أون سان سو تشي كانت بصيص أمل لبعض الروهينغا

اللاجئ عبد السلام يعتقد أنها «عقدت صفقة مع الشيطان»

TT

أون سان سو تشي كانت بصيص أمل لبعض الروهينغا

أبناء شعبه من الروهينغا غير معترف بهم بصفتهم مواطنين والدليل على ذلك مطبوع على جلده. فقد ضربه عساكر جيش ميانمار (بورما سابقا) على قدميه بلا رحمة وتعقبوه إلى أن فر من بلاده في التسعينات من القرن الماضي. عذبوه في معسكر للاجئين ببنغلاديش عقابا على تزعم حركة رفض جماعية لسياسة بنغلاديش، التي حاولت من خلالها إجبار اللاجئين من أبناء الأقلية المسلمة العودة إلى ميانمار. عبد السلام تخيل نفسه غاندي أو مانديلا أو مارتن لوثر كينغ، ورغم أن هؤلاء جميعا شكلوا مصدر إلهام له، فقد كان هناك شخص آخر يراه عبد السلام كقارب النجاة الذي سيحمله إلى شاطئ الأمان. لم يكن ذلك الشخص سوى أون سان سو تشي، التي طالما اعتبرها أيقونة شعب ميانمار الجديدة التي جاءت لتخلصه من الاستبداد. كان حلم عبد السلام أن تواجه زعيمتهم الجديدة الجيش وأن تعيد الروهينغا إلى وطنهم بصفتهم مواطنين كغيرهم متساويين في ميانمار. تحقق الجزء الأول من الحلم وعادوا بالفعل، لكن للعيش في أكواخ متهالكة بمعسكر للاجئين في بنغلاديش، حيث يتوقع عبد السلام أن يقضى الأيام الباقية من عمره، ليخيب ظنه في سان سو تشي التي «عقدت صفقة مع الشيطان»، بحسب تعبيره.
أصبحت سو تشي في عام 2016 الرئيسة الفعلية لميانمار، لكن منذ ذلك الحين لم تفعل شيئا لوضع حد للعنف المتزايد الذي يواجهه أبناء الأقلية المسلمة من الروهينغا الذين يقطنون تاريخيا ولاية راخين في ميانمار وتم طردهم منها بعد التنكيل بهم وحرق قراهم في حملة «تطهير عرقي» كما وصفتها كثير من المنظمات الأممية. وعلى مدار الشهرين الماضيين، وصل عنف الميليشيات البوذية ضد الروهينغا إلى ذروته، وسعى أكثر من نصف مليون منهم إلى اللجوء إلى بنغلاديش المجاورة. ولا يزال الآلاف يحاولون الفرار كل يوم، ويحمل كل منهم معه قصصا عن الإعدامات بعد محاكمات شكلية قصيرة، وعن عمليات الاغتصاب التي تقوم بها العصابات البوذية والجيش، وعن قتل الأطفال. ففي بنغلاديش، انضم هؤلاء النازحون إلى مئات الآلاف مثل عبد السلام ممن فروا من المذابح المنظمة في التسعينات والعقد الأول من الألفية الجديدة.
في الحقيقة، دفع الوضع الجديد كثيرين إلى التساؤل: هل أخطأنا بالمبالغة في الأمل؟ كانت المرة الأولى التي سمع فيها عبد السلام، 62 عاما الآن، عن سو تشي عام 1988 عندما كان عمدة قريته. انتشرت الأخبار في ذلك الحين عن مظاهرات الطلاب ضد المجلس العسكري وأن ابنة الأب الروحي لميانمار الذي طالما عشقته الجماهير تتزعم حزبا سياسيا جديدا تأسس تحت اسم «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية». تصدت سو تشي للجيش، الذي اغتال والدها عام 1947 واستولى على الحكم عام 1962، ودعت إلى انتخابات وطنية. ولأنه كان يراها كـ«ضوء ساطع»، فقد قرع عبد السلام الطبول ليجمع الفلاحين من حوله ويطالبهم بمساندة «الرابطة الوطنية»، وهو ما حدث في يوم الانتخابات حيث منح غالبية شعب الروهينغا وميانمار أصواتهم لسو تشي وفاز حزبها بالانتخابات محققا انتصارا ساحقا.
