كارليس بوتشيمون... الرجل الذي هزّ عرش مملكة إسبانيا

وسط العد التنازلي لحسم تداعيات الاستفتاء الكاتالوني

كارليس بوتشيمون... الرجل الذي هزّ عرش مملكة إسبانيا
TT

كارليس بوتشيمون... الرجل الذي هزّ عرش مملكة إسبانيا

كارليس بوتشيمون... الرجل الذي هزّ عرش مملكة إسبانيا

ساعات وتنتهي المهلة المحددة التي منحتها الحكومة الإسبانية في مدريد إلى الرئيس الكاتالوني كارليس بوتشيمون، للإعلان صراحة عن نوايا الإقليم، سواءً بالانفصال التام أو البقاء داخل البيت الإسباني. وللعلم، فإن رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي كان حازماً مع بوتشيمون عندما أمهله حتى الساعة العاشرة من صباح بعد غد الاثنين، ليكشف عن نواياه الحقيقية حول استقلال إقليم كاتالونيا، ولكن حتى هذه اللحظة تسود حالة من الضبابية في المواقف السياسية من الأطراف الإسبانية كافة مع اقتراب انتهاء المهلة.
مع انتهاء المهلة المحددة لحسم تداعيات الاستفتاء على استقلال كاتالونيا، بشمال شرقي إسبانيا، سيحق لرئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي العمل على «إعادة الشرعية إلى الإقليم» - على حد وصفه - عبر تطبيق المادة 155 من الدستور الإسباني، فبموجبها سيُعاد إقليم كاتالونيا إلى «بيت الطاعة» الإسباني مجدداً عبر إلغاء وضعية «الحكم الذاتي» autonomy التي كان يتمتع بها، والمباشرة في الإعداد لانتخابات تشريعية إقليمية جديدة.
الجدير بالذكر أن كارليس بوتشيمون، رئيس كاتالونيا الانفصالي، مضى في مسيرته السياسية على أساس تحقيق حلم طفولته، وهي رؤية منطقته تنفصل عن إسبانيا، وتغدو دولة مستقلة. وكان إعلان بوتشيمون (54 سنة) في الخطاب الذي ألقاه أمام نواب البرلمان الكاتالوني عن الانفصال قد أثار حالة من الترقب القلق بعد حصوله على تفويض من الشعب لإعلان الاستقلال، بيد أنه في ضوء ردات الفعل الإسبانية والأوروبية السلبية اقترح تعليق العملية إفساحاً في المجال للحوار.
يمثّل بوتشيمون، وهو صحافي سابق ذو شعر كثيف بني اللون، اليوم، وجه الحركة الاستقلالية الكاتالونية أمام العالم. وكان الرجل الذي قاد حزبه للحصول على تأييد 47.7 في المائة من الأصوات في الانتخابات المحلية عام 2015، قد جعل الأوساط الاقتصادية تتحدث عن «مفعول بوتشيمون» عندما تتحدث عن رحيل شركات من المنطقة، بينما يطالب مدافعون عن وحدة إسبانيا بزجّه في السجن.
في المقابل، قال بوتشيمون إنه سيواجه احتمال توقيفه دون خوف، وذلك في سيرة نشرت في العام 2016. كما كتب عنه صديقه الصحافي كارليس بورتا أن بوتشيمون «رجل صادق ومرن وانفصالي منذ البداية. كما أنه عنيد، وهي صفة يمكن اعتبارها تضيف جوانب إيجابية وسلبية في الوقت نفسه لشخصيته».
فضلاً عن ذلك، يقول خصوم بوتشيمون عنه أنه «لا يتمتع بخلفية ثقافية، لكنه منذ 16 سنة استقلالي حتى العظم» ولديه «قناعات راديكالية». وتجدر الإشارة هنا إلى أن حياة بوتشيمون انقلبت في أحد أيام يناير (كانون الثاني) 2016 عندما دُعي إلى ترؤس تحالف غير منسجم من الانفصاليين المصممين على تحقيق الاستقلال للإقليم البالغ عدد سكانه 7.5 ملايين نسمة. إذ إنه بعدما ترأس بلدية مدينة جيرونا، البالغ تعدادها السكاني 98 ألف شخص منذ 2001، عين رئيساً للإقليم خلفاً للسياسي المحافظ البارز آرتور ماس، الذي أثار تبنيه الخط الانفصالي حديثاً، وتأييده سياسات التقشف التي ينتهجها، استياء اليسار الانفصالي المتطرف. ومن ثم ورث كارليس بوتشيمون عن ماس مهمة صعبة لا يحسد عليها، وبات «العدو الأول» للحكومة الإسبانية برئاسة المحافظ ماريانو راخوي الذي لم يجر معه أي حوار. وبالمناسبة، لعل النقطة المشتركة الوحيدة، ربما، بين الرجلين «الخصمين» راخوي وبوتشيمون، هي أنهما تعرّضا إبان فترة شبابهما لحوادث سير خطيرة، آثارها لا تزال بادية تحت لحية راخوي، بينما تظهر على شفة وجبهة بوتشيمون.

