أكراد العراق ماضون نحو الاستقلال

الاستفتاء في موعده... والإقليم بدأ استعداداته لمرحلة قيام «الدولة»

أكراد العراق ماضون نحو الاستقلال
TT

أكراد العراق ماضون نحو الاستقلال

أكراد العراق ماضون نحو الاستقلال

منذ اللحظة الأولى التي حددت غالبية الأطراف الكردستانية في اجتماع عُقد بأربيل، في 7 يونيو (حزيران) الماضي، برئاسة رئيس الإقليم مسعود بارزاني، موعداً لإجراء الاستفتاء على الاستقلال في كردستان العراق، بدأ الشاب الكردي أميد نانكلي ومجموعات من الشباب الآخرين بالاستعداد لهذه العملية، والعمل على إنجاحها من خلال توعية المواطنين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصاتها بضرورة التصويت بـ«نعم» في الاستفتاء بهدف إنجاح الاقتراع، وتأسيس «الدولة الكردية».
وينتظر ملايين الأكراد في إقليم كردستان والعراق ودول خارجية يوم 25 سبتمبر (أيلول) الحالي التصويت في الاستفتاء الشعبي العام الذي تنظمه حكومة كردستان العراق على الاستقلال، وإنشاء الدولة الكردية التي لطالما انتظرها الأكراد في العالم، خصوصاً بعد أن قسّمت اتفاقية «سايكس - بيكو» عام 1916 أراضي الأكراد على أربع دول هي العراق وإيران وتركيا وسوريا.

تعرّض الكرد في العراق خلال المائة عام الماضية لكثير من حملات الإبادة الجماعية على أيدي الأنظمة العراقية المتعاقبة، كان أبرزها الحملات التي شنّها نظام البعث بقيادة الرئيس السابق صدام حسين الذي شن منذ تولي حزبه الحكم في العراق عام 1968 كثيراً من حملات تصفية الكرد. ومن هذه الحملات حملة الإبادة الجماعية التي طالت على وجه الخصوص البارزانيين وأسفرت عن إبادة أكثر من 8000 منهم خلال يوم واحد، إضافة إلى حملات «الأنفال» التي أسفرت عن إبادة أكثر من 182 ألف كردي من كل أنحاء كردستان دُفن معظمهم وهم أحياء في صحارى الجنوب العراقي. كما تعرض الكرد للقصف بالغازات السامة المحظورة دولياً، كما حصل في مدينة حلبجة حيث قُتل أكثر من 5000 مدني كردي وأصيب أكثر من 10000 آخرين ما زال بعضهم يعاني حتى اليوم. وشمل القصف بالغازات السامة في ثمانيات القرن الماضي قرى وبلدات كردية أخرى. ودمّرت قوات صدام في حملاتها المتعاقبة ضد الكرد أكثر من 4500 قرية.
ويقول أميد نانكلي، الذي أحضر مجموعة من أعلام كردستان استعداداً ليوم الاستفتاء، وهو منشغل بالاستعداد لذلك اليوم الذي يصفه بـ«التاريخي»: «نحن، كمجموعة من الشباب المتطوعين، ننظم يومياً نشاطات متعددة لتوعية المواطنين وتأييد عملية الاستفتاء». ويتساءل نانكلي قائلاً: «لماذا يجب أن نبقى مع العراق؟». وعما إذا كانت مطالبات بعض الدول قد تؤدي إلى تأجيل هذه العملية، يشير هذا الشاب الكردي إلى أن «الكثير من دول العالم وشعوبها يجري استفتاءات لتقرير المصير، فلماذا يحق لهم جميعاً هذا ولا يحق لنا نحن الكرد، أقدم شعوب العالم، أن نتمتع بهذا الحق المشروع؟ لذا، الاستفتاء حق مشروع من حقوقنا كشعب في هذا العالم ولن يؤجل، وسنجريه في موعده المحدد»، مكرراً بذلك تأكيدات أدلى بها تكراراً في الأيام الماضية قادة إقليم كردستان العراق.
