محمد بن إبراهيم... «شاعر الحمراء» الذي صار «أسطورة»

أمر الملك الحسن الثاني بجمع شعره وطبعه

محمد بن إبراهيم في شبابه
محمد بن إبراهيم في شبابه
TT

محمد بن إبراهيم... «شاعر الحمراء» الذي صار «أسطورة»

محمد بن إبراهيم في شبابه
محمد بن إبراهيم في شبابه

قبل 63 سنة، توفي الشاعر المغربي محمد بن إبراهيم، عن سن 54 عاماً. كان ذلك في 27 سبتمبر (أيلول) 1954. اليوم، رغم مرور أكثر من ستة عقود على رحيله، شهد خلالها الشعر المغربي أجيالاً من الشعراء وتحولات عميقة، محققاً تنوعاً في أشكاله وغزارة في منجزه، ما زال محمد بن إبراهيم، حاضراً اسماً وتجربة، وواحداً من أهم وأشهر الشعراء الذين عرفهم الشعر المغربي في العصر الحديث.
عرف محمد بن إبراهيم، أكثر، بـ«شاعر الحمراء»، اللقب الذي سمى به نفسه، في مختتم قصيدة «من المغرب الأقصى أتتك تحية»، التي ألقاها، خلال زيارة للبقاع المقدسة، في 1937، أمام عبد العزيز آل سعود، حيث نقرأ: «من المغرب الأقصى أتتك تحية - يبلغها عن أهله شاعر الحمرا».
لم تكن لبن إبراهيم، كما يقول الدكتور أحمد شوقي بنبين، في مقدمة «روض الزيتون... ديوان شاعر الحمراء»، مكانته المميزة وبصمته الخاصة بين معاصريه فقط، بل كان نمطاً وحده في شعراء المغرب الحديث. ردد أشعاره وتملى بنوادره الكبير والصغير، والمثقف والعامي، ففاقت شهرته حدود مسقط رأسه، وذاع صيته في مدن المغرب، وامتد إلى دول المشرق. فيما كتب عنه عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجيراري، في تقديم الديوان: «محمد بن إبراهيم، هذا الشاعر الذي ارتبط اسمه بمسقط رأسه مراكش الحمراء، وإن تعدى صداه مختلف حواضر المغرب وأقطار أخرى غيره؛ في تألق دام نحواً من ثلاثة عقود، على مدى سنوات الثلاثين والأربعين والخمسين، ملأ خلالها حيزاً من ساحة الشعر وشغل الناس؛ وأظنه ما زال يعتلي هذا الموقع، وإن مضى على وفاته زهاء نصف قرن. والسبب أنه عاش فترة انتقالية غنية بالأحداث التي كانت تحفها أزمات شتى وتناقضات متعددة، والتي تعكس لمتأملها واقع الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية ثم الأدبية، بعد ذلك». قبل أن يضيف: «في أحضان هذه الفترة وجد شاعر الحمراء، وفي رحاب مراكش التي كانت يومئذ تجسم الواقع بمختلف اضطراماته ومضاداته، عاش ينعم أحياناً ويشقى أخرى؛ إن لم أقل إنه كان ينعم بشقاوته ويشقى بنعمائه؛ في عبث أو لامبالاة ما أظنهما عنده إلا يخفيان موقفاً مما حوله ومن الناس كان مقتنعاً به وعليه يسير. وكان نمط حياته يساير هذه الأحوال، ويحث مع هذه المسايرة على قول شعر ينم عن حس مرهف وسرعة بديهة ونفس متقدة وقدرة على التعبير الذي لم يكن يخلو من جودة وإبداع، ومن طرافة النظم كذلك، ولكن لأنه كان يلقي شعره وفق ما تمليه طبيعته اللامبالية وسلوكه العابث، وكان هذا الشعر يذيع وينتشر، تصحبه حكايا وقصص - هي على واقعتها - أقرب إلى أن تكون من نسج الخيال، مما غدا به محمد بن إبراهيم أسطورة أو يكاد».
