قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج
TT

قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج

انتهى عملي في السّاعة الحادية عشرة والنّصف ليلاً. كنت أنظر من الشّباك الكبير إلى شارع كدزي العريض، أراقب بين الحين والحين هطول الثّلج، فلأوّل مرّة أراه ينزل نديفاً متناهي الصّغر، كرأس دبوس، ثم أكبر، وأكبر حتى يصل في بعض الأحيان إلى حجم الحمّصة، وأحياناً البندقة الصّغيرة من غير مبالغة. لا شكّ أن تلك النّدفة التي تبدأ متناهية الضآلة تصطدم بغيرها، تتجمّع مع بعضها، ثم تعاود النّزول، فتزداد في الحجم، حتى تصبح كتلة كبيرة تفاجئ من يراها، ثم أنظر إلى الأرض التي اختفى إسفلتها الأسود، واكتست طبقة من البياض، لكنّي لم أراقب ارتفاعها، ولم يخطر لي أنّ تكاثفها سيكلّفني ذلك التعب الشّديد، بعدئذ. لم أتصوّر بأي حال أنّ ارتفاع الثّلج سيصل إلى سبعين سنتمتراً في نحو ثماني ساعات، مفاجأة لا تصدّق. مقرّ العمل دافئ، مريح، يغري المرء بعدم التفكير بالجو المكفهّر في الخارج. فوجئت قبل أن أخرج بنشرة الأخبار، تذكر أن مستوى الحرارة هبط تحت الصفر المئوي بـ15 درجة. أوّل شيء واجهته ما إن خرجت من باب المقرّ، هو ارتفاع الثّلج الهائل، تردّدت قبل أن أغامر بمدّ رجلي. أنا مصاب بكسر في قدمي اليسرى، منذ عهد طويل، لكنّ الألم يظهر عندما أخوض بالماء البارد، فكيف بها وهي تغطس بهذا الثّلج؟ لم يكن من الأمر بدّ، غامرت، أنزلت قدمي، إن تأثّرتْ فسيظهر ذلك بعد ساعات، لأنّ الثّلج لا يخترق «البسطال» الثّخين، ولا جوارب الصّوف حالاً. هناك ملح كثيف بنفسجي رمته شاحنات البلديّة في وسط شارع كدزي. عليّ أن أكون حذراً وإلا سقطت وكسرت إحدى عظامي. وصلت التل الأبيض الذي كان قبل ثماني ساعات سيارتي. لا أستطيع أن أزيل الثّلج المتلّل فوقها، بكفيّ، نسيت أن أرتدي قفّازي، خشيت أن تعود آلام الروماتيزم في كفي اليمنى، فتمنعني من النّوم، ولا سيما وإنّي لم أفكّر بالحصول على حبّات الدّواء قبل هذا اليوم. كنت أؤجل شراءها دائماً. لذلك رجعت إلى مقرّ العمل، بحثت عن شيء أزيل به الثّلج من فوق سيارتي وجوانبها. وجدت لحسن الحظّ، قطعة خشب بعرض نصف قدم، وطول قدمين. فرحت جداً، اعتبرت نفسي محظوظاً. فكّرت أن أشغل السّيارة قبل أن أزيل الثّلج، سأتمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد. تدفئة جوّها أولّا، وإحماء الماكنة الضّروري لعملية التشغيل ثانياً، أدرت مفتاح التحريك. السّيارة وشوشت، عطست، ثم توقّفت. انتظرت ثانيتين، ثم شغلته ثانية، فعطست عطستين، ثم وشوشت وسكتت. عندئذ انتظرت دقيقة كاملة، وشغّلته ثالثة فعطست بضع عطسات، ثم سكتتْ، ثم توقّفت عن العطاس، ماتت مرّة واحدة. ما العمل في هذا الليل السّاكن، الشّارع خالٍ، الزّمهرير شديد، إن بقيت هنا تجمّدت ومتّ مثل سيارتي. سيعثرون عليّ غداً تمثالاً بائساً جامداً من الجليد، لا حسّ ولا نفس؟ يصعدون إلى القمر لكنّهم ينسون واقعهم، لا يخترعون جهازاً بسيطاً يوضع في السّيارة يتوقّع المشاكل قبل حدوثها؟ لكن لماذا أعلّق أخطائي على شمّاعة الغير؟ أنا متخلّف، أعيش في أميركا ولا أقتني هاتفاً نقالاً، لأسباب أتفه من التفاهة نفسها. لماذا؟ لأني لا أحبّ من يسوق وهو يتكلّم، لا أحبّ من يتكلّم وهو جالس في الحافلة أو القطار، كأنّي مسؤول عن تصرّف الخلق. أخذت أفكّر أين أجد أقرب محطة وقود؟ أين؟ أين؟ هه، لقيتها. على مسافة نصف ميل، على كدزي ووسترن. لكن هل أستطيع ترك السّيارة في الشّارع؟ بخاصة بعد الثانية عشرة ليلاً؟ بعد هذا الوقت تنتشر شاحنات تسحب ما يبقى في الشّوارع من سيّارات كالقطط الجائعة تبحث عن ضحاياها، تصطاد السيّارات كما تصطاد القطط الفئران. ستسحب سيّارتي وأغرّم ثلثي ما أتلقاه في أسبوع كامل. إذن عليّ أن أركض قبل فوات الوقت لأتصل بشركة التصليح، ولعل سائق الشّركة يحنّ عليّ فيوصلني إلى أقرب نقطة مترو، الحافلات في هذه المنطقة تتوقّف بعد منتصف الليل، لا يبقى سوى المترو، وإلّا فلا سبيل آخر للرّجوع إلى البيت، فأنجو من قسوة الصّقيع وأنعم بالدّفء. لا أستطيع أن أركض على الرّصيف، والثّلج بمثل هذا الارتفاع الخياليّ. عليّ أن استعمل الشّارع، الشّارع زلق بوجود الثّلج، لكن لا بدّ مما ليس له بدّ. أنا مضطر، لا سبيل لغير ذلك. الحمد لله وصلت. عندي خمس عشرة دقيقة إلى منتصف الليل. كافية للاتّصال. وضعت وأنا ألهث نصف دولار في الهاتف العموميّ، في محطة تعبئة الوقود، جاءني صوت التسجيل الأنثوي: «إن كنت تعرف القسم التي تريده، اضغط على رقمه، وإن لم تعرفه، وتتكلّم الإنجليزيّة فاضغط على الرّقم واحد، وأن كنت تتكلّم الإسبانيّة فـ…». نقرت على الرّقم واحد. إن كانت السّيارة تحتاج إلى سمكرة، فاضغط على الرّقم واحد، أما إذا كان العطل ميكانيكيّاً، فاضغط على الرّقم 2». فعلت كما قالت. استمرت: إن كانت تستعمل «الدّيزل» فاضغط على الرّقم 1. وإن كانت تستعمل «الكاز» فاضغط على الرّقم 2. ضغطت على 2… انتهى نصف الدّولار. وضعت ثلاثة أرباع الدّولار وهو كلّ ما عندي من عملة معدنيّة، كي لا ينقطع الصّوت مرّة أخرى. كنت أنقر الأرقام وعيني على الطّريق. لا أستطيع رؤية سيارتي بالطّبع، لكنّ المنطقة مشبوهة، تكثر فيها الحوادث. قد أقتل ولا يفاجأ «العصابجي» حينما لا يجد في محفظتي سوى 20 دولاراً فقط. الثّلج يداعب سيارتي باستمرار، وكأنه يلعب معها، يتكدّس فوقها غير آبه لمأساتي، وسيارات الملح وحدها سيدة الموقف، تنثر الملح البنفسجي على الشّارع من دون انقطاع. أخيراً بلغ الصّوت النّقطة التي انقطع منها: «إن كانت السّيّارة شاحنة كبيرة فاضغط على 1، وإن كانت شاحنة عاديّة فاضغط على 2، وإن كانت سيّارة عائليّة ذات دفع رباعي فاضغط على الرّقم 3. وإن كانت السّيّارة صغيرة فاضغط على 4…». ضغطت على الرّقم 4. انتهت الفلوس، هرعت في سرعة إلى داخل المحطة. فتح عينيه هندي شيخ ذو لحية مصبوغة بحنّة باهتة، تساءل: ماذا تريد؟
طلبت منه «فكّة» معدنيّة لخمسة دولارات. سأضعها كلّها في معدة التلفون الجهنميّة التي لا تشبع قط، تذكّرت الآية القرآنيّة: «.. هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ». لعنت التلفونات ومن اخترعها. تحرّك الشيخ في بطء، وأخذ يعدّ ما عنده، وأنا أهدئ أعصابي، عنده أربعة دولارات خردة فقط. هتفت: هات، أسرعْ.
أخذت القطع المعدنيّة وركضت، وقفت قرب التلفون، وضعتها كلّها في جوف الجهاز، بدأت أضغط على النّتوءات، وأنا أتلهف لسماع الصّوت، فإذا بأصوات هائلة تسيطر على سكون الشّوارع الخالية، فتعلّقت عيناي على جهة الصّوت، فإذ هي سيارات السّحب تهزّ الكون بحركاتها المجلجلة، تندفع في جنون. اتجهت واحدة شمالاً نحو شارع لورنس، اتجهت الأخرى غرباً نحو شارع كاليفورنيا. تنفست نفساً عميقاً بارتياح، حمداً للمصادفات، سيارتي في الجنوب. ثم جاءت المصيبة أسرع من لمح البصر، لاحت شاحنة سحب ثالثة، اتجهت نحو شارع كدزي، حيث ترقد سيارتي ميتة بلا حراك. تركت سماعة التلفون، وهي تصيح «اضغط..».. ركضت، فلعلي أصل إليها قبل أن ترى سيارتي وتسحبها. ركضت، ركضت، ركضت. خارت قواي، أخذت أمشي متعباً وأنا ألهث، ثم توقّفتُ، لا فائدة، رأيت سيارتي بعد بضع دقائق، يجلّلها الثّلج الأبيض، والهواء ينثره في الأعلى وعلى الجانبين، وهي مثبتة فوق ظهر شاحنة السّحب.
- روائي وقاص عراقي



