بغداد في عصريها الذهبيين

كازويل يرصد في مجموعة كتب بالإنجليزية فترات حرجة من تاريخ المنطقة

«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
TT

بغداد في عصريها الذهبيين

«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»

لا نستعرض هنا كتابا واحدا إنما مجموعة من الكتب تشكل إضافة معرفية حقيقية في مجالي الأدب والأكاديميا. هذه الكتب صادرة باللغة الإنجليزية في الفترة من 2003 إلى 2016. ما يربط هذه المجموعة من الكتب هو بغداد بعصريها الذهبيين. نعم كان لبغداد عصران ذهبيان. الأول خلال فترة الدولة العباسية، وهو ما يتفق عليه الجميع بلا جدال، والثاني خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي قضاها مؤلف هذه المجموعة من الكتب، الدكتور فؤاد كازويل في بغداد قبل أن يغادرها إلى الأبد عام 1957 للدراسة ثم ليستقر بشكل نهائي في بريطانيا قاطعا كل صلة له ببغداد. لقد بدأ بدراسة الأدب العربي ثم الأدب الفرنسي، بعد ذلك بدأ الدكتوراه في جامعة أكسفورد لكنه لم يكملها، ليتحول إلى دراسة القانون. وعمل بالمحاماة والقضاء لأكثر من خمسين سنة. وبعد أن تقاعد عن العمل، عاد لإكمال الدكتوراه في الجامعة نفسها حول التاريخ الاجتماعي والثقافي للجواري والقيان (المحظيات) في العصر العباسي، ومنها عاد إلى بغداد على الورق، بعدة مؤلفات، كان أولها هو «جواري بغداد» والكتاب يستند أساسا على رسالته للدكتوراه. في هذا الكتاب الذي يشبه به الجواري والمحظيات بفتيات «الجيشا» في الثقافة اليابانية، يخص بالدراسة أربع جوار شاعرات هن عنان، عُريب، سكن، وفضل. ويتطرق إلى تفاصيل حياة الخلفاء في تلك الفترة وأهمية امتلاك القيان في تلك الفترة الذهبية، وحيّز الحرية المعطى لهن في التعليم والعزف والغناء والرقص. ويركز الكتاب بشكل كبير على إشعارهن بترجمة دقيقة وشروح وافية وبتصنيفه كشعر نسائي مقابل الشعر الذكوري السائد في عصور الخلافة الإسلامية.
الكتاب الثاني هو ترجمة خمريات أبو نواس إلى اللغة الإنجليزية. يبدأ الكتاب، بعد المقدمة، بقصيدة أبي نواس الشهيرة «دع عنك لومي»:
دع عنك لومي فإن اللـوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها
لـو مسّـها حجـر مسّته سـرّاء
ويشير المترجم إلى قصة إبراهيم النظّام الذي بعد تحوله إلى مذهب المعتزلة صار يلوم على أبي نواس شربه للخمر ومغازلة الصبيان، فكانت هذه القصيدة هي رد أبي نواس على النظّام.
يخصص الدكتور كازويل مقدمة الخمريات للحديث عن الفترة العباسية في العراق، لكون العراق يختلف عن بقية البلاد العربية الأخرى لتنوع الإثنيات والطبقات الاجتماعية به واختلاف الأديان والمذاهب. الأمر الذي جعل العراق يختلف تماما عن بقية المناطق بعد الإسلام. ويسهب بعض الشيء بتحليل الخلفية الاجتماعية والسياسية التي هيأت الأجواء لأبي نواس وهذا النوع من الشعر وكذلك البصمات التي خلّفها أبو نواس على الثقافة السائدة آنذاك، خصوصا فترة الخليفة الأمين.
