«بوكو حرام» تستخدم الفتيات الانتحاريات أكثر من أي جماعة متطرفة أخرى

كن يتلمسن صواعق التفجير وهن يفكرن في وسيلة للفرار

TT

«بوكو حرام» تستخدم الفتيات الانتحاريات أكثر من أي جماعة متطرفة أخرى

لم تكن الفتيات يرغبن في قتل أي شخص. لقد ساروا في صمت لفترة من الوقت، وكان حمل المتفجرات المعلقة حول أجسادهن ثقيلا للغاية عندما كن يتلمسن الصواعق وهن يفكرن في وسيلة للفرار.
تقول هاديزا (16 عاما): «لا أعرف كيف أتخلص من هذه الأشياء حول جسدي»، وهي تتذكر كيف كانت تسير نحو تنفيذ مهمتها. وسألت الفتاة البالغة من العمر 12 عاما بجانبها التي كانت ترتدي حزاما ناسفا هي الأخرى: «ماذا سوف تفعلين بحزامك الناسف؟».
فأجابتها تقول: «سوف أذهب إلى حيث يقولون وأفجر نفسي هناك».
لقد كان الأمر يجري بسرعة فائقة. وبعد اختطفاهن على أيدي جماعة «بوكو حرام» هذا العام، التقت هاديزا بأحد المقاتلين في المخيم حيث كانت محتجزة رهينةً هناك، وكان يريد الزواج بها، ولكنها رفضته. فقال لها المقاتل: «سوف تندمين على ذلك». وبعد بضعة أيام، اقتادوها إلى حيث يوجد زعيم «بوكو حرام». ولقد أخبرها أنها سوف تذهب إلى أسعد مكان يمكنها تصوره. واعتقدت هاديزا أنها سوف ترجع لبيتها أخيرا، ولكن الزعيم كان يتحدث عن «الجنة»!
ثم جاءوا إليها في المساء، كما تتذكر، وكانوا يحملون حزاما ناسفا وربطوه إلى خصرها، ثم أرسلها المقاتلون برفقة الفتاة التي تبلغ 12 عاما من عمرها سيرا على الأقدام، كل منهما بمفرده، وأخبروهما بتفجير الأحزمة الناسفة في مخيم المدنيين النيجيريين الذين فروا من أعمال العنف التي ارتكبتها جماعة بوكو حرام في المنطقة. وتقول هاديزا: «علمت أنني سوف أموت وأقتل أناسا آخرين. ولم أكن أرغب في فعل ذلك».
وقد صارت منطقة شمال شرقي نيجيريا، التي تدخل عامها الثامن الآن من الحرب ضد بوكو حرام، المكان الذي يفزع من بناته وفتياته.
وحتى الآن خلال العام الحالي، نفذت الميليشيات المتطرفة كثيرا من التفجيرات الانتحارية بأكثر مما فعلوا في عام 2016 بأكمله، ولا تزال الهجمات مستمرة. ووفقا لمنظمة يونيسيف، فقد تم استخدام أكثر من 110 أطفال في تنفيذ الهجمات الانتحارية منذ بدء العام الحالي، و76 منهم على الأقل من الفتيات. وأغلبهم دون سن الخامسة عشرة. ولقد فجرت إحدى الفتيات نفسها وهناك طفل مربوط على ظهرها.
واستهدف القصف هنا في خضم المعركة ضد «بوكو حرام» المساجد والأسواق ونقاط التفتيش ومخيمات المدنيين النازحين وأي مكان آخر يتجمع الناس فيه، بما في ذلك ملعب البولو الوحيد الذي تم الهجوم عليه مرات كثيرة. ولقد تم حفر الخنادق حول جامعة مايدوغوري، ولقد كانت من أهداف القصف المتكررة، على أمل إبطاء حركات المهاجمين.
