بارزاني: ما ارتكبه المالكي ضد الإقليم يفوق أنفال صدام ولم نسمع احتجاجاً

قال لـ«الشرق الأوسط» إن العرب السنة باتوا الخاسر الكبير وكشف أنه نصحهم باكراً بإقامة إقليم لهم

رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)
رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)
TT

بارزاني: ما ارتكبه المالكي ضد الإقليم يفوق أنفال صدام ولم نسمع احتجاجاً

رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)
رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)

قال رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني إن عقدة عدم الاعتراف بالآخر تتحكم بمن يحكم بغداد. لكنه أظهر حرصاً على تفادي انتقاد رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ملمحاً إلى المعوقات التي تعترض رغبته في الحل.
وبدا واضحاً من حديث بارزاني إلى «الشرق الأوسط» أن فترة حكم نوري المالكي في بغداد عمّقت رغبة أهل الإقليم في الطلاق والاستقلال. واتهم بارزاني المالكي بأنه نفّذ في حق الإقليم جريمة تفوق ما فعله صدام حسين في عملية الأنفال التي أدت إلى مقتل أكثر من 180 ألف كردي.
واعتبر أن العراقيين من العرب السنة أخطأوا في إدارة شؤونهم وعدم التحدث بصوت واحد ما جعلهم بعد تحصّن تنظيم داعش في مناطقهم الخاسر الكبير لأن مدنهم مدمرة الآن وقسماً كبيراً من سكانها مهجّر. وكشف أنه نصح العرب السنة غداة إسقاط صدام حسين بإنشاء إقليم كان الشيعة يومها على استعداد للقبول به، لكن المزايدات والحنين إلى الماضي وغياب الموقف الموحد منعتهم من المحافظة على حقوقهم.
وقال إن الأكراد اختاروا الشراكة في دولة مدنية بعد إسقاط صدام ليكتشفوا لاحقاً جنوحاً نحو دولة طائفية دينية.
وهنا نص الحديث:

> هل دخلنا مرحلة الأيام والأسابيع التاريخية بالنسبة إلى إقليم كردستان؟
- بالتأكيد دخلناها ومن باب واسع.
> هل هناك احتمال ولو بسيط لتأجيل الاستفتاء حول الاستقلال في 25 سبتمبر (أيلول)؟
- الاستفتاء قرار حاسم وهو قرار الشعب، وقرار معظم القوى السياسية في كردستان أنه يجب أن يجري الاستفتاء في 25 سبتمبر، اللهم إلا إذا كان هناك بديل أفضل.
> ماذا تقصدون بالبديل الأفضل؟
- هو مجرد رأي وإنما لست أنا الذي يقرر، فهناك مجلس أعلى للاستفتاء يتمثّل بالقيادة السياسية في كردستان وهي التي تقرر بالإجماع وليس قرار شخص واحد. لكن إذا كان هناك، كما نسمع من كثير من الأطراف، أن التوقيت غير مناسب، وتأجيله لمدة ستة أشهر أو سنة، فهل هناك استعداد للتوقيع على وثيقة أنه في 25 سبتمبر 2018، مثلاً، سيُعترف بنتائج الاستفتاء وتُقبل النتائج، وكانت هذه النتائج لمصلحة الاستقلال؟ ربما يمكن درس مثل هذا البديل إذا كان مطروحاً.
> هذا البديل تريده ممن؟ من أميركا؟
- أولاً من الحكومة العراقية ومن البرلمان العراقي ومن ثم بضمانة أميركية والتحالف الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
> الظروف لا توحي بتوفر هذا البديل حتى الآن؟
- هذا يعني أن الاستفتاء في موعده.