وضمن تلك الفترة الزمنية، يخصص كازويل كتاب «العازفون المحترفون الثلاثة» لأشهر موسيقيي العصر العباسي وهم إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق الموصلي، بينما الثالث هو إبراهيم بن المهدي، الذي كان ابن الخليفة المهدي وعمّاً لعدد من الخلفاء وكان هو أيضا خليفة لبغداد ولكن لفترة زمنية بسيطة، إذ كان يُعرف بالخليفة الأسود بسبب لونه. في هذا الكتاب أيضا يشرح المؤلف الظروف الثقافية والاجتماعية التي أبرزت هؤلاء العازفين ويسرد الكثير من القصص عن حياتهم وعلاقاتهم بالخلفاء والمحظيات والجواري. من تلك القصص مثلا قصة إسحاق الموصلي وحبه الشديد للمال، وولعه بإحدى جواري الخليفة وغيرها. ويتطرق الكتاب أيضا بتفاصيل وافية للآلات الموسيقية المستخدمة آنذاك وتنوع الألحان وجذورها والقصائد المغناة.
كتاب «أصوات الشوارع العربية» كما يشير العنوان يرصد تعدد اللهجات العربية - الشفهية غير المكتوبة، وتمايزها عن اللغة الفصحى المكتوبة الموحّدة في الدول العربية كافة. لكن الكتاب يركّز بشكل واضح على اللهجة العراقية «البغدادية تحديدا»، لكونها المدينة التي نشأ ودرس بها الكاتب، وذلك من خلال مفردات وأمثال شعبية مع قصة كل مثل وكيفية نطق الكلمات للقارئ غير العربي. ويعود الكاتب إلى التاريخ القصير الذي ظهرت به قصائد الملا عبود الكرخي العامية مطبوعة في جريدة «الديوان»، وذلك بعد الحرب العالمية الأولى، والتي من خلالها كان ينتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق.
يُقسم الكتاب إلى أجزاء، كل جزء يُعنى بالأمثال الخاصة بموضوع معين، كالحسد، النفاق، العمل، القلق، الإهانة، إلخ. فمن الأمثال الطريفة على النفاق مثلا: «امدح البدوي وخذ عباته»، أو مثل «بغل القاضي» وهو البغل الذي كان يرافق القاضي أينما ذهب، فكان الناس يتقربون للقاضي من خلال مدح بغله، ولما مات البغل ذهب الناس لعزاء القاضي به وصحبوه إلى المقبرة، لكن عندما مات القاضي لم يحضر جنازته أحد. مثل طريف آخر هو «دير بالك من أبو شفقة» أي «احذر من لابس القبعة» والشفقة هي القبعة باللهجة العراقية، وكما يقول المؤلف فهي مشتقة من كلمة chapeaa الفرنسية وينطقها يهود بغداد shapqa.
يذكر أيضا كلمة عراقية شهيرة هي «أبو ناجي» ويقصد به الإنجليز، وشاعت هذه التسمية بعد الحرب العالمية الأولى. فيقولون مثلا «أبو ناجي عم الوزير». كما يرصد الكتاب الكلمات العربية المشتقة من أصل إنجليزي مثل: كوب - كأس، بطل - قنينة، ورور - مسدس، رَبل - العربة المسحوبة بحصان.
يحوي الكتاب كلمات وأمثالا كثيرة وطريفة مع شرح لمعانيها وأصولها، لا أظن أن الكثير من العراقيين يعرفونها، وأخرى متشابهة في كل الدول العربية مثل: «الحر تكفيه الإشارة»: «الكلام لك واسمع يا جار»: «خوجه علي ملّا علي» وغيرها.
الكتاب الخامس «ابن مناشي» وهو مجموعة قصص قصيرة متنوعة يمكن تقسيمها زمنيا إلى ثلاث فترات، الأولى تتصل بالأيام الأخيرة لوجود العثمانيين في بغداد إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم ترصد صعود المد القومي في العراق الجديد، وتبرز هنا بعض جوانب التطرف ضد «الآخر» ومنهم - تحديدا - اليهود العراقيون. وقد يكون عنوان قصة «الفرهود» هو الأقرب لذاكرة العراقيين في هذه المرحلة، لكن الحقيقة أن قصة «ابن مناشي» هي الأكثر واقعية وتعبيرا عن ارتباك المد القومي حينها وتدنيه إلى درجة خلقت الفوضى ليس على الصعيد السياسي فقط إنما في الجوانب