محمد بن إبراهيم... «شاعر الحمراء» الذي صار «أسطورة»

أمر الملك الحسن الثاني بجمع شعره وطبعه

محمد بن إبراهيم في شبابه
محمد بن إبراهيم في شبابه
TT

محمد بن إبراهيم... «شاعر الحمراء» الذي صار «أسطورة»

محمد بن إبراهيم في شبابه
محمد بن إبراهيم في شبابه

قبل 63 سنة، توفي الشاعر المغربي محمد بن إبراهيم، عن سن 54 عاماً. كان ذلك في 27 سبتمبر (أيلول) 1954. اليوم، رغم مرور أكثر من ستة عقود على رحيله، شهد خلالها الشعر المغربي أجيالاً من الشعراء وتحولات عميقة، محققاً تنوعاً في أشكاله وغزارة في منجزه، ما زال محمد بن إبراهيم، حاضراً اسماً وتجربة، وواحداً من أهم وأشهر الشعراء الذين عرفهم الشعر المغربي في العصر الحديث.
عرف محمد بن إبراهيم، أكثر، بـ«شاعر الحمراء»، اللقب الذي سمى به نفسه، في مختتم قصيدة «من المغرب الأقصى أتتك تحية»، التي ألقاها، خلال زيارة للبقاع المقدسة، في 1937، أمام عبد العزيز آل سعود، حيث نقرأ: «من المغرب الأقصى أتتك تحية - يبلغها عن أهله شاعر الحمرا».
لم تكن لبن إبراهيم، كما يقول الدكتور أحمد شوقي بنبين، في مقدمة «روض الزيتون... ديوان شاعر الحمراء»، مكانته المميزة وبصمته الخاصة بين معاصريه فقط، بل كان نمطاً وحده في شعراء المغرب الحديث. ردد أشعاره وتملى بنوادره الكبير والصغير، والمثقف والعامي، ففاقت شهرته حدود مسقط رأسه، وذاع صيته في مدن المغرب، وامتد إلى دول المشرق. فيما كتب عنه عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجيراري، في تقديم الديوان: «محمد بن إبراهيم، هذا الشاعر الذي ارتبط اسمه بمسقط رأسه مراكش الحمراء، وإن تعدى صداه مختلف حواضر المغرب وأقطار أخرى غيره؛ في تألق دام نحواً من ثلاثة عقود، على مدى سنوات الثلاثين والأربعين والخمسين، ملأ خلالها حيزاً من ساحة الشعر وشغل الناس؛ وأظنه ما زال يعتلي هذا الموقع، وإن مضى على وفاته زهاء نصف قرن. والسبب أنه عاش فترة انتقالية غنية بالأحداث التي كانت تحفها أزمات شتى وتناقضات متعددة، والتي تعكس لمتأملها واقع الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية ثم الأدبية، بعد ذلك». قبل أن يضيف: «في أحضان هذه الفترة وجد شاعر الحمراء، وفي رحاب مراكش التي كانت يومئذ تجسم الواقع بمختلف اضطراماته ومضاداته، عاش ينعم أحياناً ويشقى أخرى؛ إن لم أقل إنه كان ينعم بشقاوته ويشقى بنعمائه؛ في عبث أو لامبالاة ما أظنهما عنده إلا يخفيان موقفاً مما حوله ومن الناس كان مقتنعاً به وعليه يسير. وكان نمط حياته يساير هذه الأحوال، ويحث مع هذه المسايرة على قول شعر ينم عن حس مرهف وسرعة بديهة ونفس متقدة وقدرة على التعبير الذي لم يكن يخلو من جودة وإبداع، ومن طرافة النظم كذلك، ولكن لأنه كان يلقي شعره وفق ما تمليه طبيعته اللامبالية وسلوكه العابث، وكان هذا الشعر يذيع وينتشر، تصحبه حكايا وقصص - هي على واقعتها - أقرب إلى أن تكون من نسج الخيال، مما غدا به محمد بن إبراهيم أسطورة أو يكاد».