> سأسألكم سؤالاً افتراضياً وهو ماذا ستفعل لو ذهب الأكراد إلى الاستفتاء وقالوا: لا نريد الاستقلال؟
- سأخضع لرأي الشعب ولن تبقى علي أي مسؤولية، أنا أديت واجبي تجاه شعبي، وإذا قرر الشعب رفض الاستقلال فاحترم إرادة شعبي وأتفرغ لحياتي الخاصة.
> ستستقيل؟
- من دون شك، إذا الشعب قال لا، لا أرى أنه يبقى لي أي مجال في العمل.
> هل هناك إمكانية بأن تأتي النتائج ضعيفة؟ وكيف تشعر بالمزاج الشعبي؟
- المزاج الشعبي الذي نراه اليوم فرح وحماسي ومتهيئ للتصويت، وقد رأيتم التجمع الكبير الذي حدث في مدينة كولن في ألمانيا حيث اجتمع الآلاف من أبناء شعب كردستان هناك وقالوا بصوت واحد: «نعم للاستفتاء»، وهذا تعبير عن بقية المناطق وعن إرادة شعب كردستان. ربما هناك أناس يخافون من النتيجة، يتحسسون منها أو غير مقتنعين بها، وطبعاً هذه هي الديمقراطية، وأصلاً السؤال في الاستفتاء هو: هل أنت مع استقلال كردستان أم لا؟، والجواب يكون بنعم أو لا. إذن السؤال ديمقراطي، لذلك لننتظر ونرى النتيجة، وأتوقع أن تكون نسبة التصويت بنعم عالية جداً، لكن الاحتمالات كلها واردة أيضاً.
> لو كان والدكم الملا مصطفى بارزاني في مكانكم حالياً وفي هذه الظروف، هل كان سيتخذ قرار الدعوة إلى الاستفتاء على الاستقلال؟
- أنا تلميذ في المدرسة التي أسسها واستلهم دائماً من فكره وسلوكه.
> هل تشعر برغبة في الثأر لأنك ولدت في جمهورية مهاباد التي أعلنت على الأراضي الإيرانية واختفت وهل تريد أن ترى ولادة جمهورية كردية جديدة في كردستان؟
- لم تكن جمهورية مهاباد بل كانت جمهورية كردستان في مهاباد، مؤلف الكتاب ويليام ايغلتون كان القنصل الأميركي في طهران أو في تبريز، وكان سفيراً لدى بعض الدول العربية، وكان أيضاً ممثل الأمم المتحدة في «أونروا». عندما ألّف هذا الكتاب حذفت الرقابة في الخارجية الأميركية الكثير من المسائل وغيّرت عنوان الكتاب من «جمهورية كردستان في مهاباد» إلى «جمهورية مهاباد».
> كم عاشت «جمهورية كردستان في مهاباد»، نحو أحد عشر شهراً؟
- نعم تقريباً أقل من سنة وكان والدي قائداً للقوات المسلحة فيها. الأمر ليس انتقاماً بل تواصل لتحقيق الهدف.
> وشاءت المصادفة أن تولد أنت في مهاباد؟
- أنا ولدت في 16 أغسطس (آب) عام 1946 في مهاباد. بعد انهيار جمهورية كردستان في مهاباد واستعادة الجيش الإيراني السيطرة على المنطقة، صارت هناك هدنة بين البارزانيين ومجموعة من الكرد الذين جاءوا لمساعدة جمهورية كردستان وبين الجيش الإيراني استمرت حتى الربيع كي يختاروا إما العودة إلى العراق أو الخروج من إيران إلى أي مكان آخر أو الاستسلام والسكن في مناطق بعيدة. وفي الربيع، اندلع القتال بين البارزانيين والجيش الإيراني وأصيب الجيش الإيراني بهزائم نكراء، وتقررت عودة العوائل والمسنين إلى العراق، أما والدي وبرفقة نحو 500 مسلح شاب قطعوا في مسيرة تاريخية استمرت لمدة 53 يوماً المسافة من الحدود العراقية - الإيرانية إلى مدينة نقجيوان في جمهورية أرمينيا داخل الحدود السوفياتية، وخلال هذه المسيرة كانوا يدخلون أحياناً الأراضي الإيرانية وأحياناً الأراضي التركية واصطدموا مرات عدة خلال مسيرتهم مع القوات الإيرانية والتركية لكنهم واصلوا طريقهم.
