حفتر يربك خصومه.. وتبادل الاتهامات بين حكومة الثني والبرلمان

دعوات إلى الكتائب المسلحة بمغادرة طرابلس

مهاجرون لدى وصولهم إلى ميناء أوغيستا شرق جزيرة صقلية الإيطالية أمس. وأنقذت البحرية الإيطالية 488 مهاجرا غير قانوني، بينهم أكثر من مائة قاصر، أول من أمس، مع تواصل تدفق المهاجرين جراء تردي الوضع الأمني في كل من سوريا وليبيا (رويترز)
مهاجرون لدى وصولهم إلى ميناء أوغيستا شرق جزيرة صقلية الإيطالية أمس. وأنقذت البحرية الإيطالية 488 مهاجرا غير قانوني، بينهم أكثر من مائة قاصر، أول من أمس، مع تواصل تدفق المهاجرين جراء تردي الوضع الأمني في كل من سوريا وليبيا (رويترز)
TT

حفتر يربك خصومه.. وتبادل الاتهامات بين حكومة الثني والبرلمان

مهاجرون لدى وصولهم إلى ميناء أوغيستا شرق جزيرة صقلية الإيطالية أمس. وأنقذت البحرية الإيطالية 488 مهاجرا غير قانوني، بينهم أكثر من مائة قاصر، أول من أمس، مع تواصل تدفق المهاجرين جراء تردي الوضع الأمني في كل من سوريا وليبيا (رويترز)
مهاجرون لدى وصولهم إلى ميناء أوغيستا شرق جزيرة صقلية الإيطالية أمس. وأنقذت البحرية الإيطالية 488 مهاجرا غير قانوني، بينهم أكثر من مائة قاصر، أول من أمس، مع تواصل تدفق المهاجرين جراء تردي الوضع الأمني في كل من سوريا وليبيا (رويترز)

