النيجر... «بوابة» واشنطن إلى منطقة الساحل والصحراء

خطر الجماعات الراديكالية أدخل الأميركيين مناطق نفوذ فرنسا في أفريقيا

النيجر... «بوابة» واشنطن إلى منطقة الساحل والصحراء
TT

النيجر... «بوابة» واشنطن إلى منطقة الساحل والصحراء

النيجر... «بوابة» واشنطن إلى منطقة الساحل والصحراء

لقد كان الدور الأميركي في الحرب على الإرهاب في الساحل الأفريقي، المعلن بشكل رسمي، مقتصراً على المساعدة اللوجيستية - مثل تزويد الطائرات بالوقود ونقل المعدات، أو الدعم الاستخباراتي عن طريق طائرات «الدرون» (الطائرات من دون طيار). غير أن مقتل جنود أميركيين بالقرب من الحدود المالية - النيجرية، كشف النقاب عن أدوار أخرى بات يلعبها الأميركيون في منطقة الساحل الأفريقي، ما دفع المهتمين إلى التساؤل إن كانت الولايات المتحدة قد أصبحت تزاحم فرنسا في مناطق نفوذها التقليدي.
لطالما كانت النيجر، تلك الدولة الأفريقية الأفقر في العالم: «حديقة خلفية» للنفوذ الفرنسي وقاعدة عسكرية تحط فيها الطائرات الفرنسية التي تطارد أشباح الإرهابيين والمهربين في منطقة الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى الشاسعة، إلا أن عملية مسلحة نفذها مجهولون يوم الأربعاء الخامس من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، خلطت الأوراق حين كشفت عن وجود عسكري أميركي في هذه الرقعة من العالم التي يبسط عليها الفرنسيون نفوذهم منذ مطلع القرن العشرين.
لقد تسبب الهجوم المسلح، الذي لم تتبنه أي جهة حتى الآن، في مقتل ثلاثة جنود أميركيين من «القوات الخاصة»، بالإضافة إلى أربعة جنود نيجريين، بينما أعلن البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) أن الهجوم استهدف دورية أميركية - نيجرية مشتركة قرب الحدود مع دولة مالي، وعلى بعد 200 كيلومتر إلى الشمال من العاصمة النيجرية نيامي.
البنتاغون اكتفى بالقول إن الجنود الأميركيين كانوا يساعدون الجيش النيجري في عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة المضطربة، من دون أن يعطي تفاصيل أكثر عن المهمة التي كان يقوم بها جنوده في منطقة خطيرة كالحدود بين النيجر ومالي، تنشط فيها تنظيمات مرتبطة بـ«القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وأخرى بايعت تنظيم داعش.
ثم إن تعليق البنتاغون على الهجوم الأخير تضمن اعترافاً ضمنياً، هو الأول من نوعه، بمشاركة جنود أميركيين ميدانياً في عمليات عسكرية على الأرض بمنطقة الساحل الأفريقي، في حين كانت هذه العمليات مقتصرة على جيوش دول الساحل الخمس (النيجر ومالي وتشاد وبوركينا فاسو وموريتانيا)، أو 4 آلاف جندي فرنسي منخرطين في عملية «برخان» لمحاربة الإرهاب في الساحل.
النيجر والموقع الاستراتيجي
من الطبيعي أن تكون دولة مثل النيجر محط اهتمام القوى العالمية المنخرطة في الحرب على الإرهاب، بسبب موقعها الجغرافي الذي يضعها في قلب الصراع. فهي رغم كونها تتمتع باستقرار نسبي بالمقارنة مع بقية الدول في شبه المنطقة، إذ لا تتمركز فيها أي من الجماعات المسلحة التي تهدد الأمن والاستقرار في الساحل الأفريقي، فإنها مع ذلك تعد أكبر متضرر من انهيار المنظومة الأمنية في محيطها الإقليمي، كما أنها تشكل ممراً مهماً لتهريب الأسلحة والمقاتلين من ليبيا نحو مالي ونيجيريا.
النيجر تملك حدوداً صحراوية شاسعة مع ليبيا، وتحديداً الجنوب الليبي الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى مرتع خصب للجماعات الإرهابية وشبكات التهريب. كذلك، فإن النيجر يحدها من الجنوب شمال نيجيريا ومحيط بحيرة تشاد، تلك المنطقة التي تزرع فيها جماعة «بوكو حرام» الرعب بعملياتها الدموية والبشعة، ومن الغرب تطل النيجر على شمال مالي، آخر البقاع الدامية في الساحل الأفريقي، حيث تتمركز القوة الضاربة لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» الذي يخوض حرباً شرسة ضد القوات الفرنسية وبعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وحتى على الصعيد الاجتماعي تعد النيجر «حلقة وصل» ما بين شمال أفريقيا وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء. وهي تشكل بتركيبتها الديموغرافية نموذجاً مصغراً لمنطقة الصحراء الكبرى، ففي الجنوب حيث ترتفع الكثافة السكانية نجد القبائل الأفريقية، مع غالبية ساحقة لقبائل الهَوسا، وهي واحدة من أعرق القبائل الأفريقية، وتتمركز بشكل أساسي في نيجيريا؛ أما في الشمال فنجد قبائل العرب والطوارق.
وهكذا تبدو النيجر جزيرة وسط بركة من الدماء، كما لا يبدو أنها قادرة على النأي بنفسها عن المصير الذي آلت إليه جاراتها، وهي التي تعاني الفقر والجهل والمرض، وظلت إلى وقت قريب تعيش اضطراباً سياسيا تخللته انقلابات عسكرية دامية؛ كل ذلك دفعها نحو الاعتماد في أمنها على الفرنسيين الموجودين بقوة فوق أراضيها. ولكن الفرنسيين كانوا أيضاً يسعون إلى تأمين مصالحهم بالدرجة الأولى، فنسبة كبيرة من اليورانيوم الذي تعمل به المفاعلات النووية الفرنسية مستخرج من مناجم في شمال النيجر.

