الحكومة اللبنانية تترنح... ولا تسقط

أمام سعي بعضها لتطبيع العلاقات مع الأسد

الحكومة اللبنانية تترنح... ولا تسقط
TT

الحكومة اللبنانية تترنح... ولا تسقط

الحكومة اللبنانية تترنح... ولا تسقط

لم تواجه الحكومة اللبنانية التي تشكلت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نتيجة تسوية سياسية كبرى أتت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وبسعد الحريري رئيسا لمجلس الوزراء، طوال الأشهر التسعة الماضية تحديات كالتي تواجهها في المرحلة الراهنة، سواءً على الصعيد السياسي أو الاقتصادي - الاجتماعي، ما جعلها أكثر من مرة في دائرة الخطر، وإن كان تقاطع مصالح القوى المشاركة فيها يجنبها حتى الآن السقوط، فإنه لا يجنبها لا الاهتزاز.
وبينما تنكب الحكومة حالياً على اجتياز مطبّ سلسلة الرتب والرواتب التي تحوّلت قانوناً ينال بموجبه موظفو القطاع العام زيادة على رواتبهم، على وقع الإضرابات والاعتصامات في الشارع - بعد إسقاط المجلس الدستوري قانون الضرائب الذي كان يشكل الرافد المالي الوحيد لدفع تكاليف السلسلة التي تقدّر بنحو 800 مليون دولار أميركي - يبدو أنّها تتفادى الغوص بملف «تطبيع» العلاقات مع النظام السوري، الذي ترى بعض الجهات أنه بات مفروضاً عليها بإطار سياسة «الأمر الواقع» التي تنتهجها قوى 8 مارس (آذار) من موقع الغلبة.
لم يعد عنوان النقاش والسجال في لبنان هو السير بـ«التطبيع» مع نظام بشار الأسد في سوريا أو عدمه، باعتبار أن تواصل بعض أطراف الحكومة الوفاقية التي يترأسها سعد الحريري مع السلطات والمسؤولين في سوريا تحوّل «أمراً واقعاً» في الأشهر القليلة الماضية، وهو غدا كذلك رغم غياب أي قرار حكومي رسمي في هذا الشأن. بل يتمحور الجهد حول كيفية استيعاب الانقسام الحاد بهذا الخصوص، وتجنيب الحكومة الهشة هزة من العيار الثقيل قد تؤدي لتعطلها... أو حتى سقوطها.
وليس بعيداً عن مطبّي «التطبيع» مع النظام السوري، وسلسلة الرتب والرواتب المشار إليه آنفاً، يلوح مطب ثالث، لا يبدو أقل خطورة من سابقيه، ألا هو الاستحقاق النيابي. وهنا لا مؤشرات مشجعة على الساعة على قدرة الحكومة على اجتيازه بسلام، في ظل الخلافات المستمرة حول تفاصيل تقنية أساسية تؤخر إعطاء الضوء الأخضر لوزارة الداخلية لإطلاق أعمالها التحضيرية. وعلى الرغم من هذه المطبّات وغيرها، تحرص مصادر وزارية على القول إن «هذه الحكومة بأمان رغم الصعوبات التي تجتازها». ويلفت أحد المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «بقاءها مصلحة لكل الأطراف المشاركين فيها دون استثناء، وبالتالي، فالجميع يتجنب أي تغيير أو هزة كبيرة تطيح بها».

