جوناثان لابين: مهمتنا جعل العالم أكثر تقارباً... والذكاء الصناعي هو المستقبل

مدير «فيسبوك» الإقليمي يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن مشاريع جديدة خاصة بالمنطقة

جوناثان لابين
جوناثان لابين
TT

جوناثان لابين: مهمتنا جعل العالم أكثر تقارباً... والذكاء الصناعي هو المستقبل

جوناثان لابين
جوناثان لابين

عند النظر إلى علامة «فيسبوك» التجارية، يتبادر إلى الذهن تساؤل عن قدرة برنامج التواصل الاجتماعي الأشهر على ربط البشر حول العالم بتفاصيلهم، وكيف بنى علاقات جديدة بين أطراف الكرة الأرضية. الأمر الذي تعتبره إدارة الشركة «كنزا». يؤكد جوناثان لابين مدير شبكة «فيسبوك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وباكستان، أن التنفيذ الجيد لا يكفي، بل يجب أن يتخطى النطاق الاعتيادي. ويكشف في حواره مع «الشرق الأوسط» عن استراتيجية «فيسبوك» خلال الفترة المقبلة في منطقة الشرق الأوسط، وكيفية تأثير محتوى الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي. وفيما يلي نص الحوار:
> ما استراتيجية «فيسبوك» في المنطقة للفترة المقبلة؟
- أعتقد أنه بمجرد أن تعمل في «فيسبوك» أول شيء يتعين عليك أن تفهمه أننا شركة تدفعها مهمة أو رسالة تريد إيصالها للمجتمع. لذلك؛ كل ما نقوم به يشكل سلسلة طويلة الأمد. هدف وفلسفة مهمتنا جعل العالم أكثر انفتاحاً واتصالاً لمنح الأشخاص القدرة على التواصل ومشاركة المعلومات، ولقد أحرزنا تقدماً ملحوظاً في ذلك، وبخاصة لربط الأصدقاء والعائلات عبر منصتنا.
مهمتنا الجديدة خلق ترابط بين أفراد المجتمع وجعل العالم أكثر اتصالا. ورغم أن «فيسبوك» يلعب دوراً رئيسيا في خطتنا إلا أن اسـتراتيجيتنا تمضي قدماً؛ لذا الأمر لم يعد «فيسبوك» فحسب، وباتت تتمركز أكثر وأكثر على منتجات الشركة التكنولوجية، وبالتالي، إذا كنت أخطط لليوم والأعوام القليلة التالية فإن الأمر لا يتعلق بـ«فيسبوك» فحسب، بل بـ«إنستغرام»، وبخاصة في هذا الجزء من العالم، منطقة الخليج العربي، تستحوذ على الاهتمام الأكبر للمستخدمين إلى جانب الـ«ماسنجر» والـ«واتساب» بالطبع.
البحث أيضاً مستمر عن أفضل استراتيجية مناسبة للهاتف الذكي. وإن فكرنا في مدى أبعد السنوات الخمس أو العشر المقبلة، فإن ما نحتاج إليه هو أن نجعل العالم أكثر تقاربا، وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز ووسائل الاتصال ككل، وأنا أرى أن كل هذه الأنواع والعناصر من العوامل المساعدة لاستراتيجيتنا، حيث تعتبر أعمدة رئيسية ترسخت وتم التأسيس لها في مهمتنا منذ اللحظة الأولى.
> ما العوامل التي تساعدكم لتحقيق هذه الاستراتيجيات؟
- أعتقد أن عامل النجاح الرئيسي بالنسبة لنا في «فيسبوك»، هو دائماً التنفيذ على مدار اليوم. يستند كل شيء إلى التنفيذ، فحينما تسأل أيا من قادتنا أو رؤساء شركاتنا على الصعيد العالمي، سواء كان كبيراً أم صغيراً، أم أي من مؤسساتنا حول أكبر التهديدات التي تواجهنا؟ فإنهم يجيبون بأن أكبر التهديدات، هي عدم إنجاز الأهداف.