قاعدة فرنسية كبيرة
يملك الفرنسيون قاعدة عسكرية كبيرة في العاصمة النيجرية نيامي، يتخذونها مركزاً لعملية «برخان» العسكرية لمحاربة الإرهاب في الساحل الأفريقي. وانطلاقاً من نيامي تشن القوات الفرنسية هجمات ضد الجماعات الإرهابية في شمال مالي، بالإضافة إلى مراقبة الحدود بين النيجر ومالي وبوركينافاسو، تلك المنطقة التي توصف من طرف المراقبين بأنها «مثلث الموت». بيد أن الوجود الفرنسي في النيجر لا يتوقف عند هذا الحد، بل شيد الجيش الفرنسي قاعدة عسكرية في عمق الصحراء الكبرى، بأقصى شمال شرقي النيجر، قرب الحدود مع ليبيا، لمراقبة تحركات الجماعات الإرهابية في تلك المنطقة. وهي تتبع الطرق الوعرة التي يسلكها المهربون من أجل قطع الطريق أمام أي تواصل بين الجماعات المسلحة في شمال أفريقيا ونظيرتها جنوب الصحراء.
الأميركيون... الوافد الجديد
فُتحت أبواب منطقة الساحل الأفريقي عموماً، والنيجر على وجه الخصوص، أمام الأميركيين منذ التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي عام 2013، ثم الحرب التي تخوضها فرنسا ضد الإرهاب في الساحل الأفريقي منذ عام 2014، ولقد تمكنت الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع الأخيرة من زيادة وجودها العسكري في هذه المنطقة، وشيدت عدة مهابط للطائرات في النيجر وبوركينا فاسو. وهي تعمل الآن على تشييد قاعدة عسكرية جوية كبيرة في مدينة آغاديز بشمال النيجر.
ولكن رغم تنامي الوجود العسكري الأميركي في النيجر، فإن السفارة الأميركية في النيجر تصر على أن التعاون العسكري بين البلدين هذا العام اقتصر على «التكوين والتدريب، ثم الدعم»، ضمن برامج أميركية معروفة على غرار برنامج «أكوتا»، وهو برنامج التدريب والمساعدة ضمن العمليات الطارئة في أفريقيا، بالإضافة إلى تدريب فلينتلوك الشهير، الذي نظم عدة مرات في النيجر خلال السنوات الأخيرة.
السفارة الأميركية تقول في تقرير منشور على موقعها الإلكتروني إن «البعد الأهم في التعاون العسكري بين البلدين يتمثل في إصلاح القطاع الأمني بالنيجر؛ وهو إصلاح بنيوي وتسييري للجيوش وقوات الأمن، وذلك من أجل تحقيق استغلالٍ أمثل للموارد البشرية والمادية والمالية». وفي هذا السياق أشرف الأميركيون على تدريب أول كتيبة نيجرية تشارك في الحرب الدائرة في شمال مالي عام 2013، بلغ تعداد أفرادها 850 جندياً، استفادوا من البرنامج الأميركي للتدريب والمساعدة ضمن العمليات الطارئة في أفريقيا «أكوتا». وحضر الاحتفال بتخرج هذه الكتيبة السفيران الفرنسي والأميركي في نيامي، وقال وزير الدفاع النيجري خلاله إن هذا التدريب تم بفضل «الدعم الفرنسي» و«التدريب الأميركي»، واصفاً تخرج الكتيبة بأنه ثمرة «تعاون ثلاثي الأطراف».

