ماكرون يسعى للتوسط بين بغداد وأربيل

يستقبل العبادي غداً ويحاول ملء «الفراغ الأميركي» في الأزمة

TT

ماكرون يسعى للتوسط بين بغداد وأربيل

يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي صباح غدٍ، إلى عرض وساطة بلاده في الأزمة بين بغداد وأربيل. غير أن مراقبين يقللون من قدرة باريس على لعب هذا الدور، خصوصاً في ظل افتقارها إلى أوراق تأثير.
ويرافق العبادي وفد وزاري كبير لا يضم وزيري الخارجية والدفاع، في زيارته التي تستمر 24 ساعة. وإضافة إلى اللقاء مع ماكرون، سيعقد رئيس الوزراء العراقي لقاءات مع مسؤولين فرنسيين آخرين، أبرزهم وزير الخارجية جان إيف لودريان، ووزيرة الدفاع فلورنس بارلي، فضلا عن لقاء رجال أعمال.
وحرصت مصادر قصر الإليزيه، أمس، على تأكيد أن الزيارة «لا علاقة لها بالاستفتاء» الذي أجري في كردستان العراق الأسبوع الماضي، بل إنها «مقررة سلفا»، وتم نقل الدعوة إلى العبادي خلال زيارة وزيري الخارجية والدفاع لبغداد وأربيل في 26 أغسطس (آب) الماضي.
وكان لافتاً أمس حرص مصادر الإليزيه على التقليل من أهمية المساحة التي سيحتلها ملف الاستفتاء الكردي في محادثات العبادي في باريس؛ إذ اكتفت بالقول: إن ماكرون «سيبحث بطبيعة الحال مواضيع الساعة» مع ضيفه الذي يلتقي به أولاً في «اجتماع ضيق» يليه اجتماع موسع بحضور الوفدين.
حقيقة الأمر، أن الحذر الفرنسي مرده إلى رغبة باريس في تلافي تكرار ردة الفعل العراقية السلبية التي تلت بيان قصر الإليزيه عقب الاتصال الهاتفي الذي جرى بين ماكرون والعبادي يوم الجمعة الماضي. وجاء في البيان المذكور، أن ماكرون «أعاد التأكيد على الأهمية التي توليها فرنسا للمحافظة على وحدة الأراضي العراقية وسلامتها، مع الاعتراف بحقوق الشعب الكردي»، منبهاً إلى ضرورة «تلافي أي نوع من أنواع التصعيد».
وبحسب الإليزيه، فإن الرئاسة اقترحت «مساعدة العراق لمنع زيادة التوتر مع كردستان بالنظر إلى علاقات الصداقة» التي تربط باريس بالطرفين. ويبدو أن هذه الفقرة أثارت حفيظة الجانب العراقي الذي رد سريعاً بأن دعوة العبادي إلى باريس «لا علاقة لها بالأزمة الناتجة عن الاستفتاء الكردي غير الدستوري»، وأن الاتصال الهاتفي بين المسؤولين «لم يأت على ضرورة الاعتراف بالحقوق الكردية، ولا على الحاجة إلى وقف التصعيد من جانب بغداد».
لذا؛ فإن مصادر الإليزيه سعت أمس إلى طمس الملف الكردي والتركيز على أهمية الزيارة ثنائياً، وأنها «تتم في وقت يشهد فيه العراق والمنطقة أحداثاً مهمة»، أبرزها النجاحات في الحرب على الإرهاب في العراق وسوريا، و«استعداد فرنسا للعمل» مع العراق ليس فقط في المرحلة العسكرية ضد «داعش»، لكن أيضاً في المراحل اللاحقة، أي مرحلة تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي وبناء مجتمعات تتيح لكل المكونات العيش بسلام ووئام.
ولخصت المصادر الرئاسية توقعات باريس من الزيارة بـ«تطوير علاقات ثنائية على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية كافة»، مع التركيز على أهمية الاستمرار في محاربة الإرهاب.
بيد أن هذه التوضيحات لا تعني، وفق مصادر أخرى في باريس، أن الرئيس الفرنسي طوى رغبته في أن يلعب دور «الوسيط» بين بغداد وأربيل، وهي تؤكد أن ملف الاستفتاء وتبعاته سيكون على رأس لائحة المواضيع التي سيتناولها الطرفان. كذلك، فإن باريس «جاهزة وراغبة» في مساعدة الحكومة المركزية وسلطات كردستان على خفض التوتر المتصاعد، ومنع تأجيج النزاع بينهما من جهة والبحث عن «مخارج» من جهة أخرى.
وقالت أوساط الإليزيه أمس: إن باريس «مستمرة بالتشاور» مع الأطراف المعنية بالأزمة الكردية، لكنها قبل ذلك كله «تريد الاستماع إلى ما يقوله العبادي والعراقيون»، وتنتظر لتعرف مصير الدعوات إلى الحوار الصادرة عن العراقيين أنفسهم، في إشارة إلى المبادرات الداخلية لحل الأزمة. وفي أي حال، ترى باريس أن «كل ما يشجع على العودة إلى الحوار أمر إيجابي».
وتركز المصادر الفرنسية في سعيها إلى مد يد المساعدة على «الصداقة» التي تربط باريس ببغداد من جهة وبأربيل من جهة ثانية، وعلى المساعدات التي تقدمها للجانبين عسكرياً واقتصاديا، وعلى قدرتها على اتخاذ موقف «مقبول» تشدد فيه من ناحية على تمسكها بـ«وحدة العراق وسلامته»، ومن ناحية أخرى على «اعترافها بحقوق الشعب الكردي»، لكن مع تمسكها ببقاء العراق بلداً موحداً.