الاجتماعية والثقافية أيضا. وابن مناشي هذا هو طفل لعائلة بغدادية يهودية، لا يذكر المؤلف اسمه، دائما يصحبه والده معه إلى مقهى الحي حيث يلتقي بأصدقائه ويبدأ الحديث المعتاد عن السياسة ومتابعة أخبار الحرب العالمية الثانية حيث يشكل راديو المقهى خلفية لأحداث القصة. وفي أحد الأيام أثناء جلوسهم المعتاد في المقهى تُسمع هتافات من بعيد «يحيا نبوخذ نصر... يحيا هتلر». أهمية القصة وتميزها هنا ليس فقط بإلقاء الضوء على بدء «التطرف القومي والديني»، إنما من الناحية الأدبية حيث يُعطى الدور الأكبر أو دور البطولة - إذا جاز لنا التعبير - للطفل ابن مناشي ليحسم الموقف. والحقيقة، لم أقرأ من قبل سوى قصة قصيرة واحدة لآرثر ميلر «بعنوان لن أحتاجك بعد اليوم» فيها أيضا يكون الطفل هو صانع الحدث والمؤثر به إلى النهاية.
أما المجموعة الثانية من القصص فتقع خلال فترة الحرب الباردة والتحولات الاجتماعية والسياسية في أوروبا، يرصدها المؤلف بعين الغريب لكن المرتبط تماما بنوع الحدث. من هذه القصص قصة بعنوان «الرحلة»، تعكس تماما أجواء التجسس والترقب والحذر وكأن شيئا ما - لا نعرف ما هو - سيحدث في أي لحظة. تبدأ القصة بالراوي كأنه يعطي اتجاهات السير على الطريق السريعة لبطل القصة، الذي أيضا لا نعرف من هو - لكن أفكاره تتقطع بين ما يبدو ذكريات عائلية حميمة مع حفيدته وبين ما يدور على الطريق وحادث اصطدام السيارتين أمامه وتجمع الناس لمشاهدة بقايا الحادث والجثث التي تبدأ بالتفحم. ثم عودة أخرى إلى التداعيات الذهنية لتبين لنا أن أحد الشخصين من «صفد» والآخر «بقفطان وعمامة»، ويسترسل المونولوغ الداخلي إلى أن يصل إلى حوار بين اثنين بسطرين فقط والمتحدث شخص واحد ليقول له - أو لنا - إن «المدعو آدم هو بالحقيقة هادم وأبراهام هو إبرآم». بسلاسة وسرعة تترك هذه القصة والقصص الأخرى مشاعر مرتبكة لكن بكمية كبيرة من المعلومات عن أوروبا - أو بريطانيا تحديدا - خلال الحرب الباردة.
القسم الثالث يحوي مجموعة قصص بلا زمن. عن الجريمة والعقاب والعدالة. حتما ترتبط بطبيعة عمل المؤلف في مجال المحاماة والقضاء لأكثر من نصف قرن.
الكتاب الأخير «ستيفان ومسرحيات أخرى» هو مجموعة مسرحيات بموضوعات مختلفة تتخذ من بريطانيا مسرحا واقعيا مثيرا لكثير من الجدل على المستويين السياسي والاجتماعي. مسرحية «ستيفان» التي أعطيت عنوانا للكتاب، هي واقع قضية هزّت القضاء البريطاني والرأي العام في السبعينات من القرن الماضي حين اتهم مراهق مهاجر مختل عقليا باغتصاب وقتل فتاة إنجليزية صغيرة ويحكم عليه بالسجن. وبعد ستة عشر عاما، بتطور أساليب التحقيق واستخدام الحمض النووي، تظهر براءة ستيفان، لكن حينها يكون ستيفان قد مات في السجن. وهذا النص يعبر فيه كازويل عن ندمه وعن القصور في أدوات وأساليب التحقيق، إذ كان هو محامي الادعاء في القضية حينها.
لا أشك أن القارئ العربي أو الإنجليزي سيجد في أعمال الدكتور فؤاد كازويل إضافة ثرية في مجالات التاريخ الإسلامي، اللغة، القصة والمسرح، لكونها ترصد بدقة وحساسية عالية فترات حرجة جدا من تاريخ المنطقة. وجدير بالذكر أيضا أن للدكتور كازويل مساهمات في الموسوعة العالمية للإسلام الصادرة من هولندا.