ويضيف نانكلي: «ما الضمانات التي ستقدمها لنا الأطراف العراقية والدولية التي تطالبنا بأن نؤجل الاستفتاء؟ قطعت الحكومة العراقية قوت الشعب الكردي وأرزاقه، وما زالت مستمرة في ذلك حتى الآن. المجتمع الدولي لم يحرّك ساكناً ولم يضغط على بغداد لإطلاق حصة الإقليم من الموازنة، والمواطن الكردي ما زال مواطناً من الدرجة الثانية في العراق. إذن، بأي وجه حق يطالبوننا بالبقاء في إطار العراق الموحد؟ من أجل مستقبلنا ومستقبل أطفالنا سنمضي إلى الاستفتاء على الاستقلال».
ورغم تصويت الكرد على إنجاح الدستور العراقي وإنجاح العملية السياسية في العراق الجديد، بعد عام 2003، فإن العلاقات بين الجانبين طغى عليها التوتر، حتى إنها في بعض الأحيان وصلت إلى حد التصادم العسكري، خصوصا في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي حرّك الجيش العراقي لمهاجمة قوات «البيشمركة» في خانقين وكركوك ومناطق كردستانية أخرى تقع خارج إدارة الإقليم (المناطق المتنازع عليها). كما بادر المالكي، مع بداية 2014، إلى قطع حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية للعراق، وقطع رواتب موظفي كردستان، فتسبب في أزمة اقتصادية كبيرة في الإقليم الذي لم ينفض بعد غبارها عنه.
ولعبت قوات «البيشمركة» دوراً كبيراً في منع سقوط الأراضي العراقية بأيدي مسلحي تنظيم داعش عقب سقوط الموصل في يونيو 2014، كما نجحت في وقف تمدد التنظيم وخاضت ضده معارك واسعة أسفرت عن تحرير مساحات واسعة من الأراضي وأفقدته قدراته الهجومية بالكامل تقريباً، بإسناد من طيران التحالف الدولي، خلال أعوام 2014 و2015 و2016 و2017. إلا أن الحكومة العراقية، بحسب مصادر وزارة «البيشمركة» وحكومة إقليم كردستان، لم تقدم أي دعم مالي أو عسكري للقوات الكردية، بل وامتنعت عن منحها حصتها من الأسلحة والأعتدة التي زوّد بها التحالف الدولي القوات الأمنية العراقية.
وشدد رئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني، خلال اجتماعاته المستمرة التي عقدها مع شرائح المجتمع الكردستاني خلال الأسابيع الماضية، على أن العراق فشل في تقبُّل شعب كردستان شريكاً حقيقياً على مدى سنوات، مبيناً أن الإقليم سجّل على الحكومة العراقية منذ عام 2003 تجاوزاً لنحو 55 مادة من الدستور العراقي الذي صوتت عليه غالبية الشعب، لافتاً إلى أن السنّة والكرد أصبحوا اليوم من المهمشين. وأوضح قائلاً: «حاول الكرد دائماً أن يكونوا ‏شركاء في بلد فيدرالي، ‏لكن للأسف فشلت كل هذه المحاولات، بدليل أن نسبة الكرد في الجيش العراقي عام 2004 كانت 40 في المائة، لكن هذه النسبة تضاءلت ومن الممكن أن تكون اليوم لا شيء».
وفي 14 أغسطس (آب) الماضي، وصل وفد من المجلس الأعلى للاستفتاء في كردستان إلى بغداد للتفاوض بشأن الاستفتاء على الاستقلال مع الحكومة والأطراف العراقية كافة. وبعد اجتماعات استمرت لنحو أسبوع، عاد الوفد إلى كردستان معلناً أن المباحثات مع الجانب العراقي كانت إيجابية وستستمر بين الجانبين حتى بعد إجراء الاستفتاء.