مطب السلسلة
يرى المتابعون أن مجلس الوزراء اللبناني بصدد الخروج من أزمة «سلسلة الرتب والرواتب» بأقل الأضرار الممكنة، وذلك بعدما وجه المجلس الدستوري صفعة للقوى السياسية مجتمعة، التي استعجلت إقرار السلسلة من دون ربطها بالموازنة، وأيضاً تعجَّلَت إصدار قانون لتمويلها بفرض مجموعة من الضرائب طالت إلى حد كبير محدودي الدخل ما أثار استياء عارماً في الشارع.
ولقد أخذت الحكومة في الجلستين اللتين عقدتهما نهاية الأسبوع بملاحظات المجلس الدستوري، وأعادت صياغة قانون الضرائب تمهيداً لإقراره مجدداً في المجلس النيابي في ظل دفع رئيس الجمهورية لجعله جزءاً من الموازنة العامة. أما القوى المعتصمة في الشارع فأمكن حتى اللحظة استيعاب نقمتها من خلال اتخاذ قرار بصرف رواتب موظفي القطاع العام والمعلمين هذا الشهر وفق قانون السلسلة، بانتظار أن يسلك قانون الضرائب مجدداً مساره الطبيعي عبر مجلس النواب قبل نهاية الشهر المقبل.

مطب الانتخابات
من ناحية أخرى، أثّر ضغط الشارع وأزمة السلسلة سلباً على النقاش الذي كان مفتوحاً بخصوص الإصلاحات الانتخابية، إذ أخّر هذان العاملان البت بالملف المرجح أن يُفتح بابه مجدداً على مصراعيه في ظل استبعاد تام للسير بمقترح رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وترجيح فرضية حصول الانتخابات في موعدها المحدد في شهر مايو (أيار) المقبل من دون اعتماد إصلاحات أساسية أبرزها البطاقة الممغنطة أو البيومترية. وكان وزير الداخلية نهاد المشنوق حاسماً، عندما أدلى بدلوه أخيراً، مؤكداً أن «الانتخابات النيابية المقبلة ستجرى في موعدها، لكن بالتسجيل المسبق في مكان السكن، لأن الوقت ما عاد يسمح بإنتاج بطاقة ممغنطة ولا هوية بيومترية في الأشهر القليلة المتبقية». وبذا يكون الوزير صاحب الصلاحية قد حسم الجدل المستمر حول موضوع البطاقة، كما وقف في صف الرئيس برّي المتمسك بالتسجيل المسبق للراغبين بالاقتراع في مكان سكنهم وليس في القرية أو البلدة مسقط رأسهم. ويُعارض هذا التوجه بشدة «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) بشدة، إذ يعتبر أن إجبار الناخب على التسجيل المسبق سيؤدي إلى تراجع عدد المقترعين الذين لن يبذلوا - وفق وجهة نظر التيار - جهدا مرتين لضمان اقتراعهم.
هذا، ولئن كان عدد من القوى السياسية اللبنانية ما زال يتخوف من تمديد رابع قد يُقدم عليه مجلس النواب بحجة ضيق الوقت وعدم إتمام الاستعدادات للانتخابات في مايو، تحسم مصادر مقربة من رئيس الجمهورية بأن الانتخابات حاصلة مهما كان الثمن والظروف، لافتة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّه حتى «لو تمت التضحية ببعض الإصلاحات وأبرزها البطاقة البيومترية أو الممغنطة، فإن الأولوية القصوى تبقى لحصول الاستحقاق النيابي في موعده»، وهي تقول إن «الرئيس عون يقوم وسيقوم بكل ما يلزم لوضع المعنيين أمام مسؤولياتهم في هذا المجال».

