أطفأت الأضواء بالقاعة العاشرة في مقر اليونيسكو، حيث تلاحقت منذ أسبوع الفصول الدراماتيكية لانتخاب مدير عام جديد للمنظمة الدولية، وأسدلت الستارة على دراما بالغة التعقيد بعد أن خرج من صندوق الاقتراع مساء أمس في أجواء محمومة اسم المرشحة الفرنسية أودري أزولاي لتكون المديرة الجديدة، التي سوف تتربع على عرش اليونيسكو للسنوات الأربع القادمة.
وحصلت أزولاي على 30 صوتا، فيما حصل المرشح القطري الوزير السابق حمد عبد العزيز الكواري على 28 صوتا.
وجاء ترشيح أزولاي بناء على رغبة الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند. لكنها حظيت بدعم ومساندة كبيرين من الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون ومن وزير خارجيته جان إيف لو دريان. ولهذا الغرض أنشئت خلية دبلوماسية وظيفتها متابعة الانتخابات، وتوفير الأصوات الضرورية لوزيرة الثقافة الفرنسية السابقة، التي عملت قبل الوزارة مستشارة ثقافية للرئيس هولاند في قصر الإليزيه.
وقالت مصادر دبلوماسية فرنسية أول من أمس إن باريس «شغلت كافة أدواتها» لتوفير الدعم لها في معركة وصفت بـ«الشرسة». وواحدا بعد الآخر، خرج المرشحون العرب من السباق، وكان أولهم المرشح العراقي، وتبعته المرشحة اللبنانية، وأخيرا المرشحة المصرية. وسارع ماكرون في تغريدة مختصرة إلى تقديم التهنئة للمديرة العامة الجديدة، مبرزا أن فرنسا «ستستمر في المناضلة من أجل العلم والتربية والثقافة في العالم».
واستفادت أزولاي، رغم أنها تصر على نفي ذلك، من كونها ابنة الرجل السياسي المغربي - الفرنسي أندريه أزولاي، الذي ينتمي إلى عائلة يهودية مغربية معروفة. وكان أزولاي الذي يعتبر أحد كبار وجهاء الجالية اليهودية المغربية، قد مارس وظائف متعددة متنقلا بين الصحافة والبنوك، وأصبح ابتداء من عام 1991 مستشارا مقربا جدا من الملك الراحل الحسن الثاني، وبعده من ابنه الملك محمد السادس.
وتفيد مصادر دبلوماسية في باريس بأن المغرب ساند المرشحة الفرنسية منذ البداية، ووفر لها الدعم وعمل لصالحها، خصوصا لدى الدول الأفريقية القريبة منه.
وتقول أزولاي إنها لا تمتلك الهوية المغربية أو أي هوية أخرى غير الهوية الفرنسية، ولا تريد أن تختصر بكونها ابنة والدها المعروف.
وحقيقة الأمر فإن مجموع هذه العناصر جعل أزولاي تقدم نفسها على أنها «مرشحة فرنسية - مغربية - متوسطية - عربية وأفريقية». وتضيف الأوساط الفرنسية في معرض الترويج لمرشحتها، أن أزولاي، وبعكس المرشحين العربيين اللذين بقيا في السباق حتى الأربعاء، «لا تثير الانقسامات أو تنقل الخلافات السياسية إلى قلب منظمة اليونيسكو، أو أن تجعلها رهينة لها».
وجاء قرار الولايات المتحدة الأميركية بالانسحاب نهاية العام القادم من اليونيسكو ليوفر دعما إضافيا للمرشحة الفرنسية، ويضفي «المصداقية» عليها كما ورد في بيان رسمي للخارجية الفرنسية، تعقيبا على القرار الأميركي. وفي تصريح قصير للصحافة بعد تأهلها للمنافسة النهائية أكدت أزولاي أن اليونيسكو تجتاز «أزمة عميقة»، وأنها مرشحة «الحوار والانفتاح» على كل الأطراف.
وقبل الفصل المسائي الأخير، تبارزت أزولاي مع مرشحة مصر الوزيرة السابقة مشيرة خطاب في دورة اقتراع إضافية، كونهما حصلتا على العدد نفسه من الأصوات في الجولة الرابعة «18 صوتا». وكان الهدف الفصل اقتراعا بين المرشحتين المذكورتين. وجاءت النتيجة لصالح أزولاي التي جمعت 31 صوتا، بينما حصلت خطاب على 25 صوتا، واعتبرت ورقتان لاغيتين.
