مقتل 3 من القوات الخاصة الأميركية بكمين إرهابي في النيجر

الهجوم كشف عن الحضور العسكري لواشنطن في المنطقة ودورها في تدريب القوات المحلية

صورة وزعها الجيش الأميركي أمس لقوات نيجرية خلال مشاركتها في تمارين «فلينتلوك» في ديفا بالنيجر في 3 مارس 2017 (إ.ب.أ)
صورة وزعها الجيش الأميركي أمس لقوات نيجرية خلال مشاركتها في تمارين «فلينتلوك» في ديفا بالنيجر في 3 مارس 2017 (إ.ب.أ)
TT

مقتل 3 من القوات الخاصة الأميركية بكمين إرهابي في النيجر

صورة وزعها الجيش الأميركي أمس لقوات نيجرية خلال مشاركتها في تمارين «فلينتلوك» في ديفا بالنيجر في 3 مارس 2017 (إ.ب.أ)
صورة وزعها الجيش الأميركي أمس لقوات نيجرية خلال مشاركتها في تمارين «فلينتلوك» في ديفا بالنيجر في 3 مارس 2017 (إ.ب.أ)

قتل ثلاثة جنود من القوات الأميركية الخاصة وخمسة جنود من الجيش النيجري، خلال كمين نصبه مسلحون مجهولون بالقرب من الحدود بين النيجر ومالي، في حادث كشف عن الوجود العسكري الأميركي في منطقة الساحل الأفريقي.
وقد وقع الكمين مساء أول من أمس، وانطلقت عمليات بحث واسعة عن منفذيه، فيما عقد أمس بعاصمة النيجر نيامي اجتماع أمني استثنائي لمتابعة التطورات.
وأكد مسؤول عسكري أميركي وقوع الهجوم، ومقتل ثلاثة جنود أميركيين من القوات الخاصة، كانوا يشرفون على تدريب القوات الخاصة في النيجر. كما أكدت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) أنباء عن تعرض الدورية للهجوم، مشيرة إلى أن جنديين أميركيين قد تم نقلهما إلى ألمانيا للعلاج جراء إصابتهما في الهجوم.
وكانت كتيبة الأمن والاستخبارات النيجرية، برفقتها أفراد من القوات الخاصة الأميركية تشرف على تدريبها، تلاحق مسلحين مجهولين قدموا من دولة مالي، وشنوا هجوما على قرية تونغو تونغو الواقعة في منطقة تيلابيري المحاذية للحدود مع مالي. وقد وقعت مواجهات خلال الهجوم، قبل أن ينسحب المهاجمون، وتبدأ المطاردة التي انتهت بوقوع الكتيبة والأميركيين في كمين نصبه المهاجمون وصف بـ«العنيف والدموي».
وتعد هذه المرة الأولى التي يتم الإعلان فيها عن وجود جنود أميركيين في هذه المنطقة التي تشهد عدم استقرار بسبب الكثير من الهجمات الدامية التي تنسب إلى مجموعات جهادية وتستهدف مواقع الجيش ومخيمات لاجئين. ولم تتحدث «أفريكوم» عن تعرض القوات الأميركية في النيجر إلى كمين، خلافا لما أوردته مصادر عسكرية محلية أخرى، لكنها قالت في المقابل إن الهجوم وقع بينما كانت قوات الولايات المتحدة تقدم المشورة والمساعدة لعمليات مكافحة الإرهاب في النيجر.
وأشارت المصادر الرسمية في النيجر إلى أن الحصيلة الأولية للكمين وصلت خمسة قتلى في صفوف الجيش النيجري وثلاثة من الأميركيين، كما أكدت القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» نقل جنديين أميركيين مصابين إلى ألمانيا، حيث يوجد مقر القيادة الأفريقية بمدينة شتوتغارت.
وفي البيت الأبيض قالت المتحدثة باسم الرئاسة الأميركية، سارة ساندرز، للصحافيين، إنه تم إبلاغ الرئيس دونالد ترمب «بشأن النيجر»، من دون مزيد من التفاصيل.
ولم يعلن بشكل رسمي عن حصيلة الكمين، وما إذا كان هنالك رهائن تمكن المهاجمون من أخذهم معهم قبل الانسحاب من موقع الكمين، خصوصاً في ظل وجود جنود أميركيين مصابين، ونقلت وكالات الأنباء عن مسؤول محلي نيجري قوله: «المؤكد أن هناك خمس جثث لجنود من النيجر، وأن هناك مفقودين على ما يبدو».
وانطلقت ليل الأربعاء - الخميس عمليات تمشيط واسعة على الشريط الحدودي الرابط بين النيجر ومالي، وهي واحدة من أكثر مناطق الصحراء الكبرى صعوبة، لأنها مفتوحة وتنتشر فيها شبكات تهريب السلاح والبشر، وتتخذ منها الجماعات الإرهابية ملاذا آمنا وقاعدة خلفية لشن هجمات إرهابية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وشاركت في عمليات التمشيط بحثا عن المهاجمين، التي استمرت طيلة يوم أمس، طائرات الميراج الفرنسية وطائرات «درون» حلقت هي الأخرى من القواعد العسكرية الفرنسية في المنطقة، بالإضافة إلى تحرك القوات النيجرية والمالية والفرنسية المنتشرة في المنطقة.