يستعيد أحمد شوقي بنبين، الذي قام بالضبط والتنسيق والتعليق على «روض الزيتون»، ضمن منشورات الخزانة الحسنية بالرباط، ما ميز حياة بن إبراهيم، فيقول إن «المتتبع لحياة شاعر الحمراء والواعي بما أحاط بها في جميع مراحلها من دقيق المناسبات والظروف، يجد أنها سلسلة جلسات من السهر والسمر، وحلقات من لقاءات متواصلة مع الأحباب والخلان، يتبادلون خلالها النكتة البارعة، والمثل الشارد، والبيت المأثور، ويتجاذبون فيها الأحاديث الرائعة، والألغاز المعبرة، وقد تتمخض أحياناً عن مساجلات للشعراء غالباً ما يكون بن إبراهيم الموحي بها، أو الداعي إليها. فراجت أشعاره، وذاعت نوادره في الناس حتى نسب إليه الكبير من الملح».
عاكس بن إبراهيم، الذي ولد في 1900، بمراكش، حيث حفظ القرآن في صغره بروايتي ابن كثير وأبي عمر البصري، كما حفظ كثيراً من المتون العلمية، قبل أن يتابع دراسته في ابن يوسف والقرويين، رغبة والده، الذي كان يريده أن يصير رجل دين. يقول أحمد شوقي بنبين: «كان أبوه شديد التدين، متمسكاً بالشرعيات، فأراد أن يكون ابنه محمد فقيهاً، وربما متسماً بما يتسم به الفقهاء من الورع والوقار».
وكتب الوزير والأديب أحمد التوفيق، عن «شاعر الحمراء»، في تصدير «روض الزيتون»: «شاعر تأدب بين الفقهاء ولكنه أبى أن يسمع الفقيه الذي هو تحت برنوسه، لأنه آثر أن يكون نائماً عندما يستيقظ الواعظ، وأن يكون ثملاً عندما ينام الناسك (...) كان له في تقاليد الشعر الذي استلهمه أجداد من المستهترين والقلقين والمجانين والوصافين والمداحين والهجائين والبكائين ذوي الحنين المملقين، ولكنه استقل بأسلوب خفيف طريف نقل به هذه الأغراض إلى عصره وبيئته، فهو شاهد على البيئة والوقت بحق، وهو لسان ذلك الوجع ومرآة تلك المحنة في الفهم. وهو كأي شاعر أصيل محشو بالمتناقضات المنطقية، لأنه أنبوب شديد التوصيل، يحمي وطيس نفسه ويبرد بسرعة ناشزة عن التوقعات».
والجميل في ديوان «روض الزيتون»، الذي نشر، في طبعته الثانية، في جزأين، في 2002، متضمناً عدداً من أشعار الشاعر، أنه جمع وطبع بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني. يقول أحمد شوقي بنبين: «إن قصة جمع ديوان شاعر الحمراء ترجع إلى سنة 1968، حينما قرر جلالة المغفور له الحسن الثاني أن يجمع ديوان شاعر الحمراء الذي ما فتئ الناس يرددون شعره، ويتندرون بنكته في المجالس والمنتديات وفي المتنزهات والأسواق. فانتدبت للقيام بهذا العمل لجنة علمية من علماء مراكش وأصدقاء الشاعر، وهم على التوالي: أحمد الشرقاوي إقبال، والطيب المريني رحمه الله، ومبارك العدلوني، ومحمد بنبين، وعلي بلمعلم التاورتي