مطب «التطبيع»
بخلاف مطبّي السلسلة والانتخابات النيابية، واضح تماماً أن المطب الثالث أي مسألة «التطبيع» مع النظام السوري هو الأخطر وجودياً على الحكومة اللبنانية التي لا تزال تتفادى طرحه بوضوح على الطاولة، مفضلة اتباع سياسة «النعامة» بدفن رأسها بالرمال.
وعلى الرغم من أن وزراء الصناعة والزراعة والنقل اللبنانيين (وهم من المحسوبين على قوى 8 آذار المؤيدة لمحور طهران – دمشق) كانوا قد بدأوا «التطبيع» مع النظام السوري من دون الاكتراث بمواقف شركائهم في الحكومة عبر سلسلة زيارات قاموا بها إلى دمشق، فإن اللقاء الذي جمع وزير الخارجية جبران باسيل بوزير خارجية النظام السوري وليد المعلم في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، يتخذ أبعادا مختلفة تماماً. والسبب أن باسيل وزير للخارجية، وبالتالي تعكس مواقفه وخطواته «سياسة لبنان الخارجية». وكانت مصادر واكبت لقاء المعلم - باسيل أكدت أن الاجتماع عُقِد بطلب من الوزير اللبناني الذي أصر على تأكيد أنّه يعقده بصفته الرسمية وليس الشخصية، وعلى التشديد على أن العلاقة قائمة بين لبنان وسوريا رغم ما أصابها في السنوات الست الماضية جراء اندلاع الأزمة السورية.
وفي حين اكتفى باسيل بنشر صورة للقاء الذي جمعه بالمعلم من دون إصدار أي بيان بخصوص فحوى الاجتماع، ذكرت وكالة «سانا» الرسمية السورية أن اللقاء بين المعلم وباسيل بحث العلاقات الثنائية بين «البلدين الشقيقين» بما في ذلك التنسيق والتعاون السياسي والاقتصادي وغير ذلك من المجالات. وأكد المعلم، بحسب «سانا» أنَّ «العلاقات السورية - اللبنانية ثابتة مهما حاول البعض وضع العقبات في طريقها وهذه حقائق التاريخ والجغرافيا». كما تحدث عن التطورات في مجال مكافحة الإرهاب وعملية «آستانة» ومناطق تخفيف التوتر، لافتاً إلى أن سوريا ماضية في مكافحة الإرهاب.
كذلك نقلت الوكالة السورية عن وزير الخارجية اللبنانية تأكيده على «أهمية العلاقات بين البلدين والتنسيق المشترك بينهما في مختلف المجالات»، معتبراً أن «التطورات الإيجابية التي تشهدها الساحة السورية وانتصارات الجيش السوري على الإرهاب ستضطر أولئك الذين يتخذون موقفاً سلبياً من سوريا إلى التراجع عن هذا الموقف والمساهمة في إعادة الإعمار». ويربط «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) - الذي يترأسه باسيل حالياً - انفتاحه على النظام السوري بملف اللاجئين السوريين، ويعتبر أنه لا إمكانية لإعادة نحو مليون ونصف المليون لاجئ مسجلين في لبنان إلى بلدهم في حال لم يجر التواصل المباشر والرسمي مع النظام في سوريا. وحقاً أيد رئيس الجمهورية، الذي أسس «التيار الوطني الحر» وكان يتولّى رئاسته دون تردد عن هذا الموقف حين أعلن وبوضوح أن «لبنان سيبحث مع سوريا مسألة عودة النازحين الذين باتوا يشكلون 50 في المائة من مجمل سكان لبنان، وهناك مشاورات قيد البحث»، معرباً عن اعتقاده في حديث مع مجلة «باري ماتش» الفرنسية خلال زيارته الأخيرة إلى باريس أن «الحرب ستنتهي قريباً في سوريا، ويبقى أن نصل إلى حل سلمي للأزمة». ولم يكتفِ عون بذلك بل أعرب عن اعتقاده بأن «الرئيس السوري بشار الأسد سيبقى، وأن مستقبل سوريا يجب أن يتم بينه وبين شعبه، وأن الحكومة السورية تسعى إلى مصالحة مَن قاتلها، كما أن المصالحة الوطنية تلوح في الأفق». وتابع عون في العاصمة الفرنسية «الحكومة (النظامية) السورية أعادت السيطرة على 82 في المائة من المساحة الجغرافية للدولة السورية، وحتى المعارضون القدامى تصالحوا مع الحكومة».