يستعيد أحمد شوقي بنبين، الذي قام بالضبط والتنسيق والتعليق على «روض الزيتون»، ضمن منشورات الخزانة الحسنية بالرباط، ما ميز حياة بن إبراهيم، فيقول إن «المتتبع لحياة شاعر الحمراء والواعي بما أحاط بها في جميع مراحلها من دقيق المناسبات والظروف، يجد أنها سلسلة جلسات من السهر والسمر، وحلقات من لقاءات متواصلة مع الأحباب والخلان، يتبادلون خلالها النكتة البارعة، والمثل الشارد، والبيت المأثور، ويتجاذبون فيها الأحاديث الرائعة، والألغاز المعبرة، وقد تتمخض أحياناً عن مساجلات للشعراء غالباً ما يكون بن إبراهيم الموحي بها، أو الداعي إليها. فراجت أشعاره، وذاعت نوادره في الناس حتى نسب إليه الكبير من الملح».
عاكس بن إبراهيم، الذي ولد في 1900، بمراكش، حيث حفظ القرآن في صغره بروايتي ابن كثير وأبي عمر البصري، كما حفظ كثيراً من المتون العلمية، قبل أن يتابع دراسته في ابن يوسف والقرويين، رغبة والده، الذي كان يريده أن يصير رجل دين. يقول أحمد شوقي بنبين: «كان أبوه شديد التدين، متمسكاً بالشرعيات، فأراد أن يكون ابنه محمد فقيهاً، وربما متسماً بما يتسم به الفقهاء من الورع والوقار».
وكتب الوزير والأديب أحمد التوفيق، عن «شاعر الحمراء»، في تصدير «روض الزيتون»: «شاعر تأدب بين الفقهاء ولكنه أبى أن يسمع الفقيه الذي هو تحت برنوسه، لأنه آثر أن يكون نائماً عندما يستيقظ الواعظ، وأن يكون ثملاً عندما ينام الناسك (...) كان له في تقاليد الشعر الذي استلهمه أجداد من المستهترين والقلقين والمجانين والوصافين والمداحين والهجائين والبكائين ذوي الحنين المملقين، ولكنه استقل بأسلوب خفيف طريف نقل به هذه الأغراض إلى عصره وبيئته، فهو شاهد على البيئة والوقت بحق، وهو لسان ذلك الوجع ومرآة تلك المحنة في الفهم. وهو كأي شاعر أصيل محشو بالمتناقضات المنطقية، لأنه أنبوب شديد التوصيل، يحمي وطيس نفسه ويبرد بسرعة ناشزة عن التوقعات».
والجميل في ديوان «روض الزيتون»، الذي نشر، في طبعته الثانية، في جزأين، في 2002، متضمناً عدداً من أشعار الشاعر، أنه جمع وطبع بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني. يقول أحمد شوقي بنبين: «إن قصة جمع ديوان شاعر الحمراء ترجع إلى سنة 1968، حينما قرر جلالة المغفور له الحسن الثاني أن يجمع ديوان شاعر الحمراء الذي ما فتئ الناس يرددون شعره، ويتندرون بنكته في المجالس والمنتديات وفي المتنزهات والأسواق. فانتدبت للقيام بهذا العمل لجنة علمية من علماء مراكش وأصدقاء الشاعر، وهم على التوالي: أحمد الشرقاوي إقبال، والطيب المريني رحمه الله، ومبارك العدلوني، ومحمد بنبين، وعلي بلمعلم التاورتي