كيف يموت الشعراء؟

من العربي أبي الطيب المتنبي إلى الإنجليزي توماس تشاترتون

لوحة «موت تشاترتون» 1856  للرسام هنري واليس
لوحة «موت تشاترتون» 1856 للرسام هنري واليس
TT

كيف يموت الشعراء؟

لوحة «موت تشاترتون» 1856  للرسام هنري واليس
لوحة «موت تشاترتون» 1856 للرسام هنري واليس

في أدبنا العربي القديم كتاب عن «مصارع العشاق». ولكن ماذا عن مصارع الشعراء؟ ليس هناك على قدر علمي كتاب عربي يتناول هذا الموضوع تناولاً وافياً، وإن انتشرت عبر القرون قصص متفرقة عن الطريقة التي مات بها أرباب الوزن والقافية: مصرع المتنبي على أيدي من ترصدوا له قرب دير العاقول، مصرع وضاح اليمن في صندوق خبأته فيه عشيقته قبل أن يدخل زوجها الغرفة، مصرع ابن المعتز بعد ليلة واحدة قضاها على عرش الخلافة، مصرع أبو القاسم الشابي وبدر شاكر السياب وأمل دنقل وحلمي سالم على فراش المرض (تعددت الأمراض ما بين مرض القلب والسرطان... إلخ، والموت واحد)، مصرع خليل حاوي منتحراً بطلقة رصاص، مصرع صلاح عبد الصبور بعد كلمات جارحة أصابته في مقتل إذ طعنت في وطنيته ونزاهته، مصرع صالح الشرنوبي تحت عجلات قطار في بلدته بلطيم، مصرع ملك عبد العزيز بعد أن سقطت عليها شجرة، مصرع يحيى الطاهر عبد الله (وأنا أدرجه في زمرة الشعراء لأنه كان شاعر القصة القصيرة بامتياز) في حادث سيارة. والأمثلة كثيرة لا يتسع لها هذا المقام.
واليوم ينضم إلى المكتبة الإنجليزية كتاب عنوانه «مصارع الشعراء» من تأليف الشاعرين والأستاذين الجامعيين البريطانيين بول فرلي ومايكل سايمونز روبرتس (الناشر: جوناثن كيب، لندن 2017، 414 صفحة).
Paul Farley and Michael Symons Roberts، Deaths of the Poets، Jonathan Cape، London 2017.
يقول المؤلفان في مقدمة كتابهما إن «الشعراء قد ظلوا دائماً يغامرون أو يقامرون من أجل الشعر. منهم من ضحى بصحته أو أسرته أو مستقبله أو بأمنه أو حتى بحياته. من هنا ارتسمت صورة خاصة للشعراء في الأذهان. من المسموح للروائي أن يكون عاقلاً خبيراً بأمور الدنيا ومتحكماً في تصرفاته. أما الشاعر فينتظر منه أن يكون مكتئباً محكوماً عليه بالهلاك ومدمراً لنفسه قبل أن يدمره الآخرون».
ترى متى بدأت هذه الصورة الرومانتيكية تتكون؟ إن الصلة بين الشعراء والفناء وثيقة، ونحن قد ظللنا دائما نهتم بآخر كلمات الشعراء على فراش الموت وكأنها تلخص تجربة حياتهم (قال جوته وهو يحتضر: «النور... مزيداً من النور»). لقد أخرج الناقد والمعجمي والشاعر الإنجليزي الدكتور صمويل جونسون في 1783 كتابه «سير أبرز الشعراء الإنجليز مع ملاحظات نقدية عن أعمالهم». تناول في هذا الكتاب اثنين وخمسين شاعراً بدءاً بإدموند والر وانتهاء بتوماس غراي. والأمر اللافت في هذه السير هو غلبة الحزن والكآبة عليها. فأغلب هؤلاء الشعراء الذين يتحدث عنهم جونسون قد ماتوا قبل تحقيق آمالهم أو أن هذه الآمال أحبطت. إنهم (لم يدرج جونسون أي شاعرة أنثى) يعانون من الفقر المادي أو استغلال الناشرين أو عدم التقدير من النقاد أو انصراف القراء أو كل أنواع الأمراض: النقرس، السل، انتفاخ الساقين، البرد، التهاب الرئتين.