لكن كثيراً من الأطراف العراقية ودولاً مؤثرة عديدة طالبت الإقليم بتأجيل الاستفتاء إلى وقت آخر. وكان رد رئيس الإقليم على هذه المطالبات في أحد الاجتماعات التي عقدها مع رجال الدين في أربيل: «لم نسد الطريق على أي من المعارضين للاستفتاء، فليقولوا لنا متى سيحين الوقت المناسب للاستفتاء وليطرحوا بدائلهم. لكن من يحاول تأجيل الاستفتاء دون أن يطرح البديل المناسب، أعتقد أنه يريد أن يلعب بالوقت، ولذلك فلا يمكن القبول بمقترحه لأننا لن نؤجل الاستفتاء»، وهو موقف كرره رئيس الإقليم في مقابلة مطولة مع «الشرق الأوسط» قبل أيام.
وشهد إقليم كردستان، الأسبوع الماضي، زيارة وزير الدفاع الأميركي ووزير الخارجية التركي ووزيري الخارجية والدفاع الفرنسيين. وفيما أبدى الوزيران الأميركي والتركي تحفظات عن توقيت إجراء الاستفتاء، أكد الوزيران الفرنسيان أن بلادهما مثلما دعمت الإقليم في وقت الحرب، فإنها ستدعمه في وقت السلم أيضاً.
وأكدت كل الأطراف الدولية على ضرورة استمرار المفاوضات بين بغداد وأربيل، وهذا ما تصر عليه القيادة الكردية أيضاً.
أما النظام الإيراني فقد أعلن أنه لا يؤيد الاستفتاء على الاستقلال كردستان ويطالب ببقاء الإقليم في إطار العراق الموحد. لكن رغم هذه المعارضة من طرف إيران، التي تتشارك فيها تركيا أيضاً، يرى مصدر كردي رفيع المستوى في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن طهران وأنقرة لن تغلقا حدودهما مع الإقليم «أبداً»، معللاً ذلك بوجود علاقات تجارية واسعة بين هاتين الدولتين الإقليميتين، والإقليم الكردي، وبالتالي فإن أي إغلاق لحدودهما «سيتسبب بأزمات اقتصادية كبيرة داخل إيران وتركيا». ولفت إلى أن الإقليم «لطالما كان مصدراً للاستقرار في المنطقة، والدولة الكردية القادمة ستكون مصدراً للاستقرار وشريكاً رئيسياً للتحالف الدولي في الحرب ضد الإرهاب».
ورداً على المطالبات الدولية للقيادة الكردية بتأجيل الاستفتاء على الاستقلال، أوضح المستشار الإعلامي في مكتب رئيس إقليم كردستان، كفاح محمود، لـ«الشرق الأوسط»: «الاستفتاء لن يؤجل ولو لدقيقة واحدة إلا ببديل، والبديل هو ضمانات دولية توقعها كل الأطراف، خصوصاً الأطراف الرئيسية المتمثلة ببغداد والولايات المتحدة وحتى تركيا وإيران، وهذه الضمانات تكون مكتوبة وتحدد يوماً آخر أو موعداً آخر للاستفتاء، وتحترم نتائجه. في هذه الحالة فقط بالإمكان تأجيل الاستفتاء، وعدا هذا لا يمكن تأجيله وسيجري في موعده المحدد».
ومع تمسك الإقليم بإجراء الاستفتاء في موعده، يكون العد التنازلي لهذه العملية قد بدأ فعلياً، حيث بدأ المجلس الأعلى للاستفتاء في كردستان الاستعداد للمرحلة المقبلة التي تلي هذه العملية وهي مرحلة التفاوض على الاستقلال وبدء عهد جديد من العلاقات بين العراق وكردستان.
ويؤكد القادة الكرد رغبتهم في أن تكون العلاقات المستقبلية مع العراق «علاقة جيرة حسنة بين دولتين تمثلان عمقاً استراتيجياً لبعضهما بعضاً».
