هراء... اعتبار السياسة بعيدة عن الرياضة

برشلونة لعب مباراة لاس بالماس من دون جمهور لأنه يعد رمزاً قوياً للهوية الكاتالونية

برشلونة واجه لاس بالماس دون جمهور  -  بيكيه أكثر لاعبي برشلونة تعرضاً للانتقادات بسبب ولائه لإقليم كاتالونيا (أ.ف.ب)
برشلونة واجه لاس بالماس دون جمهور - بيكيه أكثر لاعبي برشلونة تعرضاً للانتقادات بسبب ولائه لإقليم كاتالونيا (أ.ف.ب)
TT

هراء... اعتبار السياسة بعيدة عن الرياضة

برشلونة واجه لاس بالماس دون جمهور  -  بيكيه أكثر لاعبي برشلونة تعرضاً للانتقادات بسبب ولائه لإقليم كاتالونيا (أ.ف.ب)
برشلونة واجه لاس بالماس دون جمهور - بيكيه أكثر لاعبي برشلونة تعرضاً للانتقادات بسبب ولائه لإقليم كاتالونيا (أ.ف.ب)

قرر نادي برشلونة الإسباني خوض مباراته أمام لاس بالماس من دون جمهور على ملعب «كامب نو»، بينما كانت شوارع المدينة بالخارج تشهد مواجهات عنيفة بين الشرطة والناخبين في استفتاء استقلال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا، وهو الاستفتاء الذي حكم القضاء الإسباني بأنه غير قانوني. واتخذ برشلونة هذا القرار خوفا من خصم ست نقاط من رصيده في الدوري الإسباني الممتاز - ثلاث نقاط باعتباره مهزوما في اللقاء وثلاث نقاط أخرى كعقوبة في حال انسحابه من المباراة.
وكان القرار الذي اتخذه النادي هاما للغاية، لأن ناي برشلونة يعد رمزا دوليا قويا للهوية الكاتالونية. ولو رفض برشلونة خوض مباراته أمام لاس بالماس لأضاف مزيدا من الزخم للحركة التي تطالب بالاستقلال. لكن برشلونة يدرك جيدا أنه ينافس في دوري كان الفارق بينه وبين منافسه التقليدي ريال مدريد خلال السنوات الثلاث الماضية نقطتين ثم نقطة ثم ثلاث نقاط، ولذا اتخذ النادي الكاتالوني الخيار الأكثر أمانا، وترك لاعبه جيرارد بيكيه الذي لم يُخفِ يوما فخره واعتزازه بانتمائه لإقليم كاتالونيا ينضم للمنتخب الإسباني ويواجه أسئلة غير مريحة حول ولائه لمنتخب إسبانيا أم لإقليم كاتالونيا.
وفي الوقت نفسه، ضرب المشجعون الذين صوتوا من أجل الاستقلال مثالا بالأندية الويلزية التي تلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز كدليل على أن الاستقلال عن إسبانيا لا يعني بالضرورة خروج برشلونة من الدوري الإسباني. ويريد قليلون منهم أن يستقل إقليم كاتالونيا بشكل كامل وأن يتم دمج نادي برشلونة في دوري مصغر يضم أندية جيرونا وجيمناستيك تاراغونا وليدا إسبورتيو. ما يثير الضحك أن وسط هذا الجدال نسمع من يقول إن السياسة بعيدة عن الرياضة!.. فالسياسة تتسلل إلى الرياضة على جميع المستويات. فقط عليكم أن تفكروا في القرار الذي اتخذ بإقامة سباق طواف إيطاليا للدرجات الهوائية أو «جيرو دي إيطاليا» في إسرائيل العام المقبل. فبالنسبة لأحد الشركاء في الصفقة، فإن الأمر يتعلق بالمال لأنه سيحصل على نحو 17 مليون يورو، أما بالنسبة للشريك الآخر، فإن ذلك يعد خطوة لتحسين صورته. وهناك أيضا قطر التي كشفت منظمة «هيومن رايتس ووتش» خلال الأسبوع الحالي طريقة تعاملها المروعة مع العمال الأجانب الذين يعملون في الملاعب التي ستستضيف نهائيات كأس العالم 2022، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم الكشف فيها عن هذه الانتهاكات. فهل نصدق حقا أن القطريين يستثمرون بهذا الشكل الكبير في كرة القدم، في الداخل والخارج، لمجرد أنهم يحبون اللعبة؟.
وقد تخبرنا الأيام المقبلة ما إذا كان فريق برشلونة سيلعب دورا في إعادة إحياء التوترات الإقليمية القديمة، وما إذا كانت أحداث الأسبوع الماضي ستنضم إلى مباريات كرة القدم التي لعبت دورا في تشكيل التاريخ، وهي الظاهرة التي يمكن أن يقال إنها بدأت عام 1969 بصراع بين السلفادور وهندوراس أصبح يعرف فيما بعد باسم «حرب كرة القدم».
وقد تفاقمت التوترات بين البلدين بسبب هجرة مئات الآلاف من السلفادوريين إلى هندوراس، مما جعل هندوراس التي تقل مساحتها عن السلفادور بمقدار الخمس يزيد عدد سكانها عن جارتها بنسبة 40 في المائة، وهو ما دفع حكومة هندوراس إلى سن إصلاحات ترمي إلى منع المزارعين المهاجرين من زراعة الأراضي وطردت العمال السلفادوريين. وقد اشتعل فتيل الأزمة عندما التقى البلدان في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم عام 1970.