بيد أن ما حدث لاحقا كان كارثيا، فقد قضت سو تشي 15 عاما من السنوات الإحدى والعشرين اللاحقة قيد الإقامة الجبرية ولم تستطع رؤية زوجها الذي توفي في بريطانيا بالسرطان خشية عدم تمكنها من العودة إلى بلادها. وعمد الجيش إلى بث الخوف وسط الطوائف التي احتضنت الثورة، وكان من بينها الروهينغا.
أصبح اسم سو تشي مرادفا للنضال في سبيل حقوق الإنسان وحصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1991، وارتفعت شعبتيها كقديسة رغم إنها نادرا ما تحدثت عن الممارسات السيئة للجيش تجاه الأقليات. لكن لو أننا رجعنا إلى الماضي، سنجد أن سو تشي لم تبدي تعاطفا يوما مع الروهينغا، وبحسب فرانسيس وويد، مؤلف كتاب «عدو ميانمار في الداخل»، لم يحدث أن خاطبت سو تشي طائفة الروهينغا في الكلمات التي ألقتها عام 1988 وهو ما كان سببا في شعور عبد السلام بالحنق الشديد. أضاف وويد أنه «لم يجد في تاريخها ما يقول إنها دعت إلى معاملة هذه الطائفة بصفتهم مواطنين»، ورغم ذلك تمسك عبد السلام ببطاقة عضويته بحزب «الرابطة الوطنية» كل تلك السنوات.
أضاف عبد السلام أن «الجنود كانوا يأتون إلى المسجد وقت الصلاة ولم نكن نستطيع الهروب وكانوا يخطفوننا ويأمروننا بحمل أمتعتهم وكأننا حمير. كانوا يأمروننا بطهي لحم الخنزير لهم، وكانوا يسكبون الخمر على قبور آبائنا. كثيرا ما أتوا قرانا لاختيار أي فتاة تعجبهم ويذهبون بها إلى بيتها ويطلبون من أهلها الخروج ثم يغتصبونها في بيتها. كانوا يفعلون كل ما تتصوره أمام أعيننا».
وقف عبد السلام ليعيد تمثيل مشهد الهجوم الذي تعرضت له قريته وبصق عن غير قصد أثناء صياحه. أخذ عبد السلام يلوح بيديه وكأنه يمسك منجلا وتقدم للأمام ملوحا به قبل أن يهوي على الكرسي منهارا ليقول بصعوبة بالغة: «هكذا قتلوا طفلا أمامي»، ثم وضع وجهه بين راحتيه وأخذ في البكاء قائلا: «كنا كالحيوانات بالنسبة لهم».
تعتبر طائفة الروهينغا أكثر الفئات تهميشا في مجتمع ميانمار، حيث يمثل البوذيون نسبة 90 في المائة من عدد السكان، ولذلك لا يرون تلك الأقلية مواطنين. ورغم أن بعض أبناء الروهينغا يزعمون بأن تاريخهم في البلاد يمتد لقرون كثيرة، يقول كثير من البوذيين إنهم يعودون لحقبة ما بعد الاستعمار وإن البريطانيين هم من أحضروهم من البنغال في القرن التاسع عشر للعمل في الحقول وإنهم تزايدوا في القرن العشرين فقط. ساهمت ملامحهم المميزة في جعلهم منبوذين، ووضعتهم هيئتهم الدينية الواضحة موضع الشك دائما، واستغل الجيش حوادث عنف قام بها أبناء الروهينغا دفاعا عن النفس (مهاجمة بعض مراكز الشرطة بالعصي والسكاكين في 52 أغسطس «آب») لاعتبار جميع أبناء الروهينغا إرهابيين.