5 عروض إسبانية تدشن «الميكروتياترو» في مصر

«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)
«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)
TT

5 عروض إسبانية تدشن «الميكروتياترو» في مصر

«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)
«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)

تحت اسم «الميكروتياترو»، أطلقت أكاديمية الفنون المصرية تجربة مسرحية جديدة تعتمد على العروض القصيرة المكثفة التي تُواكب أحدث الاتجاهات المسرحية العالمية، وتستهدف استقطاب جمهور جديد من الشباب وتعزيز الحراك المسرحي المعاصر، وذلك من خلال عدد من النصوص المسرحية القصيرة المترجمة عن الإسبانية.

يأتي مشروع «ميكرو تياترو» ضِمن رؤية أكاديمية الفنون المصرية لتقديم أشكال مسرحية مبتكرة تواكب التجارب العالمية الحديثة، وتفتح المجال أمام المبدعين الشباب لتقديم رؤاهم الفنية في قالب مكثف وسريع الإيقاع.

وتنطلق العروض المسرحية ضِمن المشروع، الثلاثاء، على خشبة مسرح نهاد صليحة في أكاديمية الفنون، وهي 5 عروض مسرحية مدةُ كلٍّ منها 15 دقيقة، وجميعها نصوص مسرحية قصيرة مترجمة عن الإسبانية، وهي نصوص: «فوبيا المستقبل» من إخراج علاء حسني، و«أزمة شرف» و«حقائب» من إخراج محمد السوري، و«من فضلك» من إخراج تغريد عبد الرحمن، و«السؤال الأخير» من إخراج شادي عليوة، وفق بيان لأكاديمية الفنون.

ومن المقرر أن ينطلق حفل الافتتاح باستعراض فني من تصميم الدكتورة حكمت عاطف، بمشاركة طلبة وخريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، بالتعاون مع طلبة المعهد العالي للباليه، يعقبه عرض فيلم تعريفي بالمشروع يستعرض فكرة «الميكروتياترو» وأهدافه، ثم كلمة رئيسة الأكاديمية الدكتورة نبيلة حسن، وكلمة الفنان علاء حسني مدير المسرح.

«ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)

ويتضمَّن الحفل تكريم السيدة ماجدالينا كروث، المستشارة الثقافية للسفارة الإسبانية في القاهرة؛ تقديراً لدعم التعاون الثقافي والفني بين الجانبين المصري والإسباني.

يُنظَّم المشروع تحت إشراف الفنان علاء حسني، مدير المسرح، والمخرجة تغريد عبد الرحمن، المديرة التنفيذية، والتنسيق الإعلامي لرشا زيدان.

وتُقيم أكاديمية الفنون المصرية أنشطة مسرحية عدَّة، من بينها مهرجان الفضاءات المسرحية المتعددة الذي تُنظمه أكاديمية الفنون، ويقام تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية. وكان مقرراً إقامته العام الحالي في أبريل (نيسان) الماضي، وقد أُجِّل لينعقد في الفترة من 1 إلى 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

مشروع «ميكروتياترو» انطلق في أكاديمية الفنون (أكاديمية الفنون المصرية)

وشهدت الأكاديمية، خلال الفترة الماضية، العرض الكوميدي «OVERDOSE مواهب»، يوميْ 18 و19 يونيو (حزيران) الحالي، من فكرة وإخراج محمد عماد، وتحت إشراف الدكتور علاء قوقة، ويقدمه مجموعة من المواهب الشابة في تجربة مسرحية كوميدية تعتمد على المواقف الساخرة وخفة الظل والأداء المتميز.

تدور أحداث العرض في إطار كوميدي يعكس ضغوط الحياة اليومية وتحديات الواقع المعاصر، من خلال شخصيات ومواقف تحمل كثيراً من المفارقات الإنسانية واللحظات المضحكة.

ومن الأنشطة المسرحية التي شهدتها الأكاديمية أيضاً العرض المسرحي «الحب لعبة»، وهو مشروع تخرُّج طلاب جامعة بدر بالقاهرة (BUC)، في تجربة مسرحية كوميدية تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية عميقة.

والعرض من تأليف ألفريد فرج، وإعداد وإخراج هايدي عبد الخالق، وتدور أحداث «الحب لعبة» في إطار كوميدي خفيف حول شاب وفتاة يرفضان الزواج التقليدي، فيلجأ كل منهما إلى التنكر لاكتشاف حقيقة الآخر بعيداً عن الألقاب والمظاهر.


نضال قيقا: سعيت لتوثيق شغف الفتيات بالموسيقى الإلكترونية في برلين

استغرقت المخرجة عدة سنوات لخروج المشروع للنور (الشركة المنتجة)
استغرقت المخرجة عدة سنوات لخروج المشروع للنور (الشركة المنتجة)
TT

نضال قيقا: سعيت لتوثيق شغف الفتيات بالموسيقى الإلكترونية في برلين

استغرقت المخرجة عدة سنوات لخروج المشروع للنور (الشركة المنتجة)
استغرقت المخرجة عدة سنوات لخروج المشروع للنور (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة التونسية نضال قيقا إن فكرة فيلمها الوثائقي «تونس - برلين» (To dream perhaps) بدأت معها منذ أواخر عام 2018، حين كانت تشارك في ورشة عمل مكثفة لكتابة سيناريو فيلم روائي طويل، موضحة أن البطل الرئيسي في ذلك السيناريو كان رجلاً يعمل «دي جي»، وهي شخصية كانت تعني لها الكثير وتلهمها من الناحية الفنية والسوسيولوجية، مما جعلها ترتبط بها بشكل عميق وتفكر في أبعادها الإنسانية.

وأضافت في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن البحث عن دعم مالي وتمويل للفيلم الروائي استغرق وقتاً طويلاً ومضنياً في أروقة المنتجين، لذا قررت ألا تقف مكتوفة الأيدي وألا تضيع المزيد من السنوات في الانتظار، متبعة حدسها الفني بالتحول الفوري نحو صناعة فيلم وثائقي يستكشف هذا العالم.