رحمه الله، وبعد جهد كبير استطاعت اللجنة جمع ما بقي من شعر الشاعر عند الخاصة، وما كان منشوراً في الصحف والمجلات، وقدمته ديواناً مخطوطا لجلالة الملك في أبريل (نيسان) 1969. وحفظ بالخزانة المولوية. وبعد مرور نحو ثلاثين سنة ارتأى جلالته أن يطبع الديوان، فأنيطت بي مهمة إعادة قراءته، وتخريج مضامينه، والقيام بكل ما تدعو إليه عملية الضبط والتنسيق والتعليق من جهد علمي مضن يعرفه ذوو التجربة في هذا المجال».
واليوم، لا يمكن لمن يتتبع حياة وتجربة «شاعر الحمراء» إلا أن يستعيد علاقته بعدد من رموز وأعيان البلد والمدينة، وكذا رحلته لأداء فريضة الحج، ثم زيارته الشهيرة لمصر، في طريق العودة، حيث التقى عدداً من رجال الفكر والأدب، فقال شعراً كثيراً، نقرأ منه، في قصيدة «غير أن القلب مصري»: «ليس مصر وطناً لي - غير أن القلب مصري - نصف شهر مر لي في - ها فعمري نصف شهر»؛ دون أن ينقل عشقه وحنينه لمصر وأهلها لعقدة نقص، بدليل انتقاده لأحمد شوقي، في تفاعل مع مضامين مسرحيته «أميرة الأندلس»، التي لمس فيها الشاعر المغربي تحاملاً من أمير الشعراء على أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، انتصاراً للملك الشاعر المعتمد بن عباد الذي حبسه أمير المرابطين في أغمات، حيث كتب قصيدة، جاء فيها: «أأحمد شوقي للقوافي رجالها - كأنتَ وللتاريخ ذو الأخذ والرد».
على صعيد المنجز الشعري، يستحضر المتتبعون لتجربة الشاعر المغربي عدداً من القصائد، أكثر من غيرها، تبعاً للسياق، ومن ذلك قصائد «إلى هتلر» و«موت بلفور» و«تهويد فلسطين» و«أبطال ليبيا»، التي تناول فيها «قتل عمر المختار الزعيم الليبي على يد الطليان»، بشكل يؤكد تجاوبه مع عدد من القضايا الوطنية والعربية والكونية، أو قصيدة «المطعم البلدي»، التي ندد فيها بالحالة المزرية لأحد مطاعم طنجة، ذات زيارة، منتقداً صاحبه، وقصيدة «الجهاز اللاسلكي واللاقط والمذياع»، التي احتفى فيها بـ«أفكار الورى التي أتت بعجب العجب»، حتى صار «الشرق جار الغرب»؛ علاوة على عدد من قصائد المدح والهجاء، أو تلك التي تنقل لطبيعته اللامبالية وسلوكه العابث، من قبيل «في حانة» و«لا تحبس الكأس» و«الويسكي» و«قبح الله الحشيش».
المراكشيون، من جهتهم، تجدهم يستحضرون عدداً من المواقف والقصائد التي احتفى فيها شاعرهم بالمدينة ورموزها، خصوصاً قصيدة «في أهل مراكش»، حيث كتب: «أولئك قوم شيد الله فخرهم - وما فوقه فخر وإن عظم الفخر - أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه - فأيديهم بيض وأوجههم زهر - يصونون إحساناً ومجداً مؤثلاً - ببذل أكف دونها المزن والبحر - أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت - لنورهم الشمس المنيرة والبدر - فلو مست الصخر الأصم أكفهم - أفاض ينابيع الندى ذلك الصخر».