> والتقيت والدك بعد 11 عاماً؟
- والدي فارقنا في يوم 14 أبريل (نيسان) عام 1947 حيث ودّع العائلة وتحرك وعاد في يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1958، بعد «ثورة تموز».
> قبل نحو شهر استقبلت وفداً إيرانياً، فماذا طلب منكم؟
- اللقاء كان ودياً جداً، وكان حسن دانائي فر، السفير الإيراني السابق في بغداد، يرأس هذا الوفد الذي حمل رسالة من طهران تدعو إلى التعاون والتنسيق. أبدى الوفد الإيراني تحفظه عن الاستفتاء، قائلاً إن توقيته غير مناسب ومن الأفضل أن تُحل المشاكل بين أربيل وبغداد والعودة إلى الدستور وحل المشاكل بالاستفادة من التجارب السابقة، وإن الأخطاء وقعت من قبل كل الأطراف. قلنا لهم إن هذه المرحلة تجاوزناها وشرحنا لهم وجهة نظرنا.
>هل حملوا أي نوع من التحذير؟
- أبداً، وتكلموا معي في اللقاء بلغة مؤدبة وودية جداً.
> فيما بعد هل تلقيتم تحذيراً من إيران؟
- في الإعلام أحياناً، هذا المسؤول أو ذاك يصرّح مهدداً.
> استقبلتم أيضاً وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، فماذا قال لكم وماذا قلتم له؟
- اللقاء أيضاً كان ودياً وصريحاً، ونقل وجهة نظر تركيا، وقال إن التوقيت غير مناسب، ونخشى أن تحدث مشاكل داخلية وأعرب عن تخوفه من أنه قد تقع حرب أهلية بيننا وبين المكوّنات الأخرى في العراق، وأن حرب «داعش» لم تنته بعد وربما يؤثر الاستفتاء على الوضع الأمني والاستقرار في المنطقة. وقال إنهم يعلمون أن الظلم وقع علينا في الإقليم وإن الدستور لم يطبق بشكل جيد، وإن من حق الإقليم أن يطالب بهذه الحقوق ولكن نرجو أن يكون ضمن العراق. أيضاً شرحنا لهم وجهة نظرنا وحالة الإحباط التي حصلت بعد أن فشلت كل المحاولات التي بذلناها لتأسيس شراكة حقيقية، واتفقنا على التواصل.
> هل شعرت بالقلق حين استقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان رئيس أركان الجيش الإيراني؟
- أبداً، لم أشعر بأي قلق.
> هل من الممكن أن تعود الجغرافيا إلى معاقبة الأكراد؟
- لا أعتقد، لأن الظروف تغيّرت والعالم تغيّر، الآن ليس زمن حلف السنتو (أي حلف بغداد) ولا الستينات ولا زمن حلف سعد آباد (معاهدة عدم اعتداء وقعتها تركيا، إيران، العراق وأفغانستان). الدنيا الآن غير تلك الدنيا.
> ألا يمكن أن نرى الإقليم محاصراً إيرانياً وتركياً وسورياً؟
- كن واثقا ربما نحن نتضرر ونتأذى لكن هؤلاء سيتضررون ربما أكثر إذا لجأوا إلى مثل هذه الخطوة.