وتنشط في المنطقة المحاذية للحدود بين النيجر ومالي جماعات إرهابية كثيرة، أبرزها «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وجماعات أخرى مثل «أنصار الدين» و«المرابطون»، إضافة إلى جماعة «التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا» (مرتبطة بتنظيم داعش)، وسبق أن أعلنت حالة الطوارئ في هذه المنطقة، وينظم الجيش النيجري دوريات مراقبة من أجل فرض الأمن في المنطقة، ولكن ذلك لم يمنع وقوع هجمات بين الفينة والأخرى.
ويأتي هذا الهجوم بعد أسابيع فقط من إعلان انطلاق القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل الأفريقي الخمس (موريتانيا، ومالي، والنيجر، وتشاد، وبوركينا فاسو)، وهي القوة العسكرية التي تواجه عراقيل كبيرة في التمويل، خصوصا بعد الموقف الأميركي المتحفظ على مساهمة الأمم المتحدة في تمويل هذه القوة، ولكن مصرع ثلاثة جنود أميركيين وإصابة اثنين آخرين قد يغير الموقف الأميركي، وفق ما يشير إليه مراقبون.
وفى منتصف شهر يونيو (حزيران) الماضي أطلق جيش النيجر عملية عسكرية جديدة انطلاقا من منطقة تيلابيري لمكافحة المتشددين بشكل أفضل. وكان رئيس النيجر محمد يوسف قد أكد في مطلع أغسطس (آب) الماضي أن جماعة بوكو حرام النيجيرية الجهادية «ضعفت إلى حد كبير»، بسبب تحركات القوة الإقليمية التي شكلتها في عام 2015 الدول المطلة على بحيرة تشاد: النيجر ونيجيريا وتشاد والكاميرون.
ورغم أن حدودها تعتبر سهلة الاختراق، فإن النيجر لا تزال إحدى الدول الأكثر استقرارا في منطقة عرضة للاضطرابات، حيث تحيط بها مالي وليبيا ونيجيريا التي تواجه تهديد جماعات إسلامية مسلحة.
وتكثف قوات الأمن الأفريقية التي تدعمها قوات غربية من جهودها للتصدي للجماعات المتشددة التي تشكل جزءا من تمرد إقليمي متنام بمنطقة الساحل الصحراوية الفقيرة. وأعلنت جماعة متشددة جديدة نسبيا مسؤوليتها عن بعض الهجمات. وقال جيف دي بورتر، رئيس مؤسسة «نورث أفريكا ريسك كونسالتنج»، إن أي تأكيد لقيام تنظيم داعش بدور في هجوم أول من أمس سيؤدي إلى تحول استراتيجي من ليبيا باتجاه منطقة الساحل. وقال: «التركيز سينتقل الآن إلى الجنوب».
وتشكل الجماعات المتشددة جزءا من التمرد الإقليمي المتنامي في صحاري منطقة الساحل الفقيرة وقليلة السكان بغرب أفريقيا، حيث كثفت هذه الجماعات هجماتها على قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وقوات مالي وأهداف مدنية، بعدما أجبرت على العودة للتمركز في شمال مالي بعد عملية عسكرية قادتها فرنسا عام 2013. ووسعت الجماعات المتشددة في مالي نطاق هجماتها، لتشمل دولا مجاورة من بينها النيجر التي أعلنت حكومتها حالة الطوارئ بجنوب غربي البلاد في مارس (آذار) الماضي بعد سلسلة هجمات.
وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية، في تقرير لها، بأن الأميركيين حاضرون بشكل كبير في النيجر خصوصا في مطار أغاديز عبر قاعدة تقلع منها طائرات من دون طيار تراقب منطقة الساحل. لكن العسكريين العاملين في هذه القاعدة لا يخرجون منها سوى في حالات نادرة. وإضافة إلى القاعدة، ثمة قوات خاصة أميركية ومدربون في البلاد منذ بداية الألفية الثالثة لتدريب العسكريين النيجريين.
وينفذ هؤلاء الجنود مهمات في كل أنحاء البلاد. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وقعت النيجر والولايات المتحدة اتفاقا عسكريا ينص على التزام كل من البلدين «بالعمل معا على مكافحة الإرهاب»، وعلى أن يدرب الجيش الأميركي «الجنود النيجريين في مكافحة الإرهاب». وعلق مصدر عسكري غربي، أن «هناك في شكل محدد مهمات استخبارية وتدريبية يقوم بها جنود أميركيون أو فرنسيون في غالبية أنحاء البلاد». وفي منتصف سبتمبر، مددت نيامي حالة الطوارئ السارية في المنطقة منذ مارس الماضي «مع استمرار تهديد المجموعات الإرهابية» خصوصا تلك الآتية من شمال مالي المجاورة. وفي منتصف يونيو الماضي، نفذ الجيش النيجري عملية عسكرية جديدة انطلاقا من منطقة تيلابيري للتصدي للمتشددين المسلحين في شكل أفضل. في أكتوبر 2016 خطف الإنساني الأميركي جيفري وودكي في منطقة تاهوا شمال شرقي نيامي على مقربة من الحدود المالية.