وفي منتصف القرن الثامن عشر وجدنا المصور الإنجليزي وليم هو غارث يرسم لوحته المسماة «الشاعر المكروب» وفيها نجد شاعراً يجلس في انتظار الوحي في علية فقيرة. إحدى يديه تمسك بريشة الكتابة واليد الأخرى تهرش رأسه الفارغ وكأنها تبحث فيه عن فكرة أو عبارة. إنه يحلم بالشهرة أو بأن يصيب شيئاً من المال، وثمة بائعة لبن غاضبة تقف ببابه مطالبة بما يدين به لها. إن الشاعر في هذه اللوحة يبدو كأنه سجين شد وثاقه إلى مكتبه. وقد تسللت هذه الصورة وتناسخت في آداب أخرى: من هنا نشأت صورة «الشاعر الملعون» أو «الرجيم» في فرنسا القرن التاسع عشر: بودلير ورنبو وفرلين.
وكتاب فارلي وروبرتس قائم على سلسلة «رحلات حج» (على حد تعبيرهما) إلى الأماكن التي مات فيها الشعراء. وعلى هذا فهو أيضاً كتاب عن المكان وعن الرابطة بين الإنسان والبقعة التي تحركت فيها حياته.
يتناول المؤلفان عدداً من الشعراء البريطانيين والأميركيين منذ القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين. من هؤلاء الشعراء البريطانيين (إنجليز وويلزيين وآيرلنديين واسكوتلنديين): توماس تشاترتون، وديلان توماس، وبايرون، وفيليب لاركن، وستفي سمث، ولوي ماكينس، وكيث دوغلاس، وديفيد جونز، ويلفريد أوين، ر. س. توماس، وجون كلير. ومن الشعراء الأميركيين: وجون بريمان، وسيلفيا بلاث، وإليزابيث بيشوب، وفرانك أوهارا، ويليام كارلوس وليمز، وإميلي دكنسن، وروبرت لويل، وآن سكستون، ولاس ستفنز، وميريان مور، وروبرت فروست. وهناك شعراء تنقلوا بين الجنسيتين مثل و. ه. أودن وتوم عن.
سأقتصر هنا على وقفة قصيرة مع اثنين من هؤلاء الشعراء. ولتكن وقفتنا الأولى مع أقدم هؤلاء الشعراء زمناً وأصغرهم سناً، وهو الشاعر الإنجليزي توماس تشاترتون (1752 - 1770) الذي لقي مصرعه قبل أن يتم الثامنة عشرة من عمره وغدا منذ ذلك الحين أيقونة الحركة الرومانتيكية في إنجلترا وفرنسا على السواء.
ترك تشاترتون المدرسة في سن الرابعة عشرة وعمل متدرباً في مكتب محامٍ. تجلت موهبته في التأليف ومحاكاة كتاب الماضي في سن مبكرة مما أغراه بأن يرتكب عملية تزوير أدبي هي أن يؤلف قصائد من نظمه بأساليب شعراء العصور الوسطى ويدعي نسبتها إليهم (قارن قضية الانتحال في الشعر العربي التي أثارها المستشرق الإنجليزي مرجوليوث ومن بعده طه حسين). ادعى تشاترتون أنه اكتشف في برج كنيسة سانت ماري رادكليف في مدينة بريستول صندوقاً يحوي مخطوط قصائد من نظم راهب من القرن الخامس عشر يدعى توماس راولي (لا وجود لمثل هذا الراهب وإنما هو من تلفيق شاعرنا). انطلت هذه اللعبة في البداية على معاصري تشاترتون ومن يكبرونه سناً ومنهم الأديب هوراس والبول. وسافر الشاعر إلى لندن وملؤه آمال كبار في النجاح الأدبي والمادي بعد الثناء الذي أغدقه النقاد والأدباء والقراء على هذه القصائد. لكن عدداً من الدارسين مثل إدموند مالون كشفوا النقاب عن زيف هذه القصائد، وهنا قلب الجميع له ظهر المجن ووجد نفسه يتضور جوعاً في العلية التي يقيم فيها في ضاحية هولبورن في لندن، فتناول جرعة زائدة من الزرنيخ (لا نعرف أكان ذلك قصداً أم على سبيل الخطأ). هنا انبعثت موجة من العطف عليه (وحداثة سنه تغفر له ما فعل أو على الأقل تخفف من ذنبه) وأعلن المعجبون به أنه شهيد الأدب، وأنه ضحية مجتمع قاسٍ لا يرحم.