بطاقة هوية
ولد كارليس بوتشيمون عام 1962 لأسرة تعيش في بلدة حدودية مع فرنسا في جبال البيرينيه (البرانس) على بعد مائة كلم تقريباً من برشلونة. وهو ابن وحفيد صانعي حلوى متواضعين، وترتيبه الثاني بين ثمانية أولاد، ولم يكن عمره يتجاوز تسع سنوات عندما أرسل إلى مدرسة داخلية حيث «تعلم الكفاح» حسب تعبيره. وهو حالياً متزوج من سيدة رومانية وأب لفتاتين صغيرتين.
عندما توفي الديكتاتور الإسباني فرانسيسكو فرانكو كان بوتشيمون لا يزال في الثالثة عشر من عمره. ولقد عاشت في ذاكرة هذا الشاب المتعلق باللغة الكاتالونية والشغوف بالتاريخ ذكريات القمع التي فرضت على إقليمه بعد الحرب الأهلية بين 1936 و1939.
وبدأ الشاب الطموح مسيرته الصحافية والسياسية بالعمل مصححاً في صحيفة «بونت أفوي» القومية عام 1982، وانتهى به الأمر إلى تولي رئاسة تحريرها، وكان في هذه الحقبة يمارس نشاطه السياسي إلى جانب عمله الصحافي. ويذكر أنه كان في العام 1980 قد انضم إلى حزب التوافق الديمقراطي الكاتالوني، وهو حزب قومي محافظ يترأسه جوردي بوجول، الذي تفاوض مع مدريد من أجل الحصول على حكم ذاتي أوسع للإقليم.
في تلك الأيام كان الانفصاليون الكاتالونيون لا يتمتعون بشعبية كبيرة، إلا أن بوتشيمون انصرف في صيف 1991 لدراسة حالة جمهورية سلوفينيا التي أعلنت استقلالها بعد استفتاء محظور عن جمهورية يوغوسلافيا، وتلي ذلك نزاع مسلح قصير.
وفي السنوات التالية دعا بوتشيمون إلى توسيع القاعدة الاجتماعية للحركة الاستقلالية، واعتماد مبدأ النضال اللا عنفي على غرار نضال المهاتما غاندي في الهند. وحقاً، كتب بورتا عنه في سيرته أنه كان «يرفض الاستعجال ويريد السير بالأمور كما يجب».

جوانب من شخصيته
لا يواجه بوتشيمون صعوبة في التعامل مع التقنيات الحديثة، كما أنه يجيد اللغات الإنجليزية والفرنسية والرومانية، إضافة إلى اللغتين الإسبانية والكاتالونية، ولقد أسس وكالة صحافة كاتالونية وصحيفة ناطقة بالإنجليزية حول الإقليم، كما ترأس جمعية المناطق للمطالبة بالاستقلال. يضاف إلى ذلك، أن عالم السياسية أنطون لوسادا يشير إلى أن الزعيم الكاتالوني يتمتع أيضاً بـ«حس مسرحي كبير ويعرف كيف يوظف وسائل الإعلام لغاياته».

