حلم الاستقلال الكاتالوني... بين الممكن والمستحيل

هل يكون بداية مساره تفكك إسبانيا؟

حلم الاستقلال الكاتالوني... بين الممكن والمستحيل
TT

حلم الاستقلال الكاتالوني... بين الممكن والمستحيل

حلم الاستقلال الكاتالوني... بين الممكن والمستحيل

تعيش إسبانيا هذه الساعات مرحلة عصيبة في تاريخها المعاصر، وذلك في أعقاب اتخاذ القوى القومية في إقليم كاتالونيا خطوة جريئة تمثلت بتنظيم استفتاء على استقلال الإقليم الثري، في تحدٍ سافر للحكومة الاتحادية الإسبانية، بل والتاج الإسباني. وكما هو معروف، أسفر الاستفتاء عن تصويت كثيف لصالح الاستقلال، وجاء الرد الإسباني حازماً، بدءاً من رفضه من قبل الملك فيليبي السادس، وانتهاء باستخدام القوات الأمنية العنف في الشوارع... وهو أمر اعتذرت عنه الحكومة الاتحادية.
مع مضي القادة القوميين في إقليم كاتالونيا الإسباني قدماً في مشروع إنجاز استقلال الإقليم عن المملكة الإسبانية، تزداد فرص تفكك إسبانيا ووقوفها على شفير الفوضى.
والواقع أنه عندما أقرّت إسبانيا «قانون الأقاليم المستقلة ذاتياً» عام 1978 لم تكن قياداتها تتصوّر أن عام 2017 قد يكون بداية انهيار هذا القانون، حسبما يرى الخبراء الدستوريون والقانونيون في البلاد، مع العلم أن إسبانيا تضم نحو 17 إقليماً تتمتع بالحكم الذاتي (المتفاوت)، كلها تندرج تحت التاج الإسباني.
التطورات الحاصلة في كاتالونيا تنذر بعدد من المؤشرات التي قد تهدد وحدة إسبانيا بشكل خاص، والاتحاد الأوروبي نفسه بشكل عام. وهو ما دفع كثيراً من المراقبين بوصف الأزمة في إسبانيا بأنها الأكثر إضراراً بمنطقة اليورو، وقد تكون أسوأ وقعاً حتى من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
خلال الساعات المقبلة التي قد تشهد إعلان استقلال الإقليم من جانب واحد، تصارع الحكومة الاتحادية - أو المركزية - في مدريد الوقت لقطع الطريق على هذه الخطوة، وذلك حتى تجنب البلاد تفعيل المادة 155 من الدستور الإسباني التي تقضي بوقف الحكم الذاتي للإقليم، إضافة إلى اتخاذ إجراءات قد تشمل اعتقال القيادات الاستقلالية والسيطرة على القنوات المحرّضة على الاستقلال، إضافة إلى نشر الشرطة وعناصر الجيش، إذا لزم الأمر، للسيطرة على الأمور في الإقليم.
تفعيل المادة 155
رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي، من الحزب الشعبي اليميني، يواجه صعوبة في الحصول على دعم من الأحزاب السياسية في معركته لمنع انفصال الإقليم واستقلاله. وهو منشغل الآن بالبحث عن التوافق لتفعيل المادة 155 من الدستور فيما يصفه المراقبون بأسوأ أزمة سياسية تشهدها إسبانيا خلال 40 سنة. وبفضل هذه المادة يحق لراخوي حل برلمان كاتالونيا وإجراء انتخابات محلية على الرغم من المحاولات العنيفة لمنعه.
أما في مدريد، عاصمة الحكم في إسبانيا، فثمة من يصف خيار إقالة حكومة كاتالونيا بأنه «الخيار النووي»، كونه من المرجح أن يؤجج مزيداً من الاضطرابات في برشلونة وبقية أنحاء الإقليم الثري الذي يمثل اقتصاده خُمس حجم اقتصاد إسبانيا. وتجدر الإشارة إلى أن حزب راخوي اليميني الحاكم لا يتمتع بالغالبية المطلقة.
