أمين عام «التقدم والاشتراكية» المغربي: أدعو دول الربيع العربي إلى الاقتداء ببلادنا

الوزير نبيل بن عبد الله يقول لـ {الشرق الأوسط} إن أخلاق حزبه السياسية تفرض عليه الدفاع عن حكومة ابن كيران

أمين عام «التقدم والاشتراكية» المغربي: أدعو دول الربيع العربي إلى الاقتداء ببلادنا
TT

أمين عام «التقدم والاشتراكية» المغربي: أدعو دول الربيع العربي إلى الاقتداء ببلادنا

أمين عام «التقدم والاشتراكية» المغربي: أدعو دول الربيع العربي إلى الاقتداء ببلادنا

بدأ نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي سابقا) المغربي، ووزير السكنى وسياسة المدينة، واثقا إلى حد كبير بفوزه بمنصب الأمانة العامة للحزب لولاية ثانية خلال المؤتمر التاسع للحزب الذي يعقد اليوم، على الرغم من وجود أربعة منافسين له، بينهم امرأة هي نزهة الصقلي الوزيرة السابقة، بيد أن بن عبد الله حذر من أي محاولة لإفشال المؤتمر وتهديد وحدة الحزب، في إشارة إلى منافسه سعيد السعدي.
ودافع بن عبد الله عن مشاركة حزبه في حكومة عبد الإله ابن كيران، والتزم بالدفاع عن التجربة الحكومية بإيجابياتها وسلبياتها، مؤكدا أن درجة الانسجام بين مكونات الغالبية كبيرة جدا بعد انضمام حزب التجمع الوطني للأحرار إليها. وقال بن عبد الله إن المستوى العام للنقاش السياسي سقط إلى مستويات مرفوضة، محذرا من فقدان ما تبقى من مصداقيته. ودعا المسؤول المغربي دول الربيع العربي إلى الاقتداء بالتجربة المغربية التي تفردت بإشراك حزب إسلامي في الحكومة.
وفيما يلي نص الحوار.
* اختار حزبكم «مغرب المؤسسات والعدالة لاجتماعية» شعارا لمؤتمره التاسع. ما دلالات هذا الشعار وسياقه؟
- الشعار نعده عميقا لأنه يكرس ويلخص الوثيقة السياسية والمذهبية التي صادقت عليها اللجنة المركزية للحزب، وكذلك الوثيقة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأننا نرى أنه بعد كل ما عرفه المغرب من إصلاحات كبيرة واعتماد دستور جديد، يظل اليوم الشعار الأساسي هو التفعيل الأمثل لمضامين هذا الدستور، ولذلك قلنا مغرب المؤسسات، لأن الجانب المؤسساتي في توطيد المسار الديمقراطي المغربي مسألة أساسية، وكذلك الشأن بالنسبة للعدالة الاجتماعية، لأنه وقعت بالفعل إصلاحات كبيرة، وعرف المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس أوراشا كبيرة. لكن في الوقت ذاته هناك تعطش لدى فئات واسعة محرومة للاستفادة أكثر من ثمار النمو، والرفع من مستواها المعيشي لتنعم بمقومات العدالة الاجتماعية، وتستفيد من حقوق اجتماعية بعينها، ومن أجل ذلك فإن شعار الساعة الضامن للاستقرار ومواصلة نهج الإصلاح هو بالضبط مغرب المؤسسات والعدالة الاجتماعية.
* ذكرتم في بيان عن المؤتمر أن الحزب مطالب بتحيين تحاليله وتدقيق مواقفه بشأن المستجدات السياسية المحلية والدولية، خلال مؤتمره العام. ماذا تقصدون؟ هل يتعلق الأمر بمراجعة مواقف من قضايا معينة؟
- التحيين لا يعني بالضرورة المراجعة، بل لأنه منذ المؤتمر الوطني الثامن سنة 2010 حدثت تطورات أساسية سواء تعلق الأمر بالقضية الوطنية (نزاع الصحراء) أو بالحراك الاجتماعي الذي عرفناه سنة 2011، أو بخطاب تاسع مارس التاريخي للملك محمد السادس، أو باعتماد دستور جديد، أو بالمسار الانتخابي الذي عرفناه من خلال انتخابات سابقة لأوانها، أو عند تشكيل حكومة قررنا أن نشارك فيها إلى جانب حزب العدالة والتنمية، كل ذلك يستدعي منا أن نحين مواقفنا وما قمنا به، وأريد أن أؤكد أنه بقدر ما قمنا بالتحيين أكدنا على استمرارية المواقف التي اعتمدناها، سواء في المؤتمر الثامن أو في اللجان المركزية المختلفة، لا سيما فيما يتعلق بالمشاركة في الحكومة وفتح الآفاق على مواصلة هذا التوجه، وما إقرار الوثيقة السياسية خلال اجتماع اللجنة المركزية بالإجماع إلا تكريس لهذا التوجه. وقد حصل توافق على الخط السياسي الذي نسير عليه في ظل القيادة الحالية، التي سهرت على مسار الحزب إلى حدود المؤتمر التاسع.