ذرائع العونيين
وفي الاتجاه نفسه يعتبر الدكتور فريد الخازن، النائب في تكتل «التغيير والإصلاح» (الكتلة البرلمانية للتيار العوني) أن المطروح اليوم «ليس التطبيع مع النظام السوري بل التواصل معه لحل أزمة اللاجئين بعدما كان المجتمع الدولي واضحاً وصريحاً بأن خطته الحالية إبقاؤهم حيث هم، وهو ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترمب من على منبر الأمم المتحدة». ولفت الخازن في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «موقف لبنان من النظام في سوريا لن يُقدم أو يؤخر، إنما ملف اللاجئين بالنسبة لنا له تداعيات كبيرة علينا ويتوجّب حله بأي طريقة، وأحد الخيارات المتاحة أمامنا، سواء أتت بالنتيجة المطلوبة أو لا، التواصل مع النظام في سوريا لإعادتهم».
وكما كان مرتقباً ووجهت مواقف رئيس الجمهورية المؤيدة للانفتاح على نظام دمشق والتنسيق معه، وكذلك مواقف والخطوات التي اتخذها يتخذها الوزير باسيل على مسار التطبيع مع النظام السوري، امتعاضاً كبيراً في الداخل اللبناني. بل إنها، وفق محللين، ضخّت الروح مجدداً بفريقي 8 آذار و14 آذار اللذين كانا قد تفككا إلى حد كبير خلال المرحلة الماضية نتيجة التفاهمات الجديدة التي أدّت لانتخاب عون رئيساً للبلاد. وفي حين تولى الوزير نهاد المشنوق الحملة المضادة الرافضة لـ«التطبيع»، كان لافتاً غياب أي موقف علني أو رسمي للرئيس الحريري. وفي هذا السياق، سمعت «الشرق الأوسط» من مصادر قيادية في تيار «المستقبل»، الذي يرأسه ويرأس كتلته النيابية الرئيس الحريري، أن الأزمة التي خلفها لقاء المعلم - باسيل تم حلها مع الرئيس عون، وأن «الأمور تحت السيطرة».
وللعلم، كان وزير الداخلية المشنوق قد قاطع الزيارة الرسمية التي قام بها أخيراً عون إلى فرنسا، احتجاجاً على اللقاء بين باسيل والمعلم. وعدّ المشنوق هذا اللقاء «اعتداءً سياسياً على موقع رئاسة الحكومة»، معتبراً أنّه «يضرّ التضامن الحكومي ويخالف التسوية السياسية التي قامت عليها الحكومة»، ومنبهاً إلى أن «ما جرى يعبّر عن تحوّل سياسي كبير وليس عن خلاف صغير داخل مجلس الوزراء. ولكن في المقابل، حرص وزير الداخلية أيضاً على الطمأنة إلى أن ما يحصل لا يهدد الوضع الحكومي»، متحدثاً عن «تضعضع في الوضع السياسي، لا في وضع الحكومة». وقال المشنوق موضحاً: «أبرمنا تسوية على ثلاث قواعد: انتخاب رئيس جمهورية، وتشكيل حكومة ائتلافية، واتفاق على النأي بالنفس ضمن البيان الوزاري. والاجتماع (أي لقاء المعلم - باسيل) تجاوز هذا الاتفاق، خصوصاً أنّ رئيس الحكومة يجب أن يكون على اطلاع من الوزراء، لا أن يُفاجأ بالخبر كغيره في وسائل الإعلام، فلسنا موافقين على سياسة المفاجآت»، وتابع مستطرداً: «أي أمر مشابه لهذا الاجتماع يحتاج إلى نقاش وتفاوض سواء داخل الحكومة أو مع فخامة الرئيس».
ولم يُترك المشنوق وحيداً ليخوض المواجهة، إذ انضم إليه وزير الإعلام ملحم الرياشي (من حزب «القوات اللبنانية») الذي أكد رفضه «التواصل مع النظام السوري»، ورأى أن «الكلام التبريري» الذي رافق لقاء باسيل مع نظيره السوري حول ضرورة التفاوض بين البلدين «خارج منطق البيان الوزاري القائم على النأي بالنفس»، ونبّه الرياشي إلى أنه «إذا أراد البعض مخالفة هذا المنطق فحكماً وضع الحكومة سيكون في خطر». لكن وزير الخارجية، المتحصن بدعم رئيس الجمهورية، لم يتأخر بالرد على الوزيرين، إذ قال: «مَن يعتدي على مصلحة لبنان هو من يرفض إخراج النازحين من أرضه». وأضاف مدافعاً عن لقائه بالمعلم: «إننا لن نقوم بأي عمل ضد مصلحة لبنان، وأي لقاء أو اجتماع فردي أو ثنائي أو ثلاثي أو حتى جماعي يجب أن يكون لمصلحة لبنان».