استخدام المادة 155 من الدستور الإسباني من شأنه أن يعيد إلى الأذهان النظام الديكتاتوري الذي قاد لعقود الجنرال فرانسيسكو فرانكو، ولن يكون بمقدور راخوي السير قدماً في هذا الاتجاه من دون الحصول على دعم خصومه الاشتراكيين، المؤيدين بشدة لوحدة إسبانيا.
رافاييل هرناندو، وهو منسق في البرلمان الإسباني يعمل لحساب الحزب الشعبي الحاكم، قال صراحة إن تفعيل المادة 155 «سيحتاج إلى دعم واسع ومتنوع، لأنه ليست هناك ضمانات بأنها ستكون كفيلة بحل المشكلات، وإذا لم يؤيد استخدامها سوى حزب واحد في البرلمان الاتحادي سيكون من الصعب الحصول على دعم الغالبية». وحقاً، ترى مصادر سياسية أن في غياب هذا الدعم سيكون موقف راخوي ضعيفاً، وقد يضطر للدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في عموم إسبانيا بأمل الحصول على التفويض اللازم للتعامل مع أزمة انفصال كاتالونيا.
على صعيد آخر، استخدام الشرطة الإسبانية المجلوبة من مدريد التي حاولت منع الكاتالونيين من إجراء الاستفتاء وتعطيله، للعنف، كان له تأثير سلبي. إذ جعل الاشتراكيين يبدون المخاوف من تزايد العنف في البلاد، ما يدفع إلى عواقب وخيمة. وكانت قوات الشرطة قد استخدمت الهراوات والطلقات المطاطية لمنع سكان الإقليم من التصويت، في مشاهد نقلها الإعلام المحلي والدولي، وأثارت إدانات دولية.
وحدة وطنية مهددة
لا شك أن المشهد الإسباني الآن أصبح مهدداً من شبح الانفصال، وهو انفصال تسهله فكرة الأقاليم في إسبانيا التي تضم - كما سبقت الإشارة - 17 إقليماً متمتعة بالحكم الذاتي. حكومات هذه الأقاليم مسؤولة عن المدارس والجامعات، والصحة والخدمات الاجتماعية، والثقافة، والتنمية الحضرية والريفية، وفي بعض الأماكن تقع حتى مسؤولية الشرطة على عاتقها.
وعليه، وبشكل عام، في إطار نظام الحكم الذاتي، انتقلت إسبانيا إلى «دولة لا مركزية»، وللحكومة المركزية فقط 18 في المائة من الإنفاق العام، مقابل 38 في المائة للحكومات الإقليمية، و13 في المائة للمجالس المحلية والبقية لنظام الضمان الاجتماعي.
أما الأقاليم والأقاليم القومية والإقليم التاريخية في إسبانيا - التي تتفاوت في استقلاليتها الداخلية - فهي:
- آندلوسيا (الأندلس)... إقليم قومي.
- كاتالونيا... إقليم قومي.
- مدريد... إقليم.
- بلنسية... إقليم قومي.
- غاليسيا (جليقية)... إقليم قومي.
- قشتالة وليون (قشتالة القديمة وليون)... إقليم تاريخي.
- بلاد الباسك... إقليم قومي.
- قشتالة لا مانشا (أو قشتالة الجديدة)... إقليم.
- جزر الكناري... إقليم قومي.
- مرسية.... إقليم.
- آراغون... إقليم قومي.
- إكستريمادورا... إقليم.
- جزر الباليار... إقليم قومي.
- استورياس... إقليم تاريخي.
- نافار... إقليم قومي.
- كانتابريا... إقليم تاريخي.
- لا ريوخا... إقليم.
