة الاقتحام في الشرطة العسكرية ببنغازي، «لا يوجد لدينا أحد فوق القانون»، وذكر خلال حديث مع «الشرق الأوسط» أن وزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة التي يترأسها عبد الله الثني «أطلقت مبادرات توعوية عديدة لجمع السلاح من المواطنين، في المنطقة الشرقية، بالتعاون مع القيادة العامة للجيش والمجتمع المدني». وأضاف سوالم «منطقتنا خالية تماماً من الميليشيات المسلحة»، واستطرد رداً على سؤال عن «مجلس ثوار بنغازي» بالقول «هؤلاء عبارة عن مجموعة من الإرهابيين، استطاع الجيش أن يتغلب عليهم، ويطهر بنغازي منهم... كل الكتائب المسلحة أصبحت تنضوي في المؤسسة العسكرية تحت رئاسة المشير خليفة حفتر».
ولكن، على الرغم من مرور قرابة سنتين على توقيع «اتفاق الصخيرات»، المُوقع في المغرب ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، ما زالت الميليشيات المختلفة تستنزف ثروات ليبيا، فضلاً عن هز أمنها بأعمال الخطف والسرقة. بل، بات بعضها «دولة داخل اللا دولة» بحسب بعض الليبيين، الأمر الذي لخّصه الدكتور عبد الرحيم البركي، عضو مجلس مشايخ وأعيان قبائل ترهونة (شمال غربي البلاد)، لـ«الشرق الأوسط» بقوله: إن «جميع المكوّنات المدنية والمسلحة تدّعي أنها الشرعية الوحيدة في البلاد، وغيرها على باطل».
وأردف البركي «لقد أضحت ليبيا مرتعاً لكل أعمال الفساد والإجرام بسبب غياب الدولة بمعناها الحقيقي. ولهذه المشكلة أسباب عدة، بعضها داخلي، والبعض الآخر خارجي، خصوصاً أن معظم التشكيلات المسلحة إفراز طبيعي لحالة الفوضى منذ عام 2011». وأرجع البركي بين أسباب انتشارها إلى «القرارات الصادرة عن المؤتمر الوطني، إبان ولايته، وللأسف استطاعت جماعة الإخوان المسلمين أن توجه هذه القرارات لخدمة مشروعها».
ثم تحدث البركي عما يجب مراعاته في التعامل مع هذه التشكيلات، فقال: «يجب إدراك أنها باتت أمراً واقعياً يحتاج منا إلى التعامل بتؤدة معها، وهذا يعني مزيداً من تعقيد المشهد»، مستدركاً «الجيش الليبي يستطيع نزع سلاح الميليشيات، بعدما ظهر قوياً في المنطقة الشرقية وبعض مناطق الغرب الليبي».
واختتم البركي تشخيصه للوضع بالقول: إن الحل في ليبيا «ينبغي أن يكون عسكرياً بامتياز... فالحوار غير مجدٍ، لأنه غير متكافئ ولا تمارسه كل الأطراف، بل هو مجرد محاصصة سياسية فوضوية... دور القبائل لا يزال ضعيفاً، خصوصاً أن بعض الميليشيات جهوية مناطقية قبائلية».

دور القبائل
من جهته، اقترب جمال أبو فرنة، شيخ قبيلة الفواخر بمدينة سلوق (شرق ليبيا)، من رؤية البركي، إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن «المكوّن الأساسي للميليشيات من أبناء القبائل، باستثناء بعض الدخلاء الذين أتوا إلى ليبيا عقب سقوط نظام القذافي، مستغلين حالة الانفلات الأمني بهدف الاسترزاق من أعمال الحرابة، والسطو المسلح». وأردف «بعض المجرمين، الذين يمارسون أعمالاً محرّمة قانوناً، وهؤلاء يجب التصدّي لهم بقوة».
ورأى أبو فرنة، أن بعض القبائل تتصدّى للميليشيات وتسحب أسلحتها. و«من هذه الميليشيات جماعات تستجيب وتندمج في الحياة العامة مرة ثانية»، قبل أن يتابع: «لكن بالنسبة للدخلاء، فهؤلاء تتولاهم الدولة والجيش، وتخضعهم للقانون»، مطالباً «بدور فعال من جامعة الدول العربية، والأمم المتحدة للتصدي للميليشيات».
