مجلس القضاء الليبي يشكل لجنة مصالحة متجاهلا دعوة حفتر لتسلم السلطة

نائب رئيس البرلمان لـ («الشرق الأوسط») : تلقيت تهديدات بالقتل ومعيتيق رئيس وزراء غير شرعي

رئيس الوزراء الليبي الجديد أحمد معيتيق لدى لقائه صحافيين من رويترز (رويترز)
رئيس الوزراء الليبي الجديد أحمد معيتيق لدى لقائه صحافيين من رويترز (رويترز)
TT

مجلس القضاء الليبي يشكل لجنة مصالحة متجاهلا دعوة حفتر لتسلم السلطة

رئيس الوزراء الليبي الجديد أحمد معيتيق لدى لقائه صحافيين من رويترز (رويترز)
رئيس الوزراء الليبي الجديد أحمد معيتيق لدى لقائه صحافيين من رويترز (رويترز)

خرج أمس المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا عن صمته، لكنه تجاهل الرد بشكل مباشر على مطالبة اللواء خليفة حفتر القائد السابق للقوات البرية في الجيش الليبي، بتولي السلطة في هذه المرحلة وتشكيل مجلس رئاسي لإدارة شؤون البلاد، وأعلن في المقابل عن تشكيل لجنة لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء.
وأكد علي ميلود حفيظة رئيس المجلس في بيان تلاه خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده أمس مع النائب العام، أنه جرت دعوة المجلس الأعلى للقضاء إلى جلسة استثنائية لتدارس الوضع الذي تمر به البلاد، وللتوصل إلى وضع وسائل يمكن بها تدارك الموقف. وأوضح أن هذه اللجنة ستضم في عضويتها رؤساء الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، ورابطة وهيئة تقصي الحقائق والمصالحة، ولجنة مراجعة التشريعات، والمجلس الوطني الانتقالي، ومجلس الحكماء والشورى، ولجنة فبراير، مشيرا إلى أن هذه اللجنة ستختار رئيسها من بين أعضائها، على أن تكلف وزارة العدل بتوفير كافة الإمكانيات اللازمة لتمكين اللجنة من أداء مهامها على الوجه المطلوب.
ولفت البيان إلى أن السلطة القضائية «نأت باستقلاليتها عن التدخل في أعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية، لكونها السلطة التي تمثل ميزان العدل». وقال رئيس المجلس إن البيان واضح وليس به أي غموض، لافتا إلى أن أعضاء اللجنة هم من النخبة، وسيكون لهم تأثير على جميع الفرقاء للتوفيق ورأب الصدع. وخلا البيان من أي رد مباشر وصريح على دعوة اللواء خليفة حفتر له الأسبوع الماضي بتولي السلطة وتشكيل مجلس رئاسي وتكليف شخصية وطنية بتشكيل حكومة أزمة لإدارة شؤون البلاد في هذه المرحلة.
من جانبه، وصف عز الدين العوامي، النائب الأول لرئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) في ليبيا، رئيس الوزراء الجديد أحمد معيتيق، الذي صوت المؤتمر أول من أمس في جلسة مثيرة للجدل على منح الثقة لحكومته، بأنه «رئيس وزراء غير شرعي». وتعليقا على جلسة المؤتمر التي عقدت وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة بقصر ولي العهد السابق في العاصمة طرابلس، تساءل العوامي في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» بقوله: «هل يعتقد أحد أننا نعمل مع هؤلاء المجموعات في سياسة؟».
وكشف العوامي النقاب عن تلقيه تهديدات بقتله واغتياله، وقال: إن «السبب لأننا اعترضنا بصوت عال على تكليف رئيس وزراء بطريقة غير صحيحة ليصبح رئيس وزراء غير شرعي.. هؤلاء لن يكونوا جزءا من الحل، هؤلاء الأزمة بذاتها».
وكان العوامي رفض الاعتراف بشرعية انتخاب معيتيق معللا ذلك بأنه لم يحصل على النصاب القانوني المطلوب، لكن التيار الإسلامي استدعى نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني، على عجل من تركيا لكي يعلن صحة انتخاب معيتيق بقرار رسمي حمل توقيعه، بعد نحو شهر من غيابه عن ممارسة أي مهام عمل رسمية بحجة تلقيه العلاج في الخارج.