* يقال إن سباق المنافسة حول الأمانة العامة للحزب محسوم لصالحك. ما ردك؟
- الجواب سيكون داخل المؤتمر، وأعتقد قبل ذلك يتعين أن نصل إلى مرحلة الترشح للأمانة العامة، البعض قام بذلك قبل الأوان، وفي اعتقادي شخصيا أنه يتعين توفر شرطين لبلوغ المنصب، الأول هو حمل مشروع سياسي وبرنامج وأرضية، وأعتقد أنني إلى جانب الأغلبية الساحقة لفعاليات الحزب أحمل هذا التوجه، وهو القائم اليوم. والشرط الثاني هو أن تكون هناك إرادة جماعية في ترشيح من يتمكن إلى جانب اللجنة المركزية والمكتب السياسي من قيادة هذا المشروع، وهو أمر غير مرتبط برغبات شخصية ذاتية بقدر ما يجب أن يكون مرتبطا بإرادة جماعية داخل الحزب، فلننتظر وقت الترشح للإعلان عن من سيكون حاملا لهذا التوجه، وأريد أن أقول إن جميع التكهنات تؤكد بالفعل أن هذا الجسم العريض الذي سهر على الحزب طيلة السنوات الأخيرة يتوفر على أغلبية ساحقة في المؤتمر، شرط أن تمارس الديمقراطية ويقبل بها الجميع.
* هل تتوقعون أن يمر المؤتمر في أجواء عادية، لا سيما أن أحد منافسيكم وهو سعيد السعدي وجه انتقادات لاذعة لك شخصيا ولطريقة تدبير الحزب في عهدك؟ ويروج أيضا للانسحاب من الحكومة؟
- سعيد السعدي له أن يقول ما يقول، وإذا كانت حرية الانتقاد مكفولة للجميع فإنه يتعين على الجميع أيضا أن يكون حاضرا في التسيير لينتقد الآخرين، فأنا إلى جانب رفاق آخرين كنت موجودا لتسيير الحزب، والحال أنه (السعدي) كان غائبا لمدة أربع سنوات، لذلك لا يهم كثيرا ما عبر عنه من رأي، ولا يلتفت إليه في المؤتمر وفي صفوف الحزب.
هناك أمور أخرى عبارة عن إشاعات وأكاذيب تروج هنا وهناك، ومع الأسف هناك من يروج خطابا عن الشفافية وحزب المؤسسات والمطالبة بإدخال العناصر الحداثية إلى الحزب، لكن الممارسة منافية تماما للخطاب، وهو دليل على أن العمق الديمقراطي منعدم لدى هؤلاء، ما أتمناه هو أن يكون هناك حرص حقيقي على إنجاح هذه المحطة، وكل من أراد أن يفشل هذا المؤتمر سيتحمل مسؤولية تاريخية وجسيمة، وأعتقد أن الحزب في غالبيته الساحقة سيكون بالمرصاد لأي تصرف من هذا النوع.
* سبق أن عبرت عن خشيتك من تدخل جهات خارجية في شؤون الحزب خلال المؤتمر لتقويض استقلالية قراره، من هي هذه الجهات؟ وهل هي حزبية أم رسمية؟
- حتى الآن، وأكرر حتى الآن، لم نر بوادر تسير في هذا الاتجاه، قد تكون للبعض علاقات مع جهات خارجية. لكن نتمنى أن يظل القرار مستقلا وداخليا للحزب، وسنسعى إلى تحقيق ذلك، وفي جميع الحالات أقول للجميع، بمن في ذلك المرشحين، كل شيء قابل للنقاش، والديمقراطية مسألة فاصلة، وبعد الاستماع إلى آراء الجميع يتعين الفصل، والفصل من الأساليب الديمقراطية التي يتعين الاحتكام إليها من قبل الجميع، لكن في تقديري هناك أمران اثنان لا يناقشان: الأول هو وحدة الحزب، والثاني استقلالية القرار الحزبي، وعدا ذلك فليتنافس المتنافسون.