ومضى شيخ قبيلة الفواخر موضحاً «لشيخ القبيلة مكانة كبيرة، ويمكنه بالحوار استمالة المسلحين، وإقناعهم بترك السلاح، والانخراط مجدداً في الحراك المجتمعي بعيداً عن العنف». إلا أنه يشترط أن يكون المفاوض «وطنياً محباً لبلاده، ولا يتفاوض من أجل المناصب... هذه مسألة قائمة على الثقة، وفي ليبيا أُناس يتقنون فن التحاور».
وبعيداّ عن الرؤيتين السابقتين، قال إسماعيل بازنكة، أحد نشطاء قبيلة التبو في جنوب ليبيا إن «لا أحد يستطيع نزع سلاح الميليشيات طالما لم تهيأ الأرضية المناسبة ولم توفر البيئة الملائمة». وتابع بازنكة في حوار مع «الشرق الأوسط» شارحاً «هناك ميليشيات تتبع قبائل، وأخرى تنتمي لفصائل سياسية، وثالثة لجماعات دينية، وهذا ناهيك عن ميليشيات تجارة السلاح والمخدرات والهجرة غير الشرعية، وكل هذا بالإضافة إلى المتربصين بحقول النفط، وبالتالي، فما يتوافق مع هذه يختلف عن تلك».
ومضى بازنكة، وهو رئيس «منظمة أمل الجنوب للسلام والتنمية المستدامة» في شرحه ليقول: إن «ميليشيات القبائل لن تسلم سلاحها طالما لم تتوافر ضمانات حقيقية بألا تتعرض لاعتداءات، من ضمنها نزع سلاح خصومها، ونزع شرعية ميليشيات أخرى قد تعتدي عليها». وضرب بازنكة مثلاً على ذلك، عارضاً «نحن لدينا تجارب سابقة مع (المؤتمر الوطني)، فجميع القبائل التي تعرضت للاعتداء عليها في السابق من تشكيلات مسلحة تتبع حكومة الإنقاذ، تتسلح اليوم وتزيد من ترساناتها تحسباً لأي طارئ»، وبناءً عليه فهو يقترح أن «تشكل لجنة أممية بعضوية دول الجوار لدراسة آلية نزع السلاح ووضع خطة مع مراعاة تركيبة كل ميليشيا». واستطرد «ثمة قبائل تخشى العودة إلى المربع الأول من الاضطهاد والتهميش... ولا يمكن لقبائل التبو أن تقنع ميليشياتها بتسليم سلاحها طالما لم تتوافر ضمانات دستورية حقيقية تسهل دمجها في الحياة العامة من خلال عدالة انتقالية، وجبر ضررهم، وبعدها، يمكن أن تتم المصالحة الوطنية».
أما فيما يتصل بالميليشيات الدينية، أو الراديكالية، من بينها، فيرى بازنكة مجابهتها بـ«الفكر، والعمل على توفير فرص عمل للشباب المنخرطين فيها، وتأسيس مؤسسات تنموية تستوعبهم»، ويرى بازنكة أن «معظم مسلحي الجماعات الإرهابية وجدوا إقصاءً وقلة عناية من الدولة فوجدوا في الميليشيات حواضن ملائمة...». وأخيراً، تحدث بازنكة عما سماها «الميليشيات الاقتصادية» وهي التي تتخصص في سرقة المواد البترولية، وتهريب العملة، فقال: «المكافآت والامتيازات المالية التي يحصلون عليها تجعل علاقتهم قوية بآمر الميليشيا... والحل المطلوب لتفكيك هذه الميليشيات يكمن في تجفيف منابع ثرواتها، والتضييق عليها اقتصادياً، وفرض عقوبات على أمرائها».