من جهته، كشف رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله الثني عن رفضه تولي منصب وزير الدفاع في حكومة معيتيق، حيث أعلن الثني في بيان مقتضب بثه الموقع الإلكتروني الرسمي لحكومته على شبكة الإنترنت، اعتذاره عن تولي أي منصب في حكومة معيتيق، لكنه لم يقدم أي توضيحات إضافية. وجاء بيان الثني عقب اجتماعه مع وفد من أعضاء المؤتمر، فيما قال عضو المؤتمر علاء المقريف إن المؤتمر شكل لجنة للتباحث مع الثني للمشاركة في الحكومة الجديدة برئاسة معيتيق، الذي ترك لها أربع وزارات شاغرة هي الدفاع والخارجية والتخطيط والصحة حتى تكون حكومة ائتلاف.
في المقابل، أعلن معيتيق أن حكومته ستكون حكومة الليبيين كافة، وستسعى إلى نبذ الفرقة والخلاف وجمع الصف، والدعوة إلى حوار وطني شامل. ودعا في كلمة وجهها أمس عبر قناة ليبيا الوطنية، الشعب الليبي وخصوصا الشباب، إلى أن يصطفوا معا في خط واحد لبناء الدولة ومؤسساتها. وعد معيتيق أن معركة البناء تحتاج لنفوس صافية وتضحيات جمة، لا تقل عن تلك البسالة التي شهدتها تلك الأشهر الطوال قبل ثلاث سنوات. وأضاف: «لن نقبل بالإرهاب، ولن نسمح للإرهابيين بزعزعة الأمن واستقرار البلد، ولن نقبل بترويع الآمنين».
وبعدما أكد أنه مع الحراك الشعبي السلمي، والمطالب المشروعة، ومع بناء مؤسستي الشرطة والجيش، أعلن معيتيق رفضه أن يوظف أي طرف من هذه المطالب لخدمة مصالح غير شرعية. وتعهد بأن تركز حكومته على محاربة المتشددين وتأمين الحدود وتقوية الجيش بمساعدة المجتمع الدولي لتحقيق الاستقرار في البلد المنتج للنفط والعضو بمنظمة أوبك.
ونقلت عنه وكالة رويترز قوله إنه يريد أن يستمر الاتفاق مع المسلحين لإنهاء حصار موانئ نفطية، مشيرا إلى سيجري مزيدا من المحادثات إذا فشل الاتفاق لإنهاء إغلاق أربعة موانئ نفطية. وأضاف معيتيق أنه لا يتوقع أن تقترض بلاده لتغطية احتياجات الميزانية، رغم أن الحكومة الجديدة لا تزال تدرس احتياجاتها المالية والخيارات المتاحة.
وأعلن المؤتمر الوطني أن حكومة معيتيق الجديدة ستؤدي رسميا اليمين القانونية أمامه يوم الأحد المقبل، تمهيدا للبدء في ممارسة أعمالها، حيث جرى الاتفاق على تشكيل لجنة لإتمام عملية التسليم والتسلم بين حكومتي الثني ومعيتيق، برئاسة رئيس لجنة المالية بالمؤتمر الوطني وعضوية وكيل ديوان المحاسبة ووكيل هيئة الرقابة الإدارية ومندوب عن مصرف ليبيا المركزي.
في غضون ذلك، اغتال مجهولون أمس صحافيا ليبيا بارزا دأب على انتقاد الإسلاميين، هو مفتاح عوض بوزيد، بعدما أطلقوا عليه عدة أعيرة نارية بالقرب من فندق تيبستي بمدينة بنغازي في شرق البلاد، حيث أظهر التقرير الطبي لمستشفى الجلاء للجراحة والحوادث أنه أصيب بثلاث رصاصات في الرأس والبطن واليد.



خطف ناقلة نفط قبالة اليمن واقتيادها نحو الصومال

ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)
ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)
TT

خطف ناقلة نفط قبالة اليمن واقتيادها نحو الصومال

ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)
ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)

أعلن خفر السواحل اليمنيون، السبت، أنّ أفراداً مجهولين سيطروا على ناقلة نفط قبالة سواحل شبوة في جنوب البلاد، واقتادوها في خليج عدن نحو الصومال.