التزم بوعوده
جدير بالذكر أنه منذ خمس سنوات، طالبت مظاهرات حاشدة في إقليم كاتالونيا، الحكم المركزي الاتحادي الإسباني في مدريد، بإجراء استفتاء لتقرير مصير الإقليم. وحقاً التزم بوتشيمون بوعده ونظم في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي استفتاء شعبياً - حظره القضاء الإسباني - شهد أعمال عنف مع الشرطة. وكانت النتيجة المعلنة هي تأييد 90.18 في المائة ممن أدلوا بأصواتهم إعلان كاتالونيا «جمهورية»، علماً بأن نسبة الاقتراع لم تزد عن 43 في المائة... وبناء عليه، ندد قسم من السكان بما اعتبره «احتيالاً ديمقراطياً» يهدف إلى إضفاء صفة شرعية على إعلان الاستقلال، ويتجاهل تجاهل النصف الآخر من السكان غير المؤيدين للاستقلال.
هذا الأمر وصفه عالم السياسة الإسباني خوان بوتيلا «هناك هروب إلى الأمام... ثم إن بوتشيمون يعتقد أن القدر يحتم عليه قيادة الكاتالونيين إلى مستقبل أفضل. لكن من الصعب التكهن بما سيقرره المقربون منه، كما أنه ليس منضبطاً جداً إزاء حزبه، حيث يسود شعور بالقلق». مع هذا يرى بوتيلا أن بوتشيمون «ليس ذلك الرجل المتعصب كما تصوره مدريد».
في المقابل، مع تبلور صورة الزعيم الكاتالوني الذي يهدد الدولة الإسبانية بالتصدع قالت سورايا ساينز دي سانتا ماريا، نائبة رئيس الوزراء الإسباني، معلقة على توقيعه على إعلان استقلال الإقليم عن مدريد مع وقف التنفيذ، «بوتشيمون لا يعرف أين هو، ولا إلى أين يسير، ولا أين يريد أن يذهب». وذكرت أن الحكومة الإسبانية ستعقد اجتماعات طارئة لاتخاذ قرار رداً على ما أقدم عليه الانفصاليون الكاتالونيون، ثم شددت على أن استفتاء 1 أكتوبر «غير شرعي، ويشوبه تزوير ولا يتمتع بأي ضمانات» للديمقراطية. من ناحية أخرى، رفضت ساينز دي ماريا دعوات بوتشيمون لإجراء وساطة مع مدريد، قائلة: «ليس بإمكان بوتشيمون أو أي شخص كان الادعاء بفرض وساطة من دون الرجوع إلى الشرعية والديمقراطية... إن الحوار بين الديمقراطيين يكون باحترام القانون».
تشدد مواقف مدريد عبّر عنها أساساً إعلان راخوي رئيس الحكومة الإسبانية أنه لا يستبعد تعليق العمل بـ«الحكم الذاتي» في كاتالونيا ما لم تتراجع قيادة الإقليم عن إعلان الاستقلال. وفي رد منه على سؤال لصحيفة «إلباييس» حول تطبيق المادة 155 من الدستور، التي تتيح تعليق العمل بالحكم الذاتي في كاتالونيا، قال راخوي «أنا لا أستبعد شيئاً، لكن يجب فعل الأشياء في وقتها»، في إشارة إلى التلويح بالقوة لإعادة الشرعية إلى الإقليم. كذلك استعرضت مدريد قوتها العسكرية إبان الاحتفال باليوم الوطني، في إشارة واضحة إلى أن سلطات مدريد لا تنوي التفريط بوحدة الأراضي الإسبانية.
وعلى صعيد آخر، شهدت مدن إسبانيا مظاهرات عدة دعت إلى وحدة البلاد. إذ نزل عشرات آلاف المتظاهرين إلى الشوارع في أنحاء إسبانيا خلال الأيام الماضية، داعين إلى وحدة البلاد، ومطالبين بتحرك لحل الأزمة السياسية، ورافضين سعي الانفصاليين في كاتالونيا استقلال إقليمهم الغني عن الدولة الإسبانية. ولقد تجمع متظاهرون يرتدون الزي الأبيض أمام مباني البلديات في أنحاء إسبانيا للمطالبة بعقد حوار لإنهاء الأزمة. وهتفت جموع من المتظاهرين الشباب الذين ساروا نحو ساحة كولون متوجهين إلى رئيس الحكومة راخوي بالقول: «إنه يجب الدفاع عن الوطن»، ولوحوا بأعلام إسبانيا وأخرى تحمل شعار «العقاب الأسود» الذي يعود إلى حقبة الديكتاتور فرانكو. وصرح الكولونيل خاكوان بيناس، الذي كان يشارك في إحدى المظاهرات أن «الوضع وصل إلى نقطة تحول، وعلينا المشاركة بفاعلية في الدفاع عن قيم إسبانيا كأمة».

