بغداد في عصريها الذهبيين

كازويل يرصد في مجموعة كتب بالإنجليزية فترات حرجة من تاريخ المنطقة

«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
TT

بغداد في عصريها الذهبيين

«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»

لا نستعرض هنا كتابا واحدا إنما مجموعة من الكتب تشكل إضافة معرفية حقيقية في مجالي الأدب والأكاديميا. هذه الكتب صادرة باللغة الإنجليزية في الفترة من 2003 إلى 2016. ما يربط هذه المجموعة من الكتب هو بغداد بعصريها الذهبيين. نعم كان لبغداد عصران ذهبيان. الأول خلال فترة الدولة العباسية، وهو ما يتفق عليه الجميع بلا جدال، والثاني خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي قضاها مؤلف هذه المجموعة من الكتب، الدكتور فؤاد كازويل في بغداد قبل أن يغادرها إلى الأبد عام 1957 للدراسة ثم ليستقر بشكل نهائي في بريطانيا قاطعا كل صلة له ببغداد. لقد بدأ بدراسة الأدب العربي ثم الأدب الفرنسي، بعد ذلك بدأ الدكتوراه في جامعة أكسفورد لكنه لم يكملها، ليتحول إلى دراسة القانون. وعمل بالمحاماة والقضاء لأكثر من خمسين سنة. وبعد أن تقاعد عن العمل، عاد لإكمال الدكتوراه في الجامعة نفسها حول التاريخ الاجتماعي والثقافي للجواري والقيان (المحظيات) في العصر العباسي، ومنها عاد إلى بغداد على الورق، بعدة مؤلفات، كان أولها هو «جواري بغداد» والكتاب يستند أساسا على رسالته للدكتوراه. في هذا الكتاب الذي يشبه به الجواري والمحظيات بفتيات «الجيشا» في الثقافة اليابانية، يخص بالدراسة أربع جوار شاعرات هن عنان، عُريب، سكن، وفضل. ويتطرق إلى تفاصيل حياة الخلفاء في تلك الفترة وأهمية امتلاك القيان في تلك الفترة الذهبية، وحيّز الحرية المعطى لهن في التعليم والعزف والغناء والرقص. ويركز الكتاب بشكل كبير على إشعارهن بترجمة دقيقة وشروح وافية وبتصنيفه كشعر نسائي مقابل الشعر الذكوري السائد في عصور الخلافة الإسلامية.
الكتاب الثاني هو ترجمة خمريات أبو نواس إلى اللغة الإنجليزية. يبدأ الكتاب، بعد المقدمة، بقصيدة أبي نواس الشهيرة «دع عنك لومي»:
دع عنك لومي فإن اللـوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها
لـو مسّـها حجـر مسّته سـرّاء
ويشير المترجم إلى قصة إبراهيم النظّام الذي بعد تحوله إلى مذهب المعتزلة صار يلوم على أبي نواس شربه للخمر ومغازلة الصبيان، فكانت هذه القصيدة هي رد أبي نواس على النظّام.
يخصص الدكتور كازويل مقدمة الخمريات للحديث عن الفترة العباسية في العراق، لكون العراق يختلف عن بقية البلاد العربية الأخرى لتنوع الإثنيات والطبقات الاجتماعية به واختلاف الأديان والمذاهب. الأمر الذي جعل العراق يختلف تماما عن بقية المناطق بعد الإسلام. ويسهب بعض الشيء بتحليل الخلفية الاجتماعية والسياسية التي هيأت الأجواء لأبي نواس وهذا النوع من الشعر وكذلك البصمات التي خلّفها أبو نواس على الثقافة السائدة آنذاك، خصوصا فترة الخليفة الأمين.