وذكرت القوة التابعة للحكومة اليمنية على موقعها الإلكتروني أنها «تتابع حادثة اختطاف ناقلة النفط (M/T EUREKA) قبالة سواحل محافظة شبوة»، مضيفة: «تعرضت الناقلة لعملية سطو مسلح من قبل عناصر مجهولة؛ حيث تم الصعود إليها والسيطرة عليها، ومن ثم التوجه بها نحو خليج عدن باتجاه السواحل الصومالية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت أنه «تم تحديد موقع الناقلة، والعمل جارٍ على متابعتها واتخاذ الإجراءات اللازمة في محاولة لاستعادتها وضمان سلامة طاقمها» الذي لم يُحدد عدد أفراده ولا جنسياتهم.


حراك دولي لدعم التعافي الاقتصادي في اليمن

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)
TT

حراك دولي لدعم التعافي الاقتصادي في اليمن

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)

في وقت تتفاقم فيه الضغوط الاقتصادية والخدمية والإنسانية في اليمن، تشهد المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية حراكاً سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً عنوانه الأبرز حشد الدعم الدولي لبرامج التعافي، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على الصمود، وتهيئة الأرضية اللازمة لاستعادة النشاط الاقتصادي والخدمي.

ويعكس تعدد اللقاءات التي جمعت مسؤولين يمنيين بشركاء دوليين، من السعودية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، اتجاهاً حكومياً نحو تحويل الدعم الخارجي من إطار الإغاثة التقليدية إلى مسار أوسع يجمع بين التعافي الاقتصادي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم الإصلاحات المؤسسية والنقدية.

في هذا السياق، ركزت وزيرة التخطيط في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة خلال مباحثاتها مع مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (اليونيبس) على تعزيز التدخلات التنموية في القطاعات الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها الصحة والمياه والكهرباء والتعليم، وهي القطاعات التي تمثل خطوط الحياة الأساسية لملايين اليمنيين، وتواجه تحديات مزمنة بفعل تراجع التمويل، وتآكل البنية التحتية.

كما برزت قضية المياه بوصفها من أكثر الملفات إلحاحاً، مع تحركات لتوسيع الشراكات مع ألمانيا والجهات الداعمة في مجالات الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وبناء قدرات المؤسسات المحلية للتعامل مع شح الموارد والتغيرات المناخية، وهي تحديات باتت تضغط بقوة على المدن المستقبِلة للنزوح وعلى المناطق الريفية على السواء.

وفي عدن، ظل قطاع الكهرباء وإعادة تشغيل مصفاة عدن في صدارة النقاشات مع الجانب السعودي، بوصفهما عنصرين حاسمين في استقرار الخدمات، ودعامة أساسية لتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وتقليص الضغوط المالية الناتجة عن استيراد الوقود وتكلفة الطاقة.

الاقتصاد تحت ضغط

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالحكومة تواجه أزمة مركبة يتداخل فيها تراجع الإيرادات العامة، وتوقف صادرات النفط والغاز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتقلب أسعار الطاقة والسلع الأساسية بفعل التوترات الإقليمية، وهو ما يضع المالية العامة والقطاع المصرفي أمام اختبارات شديدة الحساسية.

وفي مواجهة هذه الضغوط، يواصل البنك المركزي في عدن تبنِّي سياسات نقدية احترازية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي، وضمان استمرار تمويل استيراد السلع الأساسية، وصون وظائف الدولة الحيوية، بالتوازي مع مساعٍ لحشد برامج دعم أكثر مرونة وفاعلية من الشركاء الدوليين، بما يخفف من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.

غير أن المسؤولين اليمنيين يربطون أي انفراجة اقتصادية حقيقية بملف بالغ الأهمية، هو استئناف صادرات النفط والغاز، بوصفها المورد السيادي الأهم القادر على إعادة ضخ الإيرادات العامة، وتمويل النفقات الأساسية، وتعزيز الاستقرار النقدي، ودعم خطط الإصلاح المالي والإداري.

