المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث

مع تفاقم محنتهم العرقية ـ الدينية في ميانمار

المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث
TT

المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث

المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث

أثارت صور أعمال العنف المرتكبة بحق أقلية المسلمين الروهينغا في ميانمار – بورما سابقاً – على أيدي متعصبين من الغالبية البوذية، قلق العالم المتحضر خلال الأيام الماضية، ولا سيما صور مئات من المسلمين جرت تصفيتهم بوحشية. وكانت الجولة الأحدث من العنف المندلع خلال الأيام الفائتة قد تسببت في تهجير عشرات الألوف وتشريدهم، وإجبارهم على البحث عن ملاذات آمنة في المناطق الحدودية الغربية لميانمار مع بنغلاديش.
ولقد بيّنت صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية حللتها منظمة «هيومن رايتس واتش» المهتمة بمسائل حقوق الإنسان، آلاف الأبنية المدمرة إبان موجة العنف والقصف. وتجدر الإشارة إلى تبادل تهم بين قوات الأمن الميانمارية من جهة والمسلحين من أقلية الروهينغا المسلمين من جهة أخرى، بإحراق القرى وارتكاب مجازر بحق المدنيين.

«في هذه اللحظة تشتعل الحرائق في القرى، ويتعرض الناس للقتل، فيفرون للنجاة بأرواحهم. ما يهمني قوله: إنني مصدوم، وحتى بعض الناجين منهارون نفسياً بعد تجاربهم ومشاهداتهم المريرة».
هذا ما قاله ماثيو سميث، أحدد مؤسسي منظمة «فورتيفاي رايتس» المهتمة بحقوق الإنسان، أمام وسائل، خلال رصده أعمال العنف والقتل.
ولكن في حين تدّعي السلطات الحكومية الميانمارية أن قواتها الأمنية إنما تتعامل مع «إرهابيين» يشنّون اعتداءات مسلحة في إقليم راخين (أراكان)، وتزعم التقارير الصادرة عنها أن نحو 450 شخصاً قتلوا منذ يوم 25 أغسطس (آب) الفائت، فإن ناشطي حقوق الإنسان في أوساط الروهينغا يؤكدون أن ما لا يقل عن 1000 قتيل، جلهم من المدنيين العزّل، سقطوا برصاص القوات الحكومية.
السلطات الحكومية، من جانبها، تحمّل تنظيم «جيش إنقاذ الروهينغا في أراكان»، وهو جماعة مسلمة ثائرة على النظام الحاكم في يانغون (عاصمة ميانمار)، المسؤولية في شنّ هجمات منظمة ضد نقاط تفتيش عسكرية، وحرق منازل وقتل مواطنين من غير المسلمين في إقليم راخين (الاسم الرسمي لأراكان). ومن ثم تبرّر حملتها بأن الجيش «ردّ بتنفيذ عمليات تطهير» زاعمة أن أكثر الضحايا من العسكريين. أما الثوار المسلمون فيدافعون عن أنفسهم بالقول إنهم هاجموا نقاط تفتيش شبه عسكرية في ميانمار فقط بهدف حماية المدنيين من الأقلية المسلمة من الاضطهاد.