وتدعو باريس إلى الابتعاد عن «التصعيد» بين الجانبين وعلى بقاء العراقيين «موحدين» لمنع إدخال عامل توتر جديد. وتؤكد المصادر الفرنسية، أن «المخارج» تكمن في الالتزام بما ينص عليه الدستور العراقي الذي يتعين العمل ببنوده كافة وتفعيلها من غير استثناء. كذلك تطالب باريس بالعودة إلى الحوار بين بغداد وأربيل، وتستعيد الحجة الأميركية القائلة إن الأولوية اليوم هي لاستكمال الحرب على «داعش»، وأن الاستفتاء يمكن أن يفتح الباب لحروب جديدة.
بيد أن السؤال الذي تطرحه أوساط سياسية وبحثية فرنسية يدور حول قدرة باريس على لعب دور الوسيط، وعلى الأوراق التي في متناول يديها من أجل النجاح في هذا الدور. وفي هذا السياق، يقول نائب مدير «معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية» الأكاديمي ديديه بيون لـ«الشرق الأوسط» إن باريس «تمتلك شبكات اتصال، وربما تأثير لدى أكراد العراق، وبدرجة أقل لدى الحكومة المركزية. لكن الاعتقاد أن الرئيس ماكرون يمكن أن يكون عاملاً حاسما في التأثير على الأزمة العراقية ــ الكردية، وهم».
وإذ ينوه بيون بإرادة ورغبة ماكرون في أن تكون له دبلوماسية «نشطة» في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى رغبته في لعب دور في سوريا عبر «مجموعة الاتصال»، وفي ليبيا من خلال الجمع بين قائد «الجيش الوطني الليبي» المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق فائز السراج، ناهيك عن الملف النووي الإيراني، إلا أنه يستدرك بالقول: إن فرنسا «لا يمكن أن تكون وسيطاً في نزاعات العالم كافة»، إأنها «حتى لو رغبت في ذلك، فإنها لا تتمتع بالتأثير الكافي»، و«الأوراق» التي في حوزتها في الملف العراقي ــ الكردي «لا تكفي».
وسبق لباريس أن حاولت تنسيق الجهود مع تركيا، بقيام سفيرها والسفير التركي بمحاولة مشتركة لدى الحكومة المركزية ولدى سلطات الإقليم. لكن هذه المحاولة جاءت يتيمة ومن غير تأثير. وقبل حدوث الأزمة، قام وزيرا الخارجية والدفاع الفرنسيان أواخر أغسطس بمحاولة استباقية لثني الأكراد عن التسبب بوضع متفجر. وكانت الجهود الفرنسية من ضمن التحرك الدولي. لكنها فشلت في تلافي الوصول إلى طريق مسدود.
غير أن المصادر الفرنسية تلفت إلى أن «القوة الرئيسية» التي يمكن أن تلعب دور «الوسيط»، وهي الولايات المتحدة «غائبة حتى الآن عن المسرح»، ما يترك الباب مفتوحاً لمساعي باريس من أجل «ملء الفراغ».
ويرى الباحث ديديه بيون، أن واشنطن «لا تستطيع اليوم لعب دور الوسيط بعد المواقف الحادة التي عبرت عنها إزاء الأكراد»، مشيراً إلى أن ردة الفعل الكردية «تبين مدى اتساع الهوة» بين الجانبين وحاجة واشنطن لبعض الوقت من أجل إعادة وصل خيوط الحوار مع أربيل التي «لم توفر مظلة دولية لما كانت عازمة على القيام به، الأمر الذي يبين صعوباتها وعزلتها اليوم».
وبالمقابل، فإن نسبة تأثير واشنطن على الحكومة العراقية تبقى «محدودة» بسبب ما يسميه الباحث «القدرة التعطيلية» المتمثلة بإيران ودروها «المؤثر» على بغداد وعلى قراراتها. ووفق بيون، فإن العبادي وبارزاني «ملزمان بالتعبير عن مواقف متشددة لأسباب سياسية داخلية: الأول يخضع لضغوط سياسية من البرلمان ومن القوى التي حملته إلى السلطة، ولا يستطيع المقامرة بانفصال كردستان ولا قبول الأمر الواقع الذي فرضه الاستفتاء. أما الثاني، فإنه أصبح رهينة وعوده ومبادراته، وإذا تراجع فإنه يفقد مصداقيته، خصوصاً أنه أدخل الإقليم في متاهات يصعب الخروج منها، وتراجعه عن الاستفتاء سيكون بمثابة انتحار سياسي له».
وخلص بيون إلى أن «هناك حاجة أساسية إلى وساطة قادرة على دفع الطرفين للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وطرح المسائل الخاصة بعلاقات المركز مع الإقليم كافة، واقتراح أفكار جديدة منتجة». ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار «مبادرة» ماكرون «مفيدة، كونها تسعى إلى سد بعض الفراغ، لكن من غير وجود ضمانات بالتوصل إلى نتائج ملموسة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.