معارضو استخدام القوة
ويرفض حزب بوديموس اليساري المعارض لحكومة رئيس الوزراء بالمطلق استخدام القوة في التفاوض مع الشعب الكاتالوني، أما حزب الباسك القومي، الذي أسس للدعوة لمزيد من الحكم الذاتي لبلاد الباسك بأقصى شمال البلاد، فيعارض بطبيعة الحال إقالة حكومة إقليم كاتالونيا.
وبلاد الباسك من الأقاليم التي تحلم بالاستقلال عن إسبانيا نظراً لوجود عدد من الصناعات الثقيلة فيها، وتتمتع هذه المنطقة الحدودية مع فرنسا بمجلس نيابي خاص بها، وتتكفل مؤسساتها الإقليمية بجمع الضرائب الأساسية، وتسمح لها حالة «الاستقلالية» أيضاً بالحكم والإدارة المباشرين في مجالات مثل: المالية والضرائب والصناعة وتنشيط الاقتصاد والبحوث والمستحدثات والنقل والإسكان والبيئة والتعليم والصحة والأمن العام.
أنطونيو باروزو، نائب مدير مؤسسة تنيو إنتليجنس البحثية ومقرها العاصمة البريطانية لندن، يقول إن موقف الاشتراكيين من استخدام المادة 155 «يمكن أن يلعب دوراً حاسماً في مستقبل رئيس الوزراء راخوي، وقد تذهب البلاد نحو المجهول إذا اتخذت الحكومة الاتحادية في مدريد إجراءات تصعيدية في الإقليم».
ولكن الحكومة قامت حتى الآن بالفعل بضربة استباقية لبرلمان إقليم كاتالونيا عبر استصدار قرار قضائي يدعو لإلغاء جلسة البرلمان المقرّرة بعد غد (الاثنين). وبالتالي فسيكون إعلان الاستقلال دون جدوى. غير أن الاستقلاليين الكاتالونيين يرون أن هذه الخطوة عديمة الفائدة «لأن الشعب الكاتالوني وحده مَن يحدد عقد الجلسات أم لا». وبناءً عليه، فإن أعضاء البرلمان الكاتالوني سيحضرون جلسات البرلمان متحدّين حكومة مدريد، ومعها الشرطة الآتية من مدريد تأهباً لفرض منع الانفصال بعدما قضت المحكمة الدستورية الإسبانية بحظر الجلسة. وما يستحق الذكر هنا، أن الحزب الاشتراكي الكاتالوني، وهو حزب وحدوي يعارض الحركة الاستقلالية، قد تقدم بطلب أمر حماية إلى المحكمة الاتحادية على أساس أن إعلان الاستقلال سيخالف الدستور و«يدمر» حقوق النواب في الإقليم.
ولقد جاء حظر المحكمة الدستورية بعد يوم من دعوة الجماعات الاستقلالية إلى عقد جلسة بعد غد. وستسعى الجلسة التي ينتظر أن يترأسها رئيس الإقليم كارليس بويغديمون، إلى تحديد الخطوات التالية باتجاه الانفصال بعدما صوتت أغلبية كبيرة لصالحه في الاستفتاء المختلف حوله، وغير المصرح به.
وفي حين أن إعلان الاستقلال من جانب واحد على الأجندة الرسمية، قال بويغديمون إن الأيام القليلة المقبلة ستشهد إعلان الانفصال، خصوصاً أن القانون الذي مهد للاستفتاء ينص على وجوب إعلان الانفصال خلال 48 ساعة من ظهور النتائج الرسمية. وفي هذا الاتجاه، أعربت ميريا بويا، عضو حزب ترشيح الوحدة الشعبية اليساري المتطرف في البرلمان الكاتالوني، عن دعمها. وأضافت بويا أن «الجلسة المتوقعة كاملة النصاب من أجل تقييم النتائج، وتحويل ما يترتب على هذه النتائج إلى واقع». وهذا يعني إعلان الانفصال أو إعلان الجمهورية.