وفي هذا الإطار، تتواصل التحركات الحكومية لإعادة تنشيط قطاع الطاقة، بما يشمل إعادة تشغيل المنشآت، ومراجعة الاتفاقيات التجارية، ورفع كفاءة الإنتاج، وزيادة الاستفادة من موارد الغاز، إلى جانب تشديد الإجراءات الهادفة لحماية الموارد الوطنية من الاستنزاف والتهريب.

تعز نموذج للتعافي المحلي

على المستوى الميداني، برزت محافظة تعز بوصفها نموذجاً محلياً يحظى باهتمام دولي متزايد، بعد زيارات ميدانية أجراها سفير الاتحاد الأوروبي شملت السلطة المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمعات المضيفة والنازحين، إضافة إلى جولات في مخيمات النزوح ومواقع تنفيذ مشاريع التعافي المبكر.

ويبدو أن الاهتمام الأوروبي بتعز لا يرتبط فقط بحجم الاحتياجات الإنسانية، بل أيضاً بما تمثله المحافظة من حيوية مجتمعية، وتنوع سياسي وثقافي، وفاعلية محلية في إدارة ملفات التنمية والاحتواء المجتمعي، وهي عوامل تجعلها بيئة مناسبة لتوسيع برامج التعافي الاقتصادي، ودعم سبل العيش، وتعزيز مشاريع المياه والزراعة والسدود الصغيرة وأنظمة الري.

كما سلطت الزيارات الضوء على الضغوط الكبيرة التي تتحملها المديريات المستضيفة للنازحين، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، في ظل أعداد متزايدة من الأسر النازحة، وموارد محلية محدودة؛ ما يجعل استمرار الدعم الدولي عاملاً حاسماً في منع تفاقم الأوضاع الإنسانية.

وتؤكد المواقف الأوروبية والبريطانية والألمانية والفرنسية استمرار الالتزام بدعم اليمن، سواء عبر برامج التنمية والتعافي، أو عبر مساندة الإصلاحات الاقتصادية، أو من خلال دعم مؤسسات الدولة في إدارة المرحلة الصعبة، بينما تبقى السعودية الشريك الأكثر حضوراً في دعم القطاعات الحيوية والإسناد الاقتصادي والخدمي.


اتساع تفشي الملاريا يُفاقم الأزمة الصحية في اليمن

ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
TT

اتساع تفشي الملاريا يُفاقم الأزمة الصحية في اليمن

ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)

اتّسع نطاق تفشي مرض «الملاريا» في مناطق يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في تطور يُسلط الضوء على هشاشة الوضع الصحي والبيئي في البلاد، وسط تحذيرات أممية من أن استمرار تدهور الخدمات الأساسية قد يُحوّل المرض إلى تهديد وبائي واسع، في وقت يعيش فيه ملايين السكان ضمن بيئات مواتية لانتقال العدوى، مع ضعف شديد في قدرات الوقاية والعلاج والاستجابة الصحية.

وسجلت 4 محافظات يمنية، هي الحديدة وحجة وإب والمحويت، خلال الربع الأول من العام الحالي ارتفاعاً لافتاً في حالات الإصابة المشتبه بها بالملاريا، وفق مصادر طبية تحدّثت لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدة أن مرافق صحية عدة استقبلت أعداداً متزايدة من المصابين، خصوصاً في المناطق الزراعية والساحلية التي تُمثل بيئة خصبة لتكاثر البعوض الناقل للمرض، مع اتساع رقعة المياه الراكدة، وغياب أنظمة صرف صحي فعالة.

عاملون يمنيون يقومون بحملات رش لمكافحة البعوض الناقل للملاريا (إعلام محلي)

وتُعد محافظتا الحديدة وحجة من أكثر المناطق تعرضاً لهذا المرض بحكم طبيعتهما المناخية الرطبة وارتفاع درجات الحرارة فيهما، غير أن اللافت، وفق مختصين، هو انتقال العدوى بوتيرة متصاعدة إلى محافظات مرتفعة نسبياً، مثل إب والمحويت، وهو ما يعكس تغيراً في خريطة انتشار المرض، ويوحي بأن العوامل البيئية والصحية المساعدة على تفشيه باتت أكثر اتساعاً من السابق.