تقول ميموما (14 عاما): «كنت أعرف جيدا أن هذه القنبلة سوف تقضي على حياتي».
وأصبح استخدام الأطفال في القتال من الأمور الشائعة إلى حد كبير لدرجة أن المسؤولين في المناطق الخاضعة لسيطرة «بوكو حرام» يحذرون الناس من الفتيات المنتحرات. وهناك لافتة إعلانية ضخمة هنا في مايدوغوري - وهي المدينة النيجيرية التي نشأت فيها جماعة بوكو حرام - تقول: «أوقفوا الإرهاب» مع صورة لفتاة متجهمة ذات نظرات متوحشة وتحمل المتفجرات على صدرها، وتمسك بالصاعق المفجر بإحدى يديها.
ويحض المسؤولون أولياء الأمور علنا على عدم تسليم الأطفال إلى «بوكو حرام» لكي لا يتم استخدامهم في تنفيذ العمليات الانتحارية، بينما يذيع الجيش النيجيري شريطا للفيديو يخبر حملة الأحزمة الناسفة بإمكانية تسليم أنفسهم، وتظهر في الفيديو فتاة تبلغ من العمر 11 عاما. وتقول تلك الفتاة: «لا تسمحوا لهم بربط المتفجرات إلى أجسادكم. إنه أمر خطير للغاية». ويصف الإعلان العام حملة الأحزمة الناسفة وعائلاتهم بأنهم يتعاونون مع «بوكو حرام» ويوفرون الدعم لحملة الإرهاب التي تقوم بها الجماعة المتطرفة، أو أنهم جرى غسل أدمغتهم، أو خداعهم للقيام بتلك الأفعال الشنيعة.
ولكن صحيفة «نيويورك تايمز» قامت بالمتابعة وإجراء المقابلات مع 18 فتاة في نيجيريا ممن قد أرسلن لتنفيذ مهام انتحارية بأمر من «بوكو حرام». تعصف رواياتهن الشخصية بكل ما قيل عن الأمر مما يتشدق به المسؤولون هناك.
وبعيدا عن كونهن من المشاركات المستعدات للموت، قالت الفتيات إنهن تعرضن للخطف والاحتجاز رهائن، مع مقتل أفراد عائلاتهن أثناء عمليات الاختطاف.
وقالت جميع الفتيات كيف قام المتطرفون المسلحون بإجبارهن على ربط الأحزمة الناسفة إلى أجسادهن، أو إلقاء القنابل في أيديهن قبل الدفع بهن نحو حشود من المدنيين. ولقد قيل لأغلب الفتيات إن دينهن يأمرهن بطاعة الأوامر. ولقد قاومت جميع الفتيات هذه الممارسات، وحاولن منع الهجمات المريعة عن طريق التوسل إلى المواطنين العاديين أو السلطات لمساعدتهن.
فرت عائشة (15 عاما) من منزلها برفقة والدها وشقيقها البالغ من العمر 10 سنوات، ولكن بوكو حرام ألقت القبض عليهم. وقتل المتطرفون والدها، وبعد فترة وجيزة، شاهدتهم يربطون حزاما ناسفا بجسد شقيقها، وأجلسوه بين اثنين من المسلحين على متن دراجة بخارية وانطلقوا به مسرعين.
ثم عاد المسلحان من دون شقيقها، فرحين مهللين. فلقد قام شقيقها بتفجير نفسه في بعض جنود الجيش النيجيري في إحدى الثكنات، كما علمت بعد ذلك. ولقد أمرها المسلحون بعدم البكاء عليه: «لقد قتل أناسا أشرارا»، كما قالوا لها. وفي وقت لاحق، ربطوا حزاما ناسفا إلى جسدها، كذلك، وأمروها بالتوجه إلى الثكنات العسكرية نفسها. وعلى غرار الفتيات الأخريات، قالت عائشة، إنها فكرت في التوقف عند بقعة