كتاب وشعراء وفنانون ليبيون على رصيف الحياة

أحمد الفيتوري يجمعهم في «جغرافيا الصورة»

علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين
علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين
TT

كتاب وشعراء وفنانون ليبيون على رصيف الحياة

علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين
علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين

قدم الكاتب الليبي أحمد الفيتوري في هذا الكتاب، قيد الطبع، صورة شديدة الخصوصية لليبيا، الوطن والأم والحلم والثورة، تتوثق هذه الصورة من تلقاء نفسها عبر عين حكاءة، تعرف كيف تسبر ملامحها وأبعادها، ناحتة لها معولا معرفيا شيقا، ما يمكن أن أسميه «جغرافيا الصورة». نحن أمام باقة من البورتريهات السردية الشيقة لشخوص ليبية، بعضهم مهمش ومنسي، ومسكوت عنه، رغم الأدوار الكثيرة التي لعبها، وبعضهم رحل تاركا وصاياه ودماءه وتضحياته قبسا للأجيال القادمة، وبعضهم لا يزال فاعلا بقوة في عمق المشهد بكل ما يعتريه من فواصل وعقد سميكة على شتى المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية.
كتاب وشعراء وفنانون، علماء ومناضلون سياسيون، مثقفون ومواطنون عاديون، أحبوا أن تكون الحياة حرة في وطن عادل وحر، ينحاز لهم الكاتب، ويقدر لحظات ضعفهم وهشاشتهم، وأنها ليست وليدة العجز أو المصادفة العابرة، وإنما نتاج نضال عميق في نسيج وجدان لم يهلل للطغاة، أو يمنح بشاعتهم صك العبور خلسة من وراء ظهورهم.
فمن تحت شجرة الصفصاف يلتقط وهبي البوري حَكّاءُ ليبيا، كما يسميه المؤلف، ومن خلال مصفاة سرد شيقة يرافقه في حله وترحاله، من الإسكندرية إلى إيطاليا، وطنجة وبرلين ونيويورك، وغيرها من مدن العالم، وفي زمن الحرب العالمية المدمر.
نكتشف من شريط رحلة البوري أنه في ترحاله قابل نخبة مهمة من زعماء العالم مثل: موسوليني ونهرو ونكروما وعبد الناصر وجون كنيدي، وبات مندوب البلاد في الأمم المتحدة بعد أن توزّر فيها في أكثر من وزارة. ورغم مشاق هذه الرحلة ترجم القصص عن الإيطالية، كما عمل مُحرراً بمجلة «ليبيا المصورة» في ثلاثينات القرن العشرين التي رأس تحريرها «فخري المحيشي» ونشر تحقيقات صحافية كان أولها «رمضان في بنغازي»، وكان أول عربي يكتب وينشر «الكلمات المتقاطعة»، أما القصة القصيرة فكتبها وكان من أوائل روادها في اللغة العربية، ثم عقب هجره القصة تفرغ لترجمة كتب التاريخ.
يوم الاثنين 7 يونيو (حزيران) 2010 لم يرحل إلا وقبلها بساعات معدودات في غرفة العناية المركزة طلب من الأستاذ علي الفلاح، مسؤول بـ(المجلس العام للثقافة) الذي جاء يطمئنُ عليه أن يأتيهُ بعقد كتابه الأخير ليوقعه، وكان «الفلاح» قد جاء إلى بيت البوري لهذا الغرض ولم يكن علم بمرضه، وآخر ما فعل في الرمق الأخير «وهبي البوري» أن وقع كتابَهُ الأخير.
هذه الخيوط الشيقة التي رسمها الفيتوري للوحة البوري، عاشقا ومناضلا وإنسانا، يؤمن أن انحيازه لحلمه البسيط هو انحياز للوطن، بمعناه الأوسع والأعمق على مستويي الحلم والواقع معا؛ تتناسل في ضفيرتها وبزوايا متنوعة شخوص الكتاب، صانعة هذه الجغرافيا الخاصة، التي هي في حقيقتها شهادة على أحلام اختفت تحت وطأة القهر السياسي والاجتماعي لنظام حكم فاسد، وأخرى تنهض من تحت ركام الغبار، محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرث وطن يملك كثيرا من المقومات الذاتية على صناعة البهجة والحياة.
هكذا يدلف إلى المشهد علي مصطفى المصراتي، شيخ الأدباء الليبيين، رفيق الحكمة والتسامح، وذلك عبر رسالة حميمة، تناقش أفكاره عن العلاقة بالآخر، وفكرة «القبول بالغير»، من منطلق أن الاعتراف بالحق في الاختلاف من سنن الحياة والتطور، كما أن التسامح لا يعني عدم الاكتراث واللامبالاة، إنما يعني البحث عن الأفضل.
وفي جدل المنسي والمهمّش، ما بين قبضتي الحضور والغياب، تطالعنا صورة المنتصر، الشاعر المقهور (محمود عبد المجيد المنتصر)، وتبدو المفارقة جلية إلى حد السخرية المرة، من تقاطع اسمه مع الواقع. فهو المنتصر بشعره لاسمه، لكن هذا الاسم ظل تحت وطأة واقع متعسف، منسيا في الماضي، مضطهدا في الحاضر، لتبقى حيرة وجوده هي البحث عن معنى للسعادة، التي كثيرا ما تغنى بها في شعره، وظل مفتقدها على أرض الواقع.
