قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج
TT

قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج

انتهى عملي في السّاعة الحادية عشرة والنّصف ليلاً. كنت أنظر من الشّباك الكبير إلى شارع كدزي العريض، أراقب بين الحين والحين هطول الثّلج، فلأوّل مرّة أراه ينزل نديفاً متناهي الصّغر، كرأس دبوس، ثم أكبر، وأكبر حتى يصل في بعض الأحيان إلى حجم الحمّصة، وأحياناً البندقة الصّغيرة من غير مبالغة. لا شكّ أن تلك النّدفة التي تبدأ متناهية الضآلة تصطدم بغيرها، تتجمّع مع بعضها، ثم تعاود النّزول، فتزداد في الحجم، حتى تصبح كتلة كبيرة تفاجئ من يراها، ثم أنظر إلى الأرض التي اختفى إسفلتها الأسود، واكتست طبقة من البياض، لكنّي لم أراقب ارتفاعها، ولم يخطر لي أنّ تكاثفها سيكلّفني ذلك التعب الشّديد، بعدئذ. لم أتصوّر بأي حال أنّ ارتفاع الثّلج سيصل إلى سبعين سنتمتراً في نحو ثماني ساعات، مفاجأة لا تصدّق. مقرّ العمل دافئ، مريح، يغري المرء بعدم التفكير بالجو المكفهّر في الخارج. فوجئت قبل أن أخرج بنشرة الأخبار، تذكر أن مستوى الحرارة هبط تحت الصفر المئوي بـ15 درجة. أوّل شيء واجهته ما إن خرجت من باب المقرّ، هو ارتفاع الثّلج الهائل، تردّدت قبل أن أغامر بمدّ رجلي. أنا مصاب بكسر في قدمي اليسرى، منذ عهد طويل، لكنّ الألم يظهر عندما أخوض بالماء البارد، فكيف بها وهي تغطس بهذا الثّلج؟ لم يكن من الأمر بدّ، غامرت، أنزلت قدمي، إن تأثّرتْ فسيظهر ذلك بعد ساعات، لأنّ الثّلج لا يخترق «البسطال» الثّخين، ولا جوارب الصّوف حالاً. هناك ملح كثيف بنفسجي رمته شاحنات البلديّة في وسط شارع كدزي. عليّ أن أكون حذراً وإلا سقطت وكسرت إحدى عظامي. وصلت التل الأبيض الذي كان قبل ثماني ساعات سيارتي. لا أستطيع أن أزيل الثّلج المتلّل فوقها، بكفيّ، نسيت أن أرتدي قفّازي، خشيت أن تعود آلام الروماتيزم في كفي اليمنى، فتمنعني من النّوم، ولا سيما وإنّي لم أفكّر بالحصول على حبّات الدّواء قبل هذا اليوم. كنت أؤجل شراءها دائماً. لذلك رجعت إلى مقرّ العمل، بحثت عن شيء أزيل به الثّلج من فوق سيارتي وجوانبها. وجدت لحسن الحظّ، قطعة خشب بعرض نصف قدم، وطول قدمين. فرحت جداً، اعتبرت نفسي محظوظاً. فكّرت أن أشغل السّيارة قبل أن أزيل الثّلج، سأتمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد. تدفئة جوّها أولّا، وإحماء الماكنة الضّروري لعملية التشغيل ثانياً، أدرت مفتاح التحريك. السّيارة وشوشت، عطست، ثم توقّفت. انتظرت ثانيتين، ثم شغلته ثانية، فعطست عطستين، ثم وشوشت وسكتت. عندئذ انتظرت دقيقة كاملة، وشغّلته ثالثة فعطست بضع عطسات، ثم سكتتْ، ثم توقّفت عن العطاس، ماتت مرّة واحدة. ما العمل في هذا الليل السّاكن، الشّارع خالٍ، الزّمهرير شديد، إن بقيت هنا تجمّدت ومتّ مثل سيارتي. سيعثرون عليّ غداً تمثالاً بائساً جامداً من الجليد، لا حسّ ولا نفس؟ يصعدون إلى القمر لكنّهم ينسون واقعهم، لا يخترعون جهازاً بسيطاً يوضع في السّيارة يتوقّع المشاكل قبل حدوثها؟ لكن لماذا أعلّق أخطائي على شمّاعة الغير؟ أنا متخلّف، أعيش في أميركا ولا أقتني هاتفاً نقالاً، لأسباب أتفه من التفاهة نفسها. لماذا؟ لأني لا أحبّ من يسوق وهو يتكلّم، لا أحبّ من يتكلّم وهو جالس في الحافلة أو القطار، كأنّي مسؤول عن تصرّف الخلق. أخذت أفكّر أين أجد أقرب محطة وقود؟ أين؟ أين؟ هه، لقيتها. على مسافة نصف ميل، على كدزي ووسترن. لكن هل أستطيع ترك السّيارة في الشّارع؟ بخاصة بعد الثانية عشرة ليلاً؟ بعد هذا الوقت تنتشر شاحنات تسحب ما يبقى في الشّوارع من سيّارات كالقطط الجائعة تبحث عن ضحاياها، تصطاد السيّارات كما تصطاد القطط الفئران. ستسحب سيّارتي وأغرّم ثلثي ما أتلقاه في أسبوع كامل. إذن عليّ أن أركض قبل فوات الوقت لأتصل بشركة التصليح، ولعل سائق الشّركة يحنّ عليّ فيوصلني إلى أقرب نقطة مترو، الحافلات في هذه المنطقة تتوقّف بعد منتصف الليل، لا يبقى سوى المترو، وإلّا فلا سبيل آخر للرّجوع إلى البيت، فأنجو من قسوة الصّقيع وأنعم بالدّفء. لا أستطيع أن أركض على الرّصيف، والثّلج بمثل هذا الارتفاع الخياليّ. عليّ أن استعمل الشّارع، الشّارع زلق بوجود الثّلج، لكن لا بدّ مما ليس له بدّ. أنا مضطر، لا سبيل لغير ذلك. الحمد لله وصلت. عندي خمس عشرة دقيقة إلى منتصف الليل. كافية للاتّصال. وضعت وأنا ألهث نصف دولار في الهاتف العموميّ، في محطة تعبئة الوقود، جاءني صوت التسجيل الأنثوي: «إن كنت تعرف القسم التي تريده، اضغط على رقمه، وإن لم تعرفه، وتتكلّم الإنجليزيّة فاضغط على الرّقم واحد، وأن كنت تتكلّم الإسبانيّة فـ…». نقرت على الرّقم واحد. إن كانت السّيارة تحتاج إلى سمكرة، فاضغط على الرّقم واحد، أما إذا كان العطل ميكانيكيّاً، فاضغط على الرّقم 2». فعلت كما قالت. استمرت: إن كانت تستعمل «الدّيزل» فاضغط على الرّقم 1. وإن كانت تستعمل «الكاز» فاضغط على الرّقم 2. ضغطت على 2… انتهى نصف الدّولار. وضعت ثلاثة أرباع الدّولار وهو كلّ ما عندي من عملة معدنيّة، كي لا ينقطع الصّوت مرّة أخرى. كنت أنقر الأرقام وعيني على الطّريق. لا أستطيع رؤية سيارتي بالطّبع، لكنّ المنطقة مشبوهة، تكثر فيها الحوادث. قد أقتل ولا يفاجأ «العصابجي» حينما لا يجد في محفظتي سوى 20 دولاراً فقط. الثّلج يداعب سيارتي باستمرار، وكأنه يلعب معها، يتكدّس فوقها غير آبه لمأساتي، وسيارات الملح وحدها سيدة الموقف، تنثر الملح البنفسجي على الشّارع من دون انقطاع. أخيراً بلغ الصّوت النّقطة التي انقطع منها: «إن كانت السّيّارة شاحنة كبيرة فاضغط على 1، وإن كانت شاحنة عاديّة فاضغط على 2، وإن كانت سيّارة عائليّة ذات دفع رباعي فاضغط على الرّقم 3. وإن كانت السّيّارة صغيرة فاضغط على 4…». ضغطت على الرّقم 4. انتهت الفلوس، هرعت في سرعة إلى داخل المحطة. فتح عينيه هندي شيخ ذو لحية مصبوغة بحنّة باهتة، تساءل: ماذا تريد؟
طلبت منه «فكّة» معدنيّة لخمسة دولارات. سأضعها كلّها في معدة التلفون الجهنميّة التي لا تشبع قط، تذكّرت الآية القرآنيّة: «.. هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ». لعنت التلفونات ومن اخترعها. تحرّك الشيخ في بطء، وأخذ يعدّ ما عنده، وأنا أهدئ أعصابي، عنده أربعة دولارات خردة فقط. هتفت: هات، أسرعْ.
أخذت القطع المعدنيّة وركضت، وقفت قرب التلفون، وضعتها كلّها في جوف الجهاز، بدأت أضغط على النّتوءات، وأنا أتلهف لسماع الصّوت، فإذا بأصوات هائلة تسيطر على سكون الشّوارع الخالية، فتعلّقت عيناي على جهة الصّوت، فإذ هي سيارات السّحب تهزّ الكون بحركاتها المجلجلة، تندفع في جنون. اتجهت واحدة شمالاً نحو شارع لورنس، اتجهت الأخرى غرباً نحو شارع كاليفورنيا. تنفست نفساً عميقاً بارتياح، حمداً للمصادفات، سيارتي في الجنوب. ثم جاءت المصيبة أسرع من لمح البصر، لاحت شاحنة سحب ثالثة، اتجهت نحو شارع كدزي، حيث ترقد سيارتي ميتة بلا حراك. تركت سماعة التلفون، وهي تصيح «اضغط..».. ركضت، فلعلي أصل إليها قبل أن ترى سيارتي وتسحبها. ركضت، ركضت، ركضت. خارت قواي، أخذت أمشي متعباً وأنا ألهث، ثم توقّفتُ، لا فائدة، رأيت سيارتي بعد بضع دقائق، يجلّلها الثّلج الأبيض، والهواء ينثره في الأعلى وعلى الجانبين، وهي مثبتة فوق ظهر شاحنة السّحب.
- روائي وقاص عراقي



فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)

تحدَّث الممثل السعودي فهد القحطاني لـ«الشرق الأوسط» عن دوره «سطام» في مسلسل «كحيلان» التلفزيوني الملحمي الذي يعرض حالياً. وقال إنه منذ اللحظة الأولى التي قرأ فيها نصّ «كحيلان»، شعر بانجذاب واضح نحو الشخصية، وتعامل مع الدور على أنه تحدٍّ مهنيّ وشخصيّ في آن.

ومن أبرز محطات التحضير للدور تجربة تعلُّم ركوب الخيل. ويوضح القحطاني أنّ لديه خلفية عائلية قريبة من عالم الفروسية، لكن الدخول في التجربة بصفته ممثلاً فرض مساراً تدريبياً جاداً، فبدأ التدريب قبل التصوير واستمر خلاله إلى نحو الشهرين.

في مقابل تجربة الخيل، جاءت المبارزة بالسيوف لتشكّل التحدّي الأكبر، وهنا دخل القحطاني في عالم التكنيك والحركات المحسوبة، ويوضح أنّ الطاقم الفني أدّى دوراً محورياً في إدارة هذه المَشاهد لضمان سلامة الجميع.

وفي نهاية حديثه، بدا فهد القحطاني واقفاً على عتبة مرحلة جديدة؛ إذ منح مسلسل «كحيلان» تجربته دفعة واضحة، وتركت شخصية «سطّام» أثراً عميقاً في مساره عبر الأصداء الإيجابية التي حصدها من الحلقات العشر الأولى للمسلسل.


«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
TT

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً، وذلك بعد صراع طويل مع المرض، وفق وسائل إعلام محلية، وتصدَّر اسم كيتي، «الترند»، على موقع «غوغل» الجمعة، في مصر، عقب تداول خبر الوفاة بكثافة على مواقع «سوشيالية».

بدأت كيتي، العمل بالسينما المصرية في منتصف الأربعينات، وذاع صيتها خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث شاركت بالتمثيل والرقص والاستعراضات في كثير من أفلام السينما المصرية التي دُوِّنت في أرشيفها وما زالت تلقى رواجاً حتى الآن، وفق آراء نقدية وجماهيرية.

وعلى الرغم من شهرتها فإن كيتي اختفت عن الأضواء، وسافرت إلى اليونان، وسط شائعات عدة طالت اسمها حينها، وتنوَّعت بين المرض، والاتهام بالجاسوسية، والموت.

الكاتب المصري محمد الشماع، أكد خبر وفاة الفنانة والراقصة الاستعراضية، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، وكتب: «بعد نشر تحقيق عن (كيتي) بالاشتراك مع الصديق عبد المجيد عبد العزيز منذ سنوات، والاتصالات لم تنقطع بيننا وبينها سواء بشكل مباشر، أو عبر وسطاء».

وأضاف الشماع: «عرفنا الكثير الذي يستحق أن يُنشَر ويعرفه الناس، ليس فقط لأنها مجرد ممثلة وراقصة ظهرت في السينما المصرية لسنوات، لكن لأنها جزء من تاريخ بشر عاشوا في مصر وخرجوا وهم يحملون حباً خاصاً لها».