أول ظهور رسمي لقائد المجلس العسكري في مالي منذ وقوع الهجمات

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

أول ظهور رسمي لقائد المجلس العسكري في مالي منذ وقوع الهجمات

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)

التقى قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي، أسيمي غويتا، السفير الروسي، الثلاثاء، في أول ظهور رسمي له منذ الهجمات المنسقة التي نفّذها مسلحون قبل أيام، ​وذلك وفقاً لمنشور على حساب مكتب غويتا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهاجمت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، وهي فرع لتنظيم «القاعدة» في غرب أفريقيا وجماعة انفصالية يهيمن عليها الطوارق، القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو يوم السبت، كما طردت قوات روسية تدعم القوات الحكومية من كيدال في الشمال.

وأثارت الهجمات صراعاً على الأراضي عبر ‌شمال مالي ‌الصحراوي الشاسع، ما زاد احتمالات ​تحقيق ‌مكاسب ⁠كبيرة ​للجماعات المسلحة التي ⁠أبدت استعداداً متزايداً لشنّ هجمات على البلدان المجاورة، وقد توجه أنظارها في نهاية المطاف إلى مناطق أبعد، حسبما يقول المحللون.

مقتل وزير الدفاع

قُتل وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، في هجمات يوم السبت. ولم يظهر غويتا إلا بعد نشر المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي مساء الثلاثاء.

ووفقاً للمنشور، ⁠ناقش غويتا والسفير الروسي إيغور غروميكو «الوضع الراهن ‌والشراكة القوية بين باماكو ‌وموسكو».

وأضاف المنشور أن غروميكو «أكد مجدداً التزام ​بلاده بدعم مالي في مكافحة ‌الإرهاب الدولي».

مشهد عام لباماكو (رويترز)

ووفقاً للمنشور الصادر عن مكتبه على منصة ‌«إكس»، زار غويتا مستشفى يتلقى فيه المصابون في هجمات السبت العلاج، وقدّم تعازيه لعائلة كامارا.

وأظهر حجم الهجوم، الذي استهدف مواقع متعددة في أنحاء هذا البلد الواقع في غرب أفريقيا، قدرة غير مسبوقة ‌لجماعات ذات أهداف مختلفة على العمل معاً وضرب قلب الحكومة العسكرية.

وتباهى بينا ⁠ديارا، المتحدث باسم جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، في رسالة مصورة، بأعمال العنف التي وقعت يوم السبت. ووصفها بأنها انتقام من غارات الطائرات المسيرة وغيرها من الهجمات التي شنّتها قوات مالي.