«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فحسب، بقدر ما ينطلق من فكرة اكتشاف، قائمة على تجربة مشتركة بين الفنان والمتلقي، وذلك عبر نحو 50 عملاً فنياً في مساحة يستضيفها غاليري «تام» غرب القاهرة، حتى نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وفي هذه المساحة المفتوحة، يطرح الفنان تباينات مشروعه الممتد، كاشفاً التحولات التي واكبته عبر السنوات، ومختبراً انطباعات جمهور جديد تجاه أعمال تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

وفي هذا الإطار، يصف حسان تجربته بأنها «اختبار للأصالة»، حيث «لا تتحدد قيمة العمل بلحظة عرضه الأولى فقط، بل بقدرته على تجديد أثره عند إعادة مشاهدته بعد سنوات، ومدى احتفاظه بطاقته على إحداث الدهشة والانجذاب والجمال مع كل مواجهة جديدة، على نحو يشبه العودة إلى فيلم أو كتاب تتكشف طبقاتهما مع الزمن. فالمعرض، بهذا المفهوم، هو محاولة لقياس استمرارية العمل الفني، وهو المعيار الذي يتم من خلاله اقتناء الأعمال في المتاحف»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

متتالية الأرض تبرز طقس حصاد القمح في الصعيد (الشرق الأوسط)

وتتخذ لوحة «متتالية الأرض» موقعاً خاصاً داخل تجربة حسان، كأحد المنابع العاطفية لفكرة «الداخل» نفسها، ويقول: «أستعيد بها بدايات إقامتي في محافظة الأقصر (جنوب مصر)، حيث سمعت للمرة الأولى تعبير (وداع الأرض)، المرتبط بانحسار مياه النيل وبداية زراعة القمح، ثم الاحتفاء بحصاده في أبريل (نيسان) من كل عام. هذه الدورة، بين الفقد والابتهاج، ارتبطت لديّ بقراءتي لرواية (الأرض) للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وما تحمله من علاقة وجودية بين الإنسان وأرضه».

وينعكس هذا التصوّر على التقنية التشكيلية، إذ يتعمّد إقصاء السماء من التكوين، ليجعل الأرض وحدها مركز الرؤية، إلى جانب اشتغال تقني معقّد يقوم على بناء السطح عبر طبقات لونية كثيفة تُكشط وتُعاد صياغتها بتكرار، حتى تتشكّل بروزات تُحاكي سنابل القمح، وتمنح اللوحة ملمساً أرضياً غير مسطح، يستدعي تشققات الأرض وبروزاتها، ويفتح على عالم داخلي مشبع بحكايات الجنوب وإيقاعاته.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مقابل هذا الاشتغال الكثيف على سطح اللوحة وتفاعلاته مع الزمن في «متتالية الأرض»، تبدو إحدى لوحات مجموعة «ملاذ آمن» المقابلة لها حاملةً شحنة انفعالية ولونية مغايرة تماماً. يقول الفنان: «هذا التباين يعكس في ذاته حالة التحوّل التي أمرّ بها عبر مشروعي. فهذه اللوحة، رغم اختلاف عالمها، تنبع أيضاً من حكايات الجنوب، حيث بطلتها طالبة بكلية الفنون، تكشف قصتها الفجوة بين الأحلام وبساطتها، وصعوبة تحقيقها في الواقع. حتى ملاذها الآمن، المتمثل في حيواناتها الأليفة، بدأ يتبدد، حين راحت تراها في أحلامها مهدَّدة من حيوانات ضارية، كأن مساحة الحلم نفسها لم تعد قادرة على حمايتها».