منعزلة من الأرض والضغط على الصاعق المفجر، بعيدا عن كل الناس، لتفادي إلحاق الأذى بأي شخص آخر. وبدلا من ذلك، اقتربت عائشة من الجنود وأقنعتهم بإزالة المتفجرات من جسدها بكل سلاسة. وقالت عائشة: «قلت لهم إن شقيقي كان هنا قبلي وقتل بعضا من رجالكم. ولم يكن شقيقي يدرك بما فيه الكفاية لكي يعرف أنه يتوجب عليه عدم فعل ذلك. فلقد كان طفلا غضا وصغيرا في السن». أما الفتيات الأخريات، اللواتي تم حجب أسمائهن بالكامل بسبب خوفهن على أمنهن، كانت لديهن قصص مشابهة للرعب والمقاومة. وقال الجنود لفاطمة البالغة من العمر 17 عاما، استلق على وجهك على الأرض. ولكن عندما اقتربت من جنود الجيش، رفعت أيديها عاليا وصرخت فيهم بأعلى صوتها: «انظروا! إنني بريئة! أنا لا أنتمي إليهم! لقد أجبروني على ذلك!».
قيل لأمينة البالغة من العمر 16 عاما بتفجير نفسها في المسجد وسط المصلين. ولكن مع اقترابها من الحشود، تعرفت على عمها، الذي ساعدها على النجاة.
وقال المسلحون المتطرفون لحجة البالغة من العمر 17 عاما، انتظري حتى تجدين حشدا كبيرا من المدنيين. وإن وجدت جنديا أو اثنين فقط فاضغطي على الصاعق المفجر فورا، كما قالوا لها. بدلا من ذلك، عندما اقتربت من أحد الجنود، أظهرت له الحزام الناسف الذي تحمله، فأرشدها الجندي للذهاب إلى حقل مفتوح، حيث نجحت بكل هدوء في التخلص من القنبلة.
أما فاتي البالغة من العمر 14 عاما فقد أرسلوها برفقة تسع فتيات أخريات، كل منهن في اتجاه مختلف لضرب أهداف مختلفة. ولقد سارت نحو مركز للشرطة لطلب المساعدة هناك، وكانت تحمل الحقيبة التي تحتوي على القنبلة. ولقد صرخ الضباط فزعين وهرولوا مسرعين، كما قالت. ولكنهم عادوا في نهاية الأمر، وقالوا لها بترك الحقيبة في حقل قريب مفتوح والابتعاد عنها فورا. وقالت مريم البالغة من العمر 16 عاما إنها حصلت على المساعدة من رجل عجوز يستريح في ظل شجرة. وكانا يصيحان إلى بعضهما من على مسافة بعيدة وآمنة، حتى يتسنى له سؤالها والحصول على بعض التأكيدات بأنها لا تخطط لقتله.
وبالنسبة لهؤلاء الفتيات وغيرهن، كان مجرد الاقتراب من السلطات لطلب لمساعدة ينضوي على مخاطر فائقة. إذ إن الجنود والمدنيين عند نقاط التفتيش في حالة تأهب دائمة وقصوى حيال أي شخص مشتبه فيه، ويعني ذلك في المعتاد أي امرأة أو فتاة، وأغلبهن يرتدين حجاب الرأس والملابس الطويلة التي يمكن أن تُخفي تحتها الأحزمة الناسفة. وعلى مدى الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2016. كما تقول الأمم المتحدة، تعرض 13 طفلا تتراوح أعمارهم بين 11 إلى 17 عاما للقتل بعدما اعتقدت السلطات على نحو خاطئ بأنهم كانوا يحملون أحزمة ناسفة لتفجير أنفسهم.
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

أفريقيا طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)

نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

حذَّرت تقارير أمنية في نيجيريا من حصول تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» على طائرات مسيَّرة متطورة، ينوي استخدامها في هجمات إرهابية جديدة...

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي أفراد من قوات الأمن العام السوري يحرسون في حي الأشرفية في حلب، سوريا 11 يناير 2026 (رويترز)

سوريا: توقيف عنصرين من «داعش» ضالعَين بتفجير مسجد في حمص

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الاثنين، توقيف شخصين، قالت إنهما من تنظيم «داعش»، بتهمة الضلوع في تفجير مسجد في مدينة حمص الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية دخان كثيف يتصاعد من منزل في يالوفا شهد اشتباكاً دامياً بين قوات الأمن التركية وخلية من «داعش» - 29 ديسمبر الماضي (رويترز)

كيف عمل تنظيم «داعش» في 24 ولاية تركية؟

كشفت لائحة اتهام أعدتها النيابة العامة في تركيا حول اشتباكٍ دامٍ دار بين الشرطة وخلية من «داعش» في شمال غربي البلاد أواخر 2025 عن بُنيته وخريطة انتشاره.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا صورة ملتقطة في 29 ديسمبر 2025 تظهر أحد أفراد الأمن التابعين لحركة طالبان وهو يقف حارساً بالقرب من نقطة حدودية مع باكستان (أ.ف.ب)

باكستان: أفغانستان تتحول إلى «مركز للإرهابيين» وتشكل تهديداً إقليمياً

حذّر الجيش الباكستاني، الثلاثاء، من أن أفغانستان تتحول إلى «مركز للإرهابيين والجهات الفاعلة غير الحكومية».

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
أفريقيا  قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)

نيجيريا: مقتل 9 جنود في هجوم إرهابي

تعد نيجيريا أكبر ديمقراطية في أفريقيا، ويبلغ تعداد سكانها أكثر من مائتي مليون نسمة، وصاحبة الاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا.

الشيخ محمد (نواكشوط)

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.


«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أظهرت وثائق قضائية أن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ستتخذ إجراءات قانونية لطلب رفض دعوى التشهير البالغة قيمتها 10 مليارات دولار التي رفعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضدها، والمتعلقة بتحرير برنامج «بانوراما».

وتَعرّض برنامج «بانوراما» لانتقادات في أواخر العام الماضي بسبب حلقة بُثت في 2024، إذ أعطت الانطباع بأن الرئيس الأميركي كان يشجع مؤيديه على اقتحام مبنى الكابيتول في 2021، بحسب وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وفي الحلقة، تم دمج مقطع من خطاب ترمب بتاريخ 6 يناير (كانون الثاني) 2021 ليُظهره وهو يقول: «سننزل إلى الكابيتول... وسأكون هناك معكم. وسنقاتل. سنقاتل بشراسة».

ويطالب ترمب بتعويض يصل إلى 10 مليارات دولار رداً على تعديل الخطاب، فيما زعم محاموه أن التحرير كان «زائفاً ويفتقر إلى الحقيقة ويشوه سمعته»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وستقدم هيئة الإذاعة البريطانية طلباً لرفض الدعوى، بحجة أن محكمة فلوريدا لا تتمتع بالاختصاص الشخصي عليها، وأن مكان انعقاد المحكمة غير مناسب، وأن ترمب فشل في تقديم دعوى صحيحة، وفقاً للوثائق المقدمة، مساء الاثنين، بتوقيت بريطانيا.

وستؤكد الهيئة أنها لم تقم بإنشاء أو إنتاج أو بث الوثائقي في فلوريدا، وأن ادعاء ترمب بأن الوثائقي كان متاحاً في الولايات المتحدة عبر خدمة البث «بريت بوكس» غير صحيح.

كما ستزعم الهيئة أن الرئيس فشل في تقديم دليل مقنع على أن «بي بي سي» نشرت الوثائقي بقصد إساءة أو نية خبيثة فعلية، وهو ما يُطلب من المسؤولين العموميين إثباته عند رفع دعاوى التشهير في الولايات المتحدة.

وطلبت الهيئة من المحكمة وقف جميع عمليات الاكتشاف الأخرى، وهي العملية التي يجمع فيها الطرفان معلومات قبل المحاكمة، إلى أن يصدر قرار بشأن طلب رفض الدعوى.

وتم اقتراح موعد محاكمة عام 2027 إذا استمرت القضية.