تنسيق فرنسي ـ أميركي
بدأ التنسيق بين الفرنسيين والأميركيين في منطقة الساحل الأفريقي، عندما قرر الفرنسيون التدخل عسكرياً في شمال مالي شهر يناير (كانون الثاني) 2013، من أجل طرد «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، والجماعات المرتبطة به، من الإقليم الذي سيطروا عليه لعدة أشهر من عام 2012، حاولوا خلالها إقامة «إمارة إسلامية»، ثم بدأوا التخطيط للتوسع نحو العاصمة المالية باماكو في الجنوب، لتستنجد الأخيرة بفرنسا.
كانت طائرات «الرفّال» الفرنسية تحلق من الأراضي الفرنسية لشن هجمات في شمال مالي، وذلك في إطار العملية العسكرية التي أطلق عليها اسم «سيرفال». ولكن المسافة الطويلة دفعت الإليزيه إلى التفكير في حل لتوفير الوقود لهذه الطائرات وهي في الجو، حل وفره الأميركيون على عجل.
الإحصائيات المعلن عنها تشير إلى أنه في الفترة ما بين يناير 2013 ويوليو (تموز) 2015، زوّد الأميركيون الطائرات الفرنسية العاملة في منطقة الساحل الأفريقي بالوقود في الجو أكثر من 2700 مرة. كما أن الطائرات الأميركية العملاقة «سي - 17» شاركت في نقل المعدات لصالح الفرنسيين خلال العملية العسكرية «سيرفال» لطرد الجماعات الإرهابية من شمال مالي، وأيضاً خلال عملية «برخان» التي أعقبتها عام 2014، وما تزال مستمرة حتى اليوم لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي.
من جهة أخرى ساهمت طائرات بلا طيار (درون) أميركية في جمع المعلومات الاستخباراتية عن التنظيمات المسلحة النشطة في منطقة الساحل الأفريقي وتبادل هذه المعلومات مع الفرنسيين. كذلك راهن الفرنسيون على 6 طائرات «درون» اشتروها من الأميركيين عام 2013 لتتبع تحرك قادة الجماعات الإرهابية في المنطقة، واستعانوا بالأميركيين لتسيير هذه الطائرات وشن هجمات ساهمت بشكل كبير في اغتيال عدد من قادة «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، ولكنها طائرات استطلاع ولا تملك القدرة على شن هجمات، إذ يؤكد المسؤولون الفرنسيون أنها توفر المعلومات ولكن عند اتخاذ قرار بالهجوم فإن هليكوبترات عسكرية أخرى تتدخل.
وفي يناير من عام 2015 أعلن وزير الدفاع الفرنسي آنذاك أن بلاده ستطلب من الأميركيين توفير ثلاث «درون» أخرى، من أجل تعزيز قدراتها الاستخباراتية في منطقة الساحل الأفريقي، واتخذ الفرنسيون أخيراً قراراً بتسليح الـ«درون» لتكون قادرة على شن الهجمات، وهي المهمة التي سيتولاها الأميركيون.