ويؤكد رئيس حزب «التنمية» التركماني وعضو المجلس الأعلى للاستفتاء في كردستان، محمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»: «المجلس الأعلى للاستفتاء يواصل تحضيراته لإجراء هذه العملية الديمقراطية. من الناحية السياسية، نحن سنستمر في التفاوض مع بغداد وستستمر هذه المباحثات بين الجانبين مستقبلاً، وننتظر أيضاً زيارة وفد من بغداد إلى كردستان»، مشيراً إلى أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والاستفتاء في كردستان أنهت استعداداتها، من الناحية الفنية، لتنظيم الاستفتاء.
ويضيف سعد الدين: «صحيح أن الجانبين الأميركي والتركي طلبا تأجيل الاستفتاء إلى وقت آخر، لكن رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أبلغهما بأن إجراء الاستفتاء هو القرار النهائي للشعب الكردي، ولن ينتظر شعب كردستان أكثر من ذلك. استفتاء كردستان واستقلالها لن يزعزعا الاستقرار في المنطقة، والاستفتاء سيجري في أجواء مستقرة وهادئة».
ويوضح أن قرار تأجيل الاستفتاء أو إجرائه ليس بيد رئيس الإقليم، لأن هناك مجلساً أعلى للاستفتاء في كردستان يشارك في عضويته 80 في المائة من الأحزاب والأطراف السياسية في كردستان، وقد صوتت جميع هذه الأطراف على إجراء الاستفتاء في 25 سبتمبر.
ويكشف هذا العضو في المجلس الأعلى للاستفتاء عن توجّه وفود المجلس قريباً إلى الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا، الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، وألمانيا ودول الجوار وعدد من الدول العربية والأوروبية ودول العالم الأخرى. ويضيف: «سنُبلغ هذه الدول أننا سنجري الاستفتاء في موعده المحدد، وأننا نريد من خلال هذه العملية الديمقراطية أن نعرف رأي شعب كردستان، ولكي يعلم في ما بعد الشارع العراقي والدولي أن الضغوط التي تعرضت لها كردستان خلال السنوات الماضية والمشكلات مع الحكومة العراقية كانت نتيجتها أن شعب كردستان يريد أن يعيش مستقلاً ولا يريد البقاء مع العراق».
ورغم أن الأطراف العراقية تجد أن من حق الشعب الكردي إجراء الاستفتاء، إلا أنها تطالب بتأجيله وتدعو إلى حل المشكلات في إطار العراق الموحد. وتقول النائبة عن كتلة الأحرار (التيار الصدري) في مجلس النواب العراقي، ماجدة التميمي لـ«الشرق الأوسط»: «إجراء الاستفتاء حق من حقوق الشعب الكردي، وإن شاء الله سيؤدي هذا الاستفتاء إلى أمور أفضل للإقليم وللعراق ككل. فخير الإقليم هو خير العراق وخير العراق هو خير للإقليم، لكن إذا كان الهدف من الاستفتاء هو الانفصال فهذا يحزننا، لأننا فتحنا عيوننا ورأينا كردستان جزءاً من العراق وأهله، ونتمنى أن تتجه الأمور نحو الأحسن بين أربيل وبغداد، وأن يكون هناك تفاهم بين الجانبين».
وشددت على أنه «ليست هناك مشكلة ليس لها حل. المشكلات العالقة بين أربيل وبغداد ليست مستعصية، بل قابلة للحل ببساطة، لكنها تحتاج إلى رغبة في الحوار لدى الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم».
ويرى إقليم كردستان أن الوقت الحالي هو الأنسب لإعلان «دولة» في خضم التغييرات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. وأوضح رئيس الإقليم مسعود بارزاني خلال الاجتماع الذي جمعه بمكونات الإقليم القومية والدينية في مدينة أربيل، 23 أغسطس الماضي: «ستكون دولتنا معبّرة عن جميع المكونات، وعلينا أن نعمل وفق مزيد من تعميق التعايش المشترك في هذا البلد»، مؤكداً أن دولة كردستان ستكون دولة ديمقراطية مبنية على أساس المواطنة.