رحمه الله، وبعد جهد كبير استطاعت اللجنة جمع ما بقي من شعر الشاعر عند الخاصة، وما كان منشوراً في الصحف والمجلات، وقدمته ديواناً مخطوطا لجلالة الملك في أبريل (نيسان) 1969. وحفظ بالخزانة المولوية. وبعد مرور نحو ثلاثين سنة ارتأى جلالته أن يطبع الديوان، فأنيطت بي مهمة إعادة قراءته، وتخريج مضامينه، والقيام بكل ما تدعو إليه عملية الضبط والتنسيق والتعليق من جهد علمي مضن يعرفه ذوو التجربة في هذا المجال».
واليوم، لا يمكن لمن يتتبع حياة وتجربة «شاعر الحمراء» إلا أن يستعيد علاقته بعدد من رموز وأعيان البلد والمدينة، وكذا رحلته لأداء فريضة الحج، ثم زيارته الشهيرة لمصر، في طريق العودة، حيث التقى عدداً من رجال الفكر والأدب، فقال شعراً كثيراً، نقرأ منه، في قصيدة «غير أن القلب مصري»: «ليس مصر وطناً لي - غير أن القلب مصري - نصف شهر مر لي في - ها فعمري نصف شهر»؛ دون أن ينقل عشقه وحنينه لمصر وأهلها لعقدة نقص، بدليل انتقاده لأحمد شوقي، في تفاعل مع مضامين مسرحيته «أميرة الأندلس»، التي لمس فيها الشاعر المغربي تحاملاً من أمير الشعراء على أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، انتصاراً للملك الشاعر المعتمد بن عباد الذي حبسه أمير المرابطين في أغمات، حيث كتب قصيدة، جاء فيها: «أأحمد شوقي للقوافي رجالها - كأنتَ وللتاريخ ذو الأخذ والرد».
على صعيد المنجز الشعري، يستحضر المتتبعون لتجربة الشاعر المغربي عدداً من القصائد، أكثر من غيرها، تبعاً للسياق، ومن ذلك قصائد «إلى هتلر» و«موت بلفور» و«تهويد فلسطين» و«أبطال ليبيا»، التي تناول فيها «قتل عمر المختار الزعيم الليبي على يد الطليان»، بشكل يؤكد تجاوبه مع عدد من القضايا الوطنية والعربية والكونية، أو قصيدة «المطعم البلدي»، التي ندد فيها بالحالة المزرية لأحد مطاعم طنجة، ذات زيارة، منتقداً صاحبه، وقصيدة «الجهاز اللاسلكي واللاقط والمذياع»، التي احتفى فيها بـ«أفكار الورى التي أتت بعجب العجب»، حتى صار «الشرق جار الغرب»؛ علاوة على عدد من قصائد المدح والهجاء، أو تلك التي تنقل لطبيعته اللامبالية وسلوكه العابث، من قبيل «في حانة» و«لا تحبس الكأس» و«الويسكي» و«قبح الله الحشيش».
المراكشيون، من جهتهم، تجدهم يستحضرون عدداً من المواقف والقصائد التي احتفى فيها شاعرهم بالمدينة ورموزها، خصوصاً قصيدة «في أهل مراكش»، حيث كتب: «أولئك قوم شيد الله فخرهم - وما فوقه فخر وإن عظم الفخر - أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه - فأيديهم بيض وأوجههم زهر - يصونون إحساناً ومجداً مؤثلاً - ببذل أكف دونها المزن والبحر - أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت - لنورهم الشمس المنيرة والبدر - فلو مست الصخر الأصم أكفهم - أفاض ينابيع الندى ذلك الصخر».



مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكُتّاب والقُرَّاء، الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة، التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً في صناعة الأدب والثقافة.

وأقيم المهرجان خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي، وفيه قدمت الهيئة للزائر مشهداً ثقافياً متحركاً في الهواء الطلق ما بين الأدب، والفن والمورث، بالإضافة إلى الحكايات والقصص التي شارك فيها الزوار، واحتضن متنزه «الردف» 270 فعالية المهرجان، بحضور نخبة من رواد الأدب في العالم العربي.

الفنون الشعبية التي تشتهر بها مدينة الطائف وعموم منطقة مكة كانت حاضرة بقوة (الشرق الأوسط)

سيرة مدينة وذاكرة المرأة

في أحد ممرات المهرجان جلست سيدات الطائف إلى جوار عملهن من المشغولات اليدوية والملابس التقليدية التي تبرز تنوع ثقافة اللبس لدى المرأة في الطائف واختلافه من موقع إلى آخر، حيث عرضن منتجاتهن التي تحكي سيرة مدينة وذاكرة المرأة، من خلال 20 منصة أعادت الاعتبار للحرفة بوصفها ثقافة ملموسة، لا تقل أثراً عن النص المكتوب.

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

الكتب المعلقة

بينما يرسل ممر «الكتب المعلقة» رسائل تؤكد على أن القراءة والكتاب ينطلقان في فضاء مفتوح دون قيد أو شرط عبر مجسمات تُرى من بعيد، لكنها تُقرأ من الداخل، فتذكّر الزائر بلغة شاعرية أن المعرفة ليست رفوفاً مغلقة، بل حضور يومي في المكان العام.

ومن خلال الجداريات نقرأ جانباً من سيرة الطائف الأولى، تستعرض من خلالها المدينة الجبلية أجمل مصائفها؛ جبل الهدا، وبساتين الورد، وسوق عكاظ، لا بوصفها معالم جامدة، بل مشاهد حية يشارك الزائر في تشكيلها، في تجربة تمحو المسافة بين الفن والمتلقي، وتمنح المدينة فرصة في أن تُروى بأيدي أهلها.

الفن والموسيقى

من مزايا مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف التنوع في مسارات الأدب والفنون؛ إذ أقيمت كثير من الحفلات الغنائية على المسرح الرئيسي، ومنها حفل فرقة «هارموني عربي» المصرية التي قدمت أمسية غنائية استقطبت جمهوراً واسعاً، وقدمت خلالها مزيجاً متناغماً من الألحان العربية بصيغة معاصرة، عززت حضور الموسيقى بوصفها لغة مشتركة، ومكوناً أصيلاً في الفعل الثقافي الذي يقدّمه المهرجان.

كما شكلت تفعيلة «منصة الفن» في منطقة «الدرب» مساحة لالتقاء الأدب بالموسيقى، عبر 3 منصات قدمت عروضاً غنائية لفنانين سعوديين صاعدين، في تجربة تفاعلية تعكس تنوع المواهب، وتفتح المجال أمام الأصوات المحلية للظهور ضمن مشهد ثقافي جامع.

الشعر والمحاورة

وفي خطوة فريدة لم يأتِ الشعر على هيئة منصة تقليدية، بل تسلل «بين الطرق»، حيث استمع الزائر لصوت موسيقي، ونصٍ يُقرأ، وشاهد ذاكرة تُحفظ قصائد فصيحة ونبطية، لأسماء معروفة، قُدّمت في أداء حي، مدعومة بالتقنية، لتستعيد القصيدة مكانها الطبيعي بين الناس بشكل جميل يلفت الزائر ويدفعه للإنصات.

وحضر شعر المحاورات بقوة؛ إذ شهدت أمسياته تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، شارك فيها شعراء سعوديون قدموا نصوصاً ارتجالية تنوعت موضوعاتها بين الاجتماعي والوطني والتراثي، في تجربة أعادت للشعر حضوره الحي بوصفه مساحة للحوار والمنافسة الذهنية، وقربته من المتلقي بعيداً عن الإلقاء التقليدي.

«الحكواتي» فكرة استقطبت الصغار لمعرفة الكثير من الحكايات التاريخية والأدبية (الشرق الأوسط)

المسرح

تنوّعت العروض المسرحية، بين التفاعلي والكوميدي، في حين خُصص للأطفال عالمهم الخاص، عبر مسرح «الحكواتي»، حيث تعلّم الصغار أن القصة ليست سماعاً فقط، بل مشاركة وخيال وبدايات وعي.