وأكدت قيقا أن «هذا التحول لم يكن مجرد هروب مؤقت من أزمة التمويل الخانقة، بل كان مدفوعاً بشغف حقيقي وتساؤلات معرفية واجتماعية، لكوني درست الموسيقى الكلاسيكية في صغري بمعهد الموسيقى ولدي وعي تام بأهمية التأريخ الموسيقي»، على حد تعبيرها. ومن خلال بحثها، لاحظت أن كل الأنماط الموسيقية تحظى بمراجع جامعية وكتب وأبحاث تؤرخ لها وتدرس أبعادها السوسيولوجية، باستثناء الموسيقى الإلكترونية التي تعاني من نقص حاد في المراجع العلمية والاجتماعية التي تفسر سبب وجودها أو أثرها على شباب المجتمع العربي.

نضال قيقا مخرجة الفيلم (الشركة المنتجة)

ونال الفيلم التونسي «تونس - برلين» جائزة «الصقر الفضي» في النسخة الماضية من مهرجان «الفيلم العربي بروتردام» مناصفة مع الفيلم المصري «الحياة بعد سهام»، وتدور أحداثه حول مجموعة من الفتيات التونسيات اللواتي يمارسن مهنة الموسيقى الإلكترونية «دي جي» في بيئة صعبة وضمن سياق يتطلب منهن محاربة الصور النمطية باستمرار، وتتشارك الزميلات هؤلاء حلماً واحداً كبيراً وبسيطاً في آن واحد، وهو الهجرة أو السفر المؤقت إلى برلين، العاصمة الروحية والعالمية لهذا النمط الموسيقي، رغبة منهن في الانفتاح على العالم الخارجي، وتطوير مهاراتهن الموسيقية، وتحسين وضعهن المهني والمادي المتواضع في بلدهن.

ويتحول هذا الحلم الجماعي إلى حقيقة ملموسة ومثيرة حين تنجح إحداهن، في خريف عام 2023 وبعد سنوات مريرة من الانتظار، في الحصول على فرصة رسمية للعزف وإحياء حفل في أحد النوادي الليلية الشهيرة والمرموقة في برلين.

غير أن مسيرة الفيلم الوثائقي لم تكن مفروشة بالورود، بل واجهت صفعات وعقبات غير متوقعة فرضتها الظروف العالمية، حيث كانت المخرجة على وشك بدء التصوير الفعلي في أوائل عام 2020 وجهزت كل الترتيبات التقنية، ولكن قبل أسبوع واحد فقط من انطلاق الكاميرات، تم الإعلان رسمياً عن الحجر الصحي الشامل والإغلاق العام في العالم بسبب تفشي «جائحة كورونا» مما تسبب في تجميد المشروع وتأجيله.

تتبعت المخرجة شغف الفتيات بعالم الموسيقى الإلكترونية (الشركة المنتجة)

وأضافت المخرجة التونسية أنها مع محاولتها العودة لتجميع شتات الفيلم في عام 2021، اصطدمت بمشكلة إنتاجية أخرى، لأن المنتجين الذين كانوا متحمّسين جداً للمشروع قبل الجائحة، فقدوا كل مواردهم المالية ولم تعد لديهم القدرة على الدعم بسبب الأزمة الاقتصادية، مما فرض عليها رحلة كفاح جديدة في البحث عن جهات مانحة بديلة، ليمتد العمل على الفيلم لسنوات طويلة حتى يخرج للنور في مطلع العام الجاري.

وأشارت نضال قيقا إلى أنها في بداية تفكيرها بالفيلم لم تكن تعرف الكثير عن تفاصيل هذا العالم في تونس، لكن عندما بدأت تعمل على الفكرة وتبحث في جوانبها خطوة بخطوة، اكتشفت مفاجأة سارة تمثلت في وجود مجتمع كبير جداً من الفتيات التونسيات اللواتي يعملن كـ«دي جي» وموجودات بكثرة وبشكل فاعل على الساحة الموسيقية الإلكترونية التونسية، لذا أصبحن هؤلاء بطلات التجربة.

وأكدت أنها حين علمت من إحدى الفتيات التونسيات أنه قد تمت برمجتها أخيراً لإحياء حفل في نادٍ برليني شهير بعد سنوات طويلة من الانتظار، شعرت بأنه لا يمكنها تفويت هذه الفرصة التاريخية، فقررت حزم أمتعتها ومرافقتها فوراً لتصوير هذه الرحلة رغم عدم جاهزية ظروف الإنتاج.