جنبلاط وجعجع
في هذه الأثناء، فضّل النائب وليد جنبلاط فضّل، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، ألا يستفيض بانتقاد لقاء المعلم - باسيل، بل اكتفى بنشر صورة للقاء على صفحته على موقع «تويتر» ذيَّلَها بعبارة ساخرة قال فيها: «بعد غياب طويل عن الشاشة يعود وليد المعلم ويبدو اللقاء مع جبران باسيل كجلسة تحضير أرواح. الله يستر جبران».
أيضاً بدا لافتاً حرص رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على تحاشي التصعيد في هذا الملف، إذ اكتفى بالرد على الربط بين التواصل مع النظام السوري وعودة اللاجئين، قائلاً: «عندما يعلم النازحون السوريون أن عودتهم مرتبطة بالتنسيق مع نظام بشار الأسد، فهم لن يعودوا لأن مَن تسبّب بتهجيرهم أصلاً هو بشار الأسد نفسه». وأردف: «قرار عودة النازحين السوريين قرار سيادي، وعلينا معرفة كيفية العمل لإعادتهم على الطريقة التي عملت بها تركيا».
وبالتزامن مع حرب المواقف، شهد الوضع شن «حرب بيانات»، فنبّهت كتلة «المستقبل»، إلى ما وصفته بـ«المحاولات المتكررة لتوريط لبنان من أجل المضي في توجهات وخطوات للتواصل مع النظام السورية من خارج التفاهم السياسي الوطني». واعتبرت الكتلة أن «هذا الأمر تجلى أخيراً في الخطوة الانفرادية والمتفردة التي أقدم عليها وزير الخارجية جبران باسيل عبر الاجتماع مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم ومن دون الاستحصال المسبق على قرار من الحكومة يخوله بذلك، وحتى من دون التنسيق مع رئيسها». وأشارت إلى أن «هذا التصرف ليس إلا محاولة لاستدراج لبنان لضمه لمحور إيران والنظام السوري تحت ذرائع وحجج مختلفة».
ولم تتأخر كتلة «الوفاء للمقاومة» - أو كتلة ما يُعرف بـ«حزب الله» - في الردّ على بيان «المستقبل» ببيان مضاد بعيد اجتماع الكتلة الأسبوعي، بحيث شددت على أهمية لقاء المعلم - باسيل وعلى «إيجابيته» للبلدين، داعية إلى «عدم الانصياع للضغوطات الدولية التي تؤذي مصالح لبنان». واعتبر عضو الكتلة النائب نواف الموسوي بأن لقاء المعلم - باسيل «يصب في صلب المصالح الوطنية اللبنانية، وبالتالي ينسجم مع السياسة العامة للدولة».
ونبه الموسوي إلى أن «الترهيب السياسي والإعلامي الذي يمارس من بعض النواب والسادة الوزراء بتصوير كل موقف على أنه اعتداء على رئاسة الحكومة، يضر بالوحدة الوطنية، لأننا ننظر إلى العلاقة مع سوريا لا على أساس الانتصار والانكسار، بل على أساس تحقيق المصالح اللبنانية، وعليه فإن التحريض الطائفي ليس عملاً سياسياً بل هو عمل قبيح» حسب تعبيره.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.