الفيتو الروسي والصيني يوقف إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية

مطالبات بـ«جنيف ثالثة» في جلسة مجلس الأمن.. واتهامات متبادلة بين روسيا وفرنسا والصين

السفير الروسي لدى الأمم المتحدة وممثل الصين أثناء تصويتهما ضد قرار إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية (إ.ب.أ)
السفير الروسي لدى الأمم المتحدة وممثل الصين أثناء تصويتهما ضد قرار إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية (إ.ب.أ)
TT

الفيتو الروسي والصيني يوقف إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية

السفير الروسي لدى الأمم المتحدة وممثل الصين أثناء تصويتهما ضد قرار إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية (إ.ب.أ)
السفير الروسي لدى الأمم المتحدة وممثل الصين أثناء تصويتهما ضد قرار إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية (إ.ب.أ)

صوتت كل من روسيا والصين بالفيتو ضد مشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا لإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية. ورغم التوقعات بالفيتو الروسي - الصيني المزدوج في مقابل موافقة 13 دولة من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن على مشروع القرار، فإن مندوبي الدول نددوا بموقف روسيا والصين، وهاجموا التصويت السلبي للقرار في الجلسة التي عقدت في مجلس الأمن صباح أمس (الخميس) بنيويورك.
وسادت الجلسة اتهامات متبادلة من الولايات المتحدة وفرنسا لروسيا وموقفها المساند للنظام السوري واتهامات روسية لفرنسا والولايات المتحدة بالازدواجية ومحاولة الذهاب نحو الحل العسكري. وأظهرت الجلسة عمق الخلاقات بين الدول الغربية وروسيا، حيث اتهم المندوب الروسي فيتالي تشوركين لكل من فرنسا والولايات المتحدة بالازدواجية وتغليب المصالح السياسية، واتهم فرنسا بإشعال الصراع وإمداد المعارضة السورية بالسلاح، وأن الاقتراح الفرنسي بإحالة الملف للمحكمة الدولية للتمهيد لتدخل عسكري في سوريا مثلما حدث في ليبيا.
وقال تشوركين: «نتفهم المشاعر والأسباب التي دعت فرنسا لطرح المشروع رغم أنها تعي مستقبلا، أن (روسيا ستصوت بالفيتو) وتشكو من عدم الوحدة في المجلس رغم أن وحدة الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس أدت إلى نتائج إيجابية، ومنها الاتفاق على تدمير الترسانة الكيماوية السورية وإصدار قرار لتوصيل المساعدات الإنسانية للسوريين». واتهم تشوركين الدول الغربية بالبحث عن «حجة جديدة لتبرير التدخل في سوريا»، مشيرا إلى انتقادات فرنسا للولايات المتحدة لعدم قصف سوريا في الصيف الماضي، وقال: «علينا دراسة الوضع بشكل جماعي لوضع حل لدوامة العنف، فالسلام السيئ أفضل من نزاع جيد».
واتهم المندوب الروسي فرنسا بتقديم أسلحة للمعارضة الجيدة، وأشار إلى أن تلك المعارضة تضم الجبهة الإسلامية التي اعترفت بارتكاب جرائم إرهابية ولم تقم بجهود لإخماد الحرب من خلال تعزيز مفاوضات جنيف. وقال تشوركين: «نتحدث عن العدالة وإحالة الملف السوري للمحكمة الجنائية الدولية التي ستؤدي إلى تأجيج الأزمة والذهاب نحو الحل العسكري مثلما حدث في ليبيا، والذي لم يحل الأزمة الليبية، بل زاد من حدة القتال ولم تسهم المحكمة في إعادة العدالة والوضع السلمي في ليبيا ورفض أعضاء حلف الناتو الاعتذار واتهموا الآخرين بالسلوك المشين». واتهم مندوب روسيا الولايات المتحدة بالازدواجية، وأنها تدعو لدعم سياسات عدم الإفلات من العقاب، بينما ترفض الانضمام لنظام روما الأساسي ولم تطالب بمحاسبة بريطانيا عن الجرائم التي ارتكبها الجنود البريطانيون في العراق. وطالب المندوب الروسي الدول الغربي بوضع مصالحهم جانبا والتوصل لحل سياسي، واصفا قول المندوب الفرنسي، إن العملية السياسية غير موجودة بأنه قول غير مسؤول مشككا في تقرير قيصر وصور التعذيب التي قدمها.
وإزاء الاتهامات الروسية لفرنسا، اتهم السفير الفرنسي جيرار آرو روسيا بالبجاحة في اتهام فرنسا بإمداد المعارضة بالسلام، بينما لم تتوقف روسيا عن إمداد النظام السوري بالأسلحة. وعدّ آرو تشكيك المندوب الروسي في تقرير قيصر بأنه إهانة، مشيرا إلى أن التقرير والصور التي قدمها قيصر قدمت لخبراء مستقلين في عدة دول وأكدوا أن الصور لا يمكن تزويرها أو أنه قد جرى تحريفها، وطالب السفير الفرنسي زميله الروسي بعدم توجيه الاتهامات والتركيز على الفظائع المرتكبة في سوريا.
وتبادل المندوبان الفرنسي والروسي كلمات مقتضبة علنية، حيث قال المندوب الروسي، إنه غير مقتنع بما قاله المندوب الفرنسي، فرد السفير الفرنسي: «لا يقتنع من لا يريد الاقتناع». ورد تشوركين: «لن ندخل في لعبتكم».
من جانبه، قال أحمد الجربا، رئيس الائتلاف السوري المعارض، في تصريح من إسطنبول: «إن الائتلاف يدين بأشد العبارات استخدام روسيا والصين لحق النقض ضد مشروع قرار لإحالة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي يرتكبها نظام الأسد إلى المحكمة الجنائية الدولية ويدعو الائتلاف كلا من روسيا والصين لوقف دهم النظام المجرم في سوريا من خلال منع اتخاذ إجراءات دولية لمن الإفلات من العقاب في سوريا لأن نظام الأسد يعد مذنبا بارتكاب أعمال قتل جماعي مروعة ويجب أن يكون مسؤولا عنها».
وأضاف الجربا: «هذا الفيتو هو ضد تحقيق العدالة رغم وجود شاهد وهو أحد الناجين من عمليات الإعدام بالغاز في جلسة مجلس الأمن ليشهد على جرائم الحرب ضد الأسد، وهذا هو النقض الرابع لروسيا والصين خلال السنوات الثلاث الماضية ويعطي للنظام والمتطرفين في سوريا رخصة للقتل».
وعلق نجيب الغضبان، عضو الائتلاف السوري المعارض على الفيتو الروسي والصيني بقوله، إن «النقض الروسي والصيني يمثل محاولة مشينة لحماية المسؤولين عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية».
وأضاف: «ساعدت روسيا على تأجيج الحرب من خلال توفيرها الأسلحة الفتاكة لنظلم بشار الأسد، والآن أولوية روسيا هي التأكد أن الأعمال الوحشية التي ارتكبت بتلك الأسلحة تمضي دون عقاب وقد اختارت الصين الولاء لروسيا قبل إقرار العدالة، ونأمل أن تمارس الصين قدرا أكبر من الاستقلال في تحديد أولويات سياستيها الخارجية في مجلس الأمن، وذلك من خلال الوقوف مع الشعب السوري الذي يطالب بالمحاسبة والعدالة».
وقال الغضبان: «إن حق النقض اليوم واستمرار الجمود في مجلس الأمن لن يعوق مساعينا في تحقيق المساءلة وسيواصل الائتلاف السوري جمع الأدلة، وإثباتها بكل الوسائل القانونية الأخرى المتاحة لتحقيق العدالة للشعب السوري».
وكان الائتلاف السوري أرسل رسالة إلى مجلس الأمن قبل التصويت أعرب فيها عن دعم الائتلاف لمشروع القرار لإحالة الملف السوري للمحكمة الجنائية وتقيم المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي للمحاسبة. وخلال الجلسة التي شهدها مجلس الأمن صباح أمس، قال إيان إلياسون، نائب الأمين العام للأمم المتحدة، إن «مجلس الأمن عليه مسؤولية لا مفر منها لضمان تحقيق العدالة لضحايا جرائم حرب لا يمكن وصف بشاعتها».
وقبل إجراء التصويت قال السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة جيرار آرو، إن الاقتراح الفرنسي يسعى لاستعادة وحدة مجلس الأمن حول قيم مشتركة، مشيرا إلى معاناة السوريين وتقرير قيصر الذي قدم لمجلس الأمن الشهر الماضي حول الفظائع التي يرتكبها النظام السوري من تجويع واعتقال وتعذيب وسياسات ممنهجة للترويع والعقاب. وقال المندوب الفرنسي: «لا يوجد شيء أسوأ من السكوت أمام تلك الفظائع، وهو معناه الموافقة والتواطؤ والتنازل». وشدد آرو على أن المزاعم بأن تدخل العدالة الدولية سيضر بالعملية التفاوضية لتحقيق السلام هي مزاعم خاطئة؛ لأنه لا توجد عملية سلام على المدى القصير. ودعا أعضاء المجلس إلى رفض مبدأ الإفلات من العقاب والاعتراف بصلاحية المحكمة الجنائية الدولية، وحماية شرف وسمعة مجلس الأمن في الوقوف مع المبادئ بغض النظر عن الخلافات والاستجابة لنداء ضمير الإنسانية.
وقد أعلن سفير كوريا الجنوبية الذي ترأس بلاده الدورة الحالية لمجلس الأمن نتيجة التصويت بموافقة 13 دولة واعتراض روسيا والصين، وبالتالي عدم اعتماد القرار.
وقد هاجمت مندوبة الولايات المتحدة سامنتا باور بشدة الفيتو الروسي الصيني، وقالت: «نتيجة دعم روسيا للنظام السوري، فإن الشعب السوري لن يشهد مساءلة للمسؤولين عن ارتكاب الجرائم وسيشهد ارتكابا للجرائم دون عقاب». وأشارت باور إلى تقرير قيصر الذي قدم آلاف الصور الصادمة للسوريين الذين قتلوا وعذبوا وسردت بعض الأمثلة للمعاناة داخل سوريا. وقالت المندوبة الأميركية: «إن الفيتو الروسي والصيني يمنع مساءلة ومحاسبة مرتكبي تلك الجرائم ويحمي هؤلاء الذين يقطعون رؤوس المدنيين والمجموعات التي لا تعرف إنسانية وتعيث فسادا في الأراضي السورية وارتكبوا أفظع جرائم في التاريخ المعاصر».
وطالبت المندوبة الأميركية بمساءلة أعضاء المجلس الذين منعوا تحقيق المساءلة لمرتكبي الجرائم في سوريا، في حين طالب مندوبو رواندا وبريطانيا ولوكسمبورغ بضرورة إصدار مسودة سلوك لمنع حق الفيتو في القضايا المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وأشار مندوب الصين إلى أن بلاده ترى أن أي إحالة للمحكمة الجنائية الدولية يجب أن تستند إلى احترام سيادة الدولة، مشيرا إلى أن الصين ليست طرفا في نظام روما الأساسي، وأن لديها تحفظات في الإحالة للمحكمة الجنائية الدولية. وأوضح أن بلاده تفضل تعزيز الجهود السياسية والالتزام بالحل السلمي للنزاع وحث النظام السوري لبدء الجولة الثالثة لجنيف والدعوة لعملية انتقالية سلمية. وطالب المندوب الصيني ببذل الجهد للتوفيق بين الأطراف والاستمرار في التفاوض بدلا من إعاقة التعاون بإحالة الملف إلى المحكمة.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.