مرونة... وضبابية
في أي حال، يرصد مراقبون بوادر مساع محتملة يبذلها جانبا الأزمة لنزع فتيل أسوأ أزمة تعصف بإسبانيا منذ جيل، بعدما قدمت سلطات مدريد أول اعتذار الجمعة للكاتالونيين الذين تعرضوا لإصابات جراء محاولة الشرطة منع الاستفتاء. إلا أن الضبابية ما زالت مهيمنة على المواقف، وقد يتفاقم الوضع إذا لم يتراجع قادة كاتالونيا عن خططهم الاستقلالية بعد انتهاء المهلة يوم الاثنين المقبل.
وفي هذا السياق، أكد كارليس بوتشيمون أنه لم يجر أي اتصال بالحكومة الإسبانية لحل الأزمة. وتابع في حديث لمحطة «تي في3» الكاتالونية «ملايين الأشخاص صوّتوا ويريدون اتخاذ قرار، وبالتالي علينا التعامل مع هذا الأمر». ومقابل ذلك تعهد راخوي بمنع أي تحرك نحو الاستقلال، رافضاً كل دعوات التوسط في النزاع الذي أثار قلقاً في كل أنحاء إسبانيا، بما في ذلك في صفوف لاعبي كرة القدم من ناديي برشلونة وريال مدريد، إذ قال رئيس الحكومة أن «إسبانيا ستظل إسبانيا وهي ستبقى كذلك فترة طويلة». وشدد لاحقاً على أنه في حال تم إعلان استقلال كاتالونيا، فـ«هذا الإعلان لن يؤدي إلى شيء».

الشق الاقتصادي
في هذه الأثناء، على الصعيد الاقتصادي، واصلت الشركات والحكومة الإسبانية ضغوطها الاقتصادية على سلطات كاتالونيا، وأعلنت شركات كبرى عدة نيتها نقل مقارها الرئيسية إلى أماكن أخرى من إسبانيا. وكما سبقت الإشارة، في حال أصرت قيادة كاتالونيا - التي تشكل خُمس الثقل الاقتصادي للبلاد - على إعلان استقلالها، ستستطيع مدريد الرد عبر تعليق «الحكم الذاتي» للإقليم، وفرض سلطتها عليها بشكل مباشر. وبالفعل، واصلت حكومة مدريد ممارسة الضغوط على الإقليم اقتصادياً لثنيها عن خططها الانفصالية الاستقلالية، إذ مرّرت الحكومة مرسوماً يجعل من السهل على الشركات نقل مقارها من إقليم إلى آخر.
يبقى أن نشير إلى أن الاستطلاعات في الآونة الأخيرة تبين أن الكاتالونيين منقسمون حيال الاستقلال، وهذا مع أن قادة الإقليم ادعوا أن العنف الذي حصل أثناء الاستفتاء زاد التعاطف الشعبي معهم ومع الاستقلال. كذلك نشير إلى مطالبات كاتالونيا، التي لديها لغتها وتقاليدها الخاصة، إلى قرون، لكن هذه المطالبات ازدادت خلال السنوات الأخيرة على خلفية الأزمة الاقتصادية وارتفاع شعبية بوتشيمون.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.