> ماذا قال وزير الدفاع الأميركي في اللقاء معكم؟
- هذه المرة الثانية التي التقي فيها ماتيس. المرة الأولى التقيته في مؤتمر الأمن في ميونيخ في فبراير (شباط) الماضي، وهذه المرة التقيته في أربيل. كان ضابطاً شاباً في القوات الأميركية التي جاءت إلى المنطقة عام 1991، لتوفير «المنطقة الآمنة»، أي إنه شخص مطلع. وفيما بعد، بين الأعوام 2003 - 2004 كان في الرمادي والفلوجة، وتسلّم مراكز قيادية مرتبطة بالمنطقة. وقد أبدى تقديراً عالياً وإعجاباً بالبيشمركة وقدّم تعازيه لعائلات الشهداء وأكد أنه لولا التنسيق بين الجيش الأميركي وقوات البيشمركة والجيش العراقي لما تحققت هذه الانتصارات في الموصل، وأكد على استمرار التعاون والدعم. وبخصوص الاستفتاء قال: نحن نتفهم حقوق شعب كردستان وطموحه، ونقر بأن لكم هذه الحقوق، ولسنا ضد مبدأ الاستفتاء، لكن في تصورنا الاستفتاء في هذا التوقيت سيخفف التركيز على الحرب ضد «داعش»، لذلك نرغب في إعادة النظر في الموضوع. شرحت له وجهة نظرنا وأن كل المحاولات التي بذلناها مع بغداد فشلت وقلت له نفس الكلام الذي قلته العام الماضي في بغداد للعبادي وللتحالف الوطني، وهو تعالوا لنعترف بفشلنا في بناء شراكة حقيقية ولنكن جريئين، ولنبحث عن صيغة جديدة، والصيغة الجديدة هي أن نكون جيراناً في أفضل حالات حسن الجوار، ونكون امتداداً وعمقاً لبعضنا، ونقيم أفضل العلاقات ونتعاون وأن يكون هناك تسريح بإحسان لا بالعنف بل بالعكس نتعاون على كل المسائل، فهذا أفضل من أن نستمر في ممارسة تجربة فاشلة لم ترتاحوا فيها أنتم ولا نحن ارتحنا. لماذا نستمر في وضع تعذبنا كلنا منه؟ هذا ليس منطقياً. والحقيقة أنهم كانوا منفتحين، لكن ربما تصوروا أنها ورقة ضغط، أو ليست المسألة جدية. الكثيرون كانوا يتصورونها هكذا. التقيت خلال تلك الزيارة كل القيادات العراقية بما فيها كل التنظيمات الشيعية في التحالف الوطني، ولم التق نوري المالكي. الموضوع كان جدياً، فأنا منذ عام 2008 توصلت إلى قناعة أن عقلية التفرد بالحكم والسلطة واحتكارها وعدم قبول الآخر لا تزال هي العقلية السائدة في بغداد أياً كان الحاكم. وأول مرة حذّرت من ذلك عام 2012 وقلت إن العراق يسير إلى الهاوية وإن الوضع خطير جداً ما لم يُتدارك، لكن لم يهتم أحد. قسم تحدث عن وجود خلاف شخصي، أنا ليس لدي خلاف شخصي مع أحد، لكن أنا أرى الصورة.
> قلت هذا الكلام للعبادي والأطراف العراقية في عام 2016؟
- نعم في عام 2016، لأنني لم أزر بغداد في عام 2017.