التزم المجلس الأعلى للقضاء والسلطات التشريعية والتنفيذية في ليبيا، أمس، الصمت حيال دعوة اللواء خليفة حفتر، القائد العام السابق للقوات البرية في الجيش الليبي، في تصعيد جديد للأزمة السياسية، إلى تسليم السلطة، وتكليف المجلس الأعلى للقضاء بإدارة شؤون البلاد في المرحلة الحالية رغبة منه في استمرار الحياة السياسية والمدنية.
ولم يصدر عن المستشار علي مولود حفيظة، رئيس المجلس الليبي الأعلى للقضاء، أي تصريحات رسمية تفيد بقبوله أو رفضه الخطة التي طرحها حفتر. ومن جانبها، حاولت «الشرق الأوسط» الاتصال برئيس المجلس الليبي الأعلى للقضاء؛ إلا أن هاتفه الجوال كان مغلقا.
ومن المتوقع أن ينظم أنصار حفتر عدة مظاهرات داعمة له في مختلف المدن الليبية، فيما قالت مصادر أمنية في العاصمة الليبية طرابلس، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «لا تتوقع اندلاع أعمال عنف خلال هذه المظاهرات.. وإنها قد تمر بسلام».
وجددت الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني، في بيان أصدرته أمس، مطالبتها لكل قيادات الكتائب المسلحة في نطاق العاصمة طرابلس بالخروج منها والابتعاد عن المشهد السياسي لحماية المدينة وسكانها. وانتقدت الحكومة الأوامر التي أصدرها نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، بتحريك درع الوسطى مع وجود قوى أخرى في طرابلس تنضوي تحت كتائب القعقاع والصواعق، معتبرة أن وجود هذه القوات مع وجود مجموعات مسلحة أخرى في نطاق طرابلس الكبرى بات يهدد المدينة وسلامة سكانها.
وأعربت الحكومة عن خشيتها من فرض قرار سياسي في أجواء قعقعة السلاح، بما يهدد البنيان السياسي للبلاد، وحملت رئاسة المؤتمر وأعضاءه كل المسؤولية البرلمانية والوطنية عما ينجم من تداعيات ومخاطر تهدد سلامة البلاد وأمن مواطنيها وضياع هيبتها وضرب مؤسساتها. وبعدما شددت على أنها لن تتوانى في اتخاذ كل ما يمكن من إجراءات لدعم الأمن في المدن الليبية من خلال أجهزتها النظامية والغرفة الأمنية في بنغازي وطرابلس، قالت إن «الحدث السياسي المرتقب في طرابلس ووجود قوى متعددة وغير متجانسة على الأرض يهدد المدنيين ومؤسسات الدولة». ورأت أن تجاهل المؤتمر للمبادرة التي طرحتها لحل الأزمة السياسية قبل يومين، قد أشعر الكثيرين بالإحباط، مشيرة إلى أن المؤتمر تجاهل أيضا الرد على ما أبدته المفوضية العامة للانتخابات عن استعدادها لإجراء الانتخابات، بحسب ما صدر عنها.
وقبل ساعات من هذا البيان، أعلن الحبيب الأمين، وزير الثقافة الليبي، تأييده لحفتر ليصبح أول وزير ينضم إلى جانبه، حيث اتهم البرلمان بالفشل في مكافحة «الإرهابيين»، مرددا تعبيرات حفتر. وقال الأمين، وهو المتحدث غير الرسمي باسم الحكومة لوكالة «رويترز»: «لا أعترف بعد الآن بالمؤتمر الوطني»، مشيرا إلى أن بعض النواب طلبوا من الحكومة تسليح جماعة أنصار الشريعة الإسلامية المتشددة للتصدي لحفتر. وتابع أن الحكومة رفضت هذا الطلب واتهم النواب بالتسبب في الفوضى بالموافقة على تمويل الميليشيا في الماضي، مما يظهر التوتر بين الحكومة والبرلمان، موضحا أن معظم الدعم للميليشيات جاء من البرلمان.
وكان اللواء حفتر قد أعلن في بيان متلفز قرأه باسم المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة الليبية مساء أول من أمس، وهو يرتدي الملابس العسكرية محاطا بكبار قياداته العسكرية، أنه يطالب مجلس القضاء بتكليف مجلس أعلى لرئاسة الدولة مدنيا، وتكليف حكومة طوارئ، والاتفاق على مرحلة الانتخابات المقبلة، وتسليم السلطة للبرلمان المنتخب. ولفت حفتر، الذي كان يتحدث من مدينة الأبيار (شرق ليبيا)، إلى أن المجلس العسكري سيستمر في حماية هذه الفترة الانتقالية حماية لليبيا وشعبها وحفاظا على مقدرتها. وشن حفتر هجوما لاذعا على أعضاء المؤتمر الوطني، وقال إن غالبيتهم خانوا الأمانة التي عهد بها إليهم الشعب، مشيرا إلى أن الشعب الليبي وبعدما قام بدعم من قواته المسلحة بثورة على نظام العقيد الراحل معمر القذافي، لأول مرة في تاريخ الشعب، مارس حقه في اختيار من يمثلونه في المؤتمر الوطني. لكن للأسف خان أغلب الممثلين للشعب الأمانة التي انتخبوا من أهلها وهي حماية الوطن والمواطن وبناء ليبيا دولة مدنية مؤسساتية.