من الواضح أن هناك عوامل أخرى تؤدي دوراً، وأرى كذلك أن هذه العوامل في الشرق الأوسط، وفي السعودية تحديدا تساعدنا كثيراً. يحتل الهاتف الذكي اهتمامنا الأول، وهذا يلعب دورا مساعدا لنا في رسم خططنا، وأعتقد أن اسـتراتيجيتنا تلعب دورا فاعلا في هذه المنطقة لكثرة انتشاره.
وإذا كنت تتذكر عندما كان مستخدمو الهواتف الجوالة في الأعوام الخمسة والعشرة الماضية يتواصلون بالرسائل النصية، وإذا عدنا للأعوام القليلة الماضية، كانت هناك الصور، أما اليوم فإن الفيديو هو محور تفكير المستخدمين في العالم؛ لذلك أعتقد أننا نتعامل على نحو جيد مع المستجدات، وبالتالي فكل شيء يتمركز حول مقاطع الفيديو جزءا أساسيا من استراتيجيتنا، والتي ستحدد نجاحنا في الشرق الأوسط. ونرى في منصتنا اليوم أن الفيديو سيلعب دورا بارزا، وحيويا وسوف يكون مفتاح النجاح في المستقبل.
> منصة «فيسبوك» منتشرة في دول المنطقة، لكن هناك تباينا في كثافة المستخدمين، فمثلا «فيسبوك» في السعودية أقل شعبية من منصات التواصل الاجتماعي الأخرى. ما خططكم لزيادة المستخدمين وتوسيع شعبيته في السعودية تحديدا، وفي باقي دول منطقتنا العربية؟
- بوجه عام نحن سعداء للغاية من مستوى أداء منصتنا الأشهر «فيسبوك» في هذه المنطقة من العالم. دعني أسرد لك قصة بدايتنا هنا، حينما أتذكر افتتاح مكتبنا قبل خمس سنوات وقد كنت أول من يعمل به هنا في دبي، وأتذكر بشكل جيد للغاية اليوم. ومع انطلاقنا انضم نحو 45 مليون مستخدم في كافة أنحاء الشرق الأوسط دون أفريقيا. اليوم وبعد مضي نحو خمسة أعوام، يضيف «فيسبوك» نحو 164 مليون شخص على منصتنا في المنطقة كل شهر و100 مليون يتفاعلون على المنصة كل يوم. لذلك؛ فإن «فيسبوك» ككل ينمو بشـــكل هائل ومتسارع في المنطقة، وكذلك في السعودية. ونحن كذلك سعداء للغاية بالتطور في المملكة، اليوم هناك نحو 16 إلى 17 مليون مستخدم على «فيسبوك» في السعودية، ونحو عشرة ملايين شخص يتفاعلون كل يوم؛ لذلك هناك الكثير من الأشخاص السعداء بالتطور.
وأرى كما قد تلاحظون أن بعض الخطط التي ذكرتها لكم ستلعب دورا مهما وتساعدنا في المنطقة، وهي استراتيجية أولوية تغطية الهواتف الذكية، وتركيز تفكيرنا على الفيديو وكذلك الوســائل التي نعمل ونرتب فيها للتوافق مع نسق ونوعية نظام الاتصالات السعودي، وبالإضافة إلى التعاون مع شركاء سعوديين، وعلى سبيل المثال، للعمل والتعاون مع بعض مبدعي وكتاب المحتوى في السعودية. كما استطعنا التعاون مع صحافيين سعوديين ذوي شعبية كبيرة وقريبين من نبض المستخدمين لمنصتنا، ونحاول جذب مبدعي المحتوى لاستخدام منصتنا عن طريق توفير الإمكانات الكاملة لهم على منصتنا. ولدينا شركاء مهمون يلعبون دورا فاعلا للغاية في تطوير أداء وشعبية «فيسبوك» مثل مؤسستكم وأنتم شخصيا، وشركات إدارة الأعمال سواء الأعمال الصغيرة جدا أو الكبيرة جدا ومؤسسة أخرى مهمة كبداية للتعاون معنا