تعذيب وتجويع و50 كسراً بأضلاعه... المؤبد لزوجين قتلا رجلاً من ذوي الإعاقة

المتهمان كينيث نيوتن وميلاني جيمس (شرطة ستافوردشاير)
المتهمان كينيث نيوتن وميلاني جيمس (شرطة ستافوردشاير)
TT

تعذيب وتجويع و50 كسراً بأضلاعه... المؤبد لزوجين قتلا رجلاً من ذوي الإعاقة

المتهمان كينيث نيوتن وميلاني جيمس (شرطة ستافوردشاير)
المتهمان كينيث نيوتن وميلاني جيمس (شرطة ستافوردشاير)

حُكم بالسجن المؤبد على زوجين أخضعا رجلاً يبلغ من العمر 28 عاماً وكان تحت رعايتهما لـ«قسوة متعمدة»، بعد إدانتهما بقتله.

ووفق تقرير نشرته صحيفة «إندبندنت»، كان روبن بلونت يزن 40 كيلوغراماً فقط عندما توفي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. واستمعت محكمة ستافورد كراون في إنجلترا إلى أن شقيقه غير الشقيق كينيث نيوتن وشريكة نيوتن ميلاني جيمس أجبراه على تناول الطعام من صناديق القمامة والوقوف لفترات طويلة في منزل بمدينة تاموورث في ستافوردشاير.

وسجل نيوتن، البالغ 58 عاماً، وجيمس، البالغة 64 عاماً، وكلاهما من برمينغهام، مقاطع فيديو وهما يسخران من الضحية ويعتديان عليه. وأدانتهما هيئة محلفين في المحكمة نفسها بقتل بلونت في يوليو (تموز).

وحكمت القاضية جيفورد، الجمعة، على كل من المتهمين بالسجن المؤبد مع تحديد مدة لا تقل عن 21 عاماً قبل النظر في الإفراج عنهما.

وقالت القاضية إن نيوتن وجيمس كانا يشغلان موقع ثقة ومسؤولية تجاه بلونت، لكنهما «خاناه في نهاية المطاف»، وأظهرا «فشلاً ذريعاً في مساعدته عندما كان يعاني الألم والمعاناة».

بلونت كان يعاني سوء تغذية وجفافاً شديدين

وأُبلغت المحكمة بأن بلونت كان يعاني سوء تغذية وجفافاً شديدين عندما نُقل إلى المستشفى بعد إصابته بوعكة صحية، حيث تعرض لتوقف في القلب فور وصوله.

ورغم تمكن الطاقم الطبي من إنعاشه، بقي في حالة حرجة وتوفي بعد ثلاثة أيام، في 30 نوفمبر 2022.

وفي المستشفى، اكتشف الأطباء أن بلونت كان يعاني التهاباً رئوياً واسع النطاق، وعدوى شديدة، وكسوراً في العمود الفقري والأضلاع، إلى جانب حروق وآفات وجروح سطحية.

وكشف تحقيق أجرته شرطة ستافوردشاير عن أن نيوتن وجيمس سخرا من قدرات بلونت العقلية ومن مظهره الجسدي. وكان قد تعرض لـ50 كسراً في الأضلاع، وقعت 47 منها خلال الأسابيع التي سبقت وفاته.

كما عثر الضباط على عفن وظروف وُصفت بأنها «مقززة» في غرفة نومه.

«ألم ومعاناة شديدان» قبل الوفاة

وقالت محامية الادعاء جنيفر جوزيفس كيه سي، خلال جلسة النطق بالحكم الجمعة، إن الضحية لا بد أنه عانى «ألماً ومعاناة شديدين» قبل وفاته.

وأوضحت أن بلونت، الذي وُصف بأنه «يعاني إعاقة عقلية كبيرة»، كان شديد الهشاشة، وأن سلوك المتهمين «القاسي» وثقته مقاطع فيديو عُرضت على هيئة المحلفين.

وفصلت جوزيفس كيفية إجبار بلونت على «الوقوف في وضع الاستعداد»، وتناول الطعام من صناديق القمامة، والاستلقاء في بوله.

وأضافت أن الزوجين حرما الضحية عمداً من الحصول على الرعاية الطبية إلى أن أصبح «من المستحيل إنقاذه».

وبدت جيمس، التي كانت ترتدي قميصاً أبيض وسترة رمادية وبنطال جينز أزرق، باكية في قفص الاتهام بينما كانت جوزيفس تستعرض تفاصيل الاعتداء والعنف اللذين تعرض لهما بلونت على مدى أشهر.

وقالت: «كانت وفاة السيد بلونت ذروة سلسلة طويلة من الأفعال التي ارتُكبت بحق رجل لم يكن قادراً على الدفاع عن نفسه».

أما نيوتن، الذي كان يرتدي سترة رمادية داكنة وسروالاً رياضياً رمادياً فاتحاً من «نايكي»، فكان منحنياً إلى الأمام ورأسه إلى الأسفل.