أشاد بذكره الشعراء الرومانتيكيون وردزورث وكولردج وشللي وكيتس. وألف عنه الشاعر الرومانتيكي الفرنسي ألفرد دي فيني مأساة «تشاترتون» في 1835. وأبدع المصور الإنجليزي هنري واليس لوحة عنوانها «موت تشاترتون» (1856) كانت موضع إعجاب الناقد الفني جون رسكين. وتصور اللوحة الفتى الشاعر طريحاً على فراشه بعد أن تناول السم. بشرته مرمرية ويده اليمنى تتدلى بلا حياة نحو الأرض حيث ثمة قصاصات ممزقة من قصيدة كان ينظمها. وقارورة السم على الأرض قرب فراشه بينما بصيص من نور الفجر يطل من النافذة المفتوحة.
شاعرة أخرى نتوقف عندها هنا هي الأميركية آن سكستون (1928 - 1974) التي انتحرت بعد حياة متقلبة عرفت الفرار من البيت والانخراط في علاقات جسدية والانهيار العصبي والطلاق ونوبات الاكتئاب والإقامة في مصحات نفسية وعقلية (من دواوينها ديوان يحمل عنوان «إلى مستشفى الأمراض العقلية والعودة جزء من الطريق» 1960). كانت قد حضرت مع صديقتها ومنافستها الشاعرة سيلفيا بلاث (وهي الأخرى ماتت منتحرة) في مدينة بوسطن فصولاً دراسية للشاعر روبرت لويل صاحب ديوان «دراسات من الحياة»، ورائد الاتجاه الاعترافي في الشعر الأميركي، وهو اتجاه يفصح عن تجارب صاحبه وأخطائه ومخاوفه ورغباته وذكرياته بكل صراحة كاشفاً النقاب عن أخفى دوافع الإنسان.
إن كتاب فارلي وربرتس يبتعث صوراً مؤلمة ومروعة للموت: جون كيتس الذي يعاني من داء الصدر في زهرة شبابه ينبثق الدم من شريانه ومعه تخرج أنفاس الحياة. ديلان توماس يسرف في شرب الويسكي حتى يفقد الوعي ويدخل في غيبوبة لا يفيق منها. هارت كرين يقذف بنفسه من على سطح سفينة في البحر الكاريبي حتى تبتلعه الأمواج. جون بريمان يرمي بنفسه من جسر إلى مياه نهر المسيسبي المتجمدة. سيلفيا بلاث وحيدة في شقتها بلندن بعد أن هجرها زوجها الشاعر تدهيوز من أجل امرأة أخرى تفتح موقد الغاز حتى تختنق. لكن المؤلفين قد حرصا (كما يقولان في خاتمة الكتاب)، على ألا يحيلاه إلى «مدينة للموتى»، مثل جبانة طيبة في مصر القديمة. هذه قصص موت حقّاً ولكنها أيضاً قصص عبقريات تغلبت على الموت حين بقيت ذكراها، و«الذكر للإنسان عمر ثانٍ» كما يقول أمير شعراء العربية في أوائل القرن العشرين أحمد شوقي.
قال الشاعر اللاتيني هوراس في القرن الأول قبل الميلاد إنه بنى بشعره صرحاً أبقى على الزمن من الرخام. ومنذ ذلك الحين والشعراء يحاولون أن يجعلوا شعرهم محصناً ضد الزمن. إنهم يسعون إلى «استعمار» الأجيال المقبلة، وذلك إذ يتحدثون (عبر ما سماه الشاعر فيليب لاركن «طول الزمن وعرضه») إلى مَن لم يُولدوا بعد. الشعر (إذا غيرنا الاستعارة) نسيج حي من المخ واللسان، وهو سلاحنا ضد الفناء.



دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
TT

دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)

أقام أغسطس، أول إمبراطور لروما القديمة، النصب ‌التذكاري الذهبي، الذي يُعرف باسم «المَعْلم الذهبي»، في المنتدى الروماني عام 20 قبل الميلاد ليكون بمثابة نقطة انطلاق رمزية لكل الطرق في الإمبراطورية مترامية الأطراف. وشكلت هذه الطرق بالفعل العمود الفقري لأول شبكة نقل على مستوى قارة في ​العالم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأجرى الباحثون الآن تحليلاً هيكلياً مفصلاً لشبكة الطرق في الإمبراطورية، والتي تمتد على مسافة 300 ألف كيلومتر تقريباً وتعبر أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأظهرت الدراسة أن المقولة القديمة «كل الطرق تؤدي إلى روما» لم تكن دقيقة تماماً، وأن أنسب ما تنطبق عليه هذه المقولة هي القسطنطينية العاصمة اللاحقة للإمبراطورية (إسطنبول حالياً).

وخلص الباحثون في الدراسة إلى أن الرومان كانوا يفضلون بناء طرق مستقيمة، لكن التضاريس الوعرة كانت تعرقل أحياناً تحقيق هذا الهدف.

ووثقوا وجود علاقة في العديد من المناطق بين الطرق الرومانية القديمة والطرق السريعة الحديثة.

وشيد الرومان، الذين كانوا بارعين في الهندسة والبناء، طرقا تمتد من ‌صحاري المغرب والجزيرة ‌العربية جنوباً وشرقاً وصولاً إلى اسكوتلندا والمحيط الأطلسي شمالاً ​وغرباً. ‌وربطوا ⁠هذه الطرق ​بالأنهار الصالحة ⁠للملاحة والممرات البحرية لتشكيل شبكة نقل متكاملة.

وقال عالم الآثار القديمة توم بروجمانز من جامعة آرهوس في الدنمارك: «هذه البنية التحتية تعني أن منطقة شاسعة أصبحت أكثر تكاملاً، فقد وفرت منطلقاً بحجم قارة لانتشار الناس والحيوانات والبضائع والأفكار ومسببات الأمراض».

وأضاف بروجمانز، الذي ساعد في إعداد الدراسة التي نشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، أن «الفيالق الرومانية كانت تسير على الطرق للاستجابة للتهديدات وإغاثة زملائها واستعمار أراض جديدة... لكن الطرق نفسها كانت تستخدم في ⁠الغالب للانتقال بشكل متكرر بين المزارع والحقول أو إلى الأسواق المحلية لبيع المنتجات ‌الزراعية».

وتم قياس المسافات البرية من روما انطلاقا من ‌المعلم الذهبي، لكن هل كانت هذه المدينة القديمة الضخمة مركز ​الشبكة حقاً؟

وقال بروجمانز: «هل كل الطرق تؤدي إلى ‌روما؟ ليس بالضرورة».

وأضاف: «تقع روما في موقع مركزي بالنسبة للملاحة البحرية في البحر المتوسط، لكنها ‌ليست مركزية في شبكة الطرق الرومانية بالتحديد. وجدنا أن عواصم الأقاليم كانت تتمتع بمواقع ممتازة على الطرق في أقاليمها، مما يسهل إدارة الأقاليم وجمع الضرائب بفاعلية».

وكانت أنقرة في تركيا ولندن في بريطانيا وكورنث في اليونان بعضاً من هذه العواصم.

وأضاف بروجمانز: «كانت روما نفسها في موقع مركزي على الطرق المقامة على ساحل إيطاليا المطل على ‌بحر طرانة. لكن عندما نظرنا إلى جميع التحركات داخل شبه الجزيرة الإيطالية بأكملها، صدمنا عندما اكتشفنا أن الطريق الأكثر مركزية يتبع في ⁠الواقع ساحل البحر الأدرياتيكي المقابل، ⁠متجاوزاً روما تماماً».

عاصمة جديدة

نقل الإمبراطور قسطنطين العاصمة إلى القسطنطينية في أوائل القرن الرابع الميلادي.