والتي تســـتخدم «فيسبوك» ليقدم نطاقاً لبيعها، وتعتبر كلها شركات مهمة جدا لنا لارتباط أعمالنا وخططنا للتطوير بها. لذلك؛ فإننا نرغب كذلك في التأكد أننا نعمل عن كثب على تطوير أدائنا وربطه بنظام الاتصالات في السعودية، وأحد الأمثلة على ذلك منذ وقت ليس ببعيد أطلقنا ما يسـمى «تحدي البوتقة»، ويعني بوتقة الرسائل على ماسنجر «فيسبوك»، وهي تساعد المستخدمين بشكل أساسي في أعمالهم التجارية على التواصل عبر ماسنجر «فيسبوك»، وأحد المتأهلين النهائيين لتحديات هذه البوتقة أتت من السعودية، وهي الرسالة التي أسميناها «نحن نصنع الطعام» أو «نحن نطبخ»؛ لذلك نفكر دائماً بالفعل حول تطوير وسائل التعاون والربط مع الأنظمة المستخدمة في المملكة، ونريد كسب ثقة المستخدمين وجذبهم عن طريق جعلهم يتأكدون أننا نتطور من أنفسنا ونتعاون مع شركاء في السعودية في مجالات متنوعة، سواء مؤسـسات إخبارية أو تجارية أو شركات الاتصالات وغيرها من المبادرات مع مطورين وكتاب مشهورين لتطوير المحتوى؛ فكل هذه الاستراتيجيات تساعدنا في كسب حضور حقيقي وفعلي لنا في البلاد ولدى المستخدمين.
> هذا عن استقطاب المستخدمين والمؤسسات، لكن ماذا عن الحكومة؟
- نعم، بالطبع لدينا طموح كبير للعمل مع الحكومة السعودية، ونعد بالقيام بما في وسعنا لدعم «رؤية 2030»، فأنا من أشد المعجبين بهذه الرؤية الاستراتيجية، ومتحمس لها جدا، وأعتقد بل وأرغب في أن يتمكن «فيسبوك» في لعب دور لتحقيقها. فعندما تطلع على «رؤية المملكة السعودية 2030» تكتشف أن بها الكثير من العناصر المشـــتركة في استراتيجية «فيسبوك»، ولدينا شغف كبير للمساهمة في ترجمتها على أرض الواقع. فأنا مولع للغاية بالتفكير في النظم في القطاع الخاص والنظم في الأعمال التجارية الصغيرة، التي هي جزء أساسي من «رؤية 2030»، وأعتقد أننا نساعد في لعب دور؛ لأن الشركات الصغيرة يمكنها حقاً أن تبلغ منصتنا لتصل إلى الأشخاص المستهدفين الذين يرغبون في الوصول إليهم لبيع منتجاتهم. والخدمات التي نقدمها للشـركات الصغيرة هي ذاتها ما نقدمه للأعمال التجارية كبيرة. وأرى أن مخطط تمكين المشاريع الصغيرة ودعمها في «رؤية 2030» متسق مع ما نقوم به ويلعب دورا محوريا في كلتا الاستراتيجيتين «رؤية المملكة» ورسالة «فيسبوك». فضلا عن أن تمكين المرأة من القيام بالأعمال التجارية هو جزء من الرؤية التي سنعمل على القيام بها، وكذلك نحن نخطط لإطلاق شيء ما موجه للمرأة في السعودية، وما أطلقنا عليه (هي تعني رائدة أعمال)، وكذلك نأمل أن نساعد في تثقيف النساء حول كيفية وطريقة استخدام أفضل لمنصة «فيسبوك»، وهذان مجرد مثالين، وهناك الكثير، إذا فكرت في السياحة التي ليست جزءا أساسيا من الرؤية، أرى أنه يمكن أن نلعب دوراً رئيسياً في هذا المجال أيضا، فالكثير من الأشخاص في «فيسبوك» في السعودية متصلون بشــــركات دولية، ويوجد سبعون مليون شخص خارج السعودية متصلون بشـركات في السعودية، وهنا تبرز فكرة دمج السياحة مع