لماذا ينتصر الضعيف على القوي؟

الكاتب والصحافي مالكولم غلادويل يمنح معنى مختلفا لقصة «ديفيد وغولايث»

لماذا ينتصر الضعيف على القوي؟
TT

لماذا ينتصر الضعيف على القوي؟

لماذا ينتصر الضعيف على القوي؟

يندفع الراعي ديفيد (داود) باتجاه المقاتل الضخم غولايث (جالوت). بخفة وسرعة يقذف ديفيد الحجر الذي أصاب المقاتل في مقدمة الرأس. يسقط غولايث بعد أن أصيب بالدوار. قبل أن يستوعب ما حدث له ينقض عليه الراعي الصغير. يسحب منه سيفه بسرعة ويجز رأسه ويعلن انتصاره. هذه باختصار تفاصيل القصة الدينية الشهيرة التي تحمل رمزية واضحة: انتصار الضعفاء على الأقوياء.. انتصار العدل حتى لو كان ضعيفا على الظلم حتى لو كان قويا.
لكن الصحافي والكاتب الشهير مالكولم غلادويل يرى في كتابه الصادر حديثا الذي يحمل عنوان «ديفيد وغولايث» القصة من زاوية مختلفة. ديفيد لم يكن ضعيفا تماما كما نتصور، وغولايث لم يكن قويا بتلك الصورة التي نتخيل. مع وجود العون الإلهي، فإن الراعي الشاب استغل أيضا نقاط ضعفه وحولها إلى قوة. أولا، اختار نمطا جديدا للمقاتلة يعتمد على المباغتة، والذي يختلف عن الطريقة التقليدية الشائعة وهي تشابك الخصمين. كان يدرك أن تشابكه مع ذلك المقاتل الضخم يعني موته المحتم. هذا هو الخطأ الذي وقع فيه غولايث الذي توقع المعتاد فأصيب بالمفاجأة. ثانيا ديفيد رفض أن يرتدي الخوذة والدروع النحاسية التي كانت ستعوق وتثقل حركته، لأنه فكر باستراتيجية مختلفة تماما. ثالثا ديفيد كان ماهرا في استخدام المقلاع الذي جعل منه سلاحا فتاكا ومميتا. غولايث بدوره كان تقليديا لكنه أيضا كان يعاني من ثقل في الحركة واضطراب في الرؤية. لهذا عندما رأى ديفيد ظن مخطئا أنه يحمل سيفا.
هدف الكاتب من رؤيته الجديدة والمختلفة للقصة رمزي أيضا: الضعفاء ينتصرون على الأقوياء إذا عرفوا كيف يستغلون نقاط ضعفهم. «الأقوياء» لا تعني فقط الخصوم في المعركة، بل الظروف القاهرة والمشاكل الصحية، والمستويات المادية المتدنية، والفصول الدراسية المزدحمة، وغيرها. كل هذه الحالات التي ربما نراها كعقبات أمام نجاحنا ربما تكون أحد مصادر قوتنا التي لا ندركها لأول وهلة.
بأسلوبه الصحافي المشوق يسرد العديد من القصص التي تؤكد مرة بعد أخرى على وجاهة فكرته. في ما يخص عالم المال، يذكر قصة أحد أشهر رجال الأعمال الناجحين في هوليوود، الذي دفعته ظروفه الصعبة في الطفولة إلى إلهابه بالطموح لتكوين ثروة هائلة. عندما كان صغيرا كان أباه يأتي بفواتير الكهرباء مرتفعة الثمن ويهزها أمام وجهه قائلا له «عندما تخرج من البيت تترك نور غرفتك شغالا، نحن ندفع الآن ثمن كسلك!». في مرة أخرى دعاه الأب للعمل معه في مهنته الشاقة التي تتطلب جهدا بدنيا كبيرا. العمل كان مرهقا ومتعبا ومقرفا. يقول عنه «كرهته جدا.. لكن أبي تعمد أن يجعلني أعيش هذه التجربة القاسية لأنه لا يريدني أن أعيش هكذا طيلة عمري». هذه الظروف الصعبة والحالة الفقيرة، تحولت من مانع إلى دافع. زرعت في الطفل الصغير الرغبة الجامحة في النجاح المادي مهما كان الثمن. قام بالمتاجرة في عمر صغير جدا. استمرت معه هذه العزيمة طوال عمره ودفعته ليكون أكثر الرجال ثراء. ولكن بعد ذلك وقعت المعضلة وهي: هو عاجز تماما عن خلق هذا الحافز داخل أولاده الذين يدركون أن أباهم يملك ثروة طائلة، لهذا لا يملكون الطموح ولا العزيمة ولا الصبر الذي يملكه هو. يقول «لا يمكنني أن أفعل كأبي وأهز فواتير الكهرباء أمام وجوههم. هذا غير منطقي إذا كانوا يرون سيارات الـ(لامبورغيني) مركونة في الجراج!». من هنا يلمس الكاتب بذكاء فكرته الرئيسة. هو الضعيف الذي قهر الظروف الأقوى منه، وأولاده الأقوياء الذين ستخنقهم الظروف المريحة. تنطبق هذه الفكرة على أولاد المهاجرين. الآباء يعملون بكد ويحققون ثروة كبيرة، والأولاد يصابون بالدلع والكسل ويبرعون في شيء واحد فقط وهو: تبديد هذه الثروة!