لا ينقصنا مبادرات
رداً على اقتراح بازنكة بتشكيل «لجنة أممية بعضوية دول الجوار» رد الصحافي الليبي الحسين بن كريم بالقول إن «ليبيا لا ينقصها مبادرات»، مذكّراً في لقاء مع «الشرق الأوسط» بـ«تعدد المبادرات في السابق، عندما قدم عديد من منظمات المجتمع المدني، والأحزاب، والشخصيات، مقترحات تضمنت تصوراً متكاملاً لنزع السلاح وحل الميليشيات». وتابع: «أغلبها اعتمد على فكرة شراء الدولة للسلاح من المواطنين، ودفع قيمة مالية يتفق عليها لمدة 6 أشهر أو سنة، بعدها يصدر قانون بتجريم حمل السلاح أو الاحتفاظ به، وتم إنشاء هيئة شؤون المحاربين للعناية بجميع المسلحين السابقين ومجموعاتهم المسلحة، ومن دون أي تمييز من خلال إعادة دمجهم في المؤسسات الأمنية والعسكرية».
وأردف بن كريم، الذي ينتمي إلى مدينة درنة (شمال شرقي ليبيا) «لكن للأسف دار صراع على الهيئة، وسيطرت عليها شخصيات محسوبة على الإسلام السياسي، ففشلت في مهمتها رغم الجهود التي بذلها بعض القائمين عليها، ما ساهم في ترسيخ الميليشيات التي باتت تمتلك سجوناً، وتطبق قوانين خاصة بها». وتابع: «هنا يجب التأكيد على أنه لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية لجمع السلاح وحل الميليشيات في ليبيا، خصوصاً في فترة ولاية (المؤتمر الوطني العام). ومرجع ذلك أن جماعات وأحزاب الإسلام السياسي كانت قد حسمت أمرها في حال خسرت الانتخابات عبر صندوق الاقتراع، بحيث يكون البقاء في السلطة عبر صندوق الذخيرة، وهو ما يحدث الآن على أرض الواقع، مما يجعل نزع السلاح وجمعه من المواطنين عملية معقدة وبالغ الصعوبة».
بن كريم قال أيضاً إن «ما يزيد من صعوبة نزع السلاح وحل الميليشيات هو تحقيق مصالح اقتصادية كبيرة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات لأمراء تلك الميليشيات من عمليات الابتزاز والخطف، والسيطرة على بعض المنشآت الحيوية مثل المنافذ البرية والمطارات والموانئ، فضلاً عن عمليات تهريب العملة الصعبة، والوقود والسلع المدعومة». وينطلق بن كريم من رؤية أوسع، فيقول إن «الاستعانة بالضغط الاجتماعي عبر الأسرة، والعائلة، والقبيلة لتفريغ الميليشيات من المقاتلين، مرهون بالضمانات التي تقدمها الدولة للمواطنين، بالإضافة لإعداد قوات شرطة منضبطة، وجيش موحد يخضع للضبط والربط وفق التسلسل القيادي، ويحترم الدستور والقانون، بالإضافة إلى مؤسسة قضائية نزيهة تعيد الحقوق إلى أصحابها ونجاح المصالحة الوطنية في حل النزاعات التي خلفها الصراع المسلح».
من جانبه، رأى القيادي في «حركة شباب مصراتة» سليمان البيوضي، أن المجموعات المسلحة في ليبيا الآن عبارة عن «بقايا تشكيلات، تمتهن السلب والحرابة، أو فروع لجماعات إرهابية مصنفة بقرارات مجلس الأمن». ورأى أن «(كتائب الثوار) المُنظمة، التي تدخلت في الحرب الأهلية بالبلاد، غالبيتها من المدنيين المنخرطين بالثورة، وفُرض عليهم حمل السلاح، وحتى الحروب التي دخلوها تم شرعنتها ودمج أغلب عناصرها في الأجهزة الموازية التي استحدثت بعد الثورة».
واستطرد البيوضي «غالبية هؤلاء الشباب أصبحوا غير مقتنعين الآن بالمعارك العبثية... التعامل معها يجب أن يكون براغماتياً، من خلال البدائل التنموية، والاستفادة من طاقاتهم في البناء والتنمية، وإعادة تأهيلهم في الحياة المدنية. بإمكان المؤسسة العسكرية نزع سلاح المجموعات المسلحة، شريطة بسط نفوذها على كامل التراب الليبي، وإجراء عمل متوازن مع حكومة وحدة وطنية للخروج من هذه الدوامة».



بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.