فرناندو بيسوّا... الكاتب المختبئ وراء أنداده السبعين

المغربي المهدي أخريف يترجم يومياته للعربية

فرناندو بيسوا
فرناندو بيسوا
TT

فرناندو بيسوّا... الكاتب المختبئ وراء أنداده السبعين

فرناندو بيسوا
فرناندو بيسوا

صدرت عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء «يوميات» الشاعر والكاتب البرتغالي فرناندو بيسوّا بترجمة المهدي أخريف الذي سبق له أن ترجم «كتاب اللاطمأنينة» الذي نُشر بعد 47 عاماً من وفاة بيسوّا. ظهرت اليوميات، كما يشير المترجم في مقدمته المُقتضبة، أول مرة باللغة البرتغالية عام 2007 وهي تغطي سنوات مهمة من حياة بيسوّا الدراسية وانشغالاته الأدبية والفكرية خاصة في المرحلة الأولى المحصورة بين عامي 1906 - 1908، أما المرحلة الثانية الممتدة بين الأعوام 1913 - 1915، فهي مرحلة النضج العميق، والقدرة على تحليل الأحداث الشخصية والعامة، والانخراط في الحياة الثقافية، والسياسية، والفلسفية، واضطلاعه بدورٍ رائد في الحداثة الأدبية البرتغالية.
ثمة قصور واضح في عنونة الكتاب، فهو ليس مجرد «يوميات»، وإنما هناك «مُذكّرات شخصية» و«مُخططات سكنيّة وببليوغرافية»، إضافة إلى مسْرد بتأثراته الأدبية التي تبدأ منذ عام 1904 وتنتهي بعام 1913 حينما يستغني عن الجميع بمن فيهم شكسبير وملتون وروسو والنُخبة الأدبية التي كان يمحضها حُباً من نوع خاص.
يحتاج أي مقال عن بيسوّا إلى توضيح التباس القصد فهو لا يكتب بأسماء مُستعارة Pseudonyms وإنما يختبئ وراء شخصيات خيالية مُخترعة أطلق عليها اسم Heteronyms وهي تختلف تماماً عن سابقتها لأن هذه الأخيرة لديها هيئتها المفترضة، وسِيرها الذاتية، وأساليبها الخاصة. ويمكن أن نُطلق عليها عربياً وصف «الأنداد» أو «الأقران السّرييّن» للكاتب، وقد بلغ عددهم في خاتمة المطاف 72 قريناً كما يشير خبيره ومترجم أعماله ريتشارد زينيث، غير أن هناك ثلاث شخصيات نديّة شعرية بارزة وهي ألبرتو كاييرو، وريكاردو ريس وألفارو دي كامبوس. وهناك شخصيتان نديّتان تكتبان النثر وهما برناردو سواريس مؤلف «كتاب اللاطمأنينة» وباراو دي تيفي الذي دبّج كتاب «التربية الرواقية».
لم ينشر بيسوّا خلال حياته القصيرة سوى أربع مجموعات شعرية بالإنجليزية وكتاب واحد باللغة البرتغالية وهو «رسالة»، أما بقية الكتب الشعرية، والنثرية، والنقدية، والفلسفية فقد وزّعها على أنداده السبعين الذين قالوا كل شيء تقريباً من دون خوف أو مراوغة.
قبل أن نلج في تفاصيل هذا الكتاب لا بد من الإشارة إلى أن فرناندو بيسوّا هو شاعر، وناثر، وناقد أدبي، ومترجم، وفيلسوف، ومحلل سياسي لكنه يفضل القول بأنه مترجم ولا يجد حرجاً في إضافة كلمة «تجاري» لأنه كان ينهمك يومياً في ترجمة الرسائل إلى شركات كثيرة خلال العقدين الأخيرين من حياته كي يؤمِّن هاجسي المعيشة والسكن، فقد عاش في خمسة عشر منزلاً متنقلاً من غرفة مُستأجرة إلى أخرى بسبب ضيق ذات اليد. ومع ذلك فقد كانت نزعته الإبداعية الثرّة هي المحفِّز القوي لمواصلة الحياة والاستمتاع بها طالما أنه يعيش حياة حُلمية مفترضة لا تمس الواقع الصادم إلاّ مسّاً خفيفاً.
لم تكن حياة بيسوّا سهلة، منسابة فقد تخللها الكثير من الصعوبات والأحداث المفجعة. فبعد ولادته بخمس سنوات توفي والده متأثراً بمرض التدرّن الرئوي، وبعدها بسنة واحدة مات أخوه الأصغر خورخي وهو لم يجتز عامه الأول. ثم جاء الزواج الثاني لوالدته من ضابط عسكري عُين قنصلاً للبرتغال في دوربان، عاصمة المستعمرة البريطانية السابقة ناتال، الأمر الذي اضطره للالتحاق بوالدته في جنوب أفريقيا ومواصلة تعليمه حيث تألق في دراسته الجامعية ونال جائزة الملكة فيكتوريا التذكارية عن أفضل ورقة بحث تُقدّم باللغة الإنجليزية. وعلى الرغم من تفوقه الدراسي وإحرازه نتائج متقدمة، فإنه لم يوفق في مواصلة دراسته في الحقل الدبلوماسي بعد أن عاد إلى لشبونة عام 1905، كما أن اشتراكه بمظاهرة طلابية ضد رئيس الوزراء البرتغالي جواو فرانكو وضعت حداً لهذا الحلم الدراسي وأجهضته تماماً.