واعتبر أن «هذا كان له انعكاس سلبي على مجريات الحياة.. فأصبحت ليبيا بموجب ذلك دولة راعية للإرهاب حسب تقارير المنظمات الدولية، وأصبحت وجها للمتطرفين الذين يتحكمون في مفاصل الدولة». وأعلن أنه تم اتخاذ هذه الخطوة تلبية لمطالب الشعب الليبي وتصحيحا للثورة ودعما لحرب الجيش للقضاء على الإرهاب والجماعات الإرهابية المتطرفة ولاستعادة الأمن والأمان، وبعد إصرار المؤتمر المنتهي الصلاحية على عدم تلبية مطالب الشعبي وإخفاق المحكمة الدستورية العليا في ذلك. وأضاف «اتخذنا هذا القرار بما أن بيان الجيش في فبراير (شباط) الماضي، تضمن تجميد عمل المؤتمر لحين إجراء الانتخابات المقبلة، وطلب نقل السلطة إلى لجنة الستين باعتبارها المنتخبة من الشعب، إلا أنها لم تلب هذا الطلب على الرغم من الأحداث الجارية». ومضى إلى القول «وبهذا يكون الجيش الوطني قد سلم إليكم مقاليد الحكم لتسيير البلاد في هذه الفترة الحرجة، ومنعا لأي تدخل أجنبي يمس بالسيادة الليبية خاصة أن ليبيا محكومة بقرار من مجلس الأمن الدولي».
وأوضح حفتر أن المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة الليبية مكون من كل القيادات العسكرية، مضيفا «القذافي مع الأسف دمر القوات المسلحة تدميرا حقيقيا، والليبيون دفعوا ثمنا باهظا لإسقاط تلك الديكتاتورية؛ لكن للأسف لم يعيشوا في أمن أو ديمقراطية أو سلام كما كانوا يأملون». وتجاهل حفتر توضيح موقعه داخل المجلس الأعلى العسكري الجديد في ليبيا؛ لكن مصادر مقربة منه قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنه «رئيسه ويتولى كل الصلاحيات العسكرية باتفاق مختلف أعضاء المجلس».
في المقابل، أعلن المؤتمر الوطني رفضه الضمني لعملية لكرامة التي تشنها قوات تابعة لحفتر ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة، فيما أكد عمر معيتيق، رئيس الوزراء الجديد، أنه لا يعتزم الانسحاب من المشهد السياسي المرتبك في بلاده، معتبرا أن حكومته ليست معنية بالمبادرة التي طرحتها حكومة سلفه الثني، منتقدا إعلان بعثة الأم المتحدة ترحيبها بها.
وقال البرلمان الليبي في بيان أصدره مساء أول من أمس، إنه يدعم كل المبادرات المحلية والدولية لمكافحة الإرهاب واجتثاثه من ربوع من وطننا، شرط أن يكون تطبيق هذه المبادرات تحت إشراف مؤسسات الدولة الرسمية وسيادتها. وأعلن أنه وضع على جدول أولويات الحكومة القادمة الملف الأمني، وهو مستعد لتوفير كل الإمكانيات والدعم اللازم، ملقيا باللوم على الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله الثني لأنها فشلت حتى في إجراء تحقيقات تكشف عن الجناة والمتورطين في عمليات الاغتيال التي شهدتها بعض المدن، مما اضطره إلى إقالتها وتكليف حكومة جديدة.
كما انتقد المؤتمر ما وصفه بـ«الهجمة الإعلامية التحريضية الشرسة» التي تقودها قنوات فضائية ضد شرعية المؤتمر ومؤسسات الدولة والتحريض على الفوضى والخروج عن النظام العام والقانون، مجددا تمسكه بالمسار الديمقراطي السلمي كأهم هدف من أهداف ثورة 17 من فبراير. وأعلن دعمه للمفوضية العليا للانتخابات، متعهدا بتقديم كل الإمكانيات والتسهيلات لها لإتمام عملها في أسرع وقت ممكن وتسليم السلطة لمجلس النواب القادم في يونيو (حزيران) المقبل.
من جهته، قال عمر معيتيق، رئيس الحكومة الجديدة، في مؤتمر صحافي عقده في العاصمة الليبية طرابلس، إن مبادرة الثني تخص المؤتمر الوطني، وهو الطرف الوحيد الذي يفترض أن يعلن موقفه منها، مشيرا إلى أنه طلب مهلة لمدة أربعة أيام من البرلمان لإجراء اتصالات مع كل الأطراف لحل الأزمة السياسية الراهنة في البلاد. وقال إنه ليس باحثا عن السلطة، مشيرا إلى أنه هو من طلب من البرلمان تأجيل منحه الثقة لإجراء مزيد من المشاورات مع الكتل والأحزاب السياسية داخل المؤتمر وخارجه.
وفي ما بدا أنه بمثابة رفض لعملية الكرامة التي يقودها حفتر، قال معيتيق إن «الليبيين يرفضون وجود عسكري على رأس السلطة، وإن الليبيين جربوا الأجسام العسكرية ولم تنجح على مدى السنوات الـ42 الماضية». وتلقت حكومة معيتيق ضربة معنوية بعدما أعلن منصور عمر الكيخيا، الذي تمت تسميته لتولي منصب وزير الخارجية، انسحابه من الحكومة واعتذاره عن عدم قبول المنصب. وقال الكيخيا في رسالة وجهها لمعيتيق حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها «يؤسفني أن أتقدم إليكم بسحب اسمي من قائمة الوزراء المرشحين»، مرجعا ذلك إلى ما وصفه بـ«الوضع السياسي الراهن في البلاد وضيق الوقت المتاح لإجراء تغييرات جدية ومؤثرة في السلك الدبلوماسي».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.