وقال بروجمانز: «كانت هذه العاصمة الجديدة تتمتع بموقع استراتيجي عند ملتقى أوروبا وآسيا، وكشفت أبحاثنا أنها كانت مركزية بشكل غير عادي للسفر البري عبر الإمبراطورية بأكملها، أكثر بكثير من روما».

وأضاف أنها «تقع على مضيق البوسفور، ونعلم أن عبارات كانت تعبر هذا المضيق في العصور القديمة، مما ربط حركة المرور البرية الأوروبية والآسيوية بشكل فعال».

وساهمت هذه الطرق القديمة في تنظيم التفاعلات بين مئات الملايين من الناس لأكثر من ألفي عام بسبب استمرار استخدام عدد منها لفترة طويلة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في سنة 476 ميلادية وسقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والتي تسمى أيضاً الإمبراطورية البيزنطية، عام 1453.

ويقتفي العديد من الطرق السريعة الحديثة أثر تلك القديمة.

وأفاد بروجمانز: «من الأمثلة الرائعة على ذلك طريق ​فيا أوجوستا، الذي يمتد من قادس في جنوب ​إسبانيا إلى جبال البرانس. ويمر الطريق تحت قوس نصر اسمه قوس بيرا بين تاراجونا وبرشلونة، حيث يمكنك أن ترى بوضوح أنه يسير في نفس مسار الطريق السريع الحديث (إن-340)».

اقرأ أيضاً


مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
TT

مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)

جددت واقعة توقيف أحد الأشخاص بمحافظة المنيا (جنوب مصر) وبحوزته 151 قطعة أثرية تعود للعصور المصرية القديمة والعصرين اليوناني والروماني من نتاج التنقيب غير المشروع، قضايا «التجارة المحرمة» في الآثار والمجرمة قانونا.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية عن استمرار جهود أجهزة مكافحة جرائم حيازة القطع الأثرية والاتجار بها حفاظاً على ثروات البلاد وتراثها القومي، وفي هذا الإطار أكدت معلومات وتحريات قطاع شرطة السياحة والآثار قيام أحد العناصر الإجرامية بمحافظة المنيا بحيازة قطع أثرية بقصد الاتجار بها.

ووفق بيان للوزارة «عقب تقنين الإجراءات أمكن ضبطه بدائرة مركز شرطة المنيا، وضُبط بحوزته (151) قطعة أثرية متنوعة (2 تابوت أثرى – 37 تمثالاً من الحجر الجيري والبرونزي والفيانس – قاعدة تمثال – تميمة – 3 أوانٍ – قنينة من الفخار –97 عملة معدنية - عدد من القطع الأثرية المتنوعة)، وبمواجهته اعترف بأن القطع الأثرية المضبوطة نتاج أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع عن الآثار بإحدى المناطق الجبلية بدائرة مركز شرطة أبو قرقاص، وحيازته لها بقصد الإتجار، وبعرض المضبوطات على الجهات المعنية أفادت بأن القطع المضبوطة جميعها أثرية تعود للعصور الفرعونية واليونانية والرومانية».

ضبط شخص بحوزته قطع أثرية في المنيا (وزارة الداخلية)

وكانت أجهزة المن قد ضبطت من قبل العديد من الحالات المشابهة من بينها ضبط شخص بحوزته 277 قطعة أثرية بالمنيا في أبريل (نيسان) الماضي، وضبط 9 أشخاص بحوزتهم 118 قطعة أثرية تماثيل وقطع متنوعة في محافظة القاهرة، خلال أغسطس (آب) الماضي.

ويجرم القانون المصري تجارة الآثار والتنقيب غير المشروع عنها، ويحدد القانون 117 لسنة 1983 اختصاصات ومسؤوليات التنقيب باعتبار المسؤول عنها المجلس الأعلى للآثار، وبخلاف ذلك تصل عقوبات التنقيب غير المشروع عن الآثار والاتجار بها إلى السجن المؤبد وغرامة 5 ملايين جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً).