الكثيرون يعتقدون أن قلة عدد الطلاب في الفصل الدراسي أفضل من الفصول المزدحمة قليلا. يقول الكاتب إن هذه القناعة التي صدقها الآباء لدرجة الهوس غير صحيحة. الفصول التي تضم عددا قليلا من الطلاب لا تختلف عن الفصول المكتظة التي فيها 40 طالبا أو أكثر. أفضل الفصول هي التي تضم تقريبا 20 طالبا، أقل قليلا أو أكثر قليلا. لكن لماذا؟! في الفصول المكتظة لا يمنح المعلم الطالب الاهتمام الكافي، ولكن في الفصول الصغيرة يجد المعلم والمعلمة صعوبة أيضا في تقسيم الطلاب إلى مجموعات مختلفة كل مرة، وتضعف القدرة على البدء بحوارات علمية وثقافية تنعش مخيلة الطلاب الصغار، والسبب كما يقول أحد المعلمين «في الفصول الصغيرة يتصرف الطلاب كالأشقاء في المقعد الخلفي من مؤخرة السيارة. ببساطة، ليس هناك أي طريقة لتبعد الأولاد المشاكسين عن بعضهم». معلم آخر يقول إنه كان لديه فصل بتسعة طلاب فقط وكان ذلك أشبه بالكابوس. الحوارات لا تنتعش بسهولة في المجموعة الصغيرة من الطلاب، ومن الصعوبة القيام بألعاب بهدف التدرب على الكلمات والقواعد. كل هذا لا تجده في الفصول متوسطة العدد، فمن السهل تكوين مجموعات، والنقاشات تقدح بسرعة. وهناك سبب آخر مهم وهو أنه في الفصل متوسط العدد من المهم أن يعيش الطالب بين مجموعة من الطلاب لديهم نفس المعاناة والقلق من المواد الدراسية، لأن ذلك سيبعده عن الإحساس بالعزلة. أضف إلى ذلك أن عددا كبيرا من الطلاب سيطرحون باستمرار الأسئلة نفسها التي يواجه هو نفسه مشاكل معها، مما سيساعده في تحصيله العلمي. يستطيع الطالب في الفصل متوسط العدد - الضعيف في هذه الحالة - أن يتعلم أكثر من الفصل منخفض العدد - القوي في هذه الحالة - الذي ربما يضر الطلاب ويعزلهم أكثر مما ينفعهم.
لكن ماذا عن البعض ممن لديهم حالات صحية تعوقهم عن النجاح؟ يقول المؤلف إن هذا الوضع الضعيف قد يكون السبب الرئيس لنجاحهم وتفوقهم. يسمي العلماء هذه الحالة بـ«الصعوبات المرغوبة». ماذا يعني هذا؟ العديد من القصص تشرح ذلك. في واحدة من هذه القصص كان هناك شاب يعاني من عسر القراءة. المصابون بعسر القراءة ينسون أول الجملة إذا وصلوا لنهايتها، لذا فإن استيعاب ما يقرأون مسألة شديدة الصعوبة. قرر هذا الشاب بعد نهاية الدراسة الثانوية أن يشتغل كعامل بناء، ولكن بعد أن قدم ابنه الأول قرر أن عليه أن يلتحق بالتعليم العالي ليصبح محاميا ويكسب المزيد من المال لدعم عائلته. لكن كيف يمكنه أن ينجح في مواده الدراسية وهو عاجز تماما عن قراءتها؟ لم يكن أمامه إلا استراتيجية واحدة وهي أن يطور بقدر ما يستطيع مهارة السمع والقدرة على التذكر. بينما كان زملاؤه في الفصل الدراسي مشغولين بتسجيل بعض النقاط المهمة التي يضيع منهم بعضها بسبب انشغالهم في الكتابة، كان هو يستمع بإنصات شديد ويحاول بقدر ما يستطيع الاستيعاب. قبل الاختبارات كان يجلس مع أحد زملائه الذي يسرد له أبرز النقاط المتوقعة في الاختبار، بينما يكون هو غارقا في حالة من الصمت والاستماع المركز. نجحت استراتيجيته واستطاع أن يتجاوز الدراسة ويصبح اليوم أحد أشهر وأنجح المحامين المختصين في الدعاوى القضائية. قدرة الاستماع المذهلة والذاكرة الفولاذية التي طورها في دراسته ساعدتاه في نقاشاته مع المحامين الآخرين وفي استنطاق الشهود واقتناص الاعترافات. عسر القراءة تحول إلى الصعوبة المرغوبة التي دفعته ليضغط على نفسه ويخرج بحل ناجح لمشكلته.
