المثقفون سلاحاً للإمبراطورية البريطانية

صاغوا صورة المسلم «المتطرف» في العقل الأوروبي قبل «داعش» بمائة عام

كيبلنغ
كيبلنغ
TT

المثقفون سلاحاً للإمبراطورية البريطانية

كيبلنغ
كيبلنغ

ربما كان المفكر الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي (1892 - 1937) أول من تحدث بوضوح دامغ عن دور المثقفين أفراداً ومؤسسات في التمكين لهيمنة الطبقات الحاكمة على المجتمع من خلال تقديم نموذج فكري وأخلاقي تتبناه الأغلبية، ويصبح بمثابة نظام يحكم رأيها وتوجهاتها. غرامشي استخلص فهمه لصنّاع الثقافة من تحليله العميق لأدوار مثقفين إيطاليين فلاسفة وروائيين ومسرحيين وأدباء وصحافيين، وبيّن كيف اندرج كل منهم - بوعي أو من غير - في خدمة مصالح الطبقة المهيمنة دائماً. وقد طورت مدرسة فرنكفورت أفكاراً مماثلة، في حين نقلتها نظريّة الاستشراق لإدوارد سعيد (1935 - 2003) إلى مجال أرحب عندما كشف عن دور مئات السنوات من العمل الموجه للمستشرقين في خلق صورة للإسلام - والآخر غير الأوروبي - بوصفه نقيضاً للغرب المتحضر والمتقدّم: إرهاب وتدمير وقتل وقطعان من المتوحشين المنفلتين على كل رموز الحضارة الغربيّة وممثليها.
الباحث البريطاني أندرو غلازارد، المتخصص في تاريخ الآداب، يبني على هذا التراث التحليلي العميق، ليقدم نظريّة جريئة تقول بأنه منذ أكثر من مائة عام قبل ظهور «داعش» تشكلّت صورة المسلم الإرهابي - كما هي سائدة في وسائل الإعلام اليوم وفي مخيّلة معظم الغربيين للأسف - على يد جيل محددٍ من المثقفين الإنجليز الروائيين منهم على وجه الخصوص إبّان عصر الإمبراطوريّة البريطانيّة الفيكتوري، وهم عبر مجموعة ضخمة من الأعمال الأدبيّة - وبخاصة الرّوايات التي كانت أداة الثقافة الشعبيّة الأولى لذلك العصر - صاغوا مخيلة شعب الإمبراطوريّة التي لم تغب عنها الشمس يومها بشأن ربط الإسلام بالعنف وسفك الدماء والبربرية والتخلف.
وبالفعل فإن روائيين مشهورين مثل آرثر كونان دويل وريديارد كيبلنغ وجي إيه هينتي وآخرين خبا نجمهم الآن، لكنهم كانوا معروفين على نطاق واسع في أرجاء الإمبراطوريّة شكلوا بمجموعهم ما يشبه أداة بروبوغاندا فائقة التأثير استكملت رسم صورة الآخر وفق ما يكون في مصلحة الإمبراطوريّة، بالطبع إلى جانب التقارير الصحافية والرسائل الدبلوماسيّة والمناقشات البرلمانيّة الصاخبة، بل ومثلت أعمالهم في بعض الأحايين أداة للضغط باتجاه تنفيذ الحملات العسكريّة وإيقاع الأذى بكل من تسوّل له نفسه بالتصدي للجيش البريطاني أو حتى التفكير بإبداء أي شكل من أشكال المقاومة.
يذهب غلازارد الذي نشر كتاباً معروفاً عن أعمال كونراد الروائيّة - وكانت الأخيرة موضوع تشريح مبضع إدوارد سعيد - بأن نقطة بداية صياغة تلك الصورة كانت تحديداً من تقاطع حدثين تاريخيين: الأول كان استثمار بريطانيا الفيكتوريّة الكثيف في مشروع قناة السويس، لضمان السيطرة على طرق التجارة مع مستعمرات الإمبراطوريّة فيما وراء البحار لا سيما الهند، ولاحقاً الاحتلال العسكري لمصر عام 1882، بينما كان الثاني سبقه بعام واحد وتمثّل في موجة صعود ثوري غير مسبوق بالجزء السوداني من مصر بقيادة الإمام المهدي. كان من الممكن أن تخمد ثورة المهديين وتنتهي كنبضة صغيرة في تاريخ الشرق لولا سوء إدارة الحملات العسكريّة المصريّة - البريطانيّة التي أرسلت نحو الجنوب وربما شجاعة السودانيين الفائقة التي مزقت الجهد العسكري البريطاني مرة بعد مرّة على نحو كرّس صورة المهدي في أذهان السودانيين كقائد ملهم. وقد تسبب ذلك الفشل حينها بقيام دولة مستقلة في أجزاء واسعة من السودان، اعتمدت أحكام الشريعة الإسلاميّة، وتبنت برنامجاً طموحاً لغزو القاهرة، ومنها إلى السيطرة على أملاك الخلافة العثمانيّة كافة.