والدة بلونت: كان يستحق التعاطف والكرامة

وفي بيان تأثير الجريمة على الضحية، قرأته أمام المحكمة، قالت والدة بلونت، جانيت بلونت، إن ابنها كان ضعيفاً وهشاً ويستحق «التعاطف والكرامة وفرصة ليعيش حياته».

وقالت: «كنا جميعاً نعتقد أنهما يحبانه وسيعتنيان به. لم يكن لدينا أي سبب يدفعنا للاعتقاد بغير ذلك. لم أعتقد قط أن يأتي يوم لن يكون فيه روبن هنا. كان أكثر من مجرد ضحية».

وأضافت: «كان ابناً وشقيقاً وصديقاً، وشخصاً أحبه كثيرون، ليس نحن فقط، بل أشخاص عرفوه في المجتمع. كانت حياته مهمة، وشعرنا جميعاً بفقدانه. لا يمكن لأي حكم أن يعيد ابننا أو يزيل الصدمة التي نحملها الآن. الحزن مستمر».

وأوضحت: «كان يستحق التعاطف والكرامة وفرصة ليعيش حياته. لقد سُرقت منه حياته المستقبلية، وعلى عائلتنا الآن أن تعيش مع قلب محطم طوال العمر».

الشرطة: التحقيق من أصعب القضايا التي تعاملنا معها

وتحدث كبير مفتشي المباحث في شرطة ستافورد، إيان فيتزجيرالد، خارج المحكمة بعد الجلسة، وقال إن التحقيق كان من بين أصعب التحقيقات التي تعامل معها الضباط.

وقال: «كان حجم الإصابات التي تعرض لها روبن، والحالة التي كان عليها، وغرور (المتهمين) والطريقة التي اعتقدا بها أنهما قادران على الإفلات من الأمر وإلقاء اللوم عليه في إصاباته، أمراً صادماً ومؤلماً للغاية».

وأكد: «كان من الواضح أنه كان محبوباً في المجتمع، وأن الناس كانوا يهتمون بسلامته ورفاهه، ومع ذلك اختار (المتهمان) الاستمرار في الإساءة إليه».


مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
TT

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)

أثار مقطع مصوّر ظهر فيه صاحب أحد المطاعم الشهيرة في مصر منتقداً أحد صنّاع محتوى الطعام، جدلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليطرح مجدداً تساؤلات حول مدى أحقية «الفوود بلوجرز» في تقييم المطاعم.

واعترض صاحب المطعم في المقطع على فكرة قيام أحد «الفوود بلوجرز» المعروفين بتقييم الطعام في مطعمه، معتبراً أن تقييم المطاعم «ليس من اختصاص (الفوود بلوجرز)»، وأن تقييم المطاعم له متخصصون يمتلكون الخبرة والمعايير اللازمة للحكم على جودة ما تقدمه.

وقوبل فيديو صاحب المطعم بردود فعل متباينة؛ إذ دافع جانب من المتابعين عن رأي صاحب المطعم في ضرورة الفصل بين التجربة الشخصية والتقييم المتخصص، في حين رأى آخرون أن حديثه يحمل هجوماً على «الفوود بلوجرز»، وأن طريقة الرد قد تتحول في حد ذاتها إلى دعاية سلبية للمطعم.

ودافع متابعون عن حق صانع المحتوى في التعبير عن تجربته بوصفه مستهلكاً اشترى الطعام ودفع ثمنه، وليس باعتباره خبيراً أو ناقداً متخصصاً، وكتب أحدهم تعليقاً على الواقعة: «واحد شاري أكل بفلوسه وقرر يقيم تجربة الأكل»، مشيراً إلى أنه لم يقدم نفسه باعتباره «خبيراً»، في حين رأى أن تجاهل الفيديو أو الرد على ما ورد فيه كانا خيارين أفضل من نقل الخلاف إلى المستوى الشخصي.