قاعدة آغاديز
قبل يومين فقط من الهجوم الذي وقع في قرية تانغو تانغو، وأودى بحياة الجنود الأميركيين والنيجريين، نشرت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، عبر موقعها الإلكتروني تقريراً إخبارياً مفصلاً، يتضمن مقابلات مع الجنود الأميركيين وصوراً كثيرة من أشغالهم خلال تشييد القاعدة الجوية الأميركية في آغاديز، بشمال النيجر، التي يتوقع أن تكون مركزاً مهماً للربط الجوي في المنطقة، ضمن الاستراتيجية المتبعة لمحاربة الإرهاب.
التقرير الذي نُشر قبل يومين فقط من الهجوم، أكد أن الأشغال متقدمة في القاعدة الجوية. ونُقلت عن جنود أميركيين تعليقات على ظروف العمل والعلاقات مع الجنود النيجريين والسكان المحليين، إذ قال الملازم أول دانيل تاب: «البلد المضيف كان لطيفاً حين سمح لنا بإقامة قاعدة مؤقتة بالقرب من موقع التدريب العسكري، في الوقت الذي نشيد فيه قاعدتنا ونقيم خط طيران للعمليات الجوية»، قبل أن يضيف: «هذه الأشغال ستمنحنا مساحة للعمل بشكل أفضل حتى نساعد القوات المسلحة النيجرية على تقوية الدفاع الوطني».
في المقابل، شكا الجنود الأميركيون من الظروف المناخية القاسية في المنطقة، قائلين إن التجهيزات والمعدات التي بحوزتهم غير مهيأة للعمل في درجات حرارة مرتفعة وتحت رياح قوية محملة بالأتربة والغبار، كما أن العواصف الرملية التي تتكرر كثيراً تعيق الطلعات الجوية، إلا أن ذلك لم يمنعهم من تشييد قاعدة جوية ستكلف 100 مليون دولار.
أيضاً ينقل التقرير عن جنود آخرين قولهم إن وجود قوات أميركية في النيجر ساهم في الرفع من المستوى المعيشي للسكان المحليين، وحسب أحدهم: «نساعد الناس على تحسين حياتهم الخاصة بطرق مختلفة (...) نساعد العاملين معنا على متابعة تكوينهم العسكري الأساسي، وتنظيم معارض تجارية للباعة المحليين، وإقامة دروس في التغذية من أجل تحسين الأوضاع الصحية في المنطقة»، وفق تعبيره.
وحول المشروع علق ملازم أول أميركي: «نحن ما زلنا في المراحل الأولى من إيجاد موطئ قدم في المنطقة، ولكن يوماً ما، هذه الصحراء التي ترونها خالية، ستتحول إلى خط جوي ساخن، يعمل بكامل طاقته». وفي انتظار أن يكون هذا الخط الجوي جاهزاً للخدمة، سمحت السلطات في النيجر للقوات الجوية الأميركية باستخدام مطار آغاديز من أجل استقبال رحلات جوية لنقل البضائع والتجهيزات، وهي خطوة يرى الأميركيون أنها تعكس متانة العلاقات القائمة بين البلدين، إذ يقول أحد القادة العسكريين الأميركيين: «النيجر حليف مهم بالنسبة للولايات المتحدة، ونحن نعمل يومياً مع الناس هنا في النيجر من أجل محاربة الإرهاب».
الأشغال في هذه القاعدة الجوية بدأت منذ شهر سبتمبر (أيلول) 2016، وفق ما أعلن عنه البنتاغون آنذاك، حين قال إنها ستكون قاعدة لإطلاق الـ«درون» في المنطقة، وأوضح المسؤولون الأميركيون أن هذه القاعدة الجوية يدخل تشييدها في إطار سياسة تهدف إلى تقوية مشاركة الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي.
ومن المفروض أن تصل تكاليف إقامة هذه القاعدة الجوية إلى 100 مليون دولار أميركي، وفق بعض التقارير الإعلامية، التي أشارت إلى أن الميزانية الابتدائية كانت 50 مليون دولار. ولكن مع انطلاق الأشغال قرر الأميركيون مضاعفة المبلغ، ما يؤكد أهمية المشروع بالنسبة لهم، وهي أهمية مبررة، خاصة أن آغاديز مدينة تتمتع بموقع استراتيجي مهم، فهي مركز دائرة تشمل ليبيا والجزائر ومالي وبوركينا فاسو ونيجيريا وتشاد، بالإضافة إلى النيجر حيث يقع مركز الدائرة. ثم إن آغاديز هي عاصمة التهريب في النيجر، والبوابة التي تمر منها قوافل المهاجرين نحو أوروبا... إنها نافذة على أسرار الصحراء الكبرى.