الفنانة كيتي في مرحلتَي الشباب والشيخوخة (حساب الكاتب محمد الشماع على «فيسبوك»)

ويستكمل الشماع: «توفيت كيتي بهدوء، بعد معرفة دامت لسنوات، وكان حظنا سيئاً لأننا عرفناها في سنوات عمرها الأخيرة، على الرغم من حفاظها على صحتها وعقلها وذكرياتها»، ونوه الشماع إلى أنه علم بخبر الوفاة، من الطبيب والكاتب اليوناني مانوليس تاسولاس، وهو أحد أصدقاء كيتي المقربين منها في سنواتها الأخيرة.

وعن رأيه في أعمال كيتي، ومشوارها في التمثيل إلى جانب الرقص والاستعراضات التي اشتهرت بها في السينما المصرية، وما الذي ميَّزها بين فنانات جيلها، أكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «حياة كيتي كانت غامضة جداً، حتى إن الناس كانوا يسألون: هل ما زالت على قيد الحياة؟».

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «ما أفاد كيتي، أنها تميَّزت بطابع خاص وطريقة غربية نوعاً ما، وكانت تتمتع بملامح جميلة وجذابة، في ظل وجود راقصات شرقيات في حجم تحية كاريوكا، وسامية جمال، ونعيمة عاكف، وزينات علوي، وغيرهن، في ذلك الوقت».

ونوه الشناوي إلى أن «الفترة التي كانت تشهد على خلاف بين فريد الأطرش وسامية جمال كانت تتم الاستعانة بها، وهذا الأمر أفادها كثيراً»، مضيفاً: «كيتي راقصة خفيفة الظل، وكانت تتمتع بحضور قوي، لكنها لم تكن ممثلة بالمعنى الحرفي للكلمة».

اشتهرت كيتي، التي وُلدت في ثلاثينات القرن الماضي في مدينة الإسكندرية المصرية الساحلية، بخفة الدم والحركة، والرقص وتقديم الاستعراضات في الأفلام التي شاركت بها، وكان أشهر أدوارها مع الفنان الكوميدي الراحل إسماعيل ياسين، حيث قدَّمت معه مجموعة من الأفلام السينمائية المصرية الشهيرة من بينها «في الهوا سوا»، و«اديني عقلك»، و«ابن ذوات»، و«عفريتة هانم»، و«بنت البلد»، و«الظلم حرام»، و«إسماعيل ياسين في متحف الشمع»، و«أبو عيون جريئة»، بينما كان آخر فيلم جمعهما معاً «العقل والمال»، في منتصف الستينات، بجانب مشاركتها في أفلام سينمائية أخرى، حيث يضم أرشيفها أكثر من 70 فيلماً.


البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
TT

البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)

من خلال هذه البيانات الضخمة يمكن قياس معدل إنفاق السائحين في الفنادق والمطاعم والأماكن المختلفة، يمكن أيضاً التنبؤ بما يريدونه وما لا يريدونه، ويمكن متابعة وتيرة ومناطق الجرائم المتكررة والحد منها فيما يعرف بالشرطة التنبؤية بأميركا، ويمكن أيضاً التحكم في طريقة استهلاك الطاقة في بلد من البلاد كما يحدث في الإمارات. وكذلك الاستعانة بهذه البيانات الضخمة في تحليل العديد من الأمور والظواهر الاجتماعية، خصوصاً في ظل غياب البيانات التقليدية. فما هي طبيعة هذه البيانات الضخمة، وما مصادرها، وما استخداماتها بشكل عام؟

يجيب على هذا السؤال كتاب «البيانات الضخمة BIG DATA: مصادرها واستخداماتها في التنمية» للدكتورة حنان جرجس، الصادر مؤخراً عن «دار العربي للنشر والتوزيع» في القاهرة.

يعرف الكتاب في البداية أهمية علم البيانات ودوره في حصر العديد من الأمور مثل التعداد السكاني وتعداد المدارس والمنشآت وغيرها، والفارق بين البيانات التقليدية، التي يتم جمعها بشكل مباشر من الشارع أو عبر استطلاعات رأي مقصودة، والبيانات الضخمة التي يتم تعريفها مبدئياً بأنها «البيانات ذات الكميات الكبيرة التي يتم إنشاؤها/ جمعها من التفاعلات اليومية للأفراد مع المنتجات أو الخدمات الرقمية، أو من أفعال وتفضيلات الأفراد القابلة للتبع عبر وسائط متنوعة، وهي بيانات تنشأ بصورة يومية طبيعة وليست لأغراض دراسة معينة.