وتدفع هذه اللوحة المتلقي إلى إعادة النظر في البالِتة اللونية الصاخبة والفانتازية، التي تبدو، للوهلة الأولى، مشتقة من عالم الأحلام، لكنها لا تنجح في إزاحة ملامح الأسى التي تهيمن على وجه الفتاة، ولا على فستانها الأبيض. في المقابل، تتقدّم الضباع في التكوين بوصفها عنصراً حركياً مهيمناً، تُبرزها اللوحة بإيقاع بصري متوتر، يقابله جسد الفتاة المستكين في مركز المشهد، بما يخلق حالة من القلق المتصاعد على سطح اللوحة، حيث يتجاور الانبهار اللوني مع إحساس عميق بالتهديد.

الفنان علي حسان مع عدد من حضور المعرض (الشرق الأوسط)

ويجد «التهديد» مساراً آخر داخل لوحات أخرى في المعرض، يتخيّل فيها حسان ما قد تؤول إليه فتاة معاصرة في ظل تصاعد أزمة المياه، حيث تتحوّل الفتيات إلى نسخ ترتدي ملابس الجدّات وهن يعانين من انحسار الماء، ويترجم الفنان هذا التصوّر بصرياً عبر تغليب درجات الفحم القاتمة على مساحات اللوحة، في مقابل حضور الماء في شريط ضيق أسفلها، مضغوطاً بطبقات لونية توحي باختناقه، تتكاثف فوقه الطحالب، كعلامة على ركود مهدد للحياة، يتجاوز الحكاية الفردية إلى أفق أوسع من المخاوف البيئية المعاصرة.


«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
TT

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

حصد الزميل صلاح لبن، المحرّر في «إندبندنت عربية» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، جائزة «فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»، وذلك خلال حفل دولي استضافته مدينة ليماسول القبرصية، الأربعاء، بعد منافسة بين تحقيقات أخرى نشرتها كبرى الصحف المرموقة على مستوى العالم.

وجائزة «فيتيسوف» التي تُوصَف بالأغنى في العالم، هي الجائزة الحادية عشرة لـ«إندبندنت عربية» منذ إطلاقها، عام 2019، من العاصمة البريطانية، لندن، ولها فروع في عدد من العواصم العربية، منها الرياض والقاهرة وبيروت، وشبكة مراسلين في أنحاء العالم، كما تعتمد المنصة الرقمية الرائدة على ترجمة محتوى صحيفة «إندبندنت» البريطانية الأم.

وجاء فوز صلاح لبن في النسخة السابعة من الجائزة الأضخم عالمياً، التي يبلغ مجموع جوائزها 520 ألف فرنك سويسري (600 ألف دولار) سنوياً، في منافسة شهدت 500 طلب من 82 دولة حول العالم، خضعت لعملية تقييم وفق معايير منضبطة، تشمل الدقة والإنسانية والشفافية والتأثير الإيجابي للمنشور سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

من جانبه، قال رئيس تحرير «إندبندنت عربية»، عضوان الأحمري: «نعتز ونفتخر بفوز زميلنا صلاح لبن بـ(جائزة فيتيسوف للصحافة). إنه إنجاز يعكس المستوى المهني الرفيع الذي يتمتع به، ويجسّد التزامه العميق بقيم الصحافة الجادة والمسؤولة».

وأكد الأحمري أن هذا الفوز «ليس تكريماً فردياً فحسب، بل هو أيضاً تأكيد على النهج التحريري الذي تتبعه (إندبندنت عربية)، القائم على المهنية، والدقة، والاستقلالية، والسعي الدائم لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات القارئ العربي».

بدوره، قال صلاح لبن، خلال تسلُّمه الجائزة، في حفل حضرته شخصيات عامة وصحافيون متميزون حول العالم: «في الحقيقة، كان هذا التحقيق ثمرة بيئة مهنية داعمة حقاً في (إندبندنت عربية)»، مُثمِّناً «الدعم المهني من رئيس التحرير الذي أتاح مساحة لإنجاز عمل استقصائي دون قيود».