حصد الفيلم جائزة في مهرجان الفيلم العربي بروتردام (الشركة المنتجة)

وأوضحت أنها سافرت برفقة بطلة العمل إلى برلين في خريف 2023 تحت ظروف إنتاجية صعبة ومعقدة للغاية وبإمكانيات تقشفية وقليلة جداً، وبسبب ضعف الميزانية، اضطرت للاعتماد على فريق عمل مصغر يتكون من 3 أشخاص فقط في أغلب الأوقات، مكون منها كمخرجة ومدير تصوير بالإضافة إلى مهندس صوت، دون وجود أي مساعد مخرج أو مساعد تصوير أو فنيين إضافيين معها.

ورغم قسوة هذا التحدي التقني واللوجيستي، فإن «خفة الحركة والتنقل المرن والسلس بكاميرا محمولة على الكتف وسط الشوارع» خلق للفيلم من وجهة نظر نضال قيقا «رؤية جمالية بصرية واقعية وحميمية»، وفق تعبيرها.

وتوضح المخرجة التونسية أن مونتاج الفيلم كان أمراً صعباً وشاقاً وممتعاً في الوقت ذاته، موضحة: «كان بحوزتي مادة وثائقية ضخمة تصل إلى ما يقارب 50 ساعة من المشاهد واللقطات المصورة بين تونس وبرلين، والتعامل مع هذه الكمية من الساعات كان كافياً ومثالياً جداً بالنسبة لي، وشكّل تمريناً ممتازاً علّمني الكثير كوني مخرجة على مستوى صياغة المحتوى البصري والتحكم في إيقاع الأحداث وإعادة الكتابة السينمائية».


حملة مصرية موسعة ضد «كيانات سياحية» غير مرخصة

جانب من إجراءات ضبط وإغلاق الأماكن غير المرخصة للعمل بالسياحة (وزارة السياحة والآثار)
جانب من إجراءات ضبط وإغلاق الأماكن غير المرخصة للعمل بالسياحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية موسعة ضد «كيانات سياحية» غير مرخصة

جانب من إجراءات ضبط وإغلاق الأماكن غير المرخصة للعمل بالسياحة (وزارة السياحة والآثار)
جانب من إجراءات ضبط وإغلاق الأماكن غير المرخصة للعمل بالسياحة (وزارة السياحة والآثار)

أطلقت مصر حملة موسعة لضبط وإغلاق الكيانات غير المرخصة التي تعمل في قطاعي السياحة والآثار بصفة غير مشروعة.

وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلةً في الإدارة المركزية لشركات السياحة، ومن خلال وحدة مكافحة الكيانات غير الشرعية التابعة لها، بضبط وإغلاق 2063 كياناً غير مرخص في مختلف المحافظات المصرية، كانت تمارس أنشطة تنظيم وبيع الرحلات والبرامج السياحية وبرامج الحج والعمرة دون الحصول على التراخيص اللازمة من الوزارة.

ويأتي ذلك في إطار الدور التنظيمي والرقابي للوزارة، المنوط بها تنظيم العمل وإحكام المتابعة والرقابة على الأنشطة السياحية المختلفة، بما يضمن جودة الخدمات المقدمة للزائرين المصريين والأجانب، ويحمي حقوق شركات السياحة المرخصة، ويدعم الاقتصاد القومي، وفقاً لبيان وزارة السياحة والآثار.

وقالت مساعدة وزير السياحة والآثار لشؤون شركات السياحة، سامية سامي، إن وحدة مكافحة الكيانات غير الشرعية التابعة للإدارة المركزية لشركات السياحة كثفت خلال الفترة الماضية حملاتها التفتيشية على مستوى محافظات الجمهورية، من خلال لجان موسعة تضم مفتشي الإدارة المركزية بالتعاون مع شرطة السياحة والآثار، لرصد الكيانات غير الشرعية التي تمارس أنشطة سياحية تدخل ضمن نطاق عمل شركات السياحة.

وأضافت أن عمل هذه الكيانات يُعد مخالفة لأحكام قانون تنظيم شركات السياحة ولائحته التنفيذية وتعديلاتهما، فضلاً عن مخالفته لقانون إنشاء البوابة المصرية للعمرة وقانون تنظيم الحج وإنشاء البوابة المصرية الموحدة للحج.