أما جاحظ العصر، عبد المُولى لَنقِي، الذي ينعته الفيتوري بـ«كِتَاب ليبيا»، فله حياة أخرى في البحث عن السعادة أيضا. فعلى كاهله حمل ما يُحب، وبلغ هذا الحب ذروته في أن يجعل الكتابَ حبه الأول والأخير، لكن لهذا الكتاب ضرة تزوجها عن حبٍ جارف هي «ليبيا»، أسطورته الأولى والأخيرة، أيضا.
تتكثف اللقطة وملامح الصورة، حين تصوِّب العدسة أشعتها الخاطفة على مشهد بيت لنقِي من الداخل، وينساب شريط السرد على عفويته: «قلت دخلت بيته فوجدت مقامه ومضيفته تعج بـ(خرائط ليبيا)، كثير منها جمعها في ترحاله، بعض الخرائط أصلية كان يُطاردها في مزادات الكتب والخرائط، وفي الأسواق القديمة وعند الباعة المتجولين حيثُ سافر في أماكن كثيرة».
ثمة أشياء هي ابنة الفطرة، وأشياء يفقدها الواقع فطريتها، تنتسب الأولى للجمال الصافي البكر، بينما تنسب الثانية لصورة مشوهة ومستنسخة عن واقع في قبضة نظام غبي لا يملك سوى شعارات مزيفة يروجها عن نمذجة هشة وهجين، تقبع دائما على السطح، بعيدا عما يجري في الأعماق.
في هذه الأعماق بكل صخبها وهدوئها المشمس الرائع، تتبدى صور شخوص، يعرفون كيف يحرثون الأرض ويغرسون البذرة في أوانها المثمر الخلاق... في صدارتهم بالكتاب: أمين مازن الكاتب المعلّق دائما بمسارب الغد، أحد الذين أسسوا «جيل57» الأدبي الطليعي، وصاحب المقولة الأثيرة «علينا أن نخترع أنفسنا»... ثم محمد المفتي الطبيب الجراح الذي انشغل بفكرة «توطين العلم»، بدافع من حبه للأدب والرسم والفن والكتابة، وباسم هذا الحب انخرط في الحياة السياسية، لكن المكافأة كانت في النهاية اعتقاله لمدة عشر سنوات في السجن.
على مقربة من هذه الصورة تنتصب صورة حسين مخلوف، الذي يتأبط نفسه، معلما ومترجما وناقدا ومعدا للبرامج الإذاعية، وكيف قضى في السجن ردحا من الزمن، متهما بعدم التبرئة من يقينه، بأن التحزب ليس خيانة.
يخرج من إطار الصورة نفسها، رضوان بوشيشة، معشوق الآيرلنديات، طريد طرابلس وحكايته المؤلمة ومحاكمته الهزلية، لأنه طارد لصوص الفساد وكشفهم على قارعة الطريق.
وبنبرة شجن، تحت هذا الرذاذ الآسن يرسم الفيتوري صورة يتلاقح فيها الوضوح والغموض، كأنهما عاشقان التقيا على مقعد مهجور بحديقة الحياة... كتب عن سالم العوكلي، سيد من سادة الحياة، شاعر الظمأ والهوس والجنون، تربى على ثقافة المشافهة، في درنة، مسقط رأسه، مستعرضا نماذج حية لسعيه الدائم لأن تكون درنة قبلة لمبدعي البلاد وكتابها... تلتقط الصورة خيوط الزهد والترفع والرفعة الكامنة في داخل العوكلي على هذا النحو من ألفة الغرابة: «لم يكتب الشعر وحسب بل نثر الشعر في حقل الحياة، وإن لم يحصد ما زرع فلأنه اكتفى بأن يكون الشاعر، ولم يرتض للشاعر وظيفة حتى منصب شاعر، لهذا لم يُداعك من أجل حيزٍ في مكان وما بحث عن صيتٍ في الزمان».
تبلغ جغرافيا هذه الصورة ذروتها المعرفية، في صور ومشاهد مماثلة، تتقاطع معها باسم الوجع والحلم الإنساني معا، ففي سقف جغرافيا الصورة الليبية، يستدعي الفيتوري، صورة الشاعرة الروسية المناضلة المغبونة آنا أخماتوفا، التي ذاقت الأمرين من الحبس والاضطهاد، واغتيال الروح والجسد في عهد الديكتاتورية الستالينية في روسيا، ويكتب عن ناجي العلي، ولوركا الليبي، بمناسبة ترجمة الناقد الليبي خليفة التليسي للديوان الكامل للشاعر الإسباني الأشهر لوركا، مع دراسة ضافية عن شعره وأثره في الشعرية العربية... وفي الصورة يلمح الفيتوري بذكاء أدبي شفيف، لا يخلو من رمزية سياسية لافتة، ما بين مسرحية عرس الدم الشهيرة للوركا، وزواج ابن طرابلس الشاعر محمد الفقيه صالح الذي رحل عن عالمنا في هذا العام 2017، وكان آخر منصب تولاه في عمله الدبلوماسي منصب سفير ليبيا بإسبانيا.
وبمحبة طفل يدخل الفيتوري محراب الشاعر المصري الرائد محمد عفيفي مطر، ويسميه المنسي في الطمي، وعبر مونولوج خاص وحميم، يتقاطع فيه الداخل والخارج، تستجلي الصورة ملامح خفية من حياة مطر، القروي على فطرته، والشاعر الإنسان، العاشق للأسئلة الكاشفة الطافرة بالدهشة والمعرفة الحرة البناءة. تومض هذه الصورة وتتنوع في زوايا حية، ما بين القاهرة وليبيا وبغداد.
يحتفي الكتاب أيضا بصورة المدن، بأساطيرها وناسها، وكتابها وأحلامها المتسربلة في خطاهم... فتطل أساطير طرابلس ودرنة وبنغازي وغيرها من المدن، ما يجعلنا أمام كتاب يقدم زادا معرفيا أصيلا، كما يبني من جغرافيا الصورة حياة شخوص، تركوا رسائل حية، ممتدة في جسد الزمان والمكان.



أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.