تعقيدات داخلية وخارجية
بحسب الحكومة الإقليمية الكاتالونية، صوتت أعداد كبيرة لصالح قيام جمهورية كاتالونية مستقلة، وهي نتيجة يرجع سببها جزئياً إلى أن كثيرين في معسكر «لا» قاطعوا التصويت أو أداروا حملة من أجل تعليق المحكمة الدستورية الإسبانية الاستفتاء. حسب سلطات الإقليم، بلغت نسبة مؤيدي الاستقلال في الاستفتاء، نحو 90 في المائة، بينما بلغت نسبة المشاركة فيه نحو 42 في المائة. وهذا ما حدا بحكومة مدريد الاتحادية لوصف الاستفتاء بـ«المهزلة». وفي خطاب نادر إلى الأمة عبر التلفزيون، اتهم الملك فيليبي السادس بعد يومين من إجراء الاستفتاء قادة الإقليم بأنهم «بتصرفهم غير المسؤول قد يعرضون للخطر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لكاتالونيا ولإسبانيا بأسرها». وفوراً، دان بويغديمون كلمة الملك واتهم مدريد برفض التجاوب مع دعوات الوساطة في الأزمة.
في أي حال، على الرغم من أنه لم تعرب أي دولة عن استعدادها للاعتراف بدولة كاتالونيا المستقلة، فإن إعلان الاستقلال من جانب واحد سيقحم الدولة الإسبانية في أزمة دستورية. ويمكن للحكومة الاتحادية المركزية أيضاً أن تختار التدخل، ووسط كل هذه الأوضاع يبرز الدور الجدلي لشرطة الإقليم التي رفضت الانصياع لقرارات حكومة مدريد بمنع سكان الإقليم من التصويت في الاستفتاء. ولهذا السبب، اضطرت سلطات مدريد لإرسال تعزيزات من عناصر الشرطة من خارج الإقليم إليه، وقد يكون للجيش الإسباني دور في المرحلة المقبلة لفرض الأمن والقانون في حال تقرر تفعيل المادة 155 في الدستور.
من جهة ثانية، طال الأمر الوضع الاقتصادي أيضاً، وذلك بعد تهديد عدد من المصارف الكبرى بمغادرة الإقليم، وخصوصاً بعد إقرار عدد من المؤسسات المالية والشركات نقل مقراتها من برشلونة إلى مدريد. وهنا نشير إلى أن كاتالونيا، التي تعد من أغنى أقاليم إسبانيا (قرابة 20 في المائة من الاقتصاد الإسباني)، مقر لآلاف الشركات المحلية والأجنبية التي توظف الملايين. وبين المصارف التي قررت بالفعل مغادرة الإقليم بنك ساباديل، خامس أكبر بنوك إسبانيا، حسبما صرح ناطق باسم البنك. كذلك تراجعت أسهم بنك كاتالان ليندر ساباديل، ثاني أكبر بنك في الإقليم، بنحو 10 في المائة هذا الأسبوع مع احتدام السجال، ودعا مديرو بنك ساباديل لاجتماع للإدارة مع وجود مسألة تغيير مقر عمله. وقرر بنك كايكسا، أكبر بنوك كاتالونيا، إخراج مقره من الإقليم أيضاً.
أما على الصعيد الخارجي، فلقد دعا الاتحاد الأوروبي إلى الحوار سبيلاً للخروج من الأزمة، على الرغم من اتهام الزعيم الكاتالوني بويغديمون الملك فيليبي «بالوقوف في صف الحكومة في الأزمة القائمة وتجاهل مطالب سكان إقليم كاتالونيا». وفي حين دافع فرانس تيمرمانس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، عن حق مدريد في استخدام متناسب للقوة حفاظاً على السلم، فإنه قال: «حان وقت الحوار، وإيجاد السبيل للخروج من المأزق، والعمل ضمن أطر النظام الدستوري في إسبانيا». وذهب المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية بيار موسكوفيتسي أبعد من ذلك، إذ قال إن كاتالونيا «لن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي إذا استقلت عن إسبانيا».