وهدّد ديارا بفرض حصار على باماكو، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 4 ملايين نسمة. وقال في الرسالة: «اعتباراً من اليوم، باماكو مغلقة من جميع الجهات».

وقالت روسيا، اليوم (الثلاثاء)، إن القوات المتمردة والانفصالية في مالي تعيد تنظيم صفوفها بعد أن ​ساعدت قوات موسكو في ​إحباط انقلاب يوم السبت، ما منع المتمردين من الاستيلاء على منشآت رئيسية، من بينها القصر الرئاسي.


مقتل 23 مدنياً وعسكرياً على الأقل بهجوم في مالي

متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مقتل 23 مدنياً وعسكرياً على الأقل بهجوم في مالي

متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أودى هجوم شنه متطرفون ومتمردون من الطوارق، السبت، على مدينة كاتي المالية التي تعدّ معقلاً للمجلس العسكري، بـ23 شخصاً على الأقل من مدنيين وعسكريين، وفق ما أفاد مصدر طبي لم يشأ الكشف عن هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال هذا المصدر: «أدى الهجوم على مخيم كاتي إلى مقتل 23 مدنياً وعسكرياً على الأقل»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت حصيلة سابقة لهجمات السبت وما أعقبها من معارك، أشارت إلى إصابة 16 مدنياً وعسكرياً، وفق ما أعلن المجلس العسكري.


انفجارات تكسر الهدوء الحذر في العاصمة المالية باماكو

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)
TT

انفجارات تكسر الهدوء الحذر في العاصمة المالية باماكو

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)

دوَّت انفجارات قوية في محيط مطار باماكو الدولي، ليل الاثنين - الثلاثاء، لتكسر الهدوء الحذر الذي ساد المدينة ومحيطها طيلة يوم الاثنين، بعد هجمات إرهابية منسقة ومواجهات بين الجيش ومقاتلي «القاعدة» خلال يومي السبت والأحد.

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)

وقال سكان محليون إن انفجارين قويين على الأقل وقعا في محيط المطار، قبل أن يعود الهدوء إلى المنطقة، دون أن تصدر أي معلومات حول طبيعة هذين الانفجارين، كما شوهدت فيما بعد مروحيات عسكرية تحلّق في المنطقة.

وقال مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» في باماكو إنه قبيل الانفجارين شوهدت قافلة تضم سيارات «بيك آب» وشاحنات لنقل الجنود وهي تتجه بسرعة فائقة نحو المطار، كما حلَّقت طائرة عسكرية في سماء المنطقة لفترة وجيزة.

وكان حي سينو الذي يقعُ فيه المطار ومواقع عسكرية حساسة، مسرحاً لمواجهات عنيفة يوم السبت بين الجيش المالي ومقاتلي «جماعة النصرة»، الموالية لتنظيم «القاعدة» الإرهابي، والمتحالفين مع متمردين من الطوارق في إطار «جبهة تحرير أزواد».

وقُتل في هذه المواجهات وزير الدفاع ساديو كامارا، في حين لا يزال الرئيس أسيمي غويتا ورئيس المخابرات مختفيين عن الأنظار، وسط شكوك وشائعات حول مصيرهما.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

الحكومة تتحدث

وللمرة الأولى منذ الهجمات الإرهابية التي ضربت مواقع حساسة في باماكو، ظهر رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا، وهو يزور عدداً من المصابين في المستشفى، قبل أن يعقد مؤتمراً صحافياً أكد خلاله عزم بلاده على «استئصال الإرهاب». وقال مايغا إن حكومته عازمة على الاستمرار في مواجهة الإرهاب، وأضاف أن «الخوف لا مكان له»، قبل أن يطلب من الشعب المالي الاصطفاف خلف مؤسسات الدولة والقوات المسلحة في حربها ضد الإرهاب.

واتهم مايغا «جهات خارجية» دون تسميتها، بدعم الإرهابيين في الهجوم الكبير الذي استهدف العاصمة باماكو ومدناً عدّة في وقت متزامن، كما عدَّ أن هذه الهجمات كانت تهدف إلى زرع الرعب، وزعزعة التماسك الوطني، وإضعاف مؤسسات الفترة الانتقالية. ولكن مايغا أعلن أن «ردة فعل القوات المسلحة المالية تمكنت من تحييد مئات الإرهابيين»، مؤكداً أن الجماعات المسلحة «فشلت في تحقيق أهدافها».