وتعزو مصادر صحية هذا التصاعد إلى زيادة هطول الأمطار خلال الأشهر الأخيرة، وما نتج عنه من تجمعات مائية راكدة، إلى جانب تراكم النفايات وتدهور خدمات النظافة العامة، في ظل غياب برامج مكافحة البعوض وانعدام حملات الرش الوقائي، وهي إجراءات كانت تُسهم في الحد من الانتشار خلال المواسم الممطرة.

نظام صحي منهار

ويتزامن هذا التفشي للملاريا مع استمرار انهيار القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين؛ حيث تعاني المستشفيات والمراكز الطبية نقصاً حاداً في الكوادر والأدوية والمستلزمات التشخيصية، في حين خرج عدد من المرافق عن الخدمة بسبب الحرب أو انعدام التمويل، ما يجعل القدرة على احتواء موجة الإصابات محدودة إلى حد بعيد.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن الاستجابة الحالية لا توازي حجم التحدي، خصوصاً مع تراجع توزيع الناموسيات الواقية، وضعف برامج التوعية المجتمعية، وغياب خطط استباقية لمواجهة موسم الأمطار الذي غالباً ما يشهد ارتفاعاً في معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة عبر الحشرات.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

ويزيد من خطورة الوضع تزامن انتشار الملاريا مع أعباء صحية أخرى، بينها سوء التغذية والأمراض المعدية الموسمية، ما يضع شرائح واسعة من السكان، خصوصاً الأطفال والنساء الحوامل، أمام مخاطر مضاعفة، في ظل محدودية الوصول إلى الرعاية الطبية المناسبة.

وتتزايد التحذيرات الدولية من هذا الخطر في ظل اتساع رقعة المناطق الموبوءة؛ حيث أكدت منظمة الصحة العالمية، في بيان بمناسبة اليوم العالمي للملاريا، أن أكثر من ثلثي سكان اليمن يعيشون في مناطق معرضة لانتقال المرض، ما يجعل البلاد من أكثر البيئات هشاشة أمام هذا الوباء على مستوى الإقليم.

ووفق المنظمة، فإن نحو 64 في المائة من السكان يقيمون في مناطق تتوفر فيها ظروف انتقال الملاريا، فيما تُعد النساء الحوامل والأطفال دون الخامسة الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الخطيرة، بسبب ضعف المناعة وسوء التغذية وتراجع خدمات الرعاية الأولية.

وأشارت المنظمة إلى أن المرض لم يعد محصوراً في المناطق التي عُرفت تاريخياً بارتفاع مستوى الخطورة، بل بدأ يمتد إلى مناطق كانت تُعد منخفضة الخطورة، نتيجة النزوح الداخلي، وتراجع الخدمات الصحية، والتغيرات المناخية التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات الأمطار، ما أوجد بيئات جديدة ملائمة لتكاثر البعوض الناقل للعدوى.

اتهامات للحوثيين

في المقابل، تتكرر الاتهامات للجماعة الحوثية بإهمال ملفات الصحة العامة والخدمات البيئية، وتحويل المدن الواقعة تحت سيطرتها إلى بيئات مفتوحة لتفشي الأوبئة نتيجة ضعف شبكات الصرف، وتراكم المخلفات، وغياب برامج المكافحة الوقائية، مقابل توجيه الموارد نحو أولويات أخرى لا تمس الاحتياجات المعيشية والصحية للسكان.

عاملة صحية تقوم بإعطاء طفل يمني لقاحاً (الأمم المتحدة)

ويرى خبراء أن احتواء موجة التفشي لا يتطلب فقط توفير الأدوية والعلاجات، بل يستدعي خطة تدخل واسعة تشمل إعادة تفعيل برامج مكافحة النواقل، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتنفيذ حملات توعية مجتمعية، إلى جانب دعم عاجل للقطاع الصحي الذي يواجه خطر الانهيار الكامل.

وفي ظل تسجيل أكثر من مليون حالة اشتباه بالملاريا خلال العام الماضي، وفق تقديرات أممية، يبدو اليمن أمام تحدٍّ صحي متفاقم، قد يتحول إلى كارثة إنسانية أشد وطأة إذا استمر التدهور الحالي دون تدخل سريع ومنسق لاحتواء المرض والحد من انتشاره.