من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن «هناك حالة من الهوس لدى البعض من الشعب المصري للحلم بالثراء السريع عبر التنقيب غير المشروع عن الآثار؛ ما يتطلب تحرك الدولة سريعاً في اتخاذ بعض الإجراءات لوقف عمليات التنقيب والحفر خلسة عن الآثار، بتشديد العقوبات، والعمل سريعاً على تسجيل الأماكن الأثرية بالكامل، وزيادة الحراسة المشددة على المواقع والمناطق الأثرية، وعمل دوريات أمنية للحد من انتشار هذه الظاهرة، حيث إنه يعد إهداراً لتاريخ وحضارة المصريين والآثار المصرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر «يتطلب تعديلات جديدة بقانون حماية الآثار، تتضمن تأمين من يقوم بالإبلاغ عن أعمال الحفر خلسة، ومكافآت مالية كبرى».

وأشار إلى أن «هناك خطورة كبيرة على الآثار التي تنتج عن الحفر خلسة، وتعد كارثة بكل المقاييس، فهذه الآثار تهرب وتباع في المزادات العلنية بالخارج، وليس لنا أي حقوق في عودتها؛ لأنها غير مسجلة، ولا نملك دليلاً على خروجها بطريقة غير شرعية، ومن العجيب أنه حين يتم اكتشاف آثار مصرية بالخارج مهربة، يطلب الجانب الأجنبي إثبات أن هذه الآثار مصرية، وحين ترد مصر بأنها آثار مصرية، ولكنها غير مسجلة يعدها الجانب الأجنبي مسوغاً له لبيع هذه الآثار في المزادات».


مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
TT

مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)

«ضع الغناء والموسيقى أمامك، وألقِ كل شرّ خلفك، وتذكّر الأفراح، حتى يأتي يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت»، بهذه الجملة المنحوتة على جدار مقبرة مصرية قديمة في الأقصر، بدأ الموسيقار المصري راجح داوود كلمته احتفالاً باليوم المصري للموسيقى، الذي يواكب ذكرى رحيل «فنان الشعب» سيد درويش (رحل في 15 سبتمبر «أيلول» 1923) أحد أهم رموز التجديد في الموسيقى.

واستشهد داوود بكلمات لكبار فلاسفة العالم، من بينهم شوبنهاور: «كل الفنون تطمح إلى أن تكون موسيقى». ونيتشه: «من دون الموسيقى، ستكون الحياة خطأ»، وهانس كريستيان أندرسن: «حين تعجز الكلمات، تتكلم الموسيقى».

وقال الموسيقار المصري إن الموسيقى لم تكن ترفاً لدى المصري القديم، بل جزءاً من حياته وحضارته. فكانت الموسيقى حاضرة في العمل والاحتفال والطقوس وسائر المناسبات، بل كانت الموسيقى دائماً على اتصال بإيقاع الحياة نفسها.

وأضاف أنه «بينما عرف المصريون القدماء الآلات الموسيقية، وصوروا العازفين والمغنين والراقصين على جدران المعابد والمقابر، يأتي اليوم دورنا، بكل ما أوتينا من أدوات تكنولوجية واتصالات عابرة للبحار والقارات، لإحياء تلك الصور والمدونات إلى موسيقى تصدح بها أرجاء الكون».

وأكد داوود أن «سيد درويش كان نقطة تحول من عالم الصالونات والنخب إلى العامل والفلاح والجندي والشارع، ليكمل الطريق بعده القصبجي وزكريا أحمد وعبد الوهاب والسنباطي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي ومحمد فوزي ومحمد الموجي في جسر متنوع ومختلف في قوالبه وهيئته وأطيافه الموسيقية».

وشاركت قطاعات وهيئات وزارة الثقافة بعدد من الفعاليات للاحتفاء بهذه المناسبة بالقاهرة وكافة المحافظات المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية.

تمثال سيد درويش في أوبرا الإسكندرية (فيسبوك)

وقال المخرج عادل حسان، رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، إن برنامج وزارة الثقافة للاحتفال باليوم يتضمن برنامج الهيئة العامة لقصور الثقافة، وبه عدد من الحفلات الموسيقية من خلال الفرق الفنية التابعة للهيئة بمحافظات مصر، أبرزها: فرقة القاهرة للموسيقى العربية، كورال مركز الجيزة الثقافي، بجانب فرق الموسيقى العربية المتنوعة.