وفي المسار المسرحي، قدم المهرجان برنامجاً متنوعاً عبر 5 مسارح، شملت عروضاً تفاعلية وفكرية واجتماعية، من بينها مسرحية «سيف ودلة وطين» التي استحضرت رمزية الأدوات التراثية في تشكيل الهوية الوطنية، كذلك «الكتاب المسروق» التي قدمت رسالة عن قيمة المعرفة وحماية القراءة، إلى جانب أعمال فلسفية وكوميدية لامست تحولات الإنسان والعلاقات عبر الأزمنة، مؤكدة قدرة المسرح على الجمع بين المتعة والتأمل.

تنوع الفعاليات كان أحد العوامل في استقطاب الزوار للمهرجان (الشرق الأوسط)

رموز الأدب

وربطت هيئة الأدب الماضي بالحاضر في مسارات مختلفة، ومنها مسار الذاكرة؛ إذ شكلت فعالية «أدباء عبر التاريخ» في مسارات المتنزه حالة فريدة بوصفها جولة سردية تستحضر رموز الأدب السعودي الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي الوطني، من الشعر والصحافة إلى الفكر والمسرح.

وقدّمت الفعالية سيراً مختصرة لأسماء راسخة، أعادت للزائر صورة جيلٍ مهّد للحركة الأدبية الحديثة، وربط الحاضر بجذوره الثقافية.

ومن الأسماء الأمير الشاعر عبد الله الفيصل، والكاتب عبد الله نور، والأديب محمد حسين زيدان، وأحمد السباعي رائد الصحافة والمسرح الحديث، وحسين سراج أحد روّاد المسرح السعودي، وعصام خوقير الطبيب الأديب، وسعد البواردي صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر»، وإبراهيم خفاجي الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي، وطاهر زمخشري رائد أدب الطفل، ومحمد حسن عواد أحد روّاد التجديد الأدبي، ومحمد سعيد خوجة الرائد في طباعة كتب التراث.

ومع ختام مهرجان «الكتاب والقراء»، أكدت مدينة الطائف مكانتها الثقافية، حيث تُعدّ أول مدينة سعودية تنال عضوية منظمة «يونيسكو» للمدن الإبداعية في مجال الأدب، فلم يكن المهرجان مجرد «روزنامة» فعاليات تضاف إلى التقويم الثقافي، بل كان امتداداً لصوت قديم ما زال يتردد في فضاء الطائف، منذ كانت الأسواق تُقام للشعر والأدب، وقد أعادت هيئة الأدب والنشر لمتنزه «الردف» بريق الحكايات للتاريخ والمستقبل.

سيدات من الطائف يشاركن من خلال مشغولاتهم اليدوية للتعريف بالكثير من الملبوسات (الشرق الأوسط)


قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
TT

قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)

لا يُعدّ قضم الأظافر، ونتف الجلد مجرد ردود فعل لا إرادية، بل يُنظر إليهما بوصفهما آليتين للبقاء، وذلك وفقاً للتحليل النفسي لعاداتنا اليومية.

ولا يوجد سبب واحد واضح لقضم الأظافر، إلا أن هناك عدة نظريات تفسّر هذه العادة. وتشمل النظريات بدء هذه السلوكيات على أنها وسيلة للتأقلم مع المشاعر الصعبة، أو الشعور بالملل، أو الحاجة إلى إشغال اليدين، فضلاً عن إمكانية وراثة هذه العادة من الوالدين، بحسب ما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقد تبدو هذه السلوكيات غير منطقية، أو غير صحية، بل، ومؤلمة أحياناً. إلا أن الدكتور تشارلي هيريوت-ميتلاند، اختصاصي علم النفس السريري، يشير إلى أننا طوّرنا ما يصفه بـ«الأضرار البسيطة» بوصفها وسيلة لحماية أنفسنا.

وقال هيريوت-ميتلاند لصحيفة «إندبندنت»: «من خلال إحداث إحساس جسدي بسيط، يستطيع الجسم تحويل تركيزه فوراً إلى الجانب الجسدي، مما يساعد على تخفيف التوتر، واستعادة الشعور بالسيطرة». وأضاف: «وهذا يبقى أفضل من البديل، المتمثل في فقدان السيطرة أمام المشاعر الجارفة».