في لندن وقتها دفعت عُصْبة من صقور قيادات الجيش بالتعاون مع صحافيين ثرثارين باتجاه تشكيل رأي عام ضاغط لإرسال الجنرال تشارلز غوردن - وهو كان تولى إدارة السودان في وقت ما - لقيادة حملة تأديبيّة تنهي الحالة المهديّة من جذورها وتستعيد خضوع الأملاك المصريّة في الجنوب. وقد نجحت تلك الضغوط على رئيس الوزراء المتردد ويليام غلادستون بإرسال غوردن إلى الخرطوم عام 1884، قبل أن يطبق عيها حصار المهديين فتسقط بأيديهم خلال أقل من عام. قتل في هذه الهزيمة الجديدة ما يزيد على عشرة آلاف من سكان المدينة المحاصرة والجنود البريطانيين، لكن بالنسبة للصحافة والمخيال الشعبي في بريطانيا فإن موتاً واحداً فقط كان يستحق الوقوف عنده: لقد قتل غوردن وجز رأسه في إهانة غير مسبوقة لشرف الإمبراطوريّة. كان ذلك كل ما احتاجه صقور لندن وقتها: شهيد تتوحد جهود الحرب خلف رسمه، وبالفعل فقد طوبته صحافة تلك الأيام قديساً شهيداً للإمبراطورية، وتحول خلال وقت وجيز إلى أيقونة في الثقافة الشعبية عبر العالم البريطاني من ملبورن إلى لندن، وأصبح ضيفاً دائماً على الروايات الأدبيّة من تلك الفترة، بل وعلّقت صورة كبيرة له داخل غرفة جلوس شرلوك هولمز في بيكر ستريت بلندن، كما في تقارير الصحف الصفراء تلك الأيام.
كتب حينها كيبلنغ روايته المشهورة (الضوء الذي خبا - 1891) عن حملة انتقاميّة لاستعادة جسد القديس الشهيد غوردن، وشاركته جموع من المثقفين الملتحقين في خدمة الهيمنة الإمبراطوريّة روائيين وصحافيين وشعراء ورسامين بتكوين تيار سياسي عريض يدفع باتجاه تأديب السودانيين. غوردن لم يصبح في تلك الأعمال مجرد شهيد تهوي إليه الأفئدة، بل نموذجاً مجسداً لكل معنى نبيلٍ بالحضارة الغربيّة. هدف هذا النموذج ليس غوردن بحد ذاته (وهو ما تبين لاحقاً في سير كتبت بعد عقود من كونه قائداً عسكرياً فاشلاً وسكيراً معربداً)، بل نحْتُ شخصية العدو النقيض: الدراويش المسلمون المتوحشون ذوو الجبب الذين يستمتعون بالقسوة، ويتفننون في أساليب القتل والسحل والاغتصاب والعنف، ويمثلون بتخلفهم وسوء أخلاقهم وعدوانيتهم غير المبررة سوى بالتطرف الديني الأعمى أكبر تهديد للحضارة والقيم الغربيّة. وهكذا عندما قاد اللورد هيربرت كيتشنر حملته الناجحة على السودان بعد ست سنوات، هتف بجنوده في معركة عطبرة الحاسمة عام 1898 «من أجل غوردن».
لا شك أن هؤلاء المثقفين المنخرطين في خدمة المجهود الحربي للإمبراطوريّة تناولوا بعض تفاصيل واقعية متناثرة من هنا وهناك في إطار الحدث السوداني، لكنهم أعادوا رسم (حقيقة) متخيلة معقدة من تداخل خيوط متعددة جعلت الأمور وكأنها ليست لها علاقة بالواقع. حتى شجاعة السودانيين غير المسبوقة صوّرت وكأنها تطرّف مهووس مقابل الشجاعة الواثقة والتضحيّة الكريمة للبريطانيين. وهي جعلت من التطرف جامعاً لكل أطياف السودانيين عرباً وزنوجاً، والسودان نفسه وكأنه بلاد واق واق خارج مشروع الحضارة الإنسانيّة بالكامل.
بالطبع فإن مؤرخين لاحقين تخلصوا من عبء الشحن الآيديولوجي تحدثوا بنوع من الحياديّة عن السودان الثائر كدولة ذات نظام بيروقراطي متقدم، مثّل بعض قادتها نماذج ممتازة تضاهي قدرة رجال أي دولة متقدمة على التفاوض وإدارة العلاقات الدبلوماسية، وشكلت التجربة بمجملها نقلة نوعيّة للمواطنين العاديين الذين عانوا ولعقود طويلة من تعامل القاهرة معهم كحديقة خلفيّة مهملة. كما أن المواجهة الصلبة التي قدمتها قوات تلك الدولة الثائرة بالتصدي لحملات ذات استعداد تقني برسم الإمبراطوريّة تشير إلى حس تنظيمي عال وشجاعة فائقة في مواجهة قوات غازية استعماريّة ليس لها مبرر للظهور في تلك البقعة من العالم سوى جشع الرأسماليين الإنجليز وأحلام توسع عسكرهم السقيمة.
لكن ذلك لا يجدي كثيرا الآن. فالتجربة التحررية السودانيّة - بغض النظر عن دوافعها الآيديولوجيّة المرتبطة بظروفها المحليّة - أجهضت، وأعيد السودان حبيساً للاستعمار وللهيمنة الأجنبيّة. والأخطر من ذلك كله أن مثقفي تلك المرحلة أطلقوا لنا مسخ الإسلاموفوبيا البشع، الذي وفي عصر أحدث منتجات الإعلام والاتصال المتقدمة، ما زال حياً يرزق يعتاش على الكراهية والعنف والتصورات المسبقة.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).