* تتعرض حكومة ابن كيران إلى انتقادات وهجوم كبيرين، لكن الملاحظ أن الأحزاب المشاركة فيها، ومنها حزبكم، لا تقوم بالدور الكافي للدفاع عن قرارات الحكومة، وتتركون «العدالة والتنمية» وحده في الأمام للتصدي والمواجهة. هل من مصلحتكم أن تتأثر شعبية هذا الحزب، ويتراجع في الانتخابات المقبلة؟
- أبدا أبدا، غريب هذا الأمر، لأن هناك من يقول إننا بالفعل ننطق رسميا باسم «العدالة والتنمية»، ومن الأمور التي نؤكد عليها أنه عندما تشارك في حكومة تتحمل الإيجابي والسلبي فيها، وأخلاقنا السياسية تفرض علينا الالتزام بذلك. قد تكون لك اختلافات، وسبق أن حدث ذلك في إطار هذه الحكومة، ونسعى أن نتعامل معها بلياقة ليؤخذ رأينا بعين الاعتبار، وهذا ما جرى إلى يومنا هذا، وما تطلب الأمر الدفاع عن هذه التجربة إلا ودافعنا عنها بجرأة لأننا مستعدون تماما أن نتحمل جميع مقومات ورصيد هذه الحكومة دون أن نفقد في المقابل قوتنا الاقتراحية، أو رأينا المختلف بشأن بعض القضايا، لأنه إذا كنا سندخل الحكومة للمصادقة على كل ما يأتينا من أطراف أخرى فلا فائدة من هذه المشاركة، لكن تأكدوا أننا ننخرط في هذه الحكومة انخراطا كاملا بهويتنا وقضايانا ومقترحاتنا وتصوراتنا، وهو ما يفسر مشاركتنا فيها، ونحن واعون وعيا كاملا بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقنا اليوم لإنجاح هذه التجربة.
* إذن لماذا حزب العدالة والتنمية تحديدا يوجد في المواجهة ويتلقى الضربات؟
- لأنه هو الذي يقود الحكومة، ومن الطبيعي أن يحدث ذلك. فهو يتوفر على منصب رئاسة الحكومة وعلى أكثر من عشرة وزراء، وبالتالي فالمعاكسات أو المواجهات تجري مع «العدالة والتنمية»، ونحن أيضا نتحمل جزءا منها لأنه توجه إلينا كذلك انتقادات، سواء من قبل أطراف سياسية منافسة أو من متتبعين للشأن السياسي والمجتمع المدني والمواطنين، لكن الكل يتوجه نحو «العدالة والتنمية» لأنه هو الذي فاز في الانتخابات، والحزب الأول في هذه الحكومة. لكن في نفس الوقت حزب التقدم والاشتراكية، وخلال هذه المرحلة التي حظيت بالإشراف عليها موجود أيضا في كل الخطب والتعليقات السياسية، وفي كل القضايا التي تطرح في هذه الحكومة، ولم يسبق أن حضر اسم «التقدم والاشتراكية» وتعزز دور الحزب في الساحة السياسية بالدرجة التي يوجد عليها الآن. وكل ذلك نابع من نجاح الاختيار السياسي الذي اعتمدناه، وهناك شعور داخل الحزب بذلك، واقتناع كبير بضرورة تزكية هذا التوجه وفتح الآفاق لاستمراره، بالإضافة إلى أن هناك إقرارا بالدور المميز الذي لعبناه في عدد من المقترحات التي رأت النور، وأود القول إن تقديم الحساب يجري أثناء الانتخابات، فلننتظر 2015 حيث ستجرى الانتخابات المحلية والإقليمية والجهوية، وتلك المرتبطة بمجلس المستشارين، ولننتظر الانتخابات التشريعية في 2016، وسنرى كيف سيكون موقع حزبنا آنذاك، وكلي أمل أننا سنحقق قفزة نوعية أقوى من تلك التي حققناها في 2011.
* ما درجة الانسجام الموجود بين مكونات الأغلبية الحكومية الحالية بعد انضمام حزب التجمع الوطني للأحرار؟
- كبيرة جدا، وحقيقة الجو إيجابي، ونشتغل في ظروف حسنة. هناك تكامل وسعي دائم إلى تقديم الإصلاحات في ظل البحث عن أكبر توافق ممكن حول كل مضامين هذه الإصلاحات، وأعتقد أننا تجاوزنا ما عشناه من اضطرابات داخلية في السنة الأولى من عمر الحكومة، وتعلمون أننا تأسفنا كثيرا لما حدث، كما تأسفنا لخروج حزب الاستقلال من الحكومة، وهذا لا يمنعنا من أن نظل منفتحين بالنسبة للمستقبل القريب على أي إمكانية لتقوية صف يساري موحد، وعلى إمكانية بروز مكونات الكتلة الديمقراطية في توجه مشترك جديد.