> هل لديك شعور بالخيبة من بغداد ما بعد صدام حسين ومن فكرة الدولة المدنية؟
- أنا محبط بشكل كبير بعد عام 2003، في البداية الكل يعرف أننا قمنا بعمل كبير في التهيئة لإسقاط النظام عام 2002 والاشتراك في العمليات العسكرية، ولسنا نادمين، لكننا كنا نتصور أننا سنحصل على فرصة مناسبة أو فرصة العمر في عراق جديد، عراق مبني على المحبة والتآخي عراق ديمقراطي فيدرالي، وبذلنا جهوداً كبيرة في سبيل تحقيق هذا الهدف من مجلس الحكم إلى موضوع الدستور وصياغته ومن ثم التصويت على الدستور، ولولا شعب كردستان ما كان الدستور سينجح. هيأنا الأجواء وقمنا بدور كبير، وعندما فاز الدستور في الاستفتاء قلنا: الحمد لله، الآن أصبح كل طرف يعرف حقوقه وواجباته. ولكن بعد فترة رجعنا مرة أخرى إلى المزاج الشخصي وإلى احتكار السلطة. النقطة الرئيسية أو عمود الاتفاق الذي صار بيننا وبين الأطراف الأخرى هي الشراكة الحقيقية، وطبعا هم أنهوا هذه الشراكة بالكامل. وهناك نقطة مهمة أخرى هي أننا اتفقنا على تشكيل دولة مدنية ديمقراطية، ومن الواضح جداً أنه يوماً بعد يوم اتجهت الدولة نحو أن تكون دولة دينية طائفية في بغداد. هذا هو الواقع لمن يريد أن يرى، ولمن لا يريد أن يرى فذلك شأنه. حرّكوا ضدنا الجيوش وقطعوا ميزانية الإقليم. كيف يمكن فعل ذلك حتى لو كانت هناك خلافات بين الإقليم وبين بغداد؟ لنفرض أن التقصير من الإقليم، ولكن كيف يجوز لرئيس وزراء أن يقطع، بجرة قلم، رزق شعب بكامله، ويقطع حليب الأطفال؟ هذه عملية أنفال بشكل آخر.
> يعني أن المالكي نفّذ الأنفال بطريقة أخرى؟
- نعم المالكي نفذ الأنفال بطريقة أخرى وأبشع، ولم نسمع أي صوت لا من قيادة دينية أو من أحزاب سياسية شيعية في العراق، يعترض على هذه الجريمة التي ارتكبها المالكي بحق شعب كردستان. تنفيذ المادة 140 كان من المفروض أن تنفذ هذه المادة في عام 2007 لكنها لم تنفّذ وأهملوها بالكامل، وتبجحوا بأنهم أحبطوا هذه المحاولة الخبيثة من قبل الكرد وأن المادة 140 ماتت. حصة البيشمركة من السلاح ومن الموازنة - باعتبار البيشمركة جزءاً من منظومة الدفاع للقوات العراقية - لم يصلنا طلقة واحدة ولا دينار واحد. حتى حصة البيشمركة من الأسلحة، وبحسب الاتفاق الثلاثي بيننا وبين أميركا والجيش العراقي، لم نحصل عليها، لأن المالكي احتجزها في مخازن قريبة من منطقة التاجي بين سامراء وبغداد، ووقعت بيد «داعش». حاربونا محاربة حقيقية، حتى في الحرب مع «داعش» لم يقدموا لنا المساعدة، نحن الذين قدمنا المساعدة للجيش العراقي، وسمحنا له أن يأتي إلى الموصل، وفتحنا له كل المنافذ (للوصول إلى هناك). دمّرنا الخط الدفاعي الأول لـ«داعش» وقلنا للجيش العراقي: تفضل. والتزمنا بالاتفاق الذي اتفقنا عليه وهو كيف تكون الخطة وكيف تنفذ ودور كل طرف في الخطة (من أجل تحرير الموصل). وحتى في هذه العملية حدثت خروقات، ليس من طرف الجيش بل من قبل أطراف من الحشد الشعبي. لقد تفاجأت من التعاون الوثيق والانسجام الذي تحقق بين الجيش العراقي والبيشمركة خلال فترة أسبوع أو أسبوعين من انطلاقة عملية تحرير الموصل، فالجانبان كانت بينهما حرب لمدة تراوحت ما بين 50 - 60 عاماً. صحيح أن هؤلاء الشباب هم من الجيل الجديد لكنهم من نفس المدرستين (المختلفتين). هناك تنسيق جيد حتى الآن، وسنؤسس على هذا التنسيق في المستقبل. وأياً كانت التطورات، لا نريد أن نصطدم مع الجيش الذي ننسق ونتعاون معه. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن البيشمركة لم تحصل على أي مساعدة (من الحكومة المركزية في بغداد) وتم قطع ميزانيتها. لم تُحل أي مشكلة من المشاكل (بين الإقليم وحكومة بغداد). لقد صفّوا المراكز الحكومية من الكرد. هناك 55 مادة دستورية سجّلنا خرقها من قبل بغداد، وسنعطيهم نسخة من هذه الخروق.