شاب آخر كانت لديه المعضلة نفسها. بدل أن يطور القدرة على الاستماع طور القدرة على الإقناع. عقب أغلب الاختبارات التي يأخذ فيها درجة متدنية بسبب عدم قدرته على القراءة، يذهب ليجتمع مع الأساتذة محاولا إقناعهم بوجهة نظره وصوابية إجاباته. مع الوقت تطورت مهارة الإقناع لديه بشكل لافت واستطاع بعد جدل طويل مع الأساتذة أن يغير غالبية درجاته. الـF يحولها إلى D، والـD إلى C، والـC يحولها إلى B، وهكذا. هذه القدرة الفائقة على الجدل والإقناع ساعدته ليس في التخرج في الجامعة فقط ولكن جعلته اليوم واحدا من أكبر المنتجين في هوليوود. ذكرتني ملكة التفاوض والإقناع عند هذا الرجل بقدرة كبار وكبيرات السن في السعودية (على الأرجح هذا موجود في بلدان عديدة) على التفاوض وكسر الأسعار عندما يتعلق الأمر بالبيع والشراء. لا يظهرون أي ضعف عاطفي نحو السلعة التي يرغبون في شرائها حتى لا يستغله البائع كورقة للضغط عليهم، بل يتركونه في حالة جهل تام بنواياهم. لديهم قدرة كبيرة على التفاوض والأخذ والعطاء وكسر الأسعار والخروج بأفضل الصفقات. أعصابهم فولاذية، والنقاش يمكن أن يستمر لوقت طويل حتى لو كان الخلاف على ربع أو نصف ريال سعودي. لكن المسألة لا تتعلق بحجم بالمال ولكن بحق التفاوض والجدل نفسه. لكن من أين أتت هذه المهارة والقدرة المثيرة للإعجاب؟ لو طبقنا نظرية الكاتب يمكن أن نخرج بإجابة منطقية بعض الشيء، وهي أن الظروف الحياتية الصعبة التي عاشوها في صغرهم أجبرتهم على اكتساب هذه القدرة كأداة للصراع والبقاء ومن أجل توفير القليل الذي يعني الكثير بالنسبة لهم. مع مرور الوقت، تغلغلت هذه الملكة داخلهم حتى اندمجت في نسيج شخصياتهم. هذا التحليل يفسر لماذا لا يملك أبناؤهم أو أحفادهم القدرة ذاتها. الظروف المعيشية الأفضل لم تجبرهم لاكتساب هذه المهارة الضرورية، فأصبح من السهل على البائعين الجشعين أن يفترسوهم بسهولة.
يسرد الكاتب عددا من الحالات والقصص التي تؤكد مرة أخرى على منطقية فكرته الرئيسة. في الرياضة يذكر المؤلف قصة فريق ضعيف المستوى في كرة السلة تحول لأقوى الفرق بعد أن حول ضعفه لقوة. اختار مدرب الفريق أن يستخدم طريقة كرة القدم للعب السلة. في لعبة كرة السلة يمنح اللاعب المساحة الكبيرة والوقت الكافي حتى يتحرك ويقذف بالكرة، لكن المدرب طلب من اللاعبات أن يلاحقن ويحاصرن أي لاعب يمسك بالكرة، كما يفعل لاعبو كرة القدم، ويضيقن عليه حتى يخطأ في التصويب أو التمرير. نجحت الخطة ونجح الفريق في تخطي فرق أخرى رفيعة المستوى. في الفن يعود الكاتب إلى قصة الرسامين الانطباعيين في باريس في منتصف القرن الثامن عشر الذين رفضت أعمالهم من قبل الصالون الرسمي الذي كان يحدد معايير الفن الجيد والمحترم. بعد نقاشات طويلة في ما بينهم قرروا أن يعلقوا لوحاتهم في مبنى آخر، وبعدها اشتهرت أعمالهم. يقول الكاتب إن هؤلاء الفنانين فشلوا في الانتشار عندما فكروا بطريقة أن يكونوا «أسماكا صغيرة في أحواض كبيرة»، ونجحوا عندما قلبوا المعادلة، أي أصبحوا «أسماكا كبيرة في أحواض صغيرة»، لأنهم لفتوا انتباه الكثير من محبي الفن لأعمالهم المجهولة سابقا. بدا تصرفهم في البداية هزيمة وضعفا، لكنه تحول إلى أقوى مصادر قوتهم.
رسالة الكتاب لمن يعتقد أنه ضعيف وعاجز هي: لا أحد ضعيف إذا عرف كيف ينظر إلى مصادر عجزه ويحولها إلى مصادر قوته. أما الرسالة الموجهة للأقوياء فهي: حذار من القوة فقد تكون الحبل الذي يلتف على رقابكم!

«ديفيد وغولايث»
المؤلف: مالكولم غلادويل



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».