حكايات البداية للممثل الذي قيل له «ابحث لك عن مهنة أخرى»

مهرجان «كان» يتذكر ثلاثية إيستوود - ليوني

المخرج سيرجيو ليوني الذي صنع من إيستوود نجما  -  كلينت إيستوود في «من أجل حفنة دولارات أكثر»
المخرج سيرجيو ليوني الذي صنع من إيستوود نجما - كلينت إيستوود في «من أجل حفنة دولارات أكثر»
TT

حكايات البداية للممثل الذي قيل له «ابحث لك عن مهنة أخرى»

المخرج سيرجيو ليوني الذي صنع من إيستوود نجما  -  كلينت إيستوود في «من أجل حفنة دولارات أكثر»
المخرج سيرجيو ليوني الذي صنع من إيستوود نجما - كلينت إيستوود في «من أجل حفنة دولارات أكثر»

من بين العروض الخاصّة التي يوفّرها مهرجان «كان» السينمائي في دورته الحالية التي تنتهي يوم الأحد المقبل، ثلاثية المخرج الإيطالي سيرجيو ليوني (1929 - 1989) مع الممثل كلينت إيستوود (83 سنة).
إنها ثلاثة أفلام دخلت تاريخهما المشترك، وإيستوود طالما أكّد أن ليوني من بين من يكن لهم التقدير لدوره في اكتشافه. هذه الأفلام الثلاثة هي «حفنة دولارات» (1964) و«لأجل حفنة دولارات أكثر» (1965) و«الطيّب والسيئ والبشع» (1966) وفيها لعب ذلك الشاب الطويل أدوار المقاتل الذي لا يحمل اسما والذي حط، في الفيلمين الأولين، وسط حرب العصابات، وفي الثالث وسط الحرب الأهلية الأميركية بأسرها.
قبل ذلك، لم يكن الجمهور الواسع عرف ذلك الاسم الذي سيصبح نجما كبيرا قبل نهاية العقد الستيناتي. فهو أم التمثيل سنة 1955 عندما كان لا يزال في السادسة والعشرين من العمر. المخرج جاك أرنولد الذي عرف بأفلام الرعب والتشويق أسند إليه دورا صغيرا في «انتقام المخلوق» (Revenge of the Creature)، وكان ذلك أول ظهور له على الشاشة. الهوليوودي العتيق آرثر لوبين منحه دورين صغيرين قبل نهاية العام ذاته هما «فرنسيس في البحرية» و«لادي غوديفا المنبوذة» (Lady Godiva of Coventry). هذا من قبل أن يعود جاك رينولدز ويمنحه دور الطيّار الذي يقصف العنكبوت الضخم في Tarantula: حكاية عالم مهووس باستخدام مادة إشعاعية تكبر حجم عنكبوت أسود مما يحوّله إلى وحش لا يمكن الحد من فتكه. دور إيستوود لا يزال صغيرا وهو يقود سرب الطائرات الحربية التي ستقصف هذا العدو بالنابالم!
هذا المنوال من الأدوار الصغيرة استمر في العام التالي: «لا تقل وداعا أبدا» لجيري هوبر (لعب إيستوود فيه دور موظف في مختبر طبي). هذا الفيلم من بطولة «النجم» روك هدسون الذي انزعج من كون إيستوود يرتدي نظارة طبية وهو لا فاحتج. بعد تجربة عدّة نظارات لم يجدها هدسون مناسبة تم خلع النظارة من على إيستوود وأعطاها لهدسون كي يسكت.
ثم هو في الوسترن الأول له «نجمة في الغبار» (A Star in the Dust) لتشارلز هاس، وإيستوود فيه أحد المزارعين في مشاهد قليلة، ثم هو في «إبحار القوارب» (Away All Boats) لجوزيف بفني حيث يظهر إيستوود ويختفي في لقطات قليلة ترد في نصف الساعة الأول من الفيلم. المخرج آرثر لوبين عاد فطلبه لفيلم ثالث بينهما هو «أول امرأة أعمال رحّالة» (The First Traveling Saleslady) حيث دوره هنا أكبر قليلا من أدواره السابقة، ثم كان آرثر لوبين مرّة رابعة وأخيرة مخرجا لـ«هروب من اليابان» (1957) حيث ظهر إيستوود في دور صغير كبحّار.
إنها الفترة التي كان مستقبل إيستوود السينمائي فيها في مهب الريح رغم حداثة عهده، فأخذ يعمل في مهن يدوية صغيرة. خلالها طلبه ويليام أ. ولمان لدور كبير في فيلمه الأخير «هذه هي الحرب» (ولمان صاحب أول فيلم حاز الأوسكار وهو «أجنحة» Wings سنة 1927). مرة أخرى غار بطل الفيلم، تاب هنتر، من إيستوود فتنازل ولمان عن رغبته ومنح إيستوود دورا صغيرا. في العام التالي قامت مخرجة غير معروفة اسمها جودي كوبلان بتحقيق فيلم وسترن صغير عنوانه (Ambush at Cimarron Pass) وكان ذلك أول دور فعلي لإيستوود رغم أنه ليس دور بطولة: إنه جندي عنصري ومثير للمتاعب يمتثل، غصبا، لقيادة سكوت برادي الذي عليه النفاذ برجاله من كمين للهنود الحمر.

