منتصف الليل: سليمان إلى منزله.. ولبنان إلى الفراغ

جعجع مستمر في ترشحه.. والجميع في انتظار من يبلغ عون أنه لن يكون رئيسا

الرئيس اللبناني ميشال سليمان وزوجته أثناء توجهه بكلمة الى الصحافيين والعاملين في القصر الرئاسي أمس (دالاتي ونهرا)
الرئيس اللبناني ميشال سليمان وزوجته أثناء توجهه بكلمة الى الصحافيين والعاملين في القصر الرئاسي أمس (دالاتي ونهرا)
TT

منتصف الليل: سليمان إلى منزله.. ولبنان إلى الفراغ

الرئيس اللبناني ميشال سليمان وزوجته أثناء توجهه بكلمة الى الصحافيين والعاملين في القصر الرئاسي أمس (دالاتي ونهرا)
الرئيس اللبناني ميشال سليمان وزوجته أثناء توجهه بكلمة الى الصحافيين والعاملين في القصر الرئاسي أمس (دالاتي ونهرا)

يدخل لبنان منتصف الليلة في «الفراغ الرئاسي» مع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان وعجز البرلمان عن انتخاب رئيس جديد للبلاد، لتنتقل مطالب السفراء، من ضرورة إجراء الانتخابات في مواعيدها وتفادي الشغور إلى «الفراغ غير الطويل».
ويودع الرئيس سليمان اللبنانيين اليوم في كلمة يوجهها إليهم يضمنها أسفه لعدم قدرة البرلمان على انتخاب خليفة له يسلمه مقاليد الرئاسة التي لم يتسلمها بدورها من أحد كونه تسلم مقاليد السلطة من الفراغ عام 2008، ليسلمها إلى الفراغ بعد ستة أعوام، عانى خلالها من تقلبات المواقف السياسية والصراعات بين قطبي البلاد، فريقي «14 آذار» و«8 آذار» الذي يضم «حزب الله» وحلفاءه. وبعد أن قضى نحو ثلث ولايته من دون حكومة فعلية بينها 18 شهرا من دون حكومة، حيث قضى رؤساء الوزراء الأربعة الذين تعاقبوا في ولايته ما مجموعه 18 شهرا يحاولون تأليف حكوماتهم، آخرها ثمانية أشهر لرئيس الحكومة الحالي تمام سلام.
وبعد «العشاء الأخير» الذي أقامه سليمان ليل أمس للوزراء بعد جلسة وداعية عقدت في قصر بعبدا، سيقام له اليوم احتفال تكريمي في قصر بعبدا، يغادر بعده إلى منزله، تاركا البلاد بعهدة مجلس الوزراء الذي تنتقل إليه صلاحيات الرئيس مجتمعة، لكن تأثيرات الشغور في الموقع ستكون نفسية أكثر منها عملانية، كون هذا المنصب يمثل حصة المسيحيين من السلطة وفقا للتقاسم التقليدي للصلاحيات بين الطوائف اللبناني منذ عام 1945.
وكان الفراغ الرئاسي، نتيجة حتمية لتوازن الرعب القائم بين الطرفين، حيث يمتلك فريق «8 آذار» 57 نائبا وفريق «14 آذار» 54، في حين أن هناك كتلة وسطية مؤلفة من 17 نائبا. وبما أن الدستور اللبناني ينص على أن الرئيس يجب أن يحصل على 65 صوتا على الأقل في دورات الاقتراع الثانية وما بعد، فإن نصه على ضرورة تأمين النصاب من قبل ثلثي أعضاء البرلمان جعل الطرفين قادرين على التعطيل، من دون قدرة أي منهما على تأمين الأصوات الـ65.
ويتواجه في هذه الانتخابات مرشحان قويان من الفريقين، أحدهما معلن هو رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، وثانيهما «مضمر» هو العماد ميشال عون، رئيس تكتل الإصلاح والتغيير المتحالف مع «حزب الله» والذي انخرط منذ فترة ليست بالقصيرة في حوار بدأ سريا وانتهى علنيا مع تيار «المستقبل» الذي يرأسه الرئيس الأسبق للحكومة سعد الحريري. ورغم أن الحريري لم يقل «نعم» لترشيح عون، فإنه لم يقل «لا» أيضا، خلافا للانتخابات السابقة التي سقط فيها ترشيح عون نتيجة فيتو من «المستقبل».
وتقول مصادر وزارية لبنانية واسعة الاطلاع، إن «المستقبل» ماض في حواره مع عون بغض النظر عن الانتخابات، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا الحوار الذي أنتج تأليف الحكومة، والتوافق على بيانها الوزاري وإنجازها تعيينات إدارية واسعة «مستمر»، وهو لا يقتصر على ملف الانتخابات ولا يرتبط بها. وإذا أشارت المصادر إلى أن الحريري كان واضحا في حواره مع عون أنه ليس في وارد التخلي عن حلفائه، أو فرض أي أمر عليهم، خصوصا في الانتخابات الرئاسية، قالت إن الحريري حض عون على التحاور مع بقية الأطراف المسيحية، وطالب جعجع بالمثل. وأوضحت أن الحريري الذي لاحظ أن عون أتاه من بعيد جدا (في إشارة إلى تباعد مواقفهما الكبير سابقا) يدرك أن باستطاعته (عون) أن يتحاور مع جعجع، وبقية حلفائه في «14 آذار».