اللاجئون وقصصهم المُروعة
في أي حال، أدى تجدّد أعمال العنف إلى نزوح أعداد ضخمة من الروهينغا المسلمين من ميانمار التي يهيمن عليها ويشكل غالبيتها البوذيون. وتسببت أعمال العنف المتجددة خلال أسبوعين فقط في مغادرة نحو 125 ألفا من أبناء الأقلية الروهينغية المسلمة أرضهم، وذلك بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة يوم 5 سبتمبر (أيلول). ووفق التقارير عبر الروهينغا الحدود من ميانمار إلى بنغلاديش وهم لا يحملون معهم سوى القليل من الملابس على ظهورهم، وفي جعبتهم بعض القصص عن حالات اغتصاب وقتل ونهب ممنهجة تعرضوا لها.
تقرير إعلامي نشر في «بنغلاديش ستار» نقل عن محمد حسين، الذي يقع منزله في الجهة المقابلة لقناة تومبرو، التي تفصل بنغلاديش عن ميانمار، والتي أقام الروهينغا ملاجئ مؤقتة لهم على ضفافها، قوله إن اللاجئين الروهينغا عبروا القناة بعدما طلب حرس الحدود البنغلاديشيون منهم العبور، والحصول على بعض مياه الشرب والطعام والدواء ثم العودة. غير أن وصول هؤلاء إلى الحدود أثار مخاوف من حدوث كارثة إنسانية جديدة. إذ ينام كثيرون منهم في العراء، وهم في أمسّ الحاجة إلى الطعام والماء بعد السير لأيام من أجل الوصول إلى بر الأمان.
وحسب كلام فيفيان تان، المتحدثة باسم وكالة الأمم المتحدة للاجئين: «نحن نرى كثرة من النسوة والأطفال، ومنهم أطفال حديثو الولادة، تعرضوا إلى كل ما حدث لأيام طويلة، فأصيبوا بضعف شديد، وباتوا بحاجة إلى رعاية طبية. إن الأعداد مفزعة حقاً... وهي في ازدياد».
وفي المقابل، اتخذت سلطات بنغلاديش موقفاً حازماً تجاه اللاجئين من الروهينغا، في محاولة للحد من دخولهم إلى البلاد، نظراً لاكتظاظ مخيمات اللاجئين بالفعل. فلقد وصل عدد اللاجئين من الروهينغا قبل الأزمة الأخيرة إلى 400 ألف. وباشرت بنغلاديش فعلاً في منع اللاجئين من عبور الحدود من خلال زيادة عدد دوريات الحدود، ثم إعادة بعض الذين حاولوا العبور إلى ميانمار. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بنغلاديش ظلّت لأكثر من 30 سنة وجهة مئات الآلاف من الروهينغا من طالبي اللجوء. وأخيراً عثر مسؤولون في بنغلاديش على جثث نحو 42 من الروهينغا، أكثرهم من النساء والأطفال غرقوا بسبب زيادة حمولة القوارب أثناء رحلة العبور، بحسب ما صرح أفروز الحق تتل، نائب قائد شرطة مدينة كوكسز بازار.
وحسب رواية سيدة من الروهينغا اسمها ديلارا، تبلغ من العمر 20 سنة، لوكالة حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة التي أصدرت تقديرات لأعداد اللاجئين، قالت ديلارا: «قُتل زوجي رمياً بالرصاص في القرية، فاضطررت للهرب مع ابني وأشقاء زوجي». ونجحت ديلارا في الوصول إلى بنغلاديش مع ابنها الصغير بعد مسيرة طويلة استغرقت ثلاثة أيام، وكانت تختبئ بين الحين والآخر للإفلات من قوات الأمن الميانمارية، موضحة عن رحلتها: «لم أكن أعرف أين أنا؛ فكل ما كنت أعرفه أن عليّ الركض لإنقاذ حياتي».

من هم الروهينغا؟
يقدّر عدد الروهينغا بنحو 1.1 مليون نسمة. وهؤلاء أقلية عرقية تعيش في ميانمار - التي كانت تعرف في الماضي باسم بورما - منذ قرون، وتحديداً في ولاية راخين (أراكان) الواقعة في غرب البلاد، وتعد من أفقر الولايات التي تتكون منها. ومن جهة أخرى، كانت ولاية راخين يوماً ما منطقة خاضعة للاحتلال البريطاني من 1842 حتى 1948؛ إلا أنها صارت فيما بعد «ساحة معارك» خلال الحرب العالمية الثانية.
ولقد خاض الحركيون البوذيون والمسلمون صراعاً داخلياً مسلحاً في راخين، بسبب ولاء الحركيين البوذيين لليابانيين، والحركيين المسلمين للبريطانيين. وبدا هذا الانقسام واضحاً وجلياً بعد حقبة الاستعمار في البلاد، التي جرى تغيير اسمها عام 1989 من بورما إلى ميانمار.
هذا، وسعت القوى المحلية، التي كثيراً ما يطلق عليها اسم «المجاهدون»، إلى ضمّ ولاية راخين إلى ما كان في يوم من الأيام – بعد 1947 – إقليم باكستان الشرقية (من دولة باكستان)، وأصبحت الآن بنغلاديش. غير أن محمد علي جنّه (جناح)، الزعيم التاريخي المؤسس لباكستان، رفض فكرة الضم. وأدى ذلك في نهاية الأمر إلى تحوّل المنطقة إلى «ولاية إسلامية» تتمتع بحكم شبه ذاتي فيما يسمى حالياً ميانمار. لكن هذه الخطوة لم تنجح في تحقيق الأمن، بل لم يجرِ الاعتراف رسمياً بالأقلية الروهينغية من بين 135 أقلية عرقية معترف بها في ميانمار. ومن ثم، اعتبرت هذه الأقلية العرقية المفتقرة إلى وطن قومي، مجموعة من «المهاجرين غير الشرعيين»، ولم تلبث أن منعتهم الدولة من الحصول على الجنسية طبقاً لقانون الجنسية الجديد، الذي وضعه الديكتاتور السابق ني وين عام 1982.

التضامن مع الروهينغا
كردّ فعل تجاه ذلك الوضع، شكّلت مجموعة ثائرة أخرى تحت اسم «منظمة التضامن مع الروهينغا» عام 1982. وأسّست بعد ذلك بأربع سنوات «الجبهة الإسلامية للروهينغا في أراكان (راخين)». طالبت هذه «الجبهة» الأمم المتحدة بمنح الروهينغا الجنسية، وحقوق المواطنة الكاملة، وضمان حصولهم على كل الخدمات. غير أن حكومة ميانمار ظلت تعتبر الروهينغا مهاجرين غير شرعيين أتوا من بنغلاديش. وراهناً تعترض سلطات ميانمار على استخدام مصطلح «الروهينغا» في أي قرار صادر عن الأمم المتحدة، خوفاً من الاعتراف السياسي بهم، وتزعم أن هذا «يعقّد معالجة الحكومة» للقضية. كذلك، تدّعي هذه السلطات أنها مستعدة لمنح الجنسية وحقوق المواطنة إلى المسلمين الروهينغا، ولكن بشرط أن يعترفوا بأنهم بنغاليون، وهو مصطلح تعترض عليه أقلية الروهينغا تماماً.
والواقع أن الغالبية البوذية في ميانمار متهمة منذ فترة غير قصيرة بممارسة التمييز والعنف ضد أقلية الروهينغا. ولقد أشعل التوتر الطويل الأمد بين الروهينغا والبوذيين في غرب البلاد أعمال شغب دموية عام 2012، أسفرت عن مقتل كثيرين، وأجبرت عشرات الآلاف من الروهينغا على الفرار واللجوء إلى كل من بنغلاديش وماليزيا وتايلاند والهند وإندونيسيا.
والواضح أن المكوّنات العرقية الأساسية في ميانمار – وجلها يدين بالبوذية – تعتقد أن الروهينغا المسلمين يمثلون خطراً ديموغرافياً وثقافياً على هوية البلاد، أي، بعبارة أخرى، تشعر الأكثرية بتهديد الأقلية لها.

المنظمات الدولية متهمة
ما يستحق الإشارة أن مكتب الرئيسة (المستشارة) أونغ سان سو تشي، اتهم خلال الأسبوع الماضي العاملين الدوليين في مجال المساعدات بدعم «الإرهابيين». وكان معظم هؤلاء العاملين قد غادروا راخين بعد صدور تصريح للحكومة ادعت فيه أنها «عثرت على موارد من منظمات إغاثة دولية، من بينها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، خلال مداهمات لمواقع لمقاتلين من الروهينغا». ومن جهته، وصف سكوت مارسييل، السفير الأميركي لدى ميانمار، المزاعم بأن المنظمات المساعدة تدعم الروهينغا بالـ«سخيفة». في حين دافع الجيش الميانماري عما فرضه من قيود على المساعدات الدولية، بحجة أن الموارد قد وصلت إلى مواقع المسلحين، ما يشير إلى تقديم الدعم لهم، وهي مزاعم نفتها منظمة العفو الدولية بشكل صريح. ومن ناحية ثانية، قالت تيرانا حسن، مديرة الاستجابة للأزمة في المنظمة: «اتهام المؤسسات الإنسانية الدولية بدعم الأطراف المسلحة في راخين تصرّف غير مسؤول ويتسم بالتهور. يجب أن تتوقف سلطات ميانمار عن الترويج لتلك المعلومات المغلوطة، ونشر اتهامات لا أساس لها من الصحة». أما أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، فعلّق عن الوضع قائلا: «إننا نواجه خطر التطهير الفئوي، وآمل ألا نصل إلى هذه النقطة».

دور لكوفي أنان
على صعيد آخر، من اللافت أن كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وصل إلى ميانمار لتمثيل تقرير يتضمن توصيات اللجنة الاستشارية بشأن ولاية راخين، من أجل التوصل إلى سلام ومصالحة في تلك الولاية، مع أن سلسلة من الهجمات المميتة كانت قد ألقت بظلالها على وصوله. أنان يترأس اللجنة، التي تتكون من تسعة أعضاء تم تعيينهم من جانب المستشارة الميانمارية أونغ سان سو تشي قبل سنة، من أجل التوصل إلى حل للصراع الديني الذي يدمّر الولاية منذ سنوات كثيرة. وقدمت اللجنة توصيات في تقرير يقع في 63 صفحة بعنوان «نحو مستقبل يعمّه السلام والرخاء من أجل شعب راخين».
وذكر تقرير أنان أن رفع القيود في راخين ومنح المسلمين الروهينغا المواطنة، يمكن أن يساعد في تفادي التطرف وإحلال السلام في المنطقة. وأثنت بعض المؤسسات الحقوقية على التقرير باعتباره مهماً بالنسبة إلى الروهينغا المضطهدين؛ خاصة في ضوء تعهد حكومة ميانمار في السابق بالالتزام بنتائج اللجنة.
ومن جانب آخر، أشار التقرير إلى أن على الحكومة الحفاظ على علاقات ثنائية قوية مع بنغلاديش، من أجل مواجهة التحديات في راخين. وحذّرت اللجنة من احتمال أن يؤدي الإحجام عن تنفيذ التوصيات إلى مزيد من التطرف وأعمال العنف. كذلك دعت لجنة راخين إلى «تحقيق مستقل غير متحيّز» في الحقائق الموجودة على الأرض، من أجل ضمان مساءلة مرتكبي تلك الانتهاكات.
مع ذلك، اعترض البوذيون الراخينيون على أن تضم اللجنة كلاً من كوفي أنان، والدكتور غسان سلامة الوزير اللبناني السابق (والوسيط الحالي في ليبيا)، وليتيشيا فان دن أسوم المستشارة الخاصة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إذ اتهموهم بأنهم يدعمون المسلمين.

صمت أونغ سان سو تشي
تفاقم أزمة الروهينغا التي عرقلت فعلياً عملية تحوّل ميانمار إلى نظام ديمقراطي، عرّضت ميانمار لانتقادات حادة لاذعة على المستوى العالمي، كما شوّهت هالة أونغ سان سو تشي، الزعيمة الأسطورة الحائزة على جائزة نوبل، والتي تعد الزعيمة المدنية الفعلية للبلاد.
سو تشي، التي خاضت صراعاً شجاعاً امتد لعقود من أجل إرساء الديمقراطية في ميانمار، أخذ عليها كثيرون على امتداد العالم لزومها الصمت رغم أنهار الدماء التي تراق. ومما يسجله عليها المنتقدون تقاعسها في الدفاع عن الروهينغا، في حين يدافع عنها مؤيدوها بالقول إنها مكبلة الأيدي لكون الجيش الذي لا يزال في موضع القوة هو الحاكم الفعلي للبلاد منذ نحو نصف قرن.
منظمات حقوق الإنسان، بالذات، ومن بينها «هيومن رايتس ووتش»، ترى في سياق انتقادها أن صمت سو تشي تجاه قضية الروهينغا غير مبرّر؛ بل هو خاطئ تماماً. وهو الأمر الذي يرد عليه مناصروها بالزعم أنها «مكبّلة سياسياً»، وأنه نظراً لأن شؤون الولاية (راخين) تحتاج إلى موافقة من الجيش فهي لا تستطيع أن تحرك ساكناً. وفي هذا الإطار أوضح تريديفيش سينغ مايني، الخبير الهندي في العلاقات مع ميانمار، أن المستشارة الميانمارية «تواجه معضلة، فهي معروفة على المستوى الدولي كمناضلة في مجال حقوق الإنسان؛ لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تخسر دعم الأكثرية البوذية بإعلانها دعمها للروهينغا». وأضاف: «... سيكون الوضع معقداً للغاية».
وكأن كل هذا لا يكفي، وفي خضم كل ما يحدث، زار ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي (وهو هندوسي قومي محافظ ومتشدّد)، ميانمار بعد حضوره قمة مجموعة «البريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) في الصين، وأدلى بدلوه في المسألة التي توتر الأوضاع في ميانمار وحدودها الغربية. وبعدما كانت الهند قد أعربت أخيراً عن رغبتها في ترحيل 40 ألفاً من اللاجئين الروهينغا الذين فروا إليها من ميانمار خلال السنوات الماضية، قال مودي - المعروف بسلبيته الشعبوية الشديدة من المسلمين -: «أعتقد أن الوقت قد حان للخروج (خروج الهند) من هذا الموضع».
ومعروف أنه انتشرت المشاعر التضامنية مع الروهينغا في كثير من المناطق ذات الغالبيات المسلمة على امتداد العالم الذين تشغلهم الأمور التي تحدث في ميانمار. ووفق وسائل الإعلام العالمية، نظمت مظاهرات في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، احتجاجاً على ما يتعرّض له الروهينغا من قهر.