رواية الجيش

وفي وقت سابق من الاثنين، أعلن الجيش المالي، أنه تمكن من تحييد أكثر من 200 إرهابي، خلال التصدي للهجمات، وقال في بيان إنه «حيَّد أكثر من 200 إرهابي وصادر كميات كبيرة من الأسلحة»، قبل أن يصف رده على الهجمات الإرهابية المتزامنة والقوية بأنه كان «مناسباً ومتناسباً».

وأوضح الجيش أنه شن عمليات عسكرية في معظم المناطق المستهدفة. وخاصة في العاصمة باماكو ومدن غاو وسيفاري وموبتي، دون أي إشارة إلى استهداف مدينة كيدال، في أقصى شمال البلاد، والتي وقعت تحت سيطرة المتمردين الطوارق.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

وقال الجيش إن مقاتلي الجماعات الإرهابية استخدموا الزي العسكري من أجل التسلل بين السكان المدنيين وتأمين الإمدادات بالقرب من المدن والقرى، وأضاف أن هدف هذه الجماعات هو «إضعاف البلاد من خلال ممارسة ضغط مستمر على المجتمعات المحلية ونقاط التموين».

وحذَّر الجيش من الانجرار وراء الشائعات، وطلب من السكان «التزام الهدوء وعدم الانجرار» وراء المعلومات المضللة، والاعتماد حصراً على البلاغات الرسمية الصادرة عن هيئة الأركان العامة، مؤكداً مُضيه في الحرب على الإرهاب.

حصار باماكو

تشهد العاصمة المالية اشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)

إلى ذلك، أكدت مصادر محلية أن عناصر «القاعدة» كانوا يتحركون على متن مئات الدراجات النارية في محيط العاصمة باماكو، وقد أغلقوا عدداً من الطرق الوطنية المؤدية إلى المدينة التي يزيد تعداد سكانها على 3 ملايين نسمة. وتحدثت هذه المصادر عن إغلاق الطرق التي تربط باماكو بالحدود مع موريتانيا، والأخرى التي تربطها بدولة ساحل العاج (كوت ديفوار)، وسط مخاوف من إغلاق الطريق المؤدي إلى السنغال.

وتُعدّ مالي دولة حبيسة، حيث تعتمد بشكل مباشر ويومي على ما تستورده من الخارج عبر موانئ الدول المجاورة، وخاصة السنغال، وكوت ديفوار وموريتانيا.

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

قلق فرنسي

وأعربت فرنسا، الاثنين، عن «قلقها» في أعقاب الهجمات، حسب ما أفاد به مصدر دبلوماسي فرنسي. وقال المصدر إن فرنسا «تدين بأشد العبارات أعمال العنف المرتكبة ضد المدنيين»، وتعبر عن «تضامنها مع الشعب المالي». كما أشار المصدر، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى أن باريس «تولي اهتماماً كبيراً لأمن رعاياها الموجودين هناك»، وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر. ودون الإشارة صراحة إلى المجلس العسكري الحاكم في مالي، أعربت فرنسا عن تطلعها «لإرساء سلام واستقرار دائمين في مالي». ومنذ وصول المجلس العسكري إلى الحكم في مالي، وصلت العلاقات مع فرنسا إلى القطيعة التامة.

النفوذ الروسي يتعرض لهزة

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

تجنب الكرملين، الثلاثاء، إعطاء تقييم للوضع العسكري في مالي، بعد تردد معطيات عن مجموعات «الفيلق الروسي» التابعة لوزارة الدفاع لهجوم مُركَّز نفذه متمردون أجبرها على الانسحاب من مناطق شمال البلاد. وفي غياب توضيح رسمي من وزارة الدفاع حول التطورات، أشارت تقارير إلى تعرض وجود القوات الروسية في هذا البلد لهزة قوية، قد تهدد نفوذ موسكو المتنامي في القارة الأفريقية كلها.

جنود ينفّذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

وفي أول تعليق من الكرملين على الأحداث الجارية، قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، إن الكرملين يرغب في عودة «الاستقرار في أقرب وقت ممكن» إلى مالي. وأضاف المتحدث بيسكوف في إيجاز صحافي، الثلاثاء: «نرى أنه من المهم أن يستعيد البلد مساراً سلمياً ومستقراً في أسرع وقت ممكن».