ويعيد الجدل طرح مسألة الفارق بين نقل تجربة شخصية وتقديم تقييم مهني للمطاعم؛ ففي حين يستند الأخير إلى معايير وخبرة متخصصة، اكتسبت تجارب «الفوود بلوجرز» وزناً أكبر مع اتساع أعداد متابعيهم وتأثيرهم في اختيارات الجمهور.

لقطة من الفيديو المثير للجدل (إكس)

وترى مروة السيد، المدرّسة بقسم العلاقات العامة والإعلان في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن «(الفوود بلوجرز)، شئنا أو أبينا، أصبحوا جزءاً كبيراً من صناعة الدعاية»، لافتة إلى أن المطاعم نفسها أسهمت في تعزيز هذا الدور عبر استقطاب صنّاع المحتوى والتعاون معهم، لدرجة أن «كثيراً منهم أصبح لديه حضور وشعبية وكلمة مؤثرة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإشكالية لا تتعلق فقط بحق «الفوود بلوجر» في النقد، بقدر ما تتصل بالفاصل بين التقييم والإعلان، خصوصاً مع تحول صنّاع محتوى الطعام إلى إحدى أدوات التسويق للمطاعم، بحيث لا يكون المتابع دائماً أمام رأي شخصي مستقل، وإنما قد يكون أمام محتوى تجاري جرى الاتفاق عليه مسبقاً.

وتوضح أن «التعاون التجاري بين المطاعم وصنّاع المحتوى تختلف قيمته وفق عدد المتابعين، وطبيعة المحتوى المطلوب، وحجم التفاعل»، معتبرة أن «ما يهدم مصداقية صانع المحتوى هو أن تصبح الفلوس أول همه، وأن تبدو جميع المطاعم التي يزورها جيدة؛ لأن المتابع سيفقد ثقته به في النهاية».

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة «الفوود بلوجرز» التي بدأت بشباب يرصدون تجاربهم في أحد المطاعم وتذوق ما يقدمه، ثم إبداء رأيهم فيما تناولوه، ونشر هذا الرأي في مدونات أو على صفحات «سوشيالية» مع الوقت أصبحت تحظى بمتابعات لافتة، وأصبحت الظاهرة «صناعة ضخمة» تدر مكاسب مادية على صنّاع المحتوى، وفي الوقت نفسه أصبحت وسيلة للدعاية تقوم بها العديد من المطاعم.

وترى خبيرة التسويق الرقمي داليا الشافعي أن قوة «الفوود بلوجر» ترتبط في الأساس بالثقة التي بناها مع متابعيه، وهي الثقة التي قد تتراجع عندما يشعر الجمهور بأن التقييمات الإيجابية مرتبطة بالتعاون التجاري أكثر من ارتباطها بالتجربة الفعلية.

وتقول داليا لـ«الشرق الأوسط» إن «خروج صاحب المطعم للتقليل من دور (الفوود بلوجرز) قد يتحول في حد ذاته إلى دعاية سلبية للمطعم»، موضحة أنه «كان من الممكن التعامل مع التقييم باعتباره تجربة شخصية، فمن الطبيعي أن يحب البعض المطعم، وألا يعجب آخرين».

وتضيف أن «التسويق في الوقت الحالي لا يمكنه تجاهل التأثير الذي باتت تتمتع به منصات التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، باعتبارهم قطاعاً مؤثراً في تشكيل آراء الجمهور وقراراتهم الشرائية».


مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
TT

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية، وذلك بمقرها التاريخي في منطقة باب الخلق، وأبرز متخصصون ومؤرخون الدور الذي قامت به الدار في حفظ المخطوطات وكتب التراث حتى اليوم، مع التأكيد على رقمنة آلاف المخطوطات لحفظها ضمن مشروع عالمي.

وبينما أكد رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، الدكتور أسامة طلعت، على أن التراث المصري من وثائق وآثار ومخطوطات يمثل حصن الأمة الأخير، مشيداً، خلال بيان للهيئة، بدور العاملين بدار الكتب والوثائق القومية وكوادرها المتتابعة في حمل هذه الأمانة العظيمة وصونها، شدد على أن التاريخ يؤكد قدرة مصر على تجاوز جميع التحديات، والحفاظ على ذاكرتها وتراثها الحي.