ويعقد المجلس الأعلى للثقافة جلسة تثقيفية بعنوان «قبل الستارة... سيد درويش وصناعة الأوبريت» بإدارة الدكتورة حنان أبو المجد، أستاذ التاريخ والتحليل الموسيقى، وعميد المعهد العالي للموسيقى «الكونسيرفتوار».

وشارك قطاع الفنون التشكيلية بإقامة ورشة رسم لنخبة من كبار الفنانين التشكيليين بحارة سيد درويش بكوم الدكة بالإسكندرية خلال الفترة من 7 سبتمبر حتى 13 سبتمبر، وكذلك بقاعة «ممر 35» يوم 21 سبتمبر. ويشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بتقديم عرض خاص للفرقة القومية للموسيقى الشعبية بقاعة صلاح جاهين، بينما تشارك أكاديمية الفنون برئاسة الدكتورة نبيلة حسن؛ بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية بقيادة المايسترو محمد عبد الستار.

كما ستشارك الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية في الاحتفالية بندوة بعنوان «اليوم المصري للموسيقى»، ويصاحب الندوة معرض توثيقي عن فنان الشعب سيد درويش، يضم مجموعة من الصور والمواد التوثيقية التي تستعرض مسيرته الفنية وإسهاماته البارزة في تاريخ الموسيقى والغناء المصري.

ومن المقرر إقامة احتفال كبير على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، سوف يشهد تكريم 5 من رموز الموسيقى والغناء المصري، تقديراً لإسهاماتهم الفنية في تاريخ الموسيقى المصرية، وهم «الموسيقار صلاح الشرنوبي، والفنانة عايدة الأيوبي، والدكتور ناير ناجي، والدكتور خيري الملط، والفنان والملحن عهدي شاكر»، وتُقدم خلاله الفرقة الموسيقية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية مختارات غنائية تمثل تاريخ وتراث الموسيقى المصرية.

أمسية تستدعي تراث سيد درويش (وزارة الثقافة)

ويستعيد قصر الأمير بشتاك «بيت الغناء العربي» بشارع المعز لدين الله الفاطمي، التابع لصندوق التنمية الثقافية، تجربة الموسيقار سيد درويش، من خلال أمسية فنية بعنوان «فنان الشعب... سيد درويش»، بمناسبة الذكرى الثالثة بعد المائة لوفاته.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن «تخصيص يوم للموسيقى في ذكرى سيد درويش يأتي في إطار إحياء مصر لرموزها، فسيد درويش معروف أنه واحد من أهم المجددين في الموسيقى المصرية والعربية بشكل عام، فقد غيّر شكل الأغنية في مصر، أخذ من الشارع والحقول حتى مجتمع الصيادين والموظفين وغيرهم من فئات الشعب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «إحياء ذكراه وتخصيص يوم للموسيقى بالتزامن مع هذه الذكرى أمر مهم جداً، ومن المهم الحفاظ على هذا الطقس وإحياء ذكراه بهذا الشكل كل عام، ويتم تعريف الأجيال الجديدة به، ويكفي أنه الفنان الوحيد الذي تغنت فيروز بإحدى أغانيه، وأتمنى أن يكون الاحتفال أكبر كل عام، ويساهم دائماً في استعادة تراث سيد درويش».

ولد سيد درويش في 17 مارس (آذار) عام 1892 بحي كوم الدكة بالإسكندرية، وسافر إلى القاهرة عام 1917 وشارك في ثورة 1919 وقدّم أغنية «قوم يا مصري» التي تعدّ رمزاً للنهضة المصرية، كما لحّن ما يقرب من 20 مسرحية، من بينها «فشر» و«قولوا له»، و«العشرة الطيبة» و«الهلال» و«كليوباترا»، كما لحّن العديد من الأدوار و التواشيح، ومن أهم أعماله وأبرزها نشيد «بلادي بلادي» الذي أخذ عنه السلام الوطني لمصر.