هذه البيانات الضخمة إذن هي كل ما يدور على الشبكة العنكبوتية من تعاملات بوسائل التواصل الاجتماعي أو التطبيقات المختلفة، أو حتى كروت الفيزا أو البطاقة الشخصية أو أي بيانات يمكن التعامل بها رقمياً، ومن ثم تصبح جزءاً من الكم الهائل من البيانات التي يمكن استخدامها لأغراض متنوعة، خصوصاً في مجال التنمية في أكثر من مجال كما أوضحنا في البداية. نحن إذن أمام كنز من المعلومات التي تساعد في فهمنا للعالم وترويضه أيضاً وتحسين صورته عبر التنمية المستدامة.

البيانات الضخمة تُستخدم في العديد من المجالات (الشرق الأوسط)

تتمتع هذه البيانات الضخمة بخصائص بعينها حتى تصبح قابلة للتعمل عليها وتحليلها، كبيرة الحجم، سريعة التواتر، عالية التنوع، لها قيمة كبيرة، على قدر كبير من الصدق. هذه الخصائص هي التي تحكم إمكانية استخدام تلك البيانات أم لا ومدى ملاءمتها للتعبير عن شأن معين أو قياس أمر ما.

وإذا كانت البيانات التقليدية مثل التعداد السكاني أو التعداد الاقتصادي أو الإحصاءات الحيوية مثل المواليد والوفيات، أو قاعدة بيانات الرقم القومي أو المسوح بأنواعها أو استطلاعات الرأي العام يمكنها أن تفيدنا في وضع خطط وسياسات بعينها تخدم الجمهور وتحقق أهداف الدولة، إلا أن البيانات الضخمة لها دور آخر أكثر دقة من سابقه، فهي يمكن أن تحدد اتجاهات عامة وشاملة في التعامل مع أحد القطاعات مثل السياحة أو الصحة أو التعليم أو الصناعة والطاقة، وتسهم في تنمية هذه القطاعات بطريقة مدروسة وعلمية، إذا توافرت شروط البيانات الضخمة ومصدرها وأمكن تحليلها وفق أحدث الطرق التكنولوجية المتاحة والتي سهلت كثيراً هذا الأمر.

يشير الكتاب ليس فقط إلى القيمة الكبيرة التي تمثلها البيانات الضخمة ولكن أيضاً لما تنبئ به من مستقبل مزدهر بناء على قراءة الواقع والاتجاهات العامة للجمهور في مجال بعينه وتغذية مفردات هذا الاتجاه ليكون مصدر جذب وتعظيم مخرجاته بكل السبل الممكنة بناء على البيانات التي تم الحصول عليها.

وتكمن هذه البيانات في كل ما يرتبط بالمفردات الرقمية من وسائل التواصل الاجتماعي للكروت الممغنطة إلى كل وثيقة أو تفاعل أو تعامل بصيغة رقمية في المجال العام أو الخاص، لتصبح هذه التفاعلات بشكل أو بآخر جزءاً من سلسلة متصلة متواصلة من إنتاج البيانات الضخمة التي يمكن الاستفادة منها بطريقة علمية في التنمية والاستدامة.

الكتاب الذي قدمه الدكتور ماجد عثمان وزير الاتصالات المصري سابقاً، وأشار في مقدمته إلى أهميته باعتباره فريداً في مجاله، فلم يسبق أن تناول أحد معالجة البيانات الضخمة بطريقة علمية تفيد خطط التنمية المحلية، يضم عدة فصول ما بين البيانات التقليدية والضخمة ومصادرها واستخداماتها، وربما استفادت الكاتبة من عملها محلياً ودولياً في مراكز لقياس الرأي العام، كما أنها شريك مؤسس لمركز بصيرة لاستطلاعات الرأي وقياس الرأي العام في مصر، وهي من الخبراء البارزين في مجالات الإحصاء والديموغرافيا والتنمية والبحوث الكمية.

ويعد هذا الكتاب بمنزلة خريطة طريق يمكن الاستفادة منه لمعرفة طريقة جمع البيانات الضخمة وتحليلها وتوجيهها بطريقة علمية وعملية للاستفادة منها في وضع سياسات وخطط تنموية في مجالات شتى.