وينقسم كتابه الجديد: «الانفجارات المُتحكَّم بها في الصحة النفسية»، إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: التخريب الذاتي، والنقد الذاتي، وإيذاء الذات. وقد تشمل هذه السمات سلوكيات يومية، مثل تجاهل صديق جديد، أو السعي إلى الكمال، أو قضم الأظافر.

وأوضح أن نتف الجلد، وقضم الأظافر يُعدّان من الأشكال الأخف لإيذاء النفس، والتي قد يسهل على الناس استيعابها، في حين تُعتبر المشكلات الأكثر خطورة، مثل الجروح، أو اضطرابات الأكل، أشكالاً أشد حدة. وأعرب الدكتور عن أمله في أن تساعد مناقشة عادات شائعة -ومنها قضم الأظافر ونتف الجلد- الناس على فهم أشكال أخرى من إيذاء النفس التي غالباً ما تُوصم بالعار.

وأضاف: «عندما تُسبّب لنفسك ألماً عبر شدّ الشعر، تشعر براحة فورية بعد ذلك، وكأنك تُحفّز إفراز الإندورفين الطبيعي في جسمك».

ومع ذلك، شدد على أنه لا ينبغي اللجوء إلى هذه السلوكيات فقط من أجل الشعور بالراحة السريعة، بل ينبغي فهمها أيضاً بوصفها وسيلة دفاعية لحماية النفس.

وقال: «الدماغ آلة مصممة للبقاء؛ فهو ليس مبرمجاً لتحقيق أقصى درجات السعادة أو الرفاهية، بل للحفاظ على حياتنا»، مضيفاً: «إنه يحتاج إلى العيش في عالم يمكن التنبؤ به، ولا يحب المفاجآت، ولا يرغب في أن نُفاجأ».

وتعمل هذه الآلية الوقائية وفق مبدأ أساسي مفاده بأن الدماغ يُفضّل التعامل مع تهديد معروف، ويمكن السيطرة عليه، بدلاً من مواجهة احتمال تهديد مجهول، وخارج عن السيطرة.

وتستند الأسس العلمية لهذه النظرية إلى طريقة تطور الدماغ البشري، الذي كان يركّز في المقام الأول على البقاء لا على تحقيق السعادة. فالدماغ مُبرمج فطرياً على رصد الخطر في كل مكان، وهو ما ساعد الجنس البشري على الاستمرار. إلا أن ذلك يعني اليوم أننا أصبحنا أكثر حساسية لأي أذى محتمل، سواء كان جسدياً أو نفسياً.

وفي كثير من الحالات، قد يكون الأشخاص الذين يمارسون عادات مثل قضم الأظافر قد بدأوا بها في مرحلة مبكرة نتيجة الشعور بالقلق، قبل أن تتحول مع الوقت إلى سلوك مكتسب ومتكرر، بحسب ما أشار إليه الدكتور هيريوت-ميتلاند.

ورغم توافر نصائح عملية للتقليل من قضم الأظافر، مثل استخدام مستحضرات مخصّصة، أكد هيريوت-ميتلاند أنه لا توجد حلول سريعة، أو فورية.

وبدلاً من ذلك، شدد على ضرورة فهم الوظيفة النفسية لهذه السلوكيات، والمخاوف الكامنة خلفها، عوضاً عن الاكتفاء بمحاولة التخلص منها دون معالجة جذورها.


بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
TT

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة، وترتكز أحياناً على ممثلين غير محترفين، ما أسهم في ترسيخ مفهوم «السينما الواقعية الجديدة» وتأثيرها الاجتماعي.

وقد استقطبت الأفلام الكلاسيكية جمهوراً واسعاً من محبي السينما الإيطالية، ممهورة بأسماء رائدة في عالم الإخراج، مثل فيديريكو فيلّيني، ولوتشينو فيسكونتي، لتغدو مدارس سينمائية قائمة بذاتها تركت بصمتها الواضحة على الشاشة الذهبية.