أقيمت المباراة الأولى في العاصمة الهندوراسية تيغوسيغالبا، حيث لم يتمكن لاعبو الفريق الزائر من النوم بسبب الحشود الغفيرة من الجمهور التي كانت تطلق الألعاب النارية وتكسر نوافذ الفندق الذي يقيم فيه الفريق. فازت هندوراس في المباراة بهدف وحيد، وهو ما دفع فتاة تبلغ من العمر 18 عاما تدعى إميليا بوليانوس، كانت تشاهد المباراة في منزلها في السلفادور لأخذ مسدس والدها من مكتبه وإطلاق النار على نفسها لتموت في الحال. أقامت السلفادور جنازة رسمية للفتاة، ورافق نعشها رئيس الجمهورية ولاعبو منتخب السلفادور لكرة القدم.
وعندما وصل منتخب هندوراس إلى السلفادور لخوض مباراة العودة بعد أسبوع، رحب به جمهور البلد المضيف بإلقاء البيض الفاسد والجرذان الميتة من خلال نوافذ الفندق. ووصل منتخب هندوراس إلى ملعب فلور بلانكا، الذي استضاف المباراة، في سيارات مصفحة ومر بحشود غاضبة تحمل صور الفتاة التي قتلت نفسها.
فازت السلفادور في هذه المباراة بثلاثة أهداف نظيفة، وهو ما كان يعني خوض مباراة فاصلة بين البلدين على أرض محايدة في مكسيكو سيتي. فازت السلفادور في المباراة الفاصلة بثلاثة أهداف مقابل هدفين بعدما امتدت المباراة لوقت إضافي، وجاء الهدف الثالث عن طريق الجناح الأيمن بيبو رودريغيز، بعد بضع ساعات من قيام حكومة السلفادور بقطع علاقاتها الدبلوماسية بهندوراس احتجاجا على مزيد من عمليات الطرد الجماعية.
وبعد أسبوعين، شن الجيش السلفادوري والقوات الجوية غزوا على هندوراس، واستمرت الحرب 100 ساعة وقتل فيها ثلاثة آلاف شخص، معظمهم من المدنيين، قبل أن يوافق الجانبان على دعوة من منظمة الدول الأميركية لوقف إطلاق النار. وبعد ثلاثة أشهر فازت السلفادور على هاييتي في مباراة فاصلة لكي تتأهل إلى نهائيات كأس العالم 1970 في المكسيك، لكنها خسرت المباريات الثلاث التي لعبتها في المونديال.
وبعد عشرين عاما، سافر نادي ريد ستار بلغراد للقاء دينامو زغرب في مباراة بالدوري اليوغوسلافي في خضم تصاعد التوترات بين القوميين الصرب والكروات. واستمرت أعمال الشغب بين مشجعي الفريق المستضيف للمباراة وثلاثة آلاف من أنصار الفريق الزائر خلال المباراة نفسها وكانت المباراة على وشك الإلغاء بعدما شهدت توترات كبيرة عندما قام زفونيمير بوبان، صانع ألعاب دينامو زغرب، بركل ضابط شرطة. وعلى الرغم من التهم الجنائية التي وجهت لبوبان وإيقافه الذي أدى لغيابه عن المشاركة في نهائيات كأس العالم بإيطاليا عام 1990، فإن ما قام به جعله بطلا قوميا بين الكروات خلال الحرب الدموية التي اندلعت خلال الفترة بين عامي 1991 و1995، وهي الفترة التي كان يلعب خلالها مع نادي ميلان الإيطالي وكان يرسل جزءاً من راتبه إلى وطنه للمساعدة في القتال ضد الصرب.
وبالعودة إلى مكسيكو سيتي، كانت قبضة تومي سميث وجون كارلوس في عام 1968، واليد اليسرى التي أحرز بها دييغو مارادونا هدفا في مرمى إنجلترا عام 1986 بمثابة بيانين سياسيين، فالأول كان بمثابة احتجاج صريح ضد الظلم العنصري في الولايات المتحدة، في حين كان الثاني ردا ضمنيا على انتصار إنجلترا في حرب فوكلاند. وقبل عامين من الآن، كان علم «ألبانيا الكبرى» يرفرف من طائرة دون طيار على ملعب بلغراد، الذي كان يشهد مواجهة بين صربيا وألبانيا في إطار التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس الأمم الأوروبية عام 2016، وهو ما أدى إلى اشتباكات بين اللاعبين والمشجعين وأدى في نهاية المطاف إلى إلغاء المباراة.
إن ما حدث مع برشلونة في نهاية الأسبوع الماضي والهجوم المستمر من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على حركة «انحن» في مباريات كرة القدم الأميركية - حيث يقوم اللاعبون بالجثو على ركبة واحدة أثناء عزف النشيد الوطني احتجاجا منهم على ما يصفونه بوحشية الشرطة في التعامل مع الأميركيين من أصول أفريقية - يظهر أن الرياضة لا يمكن أن تنأى بنفسها بعيدا عن ضغوط ومشكلات العالم الحقيقي. وفي الحقيقة، تعد الرياضة مسرحا للاحتجاجات، بدءا من المقاطعات المناهضة للفصل العنصري في ستينات القرن الماضي وصولا إلى المظاهرات المناهضة لإقامة سباق جائزة البحرين الكبرى.



نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.