> ألم يغيّر مجيء العبادي هذا الاتجاه؟
- أنا متأكد أن العبادي يرغب في حل هذه المشاكل. العبادي يختلف عن غيره، لكن هناك عقبات كثيرة وعوائق أمامه. علاقتي به جيدة وهناك اتصال مستمر بيننا، لكنني توصلت إلى قناعة أن العبادي لا يستطيع أن ينفّذ ما يعدنا به، لأسباب خارجة عن إرادته.
> هل هناك دول تريد أن تبقوا في العراق لعمل القليل من التوازن مع هذا الاتجاه إلى بناء دولة دينية في العراق؟
- لا، هذه المحاولات فشلت. أمامنا تجارب الشعوب الأخرى في الاتحاد، نحن كنا دولة مستقلة في عام 2003، نحن الذين ذهبنا إلى بغداد، والآن أقول إننا أخطأنا في ذلك. نحن ذهبنا لتأسيس عراق فدرالي ديمقراطي باتحاد اختياري، لكن بغداد هي التي رفضت وتوصلنا إلى قناعة أننا لسنا مرغوبين في بغداد، إما أن نذهب مواطنين من دون حقوق أو من دون مواقف، لذا فكّرنا أننا أمام ثلاث خيارات: إما أن نستسلم ونتخلى عن كل هذه المكاسب، أو نستمر في تجربة فاشلة لمدة 100 سنة، أو ربما ندخل في قتال، وهذا ما لا نرغب فيه، أو نبحث عن صيغة جديدة. ما هي الصيغة الجديدة؟ نحن جربنا اللامركزية وجربنا الحكم الذاتي وجربنا الفيدرالية، لكن المشكلة في العقلية وفي الثقافة. العقلية الحاكمة مع الأسف الشديد لدى الأكثرية العظمى في بغداد هي أنه يجب أن تتحكم بغداد في كل صغيرة وكبيرة. لا يقبلون بالآخر ولا بالشراكة. يدّعون ذلك، لكن عملياً لا يقبلون بذلك. شعب كردستان توصل إلى قناعة أنه يجب أن نصل إلى صيغة جديدة والصيغة الجديدة هي أن نصبح جيراناً.
> هل التعايش العربي - الكردي فشل داخل خريطة العراق؟
- نعم وبكل صراحة تجربة فشلت.
> ألم يكن أمام هذا الزواج العربي - الكردي داخل خريطة العراق إلا الطلاق؟
- لم يبق حل آخر. بذلنا المستحيل لئلا تصل الأمور إلى هذه النقطة، ولكن مع الأسف وصلت.
> ماذا ستفعلون إذا أعلنت غداً نتائج الاستفتاء وقطعت بغداد علاقاتها الكاملة مع كردستان؟
- هم في بيتهم ونحن في بيتنا.
> هل لديكم القدرة الاقتصادية على تحمل إغلاق الحدود من قبل دول أخرى؟
- حسبنا حساب كل هذه المسائل، بما في ذلك تهديدنا بغلق الحدود وقطع العلاقات. كل طرف حر في اتخاذ قراراته، لكن أقول مرة أخرى: إذا اتفقت هذه الأطراف على إيذائنا أو على القضاء علينا، فبالتأكيد هم أيضاً سيدفعون ثمناً باهظاً.
> ماذا ستفعل إذا قرر «الحشد الشعبي» استرجاع كركوك؟
- أولاً نحن مستعدون للتفاوض مع بغداد حتى بعد الاستفتاء على موضوع الