العلاقة التاريخية بين الفن والموضة... بين كسب ود الزبائن وتحقيق الربح

محلات «براونز» تحيي ذكرى الفنان جان ميشيل باسكيات بمجموعة محدودة

من عرض «ديور» - من عرض «برادا» - كنزة  من مجموعة «باسكيات فور براونز»
من عرض «ديور» - من عرض «برادا» - كنزة من مجموعة «باسكيات فور براونز»
TT

العلاقة التاريخية بين الفن والموضة... بين كسب ود الزبائن وتحقيق الربح

من عرض «ديور» - من عرض «برادا» - كنزة  من مجموعة «باسكيات فور براونز»
من عرض «ديور» - من عرض «برادا» - كنزة من مجموعة «باسكيات فور براونز»

حققت لوحة للفنان الأميركي الراحل جان ميشيل باسكيات مؤخرا، رقماً قياسياً في مزاد بدار «سوذبي»، إذ حصدت 110.5 ملايين دولار.
إذا كنت عاشقا للفن لكن العين بصيرة واليد قصيرة، لا تقلق، لأن صناع الموضة وجدوا الحل، وهو أنك لا تحتاج إلى الملايين حتى تستمتع بأعمال باسكيات. محلات «براونز» اللندنية مثلا طرحت مجموعة محدودة هذا الشهر أطلقت عليها «باسكيات فور براونز» تزامنا مع الاحتفالات التي تشهدها الأوساط الفنية بجون ميشيل باسكيات. وفسرت المحلات خطوتها بالقول: «لم تُحدق في الحائط للاستمتاع بلوحة فنية عندما يمكنك الاستمتاع بها في كل زمان وكان من خلال قطعة تلبسها؟».
أما في حال لم تكن تعرف الفنان باسكيات، فأنت من قلة، لأنه كان أسطورة في الثمانينات. غير الكثير من المفاهيم إلى حد أن الفنان أندي وورهول من فرض إعجابه به تبناه فنيا. كان أيضاً شابا وسيما يتمتع بكاريزما وإنتاجية لا تنضب. كل هذه العناصر جعلت منه نجما مرموقا في الأوساط الفنية. فهو من القلائل الذين حققوا الشهرة والثروة في حياتهم. تتميز لوحاته بألوان براقة وأسلوب فريد يتناول البوب أرت، وهذا تحديدا ما لخصته محلات «براونز» في 18 قطعة للجنسين، تشمل «تي - شيرتات» وبنطلونات جينز وسترات وإكسسوارات متنوعة. كانت هذه المجموعة ثمرة تعاون بينها وبين شركة «روم بايز أوف» النيويوركية المتخصصة في أزياء مستلهمة من ثقافة الشارع. أجمل ما فيها أنها، على العكس من لوحات الفنان، لا تحتاج إلى الملايين ولا أي مبالغ إضافية لتأمينها لأن أغلى قطعة فيها لا تتعدى الـ500 جنيه إسترليني.
هذه المبادرة تفتح مرة أخرى ملف العلاقة الحميمة التي تربط الفن والموضة. وهي علاقة تعود إلى عدة عقود، إن لم نقل قروناً، لم تقتصر على استلهام كلا الطرفين من بعض فحسب، بل تعدت ذلك لتشمل صداقات شخصية، كانت ثمرتها أعمال تتحدى الزمن، في مجال الأزياء على الأقل. الدليل أن مؤرخي الفن يعتمدون في كثير من الأحيان على دراسة أنواع الأقمشة وطرق حياكة الأزياء لتحديد الحقبة التي تم فيها رسم لوحة ما. ما لا يمكن إنكاره أن المصممين من جهتهم تعاملوا مع الموضة بشكل جدي على أنها فن قائم بذاته. صحيح أن الأدوات تختلف لكن النتيجة تُؤكد أنهم لا يقلون إبداعا أو خيالا. بول بواريه الذي كان من الأوائل الذين تعاملوا مع رسامي الفن الانطباعي في بداية القرن العشرين شرح هذه العلاقة قائلاً: «لقد أحببت دائما الرسامين... ويبدو لي أننا نحترف نفس المهنة الأمر الذي يُشجعني أن أذهب إلى القول إننا زملاء».
قراءة سريعة في كتب الموضة، تشير إلى أن بداية هذه العلاقة تعززت واستقوت في منتصف القرن التاسع عشر. الحقبة التي شهدت انتعاشا في فن البورتريهات مع ظهور طبقات بورجوازية جديدة تريد إبراز مكانتها من خلال أدق التفاصيل. من فخامة المكان والديكور إلى جمال وتفرد الأزياء. في نهاية هذا القرن وُلد مفهوم الـ«هوت كوتير» كما نعرفه اليوم. مع ظهوره اكتسبت الأزياء لغة خاصة تعكس تطورات العصر وتغيراته. زادت هذه «الحقبة الجميلة» أو «لابيل إيبوك» في عالم الفن من حماس الرسامين على رسم أدق التفاصيل بواقعية أكبر. ظهرت هذه الواقعية في أزياء تضج بالألوان والنقشات والطبعات المستلهمة من الطبيعة.
في بداية القرن العشرين، لم تعد الموضة قصرا على باريس. فقد انتقلت عدواها إلى إيطاليا. كان السؤال الذي طرحه الإيطاليون على أنفسهم هو كيف يمكنهم منحها شخصية وهوية تُميزها عن الموضة الفرنسية؟. بعد عدة مناقشات توصلوا إلى أن الحل يكمن في الفن، أي ربطها بتاريخهم الفني الطويل. روزا جينوني، وهي خياطة، أو مصممة بمفهوم اليوم، لعبت دورا كبيرا في تبلور هذه الشخصية الفنية. ففي عام 1906 وخلال معرض «ميلان إكسبو» قدمت قطعتين طبقت فيهما فكرتها. الأولى كانت عبارة عن معطف استلهمته من لوحة للفنان بيزانيللو والثانية عبارة عن فستان فخم استلهمته من لوحة «بريمافيرا» لساندرو بوتشيللي. بين عشية وضحاها أصبحت تصاميمها مرادفة لفن النهضة وأصبح الفن والموضة وجهين لعملة واحدة في ميلانو.
في باريس، وفي نفس الفترة كان المصمم الفرنسي بول بواريه يُظهر نفس الأعراض والميول الفنية. لم يكتف بمصادقة فنانين شباب مغمورين من عصره ولا باقتناء أعمالهم فحسب، بل وظف بعضهم للعمل معه في مشغله الخاص بالرسم على الأقمشة. كان الرسام فرانسيس بكابيا الذي يشتهر بإنجازاته المبتكَرة وسلوكه التحريضي خلال المرحلة الدادائية أحد أصدقائه، كذلك كان موريس فلامينك وأندريه ديراين. جمعهم حب الألوان الزاهية والرغبة في الإبداع.
إلى جانب الرسم عشق بول بواريه المسرح، وخصص حيزا كبيرا من وقته لتصميم ملابس الممثلين، وهو ما حدد أسلوبه الدرامي إلى حد كبير. أسلوب لم تكمن قوته في التصميم والتفصيل بقدر ما كانت في تطويعه الألوان الصارخة ورسمه لوحات فنية على القماش.
هذه العلاقات تطورت وانتشرت لتصبح بمثابة موضة دارجة بين المصممين. فقد طالت غابرييل شانيل وإلسا سكاباريللي في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. بينما تجسدت هذه العلاقة في صداقات بين شانيل وجون كوكتو ودالي وغيرها، أظهرت إلسا سكاباريللي تفانيا أكبر ترجمته في أزياء وعطور. أحيانا كثيرة على حساب الجانب التجاري، الأمر الذي تسبب لها في مشكلات مادية كبيرة. في عام 1954 أغلقت دارها بسبب عدم مجاراتها لتغيرات السوق، مُخلفة إرثا لا يزال كثير من المصممين المعاصرين يغرفون منه، بداء من ميوتشا برادا إلى جون بول غوتييه. هذا الأخير مثلا استوحى شكل قارورة عطره الشهير التي تأخذ شكل جسد امرأة من قارورة عطر ابتكرتها قبله بعقود. وبالطبع لا يمكن الحديث عن الفن من دون التطرق إلى المصمم كريستيان ديور، الذي قبل أن يصبح واحدا من أهم مصممي القرن العشرين، كان يحلم بالعمل في المجال الفني. افتتح قاعة عرض صغيرة في عام 1928 لبيع لوحات فنانين شباب من أمثال بابلو بيكاسو وجون كوكتو، وماكس جاكوبس، وجورج أوريك. وعندما أصبح مصمما أعطانا لوحات انطباعية لا مثيل لها مطبوعة بالورود والأزهار على فساتين فخمة لا تزال تُلهب الخيال لحد الآن.
ولم تخفت قوة هذه العلاقة الحميمة في أي زمن. ففي الستينات ظهرت على شكل فستان استلهمه الراحل إيف سان لوران من الرسام الهولندي بيت موندريان. كان يتميز بمربعات على شكل مكعبات متعددة الألوان أصبحت تُعرف في لغة الموضة بـ«كالار بلوكينغ» Color Blocking. لا يزال الفستان شاهدا على فنية إيف سان لوران لحد الآن. فقد دخل المعارض والمتاحف.
وشيئا فشيئا بدأت هذه التعاونات تتوسع لتشمل مجالات إبداعية أخرى مثل تصوير الحملات الترويجية والأفلام القصيرة والمجلات وغيرها. وقد تكون أعمال أندي وورهول من أشهر هذه الأعمال. فانطلاقته أساسا كانت من عالم الموضة في الخمسينات من القرن الماضي، حيث تعاون كرسام أحذية مع مجلات «غلامور» ثم «فوغ» وهاربر بازار». كما تولى إخراج «إنترفيو» وهي مجلة مهتمة بالفن والموضة. كان قارئا جيدا لعصره وسابقا له في الوقت ذاته. رفض فكرة الحُكم على أسلوب ما بأنه سيء أو أفضل من غيره، لأن المُفترض في الموضة حسب رأيه «أن تعبر عن نفسها بأسلوب تجريدي هذا الأسبوع وأسلوب فنان بوب في الأسبوع الذي بعده من دون أي شعور بضرورة التنازل عن الأسلوب الخاص أو الإحساس بالذنب».
ربما ما توقعه وورهول آنذاك أن القيود التي كانت تفرضها الموضة ستلغى، من الفوارق بين ما هو مناسب للنهار والمساء إلى ما هو فني وما هو تجاري. وبالفعل استسلم المعارضون والمحافظون في الثمانينات لتغيرات العصر، واضطروا لفتح أبواب المتاحف والمعارض لصناع الموضة. صحيح أن أسباب البعض كانت تجارية محضة لأنهم كانوا يحتاجون لتمويل بيوت الأزياء الكبيرة، إلا أنه هذا لا يعني أنهم لم يكونوا يستحقون ذلك. فالثقافة تغيرت، ولم يعد فيها مكان للآراء المتحجرة من جهة، والموضة أصبحت مع الوقت فنا قائما بذاته من جهة ثانية. الدليل على هذا أن معرض «جمال متوحش» للراحل ألكسندر ماكوين حقق أرباحا غير مسبوقة ورقما قياسيا في عدد زوار متحف المتروبوليتان بنيويورك، الأمر الذي استدعى تمديده لعدة أشهر.
التعاونات مع الفنانين أيضاً أخذت منحى تجارياً محضاً في بعض الأحيان، وذلك باللعب على نقاط ضعف مستهلك يعشق الفن لكنه لا يستطيع له سبيلاً. ما قامت به الموضة أنها تعمدت تعويضه عن ذلك بإكسسوارات وأزياء بتوقيع فنانين كبار. ونجحت في ضرب عصفورين بحجر واحد: إرضاء زبائنها وكسب ودهم من ناحية، وتحقيق الربح من ناحية ثانية. الفنانون بدورهم استفادوا، إذ حصلوا على تمويلات هم في أمس الحاجة إليها، فضلاً عن تحقيقهم الانتشار بين شريحة من الزبائن يتمتع بعضهم بإمكانيات مادية عالية، ويمكن أن يتحولوا إلى هواة لاقتناء التحف الفنية مستقبلاً.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.