وشدد المصدر على أن الفراغ يجب ألا يعني انفلاتا في الوضع اللبناني أمنيا وسياسيا، مستبعدا قيام عون بالطلب من وزرائه الاستقالة من الحكومة، كما يشاع. ورأى أن الأجواء الإيجابية يجب أن تستمر. وقالت المصادر إنه ليس من واجب الحريري أن يبلغ عون أن الطريق مقفلة أمامه للوصول إلى قصر بعبدا (انتخابه رئيسا) كما يتمنى بعض الزعماء، وبعضهم من الفريق المتحالف مع عون، مشيرة إلى أن الفراغ مستمر إلى أن يقتنع الفريق الآخر بتقديم مرشح مقبول من الجميع. وأوضحت أن رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع لا يزال مرشح قوى «14 آذار» على رغم الفراغ المتوقع في منصب الرئيس، وأنه مستمر في ترشيحه، ولن ينسحب إلا إذا انسحب عون.
وأشارت المصادر إلى أن باستطاعة عون أن يتحول من مرشح إلى ناخب، مما قد يجعل الفراغ طويلا بانتظار اتخاذه قرار بهذا الشأن، وذلك نتيجة التزام حلفائه بمواقفه، وعدم قيامهم بقرارات رئاسية من دونه.
وفي ما يشبه التسليم بالفراغ، زار السفير البريطاني توم فليتشر أمس رئيس البرلمان نبيه بري، عادا أن «الوقت يمر بسرعة على البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية في المهلة الدستورية»، موضحا أن «دورنا ودور المجتمع الدولي هو إزالة العقبات للقيام باتفاق حول الرئاسة داخل لبنان ومن قبل اللبنانيين، وهذا ما حاولنا القيام به، ونحن نؤمن بأن اللبنانيين هم الذين يختارون رئيسهم ونحن نريد شريكا هنا لكي نعمل معه لدعم الأمن والعدالة وتحقيق الفرص للبنانيين». ورأى أنه «على جميع القيادات اللبنانية المسؤولية لإيجاد طرق للعمل سويا من أجل تفادي فراغ طويل»، مشددا على أن «مصلحة الوطن يجب أن تكون أولا. وإن دورنا يبقى لدعم هذه الجهود في تأمين استمرار الاستقرار والجهود الإنسانية». وقال: «إذا مر يوم الأحد الأخير ستكون هناك نكسة للبنان، ولكل الذين يدعمون لبنان، ولكنه لن يكون إخفاقا للشعب اللبناني نفسه وسيبقى يحظى بدعمنا وتضامننا الكاملين».
ودعا حزب الكتائب اللبنانية «نواب الأمة إلى التقاط الساعات الباقية لانتخاب رئيس للجمهورية لأن شغور منصب الرئاسة، عدا عن أنه يعطل دور مكون تأسيسي للكيان والدولة، فإنه يهدد وحدة لبنان لكون رئيس الجمهورية يجسد رمزها. ولا يجوز بالتالي التكيف مع حالة الشغور خوفا من ارتدادات خطيرة على المعادلة الميثاقية والوطن بحد ذاته».
وتوجه الحزب إلى «الشعب اللبناني لحض النواب المقاطعين على القيام بواجبهم المقدس، ولا سيما المسيحيين منهم، فيحضرون إلى المجلس النيابي، ويؤمنون النصاب وينتخبون رئيسا جديدا، وإلا فلا بد للرأي العام من أن يستنهض هممه ابتداء من 25 (أيار) لخلق حالة ضاغطة على كل المعنيين بهذا الاستحقاق الأسمى وإنقاذ الجمهورية».
ودعا إلى «احترام البنود الدستورية التي تجعل المجلس النيابي هيئة انتخابية لا تشريعية، إلى حين انتخاب رئيس للجمهورية، وذلك حسب نص المواد 73، 74 و75 من الدستور. وفي نفس السياق، وتأكيدا لاحترام البنود الدستورية والروح الميثاقية، على الحكومة أن تقوم بدورها في حال الشغور في منصب السلطة التنفيذية، وأن تقوم كذلك بمهام رئاسة الجمهورية، وكالة لا أصالة، لتسريع حصول انتخابات الرئيس».
ودعا وزير الصحة وائل أبو فاعور المقرب من النائب وليد جنبلاط إلى «التوافق على شخصية لرئاسة الجمهورية»، وقال: «نحن كفريق سياسي دعونا وسعينا للوصول إلى الاستحقاق الرئاسي ليكون محطة إلى الوفاق وليس إلى الانشقاق، وللتفاهم وليس للخلاف»، مؤكدا أن «الشغور في رئاسة الجمهورية لا يطال المسيحيين فحسب، بل ينال ويصيب كل الوطن والمؤسسات الدستورية، لذلك آن الأوان لبعض الصراحة وبعض الصدق، ولسلوك خيار الوفاق».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.