* ما تعليقكم على الأجواء المشحونة التي تمر فيها جلسات البرلمان التي وصلت إلى حد تبادل الشتائم؟
- سبق لي أن قلت إن المستوى العام للنقاش السياسي سقط إلى مستويات مرفوضة، وأعتقد أنه يتعين على الجميع أن يعي بأن هناك شعبا ينظر إلينا، ومتتبعين يراقبون ما نقوم به كسياسيين وكفاعلين، وحذار للجميع أن نفقد ما تبقى من المصداقية. يتعين أن يعود النقاش السياسي إلى حد أدنى من اللياقة والعمق ومقارعة الفكرة بالفكرة والاقتراح بالاقتراح المضاد، والابتعاد عن كل أساليب الشتم والسباب والاتهامات الساقطة التي نسمعها من أطراف مختلفة، وتلاحظون أننا في حزب التقدم والاشتراكية نبتعد تماما عن هذا الأسلوب، ولا ندخل في أي جدل من هذا النوع.
* يتزامن انعقاد المؤتمر العام للحزب مع الذكرى الـ70 لتأسيسه، هل تتضايقون بتذكيركم في كل مرة بأنكم الحزب الشيوعي السابق؟
- أبدا، أنا شخصيا أفتخر بذلك، لأني متعلق بجذور هذا الحزب بقدر تعلقي بجذوري الشخصية والعائلية لأني أعد أن من المميزات الأساسية للحزب ومن منطلقاته الشيوعية والاشتراكية أنه كان دائما حزبا وطنيا وتقدميا ويساريا، وكانت دائما له قدرة هائلة على أن يساير شعبنا ومجتمعنا وأن يلتصق بواقع المجتمع الذي نعيش فيه، أي إننا لم نكن أبدا حزبا يغلب بشكل دوغمائي المبادئ والتصورات الجاهزة دون أن يجعلها تحتك بالواقع الملموس، ومن الأفكار الأساسية للمفكرين الكبار للنظرية الشيوعية والمادية التاريخية والجدلية هو أنه يتعين أن يكون دائما تحليلنا تحليلا ملموسا لواقع ملموس. هو ما جعل حزبنا مستمرا إلى اليوم، ويفتخر بماضيه وبجذوره، وبانفتاحه الكبير على المستجدات.
* ما تقييمكم للوضع في بلدان الربيع العربي. هل فشلت الثورات العربية أم أقبرت؟
- أولا الحمد لله على ما يقع في بلادنا، وأعتقد أن الفضل كله يعود إلى الملك محمد السادس الذي كانت له مقاربة جريئة ومقدامة في التعامل مع الحراك الذي عرفناه في بلادنا، ثم الفضل يعود أيضا إلى المكونات السياسية الناضجة التي انخرطت في مسلسل الحفاظ على الاستقرار في إطار التغيير. وفي رأيي المغرب تفرد بإشراك «العدالة والتنمية» كتيار إسلامي في التجربة الحكومية، كما أن هذا الحزب لم يتصرف كما تصرفت أطراف أخرى في بلدان أخرى، أي إنه ظل منفتحا على ما راكمته البلاد وعلى الواقع المغربي بتنوعه ومحترما للدستور في توجهاته الأساسية، ونحن في حزب التقدم والاشتراكية كان لنا دور أيضا، لأننا سرنا في هذا الاتجاه ورأينا أن موقعنا الطبيعي هو أن نكون في خضم الحفاظ على الاستقرار ومواصلة الإصلاحات، لذلك نرى أن على المغرب الاستمرار في هذا التوجه تحت قيادة الملك محمد السادس، وفي إطار الالتحام الذي يجب أن يكون بينه وبين القوى السياسية من أجل تأمين الحاضر ومستقبل البلاد، وفي نفس الوقت ضمان مواصلة الإصلاح والتغيير.
* وماذا عن بلدان الربيع العربي؟
- مع الأسف.. الدول الأخرى لم تتصرف بنفس الطريقة، هناك من رفض أي تيار رافض في المجتمع أو مشاكس، وهناك من دخل في مواجهات عنيفة مثل ما حدث في سوريا وليبيا وإلى حد ما مصر. والجزائر بدورها توجد اليوم في وضع مقلق لأنه عندما ستنكشف الأمور هناك في عمقها سنصل إلى مستويات مخيفة، ولا نتمنى ذلك لهذا البلد الشقيق. أما تونس فأرى أنها ربما فتحت الباب للخروج من الوضع الذي كانت فيه. وفي مصر نتمنى أن تفوز الديمقراطية في نهاية المطاف، وحتى الآن نرى أن هناك اضطرابا حقيقيا في هذا البلد. وما نتمناه هو أن تكون التجربة المغربية بمثابة طريق منير وقدوة لهذه البلدان.



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.