وأوضحت، بحسب البيان، أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لوقف نشاط هذه الكيانات المخالفة، بما يسهم في حماية صناعة السياحة والحفاظ على جودة الخدمات المقدمة للسائحين والزائرين.

ووفقاً لبيان الوزارة، حرر أعضاء اللجان من مفتشي الإدارة المركزية محاضر ضبط قانونية ضد أصحاب الكيانات المخالفة والقائمين عليها، وقيدوها في أقسام الشرطة المختصة لإحالتها إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، إلى جانب استصدار قرارات الغلق الإداري لمقارها بالتنسيق مع شرطة السياحة والآثار.

الحملة أغلقت أكثر من ألفي مكان غير مرخص للعمل في السياحة (وزارة السياحة والآثار)

كما أُخطرت مصلحة الضرائب التابعة لوزارة المالية بأسماء ومقار جميع الكيانات غير المرخصة التي ضُبطت، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات الضريبية والقانونية اللازمة بحق أصحاب تلك الأنشطة المخالفة.

وجاءت هذه النتائج ضمن أعمال اللجنة المُشكَّلة بقرار من وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، للتعامل مع الأشخاص والكيانات غير المرخصة العاملة في مجال السياحة والآثار.

ويؤكد رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر، ثروت العجمي، أهمية هذه الحملة في ضبط العمل بالقطاع السياحي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تسهم جهات عدة في هذه الحملة التي تقودها شرطة السياحة والآثار، من بينها غرفة شركات السياحة، بهدف ضبط الكيانات غير المرخصة التي تتسم بالعشوائية، وتتعدى على حقوق الشركات العاملة في القطاع».

وأضاف: «هناك شركات ومكاتب صغيرة عدَّة تعمل من دون ترخيص، وهو ما يهدر حقوق الشركات والمكاتب المرخصة والمسجلة رسمياً في قطاع السياحة».

وأشار العجمي إلى ضرورة التعامل بحزم مع بعض الحالات التي تضر بسوق السياحة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية تشجيع بعض الكيانات ومساعدتها على تقنين أوضاعها وتيسير الإجراءات أمامها في إطار القانون واللوائح المتبعة، لا سيما إذا كانت تمارس نشاطاً فاعلاً في السوق السياحية، مثل نظام «الهاوس غيست»، بما يدعم جهود مصر لتحقيق مستهدفاتها السياحية والوصول إلى 30 مليون سائح.

وأهابت وزارة السياحة والآثار بالزائرين والسائحين، من المصريين والأجانب، عدم التعامل مع الكيانات غير المرخصة أو الانسياق وراء البرامج السياحية التي تروج لها أو تنظمها، والاعتماد فقط على البرامج التي تنظمها شركات السياحة المرخصة من الوزارة، حفاظاً على حقوقهم وضماناً لحصولهم على خدمات سياحية آمنة ومتوافقة مع الضوابط المنظمة، فضلاً عن حماية حقوق شركات السياحة المصرية.

وفي هذا السياق، قال العجمي: «من أهم عوامل الأمان في القطاع السياحي ضمان حصول السائح على خدمة منظمة عبر القنوات المشروعة، بما يضمن وجود جهات وشركات ومكاتب مسؤولة عنه».

وكانت وزارة السياحة والآثار قد أعلنت سابقاً إصدار التراخيص الذكية للمرشدين السياحيين، وربطها بالبوابات الإلكترونية في المواقع الأثرية والمتاحف، بما يسهم في تسهيل وتنظيم دخولهم وتحسين تجربة الزيارة، ويتيح التحقق من هويات المرشدين والحد من محاولات التزوير، فضلاً عن دعم منظومة الرقابة وضمان تقديم الخدمات السياحية وفق أعلى معايير الجودة.

وتستهدف مصر زيادة عدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030، من خلال تنفيذ برامج ترويجية متنوعة، وتطوير البنية التحتية للمواقع السياحية والمتاحف، والاستفادة من تنوع المقاصد والأنماط السياحية التي تتمتَّع بها البلاد.