وبحث المجلس الأعلى للاستفتاء في كردستان برئاسة رئيس الإقليم مسعود بارزاني، في جلسته التي عقدها بتاريخ 23 أغسطس الماضي، في نتائج اجتماعات وفد المجلس في بغداد مع الحكومة والأطراف السياسية العراقية. ونص بيان المجلس الذي أصدره عقب الانتهاء من الاجتماع على نقاط عدة من أبرزها «التشديد على ضرورة استمرار المفاوضات مع بغداد حول عملية الاستفتاء وشكل العلاقة بين الإقليم والعراق. و‏الإسراع بتشكيل اللجان ‏الخاصة بعملية الاستفتاء، واتخاذ التدابير العملية لإجراء الاستفتاء في موعده المحدد، وتأييد محاولات حكومة إقليم كردستان للإصلاح، واتخاذ الإجراءات الضرورية لتحسين الحالة المعيشية للمواطنين، والتأكيد على‏ الحقوق العادلة لشعب كردستان وتقرير المصير».
وبيّن أن عملية الاستفتاء لن تكون لها أي تأثيرات سلبية على الحرب ضد «داعش»، و«ستستمر كردستان في مواصلة الحرب ضد الإرهاب في الجبهات الأمامية». كما أكد البيان الإيمان الكامل والراسخ بالشراكة الحقيقية بين المكونات القومية والدينية في كردستان. وقرر الاجتماع إدراج فقرة تشكيل وإرسال وفود للتفاوض مع دول الجوار ودول العالم، ‏في برنامج المجلس الأعلى للاستفتاء، إضافة إلى الاتفاق على عقد مؤتمر للكتاب والأدباء والصحافيين في المنطقة والشرق الأوسط باللغة العربية في إقليم كردستان حول مبادئ الديمقراطية وحق تقرير المصير.
ومع اقتراب موعد إجراء الاستفتاء تندثر المشكلات الداخلية في كردستان بين الأحزاب الكردية. فالأطراف الكردستانية اتفقت على تفعيل برلمان الإقليم لصالح إنجاح عملية الاستفتاء. ويرى نائب عن الاتحاد الوطني الكردستاني (حزب الرئيس العراقي السابق جلال طالباني) أن الاستفتاء جمع كل الأطراف الكردية على طريق واحدة.
وأوضح النائب في برلمان كردستان خلف أحمد لـ«الشرق الأوسط»: «نحن في الاتحاد الوطني الكردستاني نؤيد الاستفتاء على الاستقلال لأنه موضوع وطني وهو أملنا جميعاً ويجب علينا نحن الكرد أن نؤيد هذه العملية، ولا يمكن لأي سبب من الأسباب أن نقف ضدها لأننا ننتظر هذا اليوم منذ زمن طويل والاستفتاء نجح في توحيد البيت الكردي».
في المقابل، يقول عضو المجلس العام لـ«حركة التغيير» صابر إسماعيل حمزة لـ«الشرق الأوسط» إن الحركة تؤيد الاستفتاء من أجل استقلال كردستان، لكنها لا ترى الوقت الحالي مناسباً لإجرائه. ويوضح: «نحبذ تأجيله حالياً».
ومع اقتراب موعد إجراء الاستفتاء على الاستقلال في كردستان العراق، يشهد الشارع الكردي نشاطات وندوات مكثفة استعداداً لهذا الحدث الذي يصفه الأكراد بـ«التاريخي»، بينما تواصل مجالس المدن الكردستانية الواقعة خارج إدارة حكومة الإقليم (المتنازع عليها) الواحدة تلو الأخرى التصويت بالموافقة على مشاركة مدنها في الاستفتاء على استقلال كردستان والانضمام إلى «الدولة» الكردية المنتظرة. كما أعلنت عشائر عربية سنية تقع مناطقها في إقليم كردستان عن تأييدها للاستفتاء والاستقلال، مؤكدة أن حياتها وحقوقها مؤمنة بفضل الحماية التي توفرها قوات «البيشمركة» لها ولمناطقها التي حررتها القوات الكردية من «داعش» في السنوات القليلة الماضية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.