بينما أشار المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن دار الكتب المصرية تعد أول وأقدم مكتبة وطنية أُنشئت في الشرق. وتطرق إلى تاريخ خزائن الكتب التي كانت تنتشر قديماً في المدارس والمساجد الجامعة، مستحضراً تجربة «دار الحكمة» ببغداد التي أسسها هارون الرشيد، و«بيت الحكمة» بالقاهرة في العصر الفاطمي، اللذين ضما أعداداً ضخمة من المخطوطات والكتب، وفق ما ذكره المؤرخون.

وعن قصة تأسيس «الكتبخانة الخديوية»، استعرض المؤرخ المصري بداية الفكرة التي تبلورت عند عودة البعثات المصرية من فرنسا (بعثة الأنجال عام 1844) والتي شارك فيها علي مبارك والخديوي إسماعيل، حيث اقترح علي مبارك إنشاء مكتبة وطنية على غرار المكتبات الأوروبية، وعليه صدر قرار التأسيس في مارس (آذار) 1870، وافتُتحت في 24 سبتمبر (أيلول) 1870 بالطابق الأرضي لقصر مصطفى فاضل بـ درب الجماميز»، وجمعت الدار عند تأسيسها مجموعات الكتب المتناثرة في المدارس والخزائن (باستثناء الأزهر)، إضافة إلى مكتبة مصطفى فاضل باشا التي اشتراها الخديوي إسماعيل، وكان من بينها أعرق المخطوطات.

وتابع أنه «مع ازدياد الرصيد وتأثره بالرطوبة، تقرر بناء المبنى الحالي لدار الكتب بباب الخلق في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث وُضع حجر الأساس له عام 1897 وافتُتح عام 1904، وتولى إدارتها في البداية أربعة من المستشرقين الألمان، حتى تولى أحمد لطفي السيد باشا رئاستها كأول رئيس مصري لها عام 1916».

دار الكتب المصرية في باب الخلق (دار الكتب)

وأضاف فؤاد سيد لـ«الشرق الأوسط» أن «دار الكتب والوثائق القومية تعد ثروة قومية لما تضمه من مخطوطات ومجلدات تصل إلى 60 ألف مخطوط، وكانت قد بدأت تجميع نحو 16 ألف مخطوط ومجلد»، لافتاً إلى جهود متواصلة لرقمنة وأرشفة وتطوير البحث والإتاحة في دار الكتب ليمكن الاطلاع على محتوياتها بطرق آمنة مع حفظ التراث الخطي (المخطوط) وحمايته للأجيال المقبلة.

جانب من الفعاليات في دار الكتب المصرية (دار الكتب والوثائق المصرية)

وأوضح رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، الدكتور مينا رمزي، أن قطاع التحول الرقمي شهد تدشين معمل رقمنة جديد للمخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، يجري العمل فيه على مشروع عالمي لرقمنة وإتاحة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة وإصدار دليل استرشادي عالي الجودة لتسويقها دولياً، مع إنجاز 50 في المائة من العمل حتى الآن، كما أضاف رمزي أنه تم تطوير معمل المسح الرقمي بدعمه بستة أجهزة حديثة؛ ما أسفر عن رقمنة أكثر من 7 ملايين لقطة من أوعية المعلومات المختلفة، وربط 84 ألف مصدر رقمي متاح عبر القاعة الرقمية، فضلاً عن فهرسة ورقمنة أكثر من 4700 أسطوانة صوتية نادرة وتحويلها من النظام التناظري إلى الرقمي.

واستعرض رمزي، وفق البيان، اكتمال مشروع ترميز (بار كود) قرابة 60 ألف مجلد مخطوط؛ ما اختصر مدة الجرد إلى أيام معدودة، وسمح بتتبع حركة المقتنيات بدقة، وتطبيقاً لسياسة تداول المقتنيات والدورة المستندية الجديدة، لم تسجل الدار أي حالة فقد في رصيدها التراثي.