لم تشارك سو تشي في شيطنة الروهينغا التي شاعت في أنحاء ميانمار، بل اعترضت على استخدام كلمة «الروهينغا»، حيث يفضل المتحدث باسم مكتبها استخدام لفظ «البنغالي»، للدلالة على أنهم مهاجرون غير شرعيين رغم أنهم ولدوا على أرض ميانمار. وفي كلمة لها الأسبوع الماضي تحدثت فيه عن الأزمة الراهنة، وصفت سو تشي أبناء الروهينغا بكلمة «هؤلاء الذين عبروا الحدود إلى بنغلاديش».
في الحقيقة، لم تصدر أوامر التصدي للروهينغا عن سو تشي، بل عن الجنرال مين أونغ هالينغ الذي يعد أكبر قائد عسكري في البلاد. لكن لم تعترف رئيسة البلاد بالفظائع التي ترتكب في حقهم رغم أنها وثقت بكل تفاصيلها من قبل الصحافيين ومن قبل جمعيات حقوق الإنسان.
لكن رئيسة البلاد نفت هي والجيش مزاعم إبادة أو حتى طرد أقلية الروهينغا خارج البلاد، وزعمت بأن عمليات «التصفية العرقية» التي جرت في قرى الروهينغا تهدف إلى إخماد ثورة الإسلاميين هناك. واستمرت الأمم المتحدة في وصف ما يجرى باعتباره «تطهيرا عرقيا» وأن هدف الجيش ليس طرد الروهينغا بل منع عودتهم إلى البلاد مجددا عن طريق حرق المئات من قراهم.
ويعكس موقف سو تشي المتخاذل مما يجري استمرار خضوعها للجيش الذي يهيمن بدوره على الحكومة رغم الامتيازات التي قدمها والمفترض أن تعزز الديمقراطية.
الجدير بالذكر أن نحو ربع مقاعد البرلمان مخصصة للجيش شأن وزارات الداخلية والخارجية والدفاع، ناهيك عن غالبية المقاعد بمجلس الدفاع الوطني، ومجلس الأمن الوطني الذي يملك صلاحية حل الحكومة. ويعنى ذلك أن الجيش بمقدوره القفز في المشهد واستبدال سو تشي حال شعر بأنها تتدخل في صلاحياته وخططه، وفي حال ساندت رئيسة البلاد طائفة الروهينغا فسوف تتراجع شعبيتها بين الأكثرية البوذية، مما يجعل عزلها عن منصبها أمرا سهلا.
ولذلك فإن حصول مواطني الروهينغا على حق المواطنة أمر غير قابل للنقاش في ظل المناخ السياسي الحالي، وبحسب وويد، فإن «الفرص تتضاءل أكثر وأكثر». تلاشى هذا الحلم أيضا بالنسبة لمحمد صديق الذي طالما افتخر والده محمد حسين بكونه حامل راية حزب «الرابطة الوطنية»، وما زال يذكر أن بطاقة عضوية والده في الحزب أنقذتهم من الترحيل القسري في التسعينات.
وكشف صديق عن أن «الأمم المتحدة أخبرت البنغاليين أن أي شخص ذي صلة بالرابطة الوطنية معرض للقتل أكثر من غيره حال عودته إلى بلاده»، مضيفا أن والده قال لأحد القضاة ذات مرة إنه «عندما تأتي الديمقراطية إلى ميانمار فسوف نعود إليها فورا وحينها سيحصر علم الرابطة الوطنية الأحمر الذي أخذه معه ليدعنا نراه».
توفي حسين عام 2014 بعد أن عاش سنوات طويلة فقد خلالها الأمل في الرابطة الوطنية، لكن لحسن حظه لم يشهد المذابح التي حلت بشعب الروهينغا في الشهرين الأخيرين، والآن بلغ ابنه 33 عاما وأصبح على يقين من أن شعب الروهينغا سيعيش من دون دولة تحتضنهم إلى الأبد.

* خدمة «واشنطن بوست»



بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.