ممارسة الأعمال التجارية من بقية العالم إلى السعودية، ومن السعودية إلى بقية العالم. بمعنى استغلال السياحة لدعم التبادل التجاري وما لذلك من أهمية كبيرة في دعم «رؤية المملكة الاستشرافية 2030»، ويمكنني الاسترسال في ذكر الكثير من الأهداف والمهام التي يستطيع «فيسبوك» المساهمة بفاعلية لتحقيق وتنفيذ «رؤية واستراتيجية السعودية الطموحة 2030»، التي اعتبرها مذهلة ومتوافقة مع أهداف مؤسستنا.
> أعلنتم إطلاق منصة جديدة تدعى «وواتش»، فهل تم تدشينها رسميا في المنطقة؟
- نعم أطلقنا منصة ووتش «الولايات المتحدة» في الأيام الأولى، أنت تعرف أنه لدى التفكير حول الفيديو، أعتقد أننا ذكرنا في وقت سابق أننا نرى هذا التحول من الرســـائل النصية إلى الفيديو والصور، ونحن نراهم على «فيسبوك» بالفعل، وهناك بالفعل استهلاك للفيديو، وهذا يحدث على «فيسبوك» اليوم في تغذية الأخبار ومتابعة ما وراء الخبر. والسعودية مثالا لدول الشرق الأوسط في الواقع تعلم أنها دولة ومنطقة استهلاك الفيديو بها بين الأعلى في العالم بالفعل اليوم. لكننا نبتكر دائماً الخطوة التالية التي سنتخذها، ونحن نأخذ بعين الاعتبار كل التجارب المتواجدة ومن خلال تراكم الخبرات نعمل على الابتكار والتحديث لأدواتنا جنباً إلى جنب مع المجتمع.
أعتقد أن هذا هو السبب في إطلاقنا لـ«ووتش»؛ لأن الفكرة هي كيف يمكنك تصحيح المحتوى بعد نشره على المنصة، حيث إن الإعداد المبدئي للمجتمع يختبر ما يمكن للأشخاص أن يتحدثوا عنه حول العروض جنباً إلى جنب، وكما ذكرنا فلقد أطلقنا منصة «الولايات المتحدة» أولا» في البداية، ونأمل أن نتمكن طرحها لبقية العالم من هنا قريبا.
> ما المعايير التي تتبعونها لتقييم المحتوى، وكيف تحددون إذا ما كان هذا المحتوى ضارا، أو موجها للإرهاب، أو محرضا للكراهية؟
- أود أن أكون واضحاً للغاية حول هذه النقطة المهمة. نحن نقول إنه لا مكان لمحتوى الإرهاب على «فيسبوك»، ولا نسمح به على منصتنا إطلاقا. في الواقع لن نجعل «فيسبوك» بيئة حاضنة للإرهابيين أبدا، أود أن أكون واضحا للغاية في ذلك، نحن نستخدم كشـركة أدوات مختلفة، نحن نستخدم التكنولوجيا وأشـخاصا عاديين للتأكد من أن أي محتوى من هذا النوع يتم إزالته من المنصة خاصتنا، ونستثمر بشكل مستمر، ولقد تحسنت طريقة الكشف عن المحتوى الذي ذكرته، ونحن نستثمر في تكنولوجيا جديدة، تلعب دوراً مهماً بالنسبة لنا أيضا للتأكد من أننا في الوضع الصحيح، ثم نستثمر كذلك في الأشخاص؛ لذلك أعتقد منذ وقت ليس ببعيد أننا أعلنا أننا سنوظف ثلاثة آلاف شخص إضافي للتأكد من أنه ليس هناك محتوى خاطئ على المنصة خاصتنا.


مقالات ذات صلة

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

استقبلت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، بمقرها في الرياض، الشيخ حمد آل ثاني، المستشار بالمؤسسة القطرية للإعلام، يرافقه عدد من القيادات الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».