ورغم المنافسة الحادة بين المرشحتين، فإن مصر لم تتأخر في الإعلان رسميا عن تأييدها للمرشحة الفرنسية، الأمر الذي يمكن فهمه على ضوء الخلاف السياسي العميق بين الدوحة والقاهرة «وثلاث دول خليجية» منذ يونيو (حزيران) الماضي. ولم يشكل الموقف المصري مفاجأة لأي أحد. لكن المفاجأة جاءت في الدورة التي سبقت، إذ إن المرشحة المصرية هي التي كانت المستفيدة من خروج مرشح الصين «5 أصوات»، ومرشحة لبنان «4 أصوات» من السباق أول من أمس، بحيث تمكنت من اللحاق بالمرشحة الفرنسية، والتنافس معها للوصول للدورة النهائية.
وأفادت مصادر مصرية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أن تقدم أزولاي على خطاب سببه دفع الدوحة بمؤيدي مرشحها إلى التصويت لصالح مرشحة فرنسا ولإسقاط مرشحة مصر، والحجة في ذلك أنه من الأفضل للمرشح القطري أن يخسر بوجه فرنسا من أن يخفق بوجه مصر.
ولم تسلم العملية الانتخابية من تشوهات سياسية وإعلامية، بحيث سادتها أجواء من التوتر والإشاعات التي كانت تروج لها الأطراف الضالعة في العملية الانتخابية. وجرى الحديث كثيرا خلال الأيام الخمسة التي حصلت فيها الانتخابات عن تسهيلات مادية، وأخرى عن وعود شخصية، ناهيك عن تدخلات سياسية ودبلوماسية، وضغوط لم يسلم منها أي طرف. ودفع هذا الأمر وزير الخارجية المصري، الذي عاد إلى باريس مرة ثانية لمواكبة الشوط الأخير للانتخابات، إلى أن يطلب أمس من المديرة المنتهية ولايتها إيرينا بوكوفا، خلال اجتماع صباحي، وفق بيان من الخارجية المصرية بـ«فتح تحقيق عاجل» للتحقق من الخروقات التي كان لها «تأثيرها المباشر على نزاهة العملية الانتخابية».
وفي أي حال، فإن فشل المرشح القطري يذكر بفشل المرشح المصري وزير الثقافة الأسبق سنة 2009، فكلاهما تصدر السباق منذ البداية وحتى الشوط الأخير. لكن عوامل متداخلة أفشلت الأول كما الثاني.
وأمس تم تداول إشاعة عن عزم عدد من الدول العربية ترك «اليونيسكو» في حال فوز المرشح القطري. إلا أن الأخير تعرض لحملة في الأسابيع الأخيرة تتضمن اتهامات بمعاداة السامية، كان وراءها «مركز سيمون ويزنتال - أوروبا».
وبهذه النتيجة، فإن امرأة تخلف امرأة أخرى على رأس «اليونيسكو». لكن أزولاي لن تجد طريقا مزروعا بالورود، إذ إن المشاكل والصعوبات، وحتى «الألغام»، ستبدأ بالتفجر في وجهها منذ تسلمها منصبها رسميا بعد أواسط الشهر القادم، عقب مصادقة المؤتمر العام للمنظمة على انتخابها.
وجاء إعلان الولايات المتحدة عن انسحابها من «اليونيسكو» نهاية العام القادم ليعمق أزمة المنظمة الدولية السياسية والمالية والإدارية. وثمة تخوفات من أن يكون انسحاب واشنطن «متبوعة بإسرائيل» أول الغيث، إذ إن عددا من الدول «بريطانيا، أستراليا، كندا ودول صغيرة في المحيط الهادئ تدور في الفلك الأميركي» ستجد في الخطوة الأميركية «تشجيعا» لها على الانسحاب.
وتقول مصادر رسمية في «اليونيسكو» إن إعادة واشنطن التي لم تسدد ما يزيد على 500 مليون دولار لليونيسكو إلى حضن المنظمة الدولية سيكون «مستحيلا» للسنوات القادمة، ودليلها على ذلك أن بوكوفا، ورغم ما قامت به إرضاء لواشنطن، إلا أنها لم تنجح في حملها على دفع متأخراتها المالية والعودة لتسديد متوجباتها.
الفرنسية أزولاي على عرش اليونيسكو لأربع سنوات
باريس «شغلت كافة أدواتها» لتوفير الدعم لها في معركة وصفت بـ«الشرسة»
أودري أزولاي خلال إلقاء كلمتها أمس بمقر اليونيسكو في باريس (أ.ب)
الفرنسية أزولاي على عرش اليونيسكو لأربع سنوات
أودري أزولاي خلال إلقاء كلمتها أمس بمقر اليونيسكو في باريس (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