* وسترن مطبوخ
عند هذا الحد، توقف إيستوود عن التمثيل للشاشة الكبيرة بعدما انتقي للظهور في دور مساند أوّل في المسلسل التلفزيوني الوسترن «روهايد» (Rawhide). هذا المسلسل (1959 - 1965) من إنتاج شركة كولومبيا التي ذكر إيستوود في بعض تصريحاته لاحقا أن مديرها قال له بصراحة «لن تصبح نجما في المستقبل بسبب حنجرتك البارزة. نصيحتي أن تبحث عن عمل آخر». لكن إيستوود لم يبحث عن عمل آخر، وعمله في ذلك المسلسل رفع من شعبيته (كان أكثر شبابا من باقي الممثلين)، ولفت نظر المخرج الإيطالي ليوني الذي طلب منه، سنة 1964، ترك كل شيء ولعب بطولة «حفنة من الدولارات».
لم يكن ليوني نفسه يعرف ما الذي سينجزه هذا الفيلم من ردود فعل. ورد في الحقبة التي انتشرت فيها أفلام «سباغيتي وسترن». سمّيت كذلك لأنها كانت «تطبخ» في الاستوديوهات الإيطالية. لكنها كانت عديدة، ولاحقا ما أقدمت عليها شركات ألمانية وإسبانية من بين أخرى.
إلى أن أخرج ليوني هذا الفيلم كان مضى عليه نحو 25 سنة من العمل ككاتب ومساعد مخرج ثم مخرج وحدات الأكشن في أفلام تاريخية مثل «هيلين الطروادية» (1956) و«آخر أيام بومباي» (1959). هو الآخر وجد أن طريقه لا يؤدي إلى أي ازدهار إلا إذا بدأ إخراج الأفلام، وهو ما فعله بدءا من أول الستينات. حين أخرج «حفنة من الدولارات» كان بات جاهزا ليفاجئ العالم بما سمّاه «الشاعرية الصامتة».
لكن هذا الفيلم الذي لعب فيه إيستوود دور مقاتل يؤلّب عصابتين تحتلان بلدة منسية من بلدات الغرب الأميركي، لكي تتقاتلا، مأخوذ عن فيلم أكيرا كوروساوا «يوجيمبو» (1961)، وليوني وجد نفسه مطالبا بتوضيح نفسه أمام المحكمة. القضية منعت الفيلم من العرض لفترة داخل الولايات المتحدة، مما يمكن معه القول إن إيستوود شهد رواجه سينمائيا خارج أميركا وليس فيها أولا.
بناء على هذا النجاح قام إيستوود وليوني بالتعاون معا في فيلم «من أجل دولارات أكثر»، وهذه المرّة جلب ليوني من هوليوود ممثل أدوار الشر لي فان كليف. وكما جعل ليوني من إيستوود اسما معروفا، جعل من لي فإن كليف اسما معروفا أيضا. ففي السابق كان فان كليف عبارة عن شخصية متوترة في أفلام الوسترن الأميركي. صالح للقاتل في كل الحالات والذي يموت قبل أو مع نهاية كل فيلم. هنا هو في دور البطولة الثانية وشخصيته أكثر هدوءا من ذي قبل. هذا الفيلم كان بداية سلسلة لاحقة من أفلام السباغيتي وسترن التي استغلته ومنها سلسلة «ساباتا». أيضا تحت إدارة ليوني في هذا الفيلم الممثل الألماني كلاوس كينسكي الذي لاحقا وجه المخرج فرنر هرتزوغ المفضّل لحين وفاة الممثل سنة 1991.
حين تم تقديم العرض لإيستوود تم تخييره بين 20 ألف دولار وسيارة «فيراري» أو 25 ألف دولار من دون سيارة. اختار إيستوود السيارة على أساس أن عميله لا يستطيع أن يتقاضى عمولته عن السيارة.
الفيلم الثالث والأخير في ثلاثية ليوني مع إيستوود كان «الجيد والسيئ والبشع» (The Good‪,‬ The Bad and the Ugly) سنة 1966. تختلف القصة عن سابقتيها لكن إيستوود يبقى بلا اسم. إيلاي والاك (الذي أعجب به ليوني عندما شاهده في دور الشرير الأول في «الرائعون السبعة» (لجون ستيرجز - 1960 والمأخوذ عن فيلم آخر لكوروساوا هو «الساموراي السبعة» (1954) يشارك إيستوود في دور الرجل السيئ ولي فان كليف في دور البشع. والحكاية عن ثروة من المال مدفونة في مقبرة ولا أحد يعرف داخل أي قبر بالتحديد تم دفنها. كل من السيئ والشرير يحاول إجبار الطيّب (إيستوود) على إخبارهما بالمكان. هذا كله على خلفية الحرب الأهلية وعلى نحو ملحمي كان بداية لفيلمين ملحميين كبيرين لليوني هما «حدث ذات مرة في الغرب» (1968) و«حدث ذات مرة في أميركا» (1984)‪.‬

.. وبعد ذلك
المخرج الآخر الذي صنع شهرة إيستوود بيديه هو دون سيغال الذي تلقفه حال عودة إيستوود إلى أميركا سنة 1968 وأسند له بطولة «خديعة كوغان» (Coogan‪›‬s Bluff) الذي ظهر في الأسواق مع فيلم أميركي آخر من بطولة إيستوود هو «أشنقهم عاليا» (Hang ‪›‬em High). عدد الأفلام التي مثّـلها إيستوود تحت إدارة سيغال أربعة. في عام 1971 أخرج إيستوود أول فيلم له هو «أعزف لي ميستي» (Play Misty For Me) الذي لم يكن وسترن أو بوليسيا كما معظم أعماله الأخرى.



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.