وترتبط موسكو باتفاقيات عسكرية وأمنية مع المجلس العسكري الحاكم في مالي، وبموجب ذلك استقبلت مالي المئات من مقاتلي مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة، قبل حلها وإحلال مقاتلي «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية مكانها، العام الماضي.

دورية لعناصر من الجيش المالي بالعاصمة باماكو أغسطس 2020 (أ.ب)

وأفادت تقارير بأن معارك تركزت بشكل أعنف في مناطق الشمال، حيث تتمركز قوات «الفيلق الأفريقي» الروسي الذي كان سابقاً يضم مرتزقة من مجموعات «فاغنر» وتمت إعادة تنظيمه، بعد مقتل زعيمه يفغيني بريغوجين، قبل ثلاث سنوات، وبات تابعاً لوزارة الدفاع الروسية مباشرة.

ووفقاً للمعطيات التي نقلتها وسائل إعلام روسية وغربية، فقد أجبرت المواجهات «الفيلق الأفريقي» على الانسحاب من مدينة كيدال (شمال شرقي) من دون أن تخوض معارك تقريباً، لكن مواقعها تعرضت لضربات وتم استهداف طائرة عسكرية روسية.

يستقل متمردو الطوارق التابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

وكان لافتاً أن موسكو أعلنت في البداية أن قواتها لم تتكبد خسائر في المواجهات، لكن وزارة الخارجية الروسية عادت بعد يومين وأقرَّت بسقوط قتلى روس بعد إسقاط مروحية عسكرية تابعة للفيلق ووفاة من كان على متنها. وامتنع بيسكوف عن الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان «فيلق أفريقيا»، سيكون قادراً على السيطرة على الوضع الميداني.

وبدا أن موسكو تجنبت التسرع في إعلان موقف حيال التطورات الجارية، وفضَّلت استجلاء الموقف، ومراقبة مسار الأحداث. واكتفى الكرملين بالدعوة إلى العودة للمسار السياسي لتهدئة الوضع في البلاد. بينما تحدثت تقارير عن تعرض نفوذ روسيا في المنطقة لهزة كبيرة وموجعة، خصوصاً على خلفية معلومات أن انسحاب «الفيلق الأفريقي» جاء بعد إبرام اتفاق وُصف بأنه «مهين» مع القوات المهاجمة تم بموجبه تجريد المجموعات من سلاحها وإجبارها على الخروج من مناطق الشمال.

ووفقاً لفسيفولود سفيريدوف، نائب مدير مركز الدراسات الأفريقية، فإن القتال واغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا يمثلان ضربة قاسية للحكومة. وكان الوزير كامارا صاحب المبادرة للانقلاب على الوجود الفرنسي التقليدي في البلاد، ودعوة القوات الروسية إلى مالي.

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

رغم ذلك، أفاد مصدرٌ مُقرّب من القوات الروسية في مالي لصحيفة «فيدوموستي» بأن سيطرة القوات المسلحة المحلية والقوات الروسية لم تُفقَد بعد. وأشار خبراء روس إلى الأهمية الخاصة التي توليها موسكو لمواجهة فقدان نفوذها في مالي، وقالت الباحثة فاليريا تيخونوفا: «أصبحت باماكو مركزاً استراتيجياً في أفريقيا عموماً ومنصة انطلاق لطرد الغرب». وزادت: «يجب على القوات المسلحة و(فيلق أفريقيا) منع عزل شمال البلاد. يراقب الكثير من الأطراف هذه المرحلة من الصراع، لا سيما وأن المنطقة غنية بالموارد، وخصوصاً الذهب والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، وهذا عامل مهم أيضاً».

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

وكتب الخبير العسكري ايفان ليسيوك إن «الوحدات الروسية سيطرت خلال السنوات الماضية على مدينة كيدال، لكنها لم تتمكن من التوغل أكثر في مالي. ولذلك؛ تُعدّ خسارة كيدال هزيمة مهينة، وإن لم تكن حاسمة، للجيش الروسي في مالي».

وزاد إن «خسائر (فيلق أفريقيا) والحاجة إلى التفاوض مع المسلحين الذين نزعوا سلاح القوات الروسية وسمحوا لها بالمغادرة، تشير بوضوح إلى أن الفيلق يخسر مواقعه تدريجياً». مرجحاً أن ينعكس الوضع على النفوذ الروسي عموماً في القارة الأفريقية.