تخطيط للبقاء
أسئلة كثيرة تطرح حول هذه القاعدة الجوية. على سبيل المثال شككت لياه بولجر، وهي ضابطة سابقة في البحرية الأميركية أحيلت إلى التقاعد - وسبق لها ترؤس حركة مناهضة للحروب وتدعو للسلام في العالم - في الأهداف المعلنة من طرف الولايات المتحدة بخصوص هذه القاعدة الجوية؛ وقالت بولجر في مقابلة صحافية إن مشروع القاعدة الجوية في آغاديز: «يؤكد رغبة الأميركيين الكبيرة في أن يكونوا قادرين على تنفيذ هجمات ضد أي كان وفي أي وقت يريدون».
وتابعت أن القاعدة الجوية تدخل في سياق السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة التي أظهرت اهتماماً كبيراً بأفريقيا، وهو اهتمام قالت عنه إنه «بدأ عندما فصلوا قيادة العمليات في أفريقيا (أفريكوم) عن القيادة الأوروبية، وحتى الآن استثمروا 300 مليون دولار في المنطقة».
بولجر أشارت أيضاً إلى أن استثمار واشنطن مائة مليون دولار في قاعدة جوية وسط الصحراء، يؤكد تخطيط الأميركيين للبقاء طويلاً في المنطقة، قبل أن تضيف أن المدارج التي يشيدها الجيش الأميركي في القاعدة الجوية بآغاديز قادرة على استقبال طائرات ضخمة من نوع «سي - 17». ومن ثم تساءلت: «لماذا يحتاج الأميركيون لأن تحط طائرات عملاقة في وسط الصحراء. بالنسبة لي فإنهم يشيدون هذه المنشأة لتحويلها فيما بعد إلى مركز رئيسي لإطلاق عملياتهم العسكرية في المنطقة».
أخيراً، ترى بولجر أن القاعدة الجوية الأميركية في آغاديز ستساهم في رفع مستوى العداء تجاه الولايات المتحدة في الساحل الأفريقي، خاصة إذا بدأت الـ«الدرون» شن الهجمات في المنطقة، فحينها ستجد الجماعات الإرهابية النشطة في المنطقة حاضنة اجتماعية أقوى من الحاضنة الحالية.

أول عملية خطف
في غضون ذلك توقف المراقبون عند أول عملية اختطاف تستهدف مواطناً أميركياً في النيجر شهر أكتوبر من العام الماضي (2016)، حين أقدم مسلحون مجهولون على اختطاف جيفري وودك، وهو أميركي يعمل في مجال الإغاثة الإنسانية، يقيم في النيجر برفقة أسرته منذ عام 1992، ووقع حادث الاختطاف في قرية نائية بالقرب من الحدود مع مالي. وتزامن الحادث مع الإعلان عن الشروع في تشييد القاعدة الجوية في آغاديز.

أبرز التنظيمات الراديكالية في الساحل والصحراء
1. إمارة الصحراء الكبرى: تتبع لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، ويقودها الجزائري جمال عكاشة المعروف بلقب «يحيى أبو الهمام»، وتضم تحت لوائها أربعة كتائب: كتيبة طارق ابن زياد، كتيبة الفرقان، كتيبة الأنصار، كتيبة يوسف بن تاشفين، وتنشط إمارة الصحراء الكبرى بشكل أساسي في منطقة تمكبتو، شمال غربي دولة مالي، على الحدود مع موريتانيا.
2. تنظيم المرابطون: يقوده الثنائي الحسن الأنصاري وأبو دجانة القصيمي، في ظل غياب مؤسسه الجزائري مختار بلمختار، وهو واحد من أقوى التنظيمات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي. وسبق أن شنّ عدة هجمات نوعية في عواصم غرب أفريقية، من ضمنها باماكو وواغادوغو وأبيدجان، وينشط بشكل أساسي في منطقة غاو، شمال شرقي مالي، مع تأثير يمتد حتى غرب النيجر وشمال بوركينا فاسو.
3. جماعة أنصار الدين: يقودها الزعيم الطارقي المعروف إياد أغ غالي، الذي أسسها عام 2012، وتنشط بشكل كبير في منطقة جبال الإيفوغاس، في أقصى الشمال والشمال الشرقي لدولة مالي.
4. كتائب تحرير ماسينا: بقيادة محمد كوفا، وهي مرتبطة بجماعة أنصار الدين ويؤثر عليها إياد أغ غالي بشكل كبير، بينما يتركز نشاطها في المناطق الوسطى والغربية من دولة مالي.
(التنظيمات الأربعة السابقة، جميعها تعلن الولاء لتنظيم «القاعدة» وزعيمه أيمن الظواهري، ولقد توحدت مطلع العام الجاري 2017 في «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، وسلمت قيادتها لإياد أغ غالي، وأعلنت التنسيق في العمليات التي تستهدف الفرنسيين والأفارقة في شمال مالي).
5. «داعش الصحراء الكبرى»: أسست عام 2015، عندما انشقت عن «تنظيم المرابطون»، يقودها عدنان أبو الوليد الصحراوي، وتعلن الولاء لتنظيم داعش، تنشط بشكل كبير في الشريط الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ويرجح بقوة أن تكون هي من نفذت الهجوم الذي أودى بحياة الجنود الأميركيين الأسبوع الماضي.
6. جماعة أنصار الإسلام في بوركينا فاسو: يقودها إبراهيم معلم جيكو، ويعتقد أنها بايعت تنظيم داعش، وتنشط بشكل أساسي في شمال بوركينا فاسو.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».