- محطات في تاريخهم
> القرن الثامن: عاش الروهينغا، الذين تعود أصولهم إلى جنوب آسيا، في مملكة مستقلة بمنطقة أراكان التي تعرف حالياً باسم ولاية راخين في ميانمار.
> من القرن التاسع إلى الرابع عشر: اتصل الروهينغا بتجار عرب واعتنق كثيرون منهم الإسلام. وبعدها ازدهرت العلاقات الاقتصادية والثقافية بين منطقتي أراكان والبنغال.
> 1784: غزا بوداوابايا، ملك بورما، منطقة أراكان، ففر مئات الآلاف من سكانها لاجئين إلى البنغال.
> 1790: أرسلت السلطات البريطانية الدبلوماسي هايرام كوكس لمساعدة اللاجئين، وأسس مدينة تحمل اليوم اسمه هي كوكسز بازار (في شرق بنغلاديش).
> بين 1824 حتى 1942: استولت بريطانيا على بورما، وجعلت الإقليم تابعاً لها. وجُلب العمال إلى بورما من مناطق أخرى من الهند البريطانية، من أجل تنفيذ مشروعات بنية تحتية.
> 1942: غزت اليابان بورما وطردت البريطانيين منها. ومع انسحاب البريطانيين هاجم سكان بورما البوذيون المسلمين بعدما اتهموهم بالانتفاع من الاستعمار البريطاني.
> 1945: حرّر البريطانيون بورما من الاحتلال الياباني بمساعدة وطنيين بورميين بوذيين، بقيادة أونغ سان وكذلك من المسلمين الروهينغا. ولكن لم يطل الوقت قبل أن يشعر الروهينغا بالغدر؛ لأن البريطانيين لم يفوا بوعدهم لهم بمنح أراكان الحكم الذاتي.
> 1948: تصاعد التوتر بين سلطات بورما المستقلة الجديدة والروهينغا، الذين أراد أكثرهم ضمّ أراكان إلى باكستان (تحديداً باكستان الشرقية، التي هي اليوم بنغلاديش) ذات الغالبية المسلمة. وردّت الحكومة بنبذ الروهينغا وفصل مَن يعملون منهم في الجهاز الحكومي الإداري.
> 1977: بدأ الحكم العسكري في تنفيذ «عملية ناغامين» - أو «الملك التنين» -، التي يقال إنها استهدفت تفتيش السكان بحثاً عن أجانب. ومن ثم، هرب أكثر من 200 ألف من الروهينغا إلى بنغلاديش وسط اتهامات بارتكاب الجيش البورمي انتهاكات ضدهم، علماً بأن الجيش البورمي دأب على نفي هذه التهم، كحاله اليوم.
> 1978: أبرمت بنغلاديش اتفاقاً مع بورما بوساطة الأمم المتحدة من أجل إعادة اللاجئين، وعاد بالفعل أكثر الروهينغا إلى البلاد.
> 1982: وضعت السلطات البورمية قانوناً جديداً للهجرة، اعتبر بموجبه الأشخاص الذين هاجروا إلى البلاد إبّان الاستعمار البريطاني مهاجرين غير شرعيين. وطبّقت الحكومة هذا القانون على كل أفراد الروهينغا.
> 1989: غيّرت السلطات العسكرية الحاكمة في بورما اسم البلاد إلى ميانمار.
> 1991: فرّ أكثر من 25 ألف لاجئ من السخرة والاغتصاب والاضطهاد الديني على أيدي جيش ميانمار. وجاء في تبريرات الجيش أنه كان يحاول إرساء النظام في منطقة راخين.
> من 1992 حتى 1997: عاد نحو 230 ألفاً من الروهينغا إلى منطقة أراكان الحدودية، التي تسمى حالياً راخين، في إطار اتفاق عودة آخر.
> 2012: اندلعت أعمال شغب بين المسلمين الروهينغا والبوذيين، أسفرت عن مقتل كثيرين من أقلية الروهينغا؛ وهروب عشرات الآلاف إلى بنغلاديش، كما اضطر نحو 150 ألف مسلم إلى الإقامة في مخيمات داخل راخين.
> 2016: هاجمت الجماعة المسلحة «حركة اليقين» المسلمة مواقع لحرس الحدود وقتلت تسعة جنود. ورد الجيش على العملية بحملة عنيفة أدت إلى نزوح أكثر من 25 ألف مسلم إلى بنغلاديش، بعد عمليات قتل واغتصاب ونهب. ومع هذا واصلت السلطات التي تحتل فيها منصب المستشار زعيمة المعارضة السابقة أونغ سان سو تشي (ابنة رئيس الوزراء الأول والبطل القومي أونغ سان) نفي ارتكاب أي أعمال عنف.
> 2017: تجدّدت هجمات الجيش وقوات الأمن الميانمارية، ما أدى إلى حدوث موجة جديدة من نزوح الروهينغا إلى بنغلاديش.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.