يمكن القول بأن بيسوّا كان قارئاً نهماً في شبابه ومن بين قراءاته المهمة «المنطق» لأرسطو طاليس، «تاريخ الفلسفة» لهيغل، و«نقد العقل الخالص» لإيمانويل كانت، «رحلات شيلد هارولد» لبايرون، «عشية القديسة أغنيس» لكيتس، «الطائش» لموليير، «الوثيقة المختلسة» لإدغار ألن بو وسواها من الكتب الأدبية والفلسفية والثيوصوفية لاحقاً.
تكشف اليوميات عن التناقضات الحادة التي تنطوي عليها شخصية بيسوّا المعقدة، فهو ميّال للعزلة، ويجد ضالته في القراءة والتأمل. وكان يتساءل بحرقة: «لماذا نصفي معارض لنصفي الآخر؟ ونصرُ أحدهما هو هزيمة للآخر» (ص24). فعلى الرغم من عُدّته الفلسفية وقدرته على التحليلإ فإنه كان عاجزاً عن فهم شخصيته الوعرة، المتشابكة الأطراف، وقد يكون الشاعر أوكتافيو باث هو أفضل من شخّص بيسوّا حينما قال: «إنه الكائن المجهول من لدن ذاته»! ولعل إشكالية هذه الشخصية تكمن في حُلُميتها، ونأيها عن الواقع المحسوس فحتى محبوبته الحلوة التي تتجلى أمامه هي من صنع المخيلة المشتعلة التي تجترح علاقة حُب مجنحة قد لا يعرفها الأسوياء فكيف بالمجانين العباقرة الذين يلهثون وراء الأشياء المستحيلة الأقرب إلى السراب؟ لا ينكر بيسوّا جنونه حينما يقول بالفم الملآن: «أنا مجنون جنوناً عسيراً على الفهم» (ص29) ثم يجزم بعد عدة سطور بأنه «محضَ حُلُم» (ص30).
لا شك في أن مذكرات بيسوّا الشخصية هي أشدُّ عمقاً من اليوميات، وأكثر جاذبية منها. فبعد أن توقف عن القراءة الجدية ماعدا الصحف، والقصص المسلية، والأدب الخفيف قال: «إنّ القراءة هي شكل مُستَرَق من أشكال الحُلُم» (ص55) والأغرب من ذلك أنّ بإمكانه أن يعوّض لذّة القراءة بالتواصل مع الطبيعة، ومراقبة الحياة، تماماً مثلما يعوِّض حبيبته الواقعية بعشيقة حُلُمية، ويبدِّل أصحابه الواقعيين بأصدقاء افتراضيين ومع ذلك فلا منجاة من العزلة، ولا خلاص من الإحساس الممضّ بالوحدة الأبدية.
يقترن اسم بيسوّا بالحداثة البرتغالية التي جسّدها عبر ثلاث حركات فنية جمالية بين عامي 1913 - 1915 وهي الباوليّة Paulismo والتقاطعيّة والحسيّة وهي تندرج جميعاً ضمن الحداثة «البيسوّية» دون أن ننسى بأن بيسوّا قد تبنّى المستقبلية كمذهب حداثي يستجيب لرؤيته الفنية والإبداعية.
أفردَ بيسوّا ثلاث صفحات من كتابه للشعراء والأدباء الذين تأثر بهم منذ 1904 وحتى عام 1913 وهي أغزر فترات حياته قراءة، فقد تأثر بجون ملتون وغالبية شعراء الحقبة الرومانسية وهم بايرون، وشيلي، وكيتس، ووردزوورث، وتنيسون، وإدغار ألن بو، وخصوصا بقصصه، وكارليل في النثر. ثم يليهم بودلير، وأنتيرو، وجونكايرو، وسيزاريو بيردي، وخوسيه دورا، وإنريكي روزا. ويمتد هذا التأثر بأنطونيو كارييا دي أوليفيرا وأنطونيو نوبري، كما تأثر بالرمزيين الفرنسيين. يختم بيسوّا تأثره بـSaudosismo وهي حركة أدبية جمالية، دينية وفلسفية ذات طابع وطني ظهرت في البرتغال في الربع الأول من القرن العشرين وتعني «الحنين إلى الماضي» وكانت هذه الحركة قريبة جداً من مجلة آكَيّا A Águia ذات النزعة الحداثية.
أشْعرته هذه التأثرات المتنوعة بأنه كائن متعدد المشارب ينهل معارفه من الجهات الأربع على الرغم من عزلته الفردية التي تحفِّز عالَمه الافتراضي المتخيل، وتدفعه لأن يكون متفرجاً على الحياة دون أن يتورط فيها، ويخوض تجاربها إلى أقصى مدى ممكن.
كتبَ بيسوّا سواء باسمه أو بأسماء أنداده أجناساً أدبية كثيرة كالقصة القصيرة، والرواية، والمسرحية، والشعر، والنقد الأدبي، والمقال السياسي، والبحث الفلسفي، والدراسة الفكرية، كما ترجم الكثير من الكتب من اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى اللغة الإسبانية ليغذّي نزعة الحداثة السائدة آنذاك.


مقالات ذات صلة

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون «خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار

جمال القصاص
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي

رانية حمّاد

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.