وأضاف أن «الاتحاد الأوروبي لا يعترف سوى بدولة عضو هي إسبانيا». ووصف الأزمة بين سلطات مدريد وبرشلونة بأنها «قضية مؤلمة يجب أن يعالجها الإسبان... الحل لا يمكن أن يكون بالمواجهة بل بالحوار».
أبعاد الأزمة... رياضياً
كرة القدم أيضاً فرضت نفسها على المشهد. فالرياضة ليست بعيدة عن الأزمة، نظراً لاشتهار الإقليم باحتضان أحد أكثر الأندية الكروية شهرة في العالم. وفعلاً، طالب النجم العالمي أندرياس إنييستا، قائد فريق برشلونة، بإجراء حوار بين الحكومة الإسبانية وحكومة إقليم كاتالونيا، في ظل ارتفاع حدة التوتر. وقال إنييستا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي: «لم أعلق علناً على أوضاع معقدة وسط هذه المشاعر المتنوعة، ولكن الوضع الذي نعيشه حالياً يبدو استثنائياً». وأوضح إنييستا أن هناك شيئاً واحداً يجب إدراك أهميته قبل التسبب بمزيد من الضرر... هو الحوار.

طلاق كاتالونيا قد لا يكون الأخير
- لمنطقة كاتالونيا، الواقعة في أقصى شمال شرقي إسبانيا، ويقارب عدد سكانها 7 ملايين و450 ألف نسمة، لغتها الخاصة وتقاليدها وعاداتها الثقافية. وتعود المطالبات باستقلالها عن إسبانيا إلى قرون كثيرة، لكنها عادت إلى الواجهة بقوة في السنوات الأخيرة جراء الأزمة الاقتصادية في إسبانيا وأوروبا.
وسيطرت المخاوف حيال رابع أقوى اقتصاد في أوروبا على تغطية الإعلام الإسباني للأزمة، وعنونت صحيفة «إل باييس» اليومية البارزة أن التراجع في البورصة هو الأسوأ منذ الموافقة على انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي «بريكست». وأعلنت وكالة التصنيف الائتماني العالمية «ستاندرد آند بورز» أنها قد تخفض من تصنيف الدين السيادي في كاتالونيا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
ولكن من ناحية أخرى، قد لا يكون إقليم كاتالونيا وحده الذي سيطالب بالانفصال خلال المرحلة المقبلة، إذ يشجع هذا الموقف كثيراً من الحركات القومية الانفصالية في إسبانيا إلى انتهاج الطريق نفسها، وخصوصاً بلاد الباسك بأقصى شمال وسط إسبانيا، التي طالما لجأ المتشددون من قومييها إلى السلاح في عمليات إرهابية نفذتها حركة «إيتا». ولبلاد الباسك أيضاً لغتها الخاصة وتاريخها المميز، وهي تنقسم جغرافياً على جانبي الحدود بين فرنسا وإسبانيا.
ثم هناك إقليم الأندلس، بجنوب البلاد، الذي يحتضن القومية الأندلسية، وفيه تنشط حركة سياسية واجتماعية تدعو إلى الاعتراف بإقليم الأندلس في جنوب إسبانيا دولة مستقلة. وتتلخص أهم سمات الحركة الأندلسية التي نشأت في القرن التاسع الميلادي في الانتماء إلى منطقة واحدة تحت اسم أندلوسيا (الأندلس) وأمة واحدة، والمطالبة بحقوق والوقوف في وجه تجاوزات الدولة المركزية. ولكن بقيت إشكالية: هل الأندلسيون يرتبطون فقط بمصالح متصلة بمنطقتهم؟ أم أنهم يكونون قومية تختلف عن كل القوميات الأخرى بخاصيات مميزة؟



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.