وشهدت الفئة التي نافست عليها قصة «إندبندنت عربية» العدد الأكبر من المرشحين؛ إذ لم يجتز مرحلة الفرز الأولى سوى 293 قصة، تنافست على أربع فئات: المساهمة في الحقوق المدنية، وهي الفئة التي فازت بها «إندبندنت عربية» في المركز الثالث بواقع 97 إدخالاً، والصحافة البيئية المتميزة (89)، والتقارير الاستقصائية (82)، والمساهمة في السلام (25).

وتهتم جائزة «فيتيسوف» بتسليط الضوء، من خلال الجائزة السنوية، على الأعمال التي تسهم في تعزيز القيم الإنسانية، كالصدق والعدالة والشجاعة والنبل، عبر تكريم الصحافيين البارزين حول العالم، الذين يسهم التزامهم المتفاني في تغيير العالم إلى الأفضل.

وتخضع عملية التقييم لمسارين؛ إذ يختار في الأول مجلس مكوَّن من 10 خبراء معترف بهم في مجال الصحافة لتقييم الأعمال مهنياً وموضوعياً، بنظام التصويت المستقل، القائمة المختصرة، ثم يجري الاستقرار على المرشحين النهائيين من خلال تصويت آخر من هيئة المحلفين، التي تتكوّن وفق نظام الجائزة من ستة أعضاء على الأقل، تتوافق عليهم اللجنة التوجيهية سنوياً. وتُنشر التحقيقات النهائية في كتيب فيتيسوف الذي يُوزع على منظمات صحافية حول العالم.

وسبق الحفل اجتماع دولي لوسائل الإعلام من الصحافة الأوروبية والعالمية نوقشت خلاله أحدث الاتجاهات والتطورات في وسائل الإعلام الإخبارية.

كانت «إندبندنت عربية» قد نالت، يناير (كانون الثاني) الماضي، جائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، ضمن الدورة الـ24 للجائزة عن فئة المراسل المحلي للزميلة آية منصور، تقديراً لتقاريرها الصحافية التي أنجزتها في العراق، وتعاملها مع قضايا شديدة الحساسية بعملٍ توثيقيّ دقيق ومسؤول.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسلَّمت «إندبندنت عربية»، جائزة «بطل حرية الصحافة العالمية» نيابة عن مراسلتها الراحلة في غزة مريم أبو دقة، خلال حفل أقامه المعهد الدولي للصحافة في فيينا، بالشراكة مع منظمة دعم الإعلام الدولي.

كما حصلت، في فبراير (شباط) 2025، على جائزة «التقرير الصحافي» في «المنتدى السعودي للإعلام 2025»، بفوز تقرير «مترو الرياض... رحلة فلسفية للتو بدأت فصولها» للزميل أيمن الغبيوي، وجائزة «مجلس التعاون الخليجي للشباب المبدعين والمميزين» للزميل عيسى نهاري المحرر السياسي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، فاز مراسل «إندبندنت عربية» في تونس، حمادي معمري، بجائزة «لينا بن مهني لحرية التعبير» التي ينظمها الاتحاد الأوروبي. وفي يناير (كانون الثاني) من العام ذاته حصلت الصحيفة على جائزة التميُّز الإعلامي بـ«المنتدى السعودي للإعلام»، في مسار «المادة الصحافية».

واختار نادي دبي للصحافة «إندبندنت عربية» عام 2022 أفضل منصة إخبارية عربية. وأعلن النادي، في العام الذي سبقه، فوز كل من زياد الفيفي في فئة الشباب، وكفاية أولير في فئة الصحافة الاقتصادية. كما فاز رئيس التحرير، عضوان الأحمري، بـ«جائزة المنتدى السعودي للإعلام» فئة «الصحافة السياسية» في عام 2019، الذي انطلقت فيه «إندبندنت عربية».


الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)

لم تعد متابعة الصحة تقتصر على الساعات الذكية أو التطبيقات الرياضية، إذ دخل الحمّام الآن إلى عالم التكنولوجيا عبر أجهزة مرحاض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز وتقديم مؤشرات صحية دقيقة.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، طرحت شركات تقنية عدة خلال العام الماضي، أجهزة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز، بهدف تقديم بيانات شخصية حول الترطيب، والتغذية، وصحة الأمعاء، وغيرها من المؤشرات الصحية.

ويقول سكوت هيكل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Throne Science، إن هناك «كنزاً من المعلومات الصحية» في الفضلات يتم التخلص منه يومياً من دون الاستفادة منه.

مرحاض ذكي لمراقبة الصحة

ففي وقت أصبحت فيه الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب نبض القلب وجودة النوم والنشاط البدني، بقي الحمّام بعيداً عن هذا التطور... حتى الآن.

ويرى مطورو هذه الأجهزة أن مراقبة الفضلات مع مرور الوقت قد تكشف أنماطاً مرتبطة بالجفاف، وحساسيات الطعام، واضطرابات الهضم، بل قد تنبّه إلى أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى.

كما يأتي ذلك في ظل تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء، مع إقبال متزايد على البروبيوتيك والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، إضافة إلى ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب، ما يعزز أهمية الانتباه المبكر لأي تغيرات في البراز.

أجهزة حديثة وأسعار مرتفعة

هذه الأجهزة المنزلية ليست رخيصة، إذ تتراوح أسعارها بين مئات الدولارات، وغالباً ما تتطلب اشتراكات شهرية أو سنوية. ومن أبرز النماذج المطروحة حالياً.

U-Scan من Withings

جهاز صغير يثبت داخل المرحاض ويجمع عينات البول لتحليلها عبر حساسات دقيقة. ويرسل النتائج إلى تطبيق خاص خلال دقائق، مع مؤشرات تتعلق بالترطيب، والتمثيل الغذائي، وحموضة البول، ومستويات بعض الفيتامينات.

ويقدم التطبيق نصائح لتحسين النتائج، مثل زيادة تناول الخضراوات والفواكه أو استخدام المكملات الغذائية.

ويبلغ سعر الجهاز بين 379 و449 دولاراً، بحسب خطة الاستخدام، مع اشتراك سنوي إضافي.

Throne من Throne Science

ويراقب هذا الجهاز البول والبراز معاً، إذ يستخدم ميكروفوناً لتحليل تدفق البول، وكاميرا موجهة نحو داخل المرحاض لمسح المحتوى، مع تأكيد الشركة أن الكاميرا لا تلتقط أي أجزاء من جسم المستخدم.

ويحلل التطبيق بيانات تتعلق بصحة الأمعاء، ومستوى الترطيب، وقوة تدفق البول، وعادات استخدام المرحاض، مثل مدة الجلوس واحتمالات الإمساك أو البواسير.

ويبلغ سعره 399.99 دولاراً، إضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 6 دولارات.

Dekoda من Kohler Health

يحلل هذا الجهاز أيضاً البول والبراز، ويستخدم مستشعراً بصرياً لمسح محتوى المرحاض. ويمكنه رصد لون البراز، وشكله، وكثافته، وعدد مرات التبرز، حتى اكتشاف وجود دم، وهو ما قد يكون مؤشراً إلى مشكلات مثل البواسير أو أمراض التهاب الأمعاء.

كما يتابع البول من حيث اللون والصفاء وعدد مرات التبول لتقييم الترطيب.

ويبلغ سعر الجهاز 449 دولاراً، مع اشتراك يبدأ من 6.99 دولار شهرياً.

هل تستحق التجربة؟

تقول الشركات المطورة إن هذه الأجهزة تجذب فئتين رئيسيتين: الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ويرغبون في متابعة حالتهم بدقة، والمستهلكين المهتمين بالصحة والتقنية الباحثين عن تحسين نمط حياتهم من المنزل.

ويرى مختصون أن الفكرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة في الرعاية الصحية المنزلية، حيث يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة والوقاية المبكرة.