وتستضيف بيروت للسنة الثانية على التوالي «مهرجان الفيلم الإيطالي»، الذي ينظمه «المركز الثقافي الإيطالي» بالتعاون مع «جمعية متروبوليس للسينما». وينطلق في 21 يناير (كانون الثاني) ويستمر حتى 30 منه، حيث تفتح سينما متروبوليس في منطقة مار مخايل أبوابها مجاناً أمام هواة هذا النوع من الأفلام.

فيلم «بريمافيرا» يفتتح فعاليات المهرجان (متروبوليس)

يُفتتح المهرجان بفيلم «بريمافيرا» للمخرج دميانو ميشيليتو، وهو عمل تاريخي ــ درامي من إنتاج عام 2025، تدور أحداثه في البندقية خلال القرن الـ18 حول عازفة كمان موهوبة في دار أيتام تُدعى سيسيليا، يكتشف موهبتها الموسيقي الشهير أنطونيو فيفالدي ويصبح معلمها. ويستكشف الفيلم موضوعي الموسيقى والحرية، وهو من بطولة تيكلا إنسوليا وميشيل ريوندينو، ومقتبس من رواية «Stabat Mater» لتيزيانو سكاربا.

تشير نسرين وهبة، المشرفة على تنظيم المهرجان في جمعية متروبوليس، إلى أن معظم الأفلام المعروضة هي من الإنتاجات الحديثة التي أُنتجت وعُرضت في إيطاليا خلال العام الماضي، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن المهرجان يضمُّ 10 أفلام مختارة لتلائم أذواق رواد السينما الإيطالية على اختلافها.

وتضيف نسرين وهبة أن الإقبال اللبناني على هذه الأفلام يعود إلى ندرة عرضها في الصالات المحلية، ما يجعل المهرجان فرصة لاكتشاف موجة جديدة من السينما الإيطالية الموقّعة من مخرجين معاصرين.

وعلى مدى 10 أيام، تُعرض أفلام عدة، بينها «أون أنو دي سكولا» (عام دراسي)، و«تيستا أو غروسي» (صورة أم كتابة) للمخرجين لورا سماني وأليكسيو ريغو دي ريغي وماتيو زوبيس، وهي أعمال تُعرض للمرة الأولى في لبنان.

ومن الأفلام المشاركة أيضاً «جيو ميا» (فرحتي) لمارغريتا سباميناتو، الذي يروي قصة نيكو، فتى نشأ في عائلة علمانية في عالم حديث ومتصل بالتكنولوجيا، يُجبر على قضاء الصيف في صقلية مع عمته المتديّنة في قصر قديم معزول عن مظاهر الحداثة، لتنشأ بينهما علاقة متحوّلة تتأرجح بين الماضي والحاضر، والعقل والإيمان. كذلك يُعرض فيلم «لافيتا فا كوزي» (الحياة تمضي على هذا النحو) لريكاردو ميلاني، الذي يتناول صراعاً بين راعي غنم ورجل نافذ يسعى للاستيلاء على أرضه الساحلية.

يُختتم المهرجان مع فيلم «سوتو لو نوفيلي» (متروبوليس)

ويُختتم المهرجان بفيلم «سوتو لو نوفيلي» (تحت الغيوم) للمخرج جيان فرانكو روزي، الذي سبق أن صوّر فيلماً وثائقياً في لبنان. ويتناول العمل معالم أثرية بين مدينتي فيزوف وخليج نابولي، حيث تتقاطع حياة السكان والمصلّين والسياح وعلماء الآثار. ويتابع الفيلم تنقيبات فريق ياباني في فيلا أوغسطيا، إلى جانب مشاهد من أطلال بومبي وكنيسة مادونا ديل أركو، في سرد بصري يستحضر الماضي بوصفه عالماً لا يزال حياً.