وضمن تلك الفترة الزمنية، يخصص كازويل كتاب «العازفون المحترفون الثلاثة» لأشهر موسيقيي العصر العباسي وهم إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق الموصلي، بينما الثالث هو إبراهيم بن المهدي، الذي كان ابن الخليفة المهدي وعمّاً لعدد من الخلفاء وكان هو أيضا خليفة لبغداد ولكن لفترة زمنية بسيطة، إذ كان يُعرف بالخليفة الأسود بسبب لونه. في هذا الكتاب أيضا يشرح المؤلف الظروف الثقافية والاجتماعية التي أبرزت هؤلاء العازفين ويسرد الكثير من القصص عن حياتهم وعلاقاتهم بالخلفاء والمحظيات والجواري. من تلك القصص مثلا قصة إسحاق الموصلي وحبه الشديد للمال، وولعه بإحدى جواري الخليفة وغيرها. ويتطرق الكتاب أيضا بتفاصيل وافية للآلات الموسيقية المستخدمة آنذاك وتنوع الألحان وجذورها والقصائد المغناة.
كتاب «أصوات الشوارع العربية» كما يشير العنوان يرصد تعدد اللهجات العربية - الشفهية غير المكتوبة، وتمايزها عن اللغة الفصحى المكتوبة الموحّدة في الدول العربية كافة. لكن الكتاب يركّز بشكل واضح على اللهجة العراقية «البغدادية تحديدا»، لكونها المدينة التي نشأ ودرس بها الكاتب، وذلك من خلال مفردات وأمثال شعبية مع قصة كل مثل وكيفية نطق الكلمات للقارئ غير العربي. ويعود الكاتب إلى التاريخ القصير الذي ظهرت به قصائد الملا عبود الكرخي العامية مطبوعة في جريدة «الديوان»، وذلك بعد الحرب العالمية الأولى، والتي من خلالها كان ينتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق.
يُقسم الكتاب إلى أجزاء، كل جزء يُعنى بالأمثال الخاصة بموضوع معين، كالحسد، النفاق، العمل، القلق، الإهانة، إلخ. فمن الأمثال الطريفة على النفاق مثلا: «امدح البدوي وخذ عباته»، أو مثل «بغل القاضي» وهو البغل الذي كان يرافق القاضي أينما ذهب، فكان الناس يتقربون للقاضي من خلال مدح بغله، ولما مات البغل ذهب الناس لعزاء القاضي به وصحبوه إلى المقبرة، لكن عندما مات القاضي لم يحضر جنازته أحد. مثل طريف آخر هو «دير بالك من أبو شفقة» أي «احذر من لابس القبعة» والشفقة هي القبعة باللهجة العراقية، وكما يقول المؤلف فهي مشتقة من كلمة chapeaa الفرنسية وينطقها يهود بغداد shapqa.
يذكر أيضا كلمة عراقية شهيرة هي «أبو ناجي» ويقصد به الإنجليز، وشاعت هذه التسمية بعد الحرب العالمية الأولى. فيقولون مثلا «أبو ناجي عم الوزير». كما يرصد الكتاب الكلمات العربية المشتقة من أصل إنجليزي مثل: كوب - كأس، بطل - قنينة، ورور - مسدس، رَبل - العربة المسحوبة بحصان.
يحوي الكتاب كلمات وأمثالا كثيرة وطريفة مع شرح لمعانيها وأصولها، لا أظن أن الكثير من العراقيين يعرفونها، وأخرى متشابهة في كل الدول العربية مثل: «الحر تكفيه الإشارة»: «الكلام لك واسمع يا جار»: «خوجه علي ملّا علي» وغيرها.
الكتاب الخامس «ابن مناشي» وهو مجموعة قصص قصيرة متنوعة يمكن تقسيمها زمنيا إلى ثلاث فترات، الأولى تتصل بالأيام الأخيرة لوجود العثمانيين في بغداد إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم ترصد صعود المد القومي في العراق الجديد، وتبرز هنا بعض جوانب التطرف ضد «الآخر» ومنهم - تحديدا - اليهود العراقيون. وقد يكون عنوان قصة «الفرهود» هو الأقرب لذاكرة العراقيين في هذه المرحلة، لكن الحقيقة أن قصة «ابن مناشي» هي الأكثر واقعية وتعبيرا عن ارتباك المد القومي حينها وتدنيه إلى درجة خلقت الفوضى ليس على الصعيد السياسي فقط إنما في الجوانب الاجتماعية والثقافية أيضا. وابن مناشي هذا هو طفل لعائلة بغدادية يهودية، لا يذكر المؤلف اسمه، دائما يصحبه والده معه إلى مقهى الحي حيث يلتقي بأصدقائه ويبدأ الحديث المعتاد عن السياسة ومتابعة أخبار الحرب العالمية الثانية حيث يشكل راديو المقهى خلفية لأحداث القصة. وفي أحد الأيام أثناء جلوسهم المعتاد في المقهى تُسمع هتافات من بعيد «يحيا نبوخذ نصر... يحيا هتلر». أهمية القصة وتميزها هنا ليس فقط بإلقاء الضوء على بدء «التطرف القومي والديني»، إنما من الناحية الأدبية حيث يُعطى الدور الأكبر أو دور البطولة - إذا جاز لنا التعبير - للطفل ابن مناشي ليحسم الموقف. والحقيقة، لم أقرأ من قبل سوى قصة قصيرة واحدة لآرثر ميلر «بعنوان لن أحتاجك بعد اليوم» فيها أيضا يكون الطفل هو صانع الحدث والمؤثر به إلى النهاية.
أما المجموعة الثانية من القصص فتقع خلال فترة الحرب الباردة والتحولات الاجتماعية والسياسية في أوروبا، يرصدها المؤلف بعين الغريب لكن المرتبط تماما بنوع الحدث. من هذه القصص قصة بعنوان «الرحلة»، تعكس تماما أجواء التجسس والترقب والحذر وكأن شيئا ما - لا نعرف ما هو - سيحدث في أي لحظة. تبدأ القصة بالراوي كأنه يعطي اتجاهات السير على الطريق السريعة لبطل القصة، الذي أيضا لا نعرف من هو - لكن أفكاره تتقطع بين ما يبدو ذكريات عائلية حميمة مع حفيدته وبين ما يدور على الطريق وحادث اصطدام السيارتين أمامه وتجمع الناس لمشاهدة بقايا الحادث والجثث التي تبدأ بالتفحم. ثم عودة أخرى إلى التداعيات الذهنية لتبين لنا أن أحد الشخصين من «صفد» والآخر «بقفطان وعمامة»، ويسترسل المونولوغ الداخلي إلى أن يصل إلى حوار بين اثنين بسطرين فقط والمتحدث شخص واحد ليقول له - أو لنا - إن «المدعو آدم هو بالحقيقة هادم وأبراهام هو إبرآم». بسلاسة وسرعة تترك هذه القصة والقصص الأخرى مشاعر مرتبكة لكن بكمية كبيرة من المعلومات عن أوروبا - أو بريطانيا تحديدا - خلال الحرب الباردة.
القسم الثالث يحوي مجموعة قصص بلا زمن. عن الجريمة والعقاب والعدالة. حتما ترتبط بطبيعة عمل المؤلف في مجال المحاماة والقضاء لأكثر من نصف قرن.
الكتاب الأخير «ستيفان ومسرحيات أخرى» هو مجموعة مسرحيات بموضوعات مختلفة تتخذ من بريطانيا مسرحا واقعيا مثيرا لكثير من الجدل على المستويين السياسي والاجتماعي. مسرحية «ستيفان» التي أعطيت عنوانا للكتاب، هي واقع قضية هزّت القضاء البريطاني والرأي العام في السبعينات من القرن الماضي حين اتهم مراهق مهاجر مختل عقليا باغتصاب وقتل فتاة إنجليزية صغيرة ويحكم عليه بالسجن. وبعد ستة عشر عاما، بتطور أساليب التحقيق واستخدام الحمض النووي، تظهر براءة ستيفان، لكن حينها يكون ستيفان قد مات في السجن. وهذا النص يعبر فيه كازويل عن ندمه وعن القصور في أدوات وأساليب التحقيق، إذ كان هو محامي الادعاء في القضية حينها.
لا أشك أن القارئ العربي أو الإنجليزي سيجد في أعمال الدكتور فؤاد كازويل إضافة ثرية في مجالات التاريخ الإسلامي، اللغة، القصة والمسرح، لكونها ترصد بدقة وحساسية عالية فترات حرجة جدا من تاريخ المنطقة. وجدير بالذكر أيضا أن للدكتور كازويل مساهمات في الموسوعة العالمية للإسلام الصادرة من هولندا.



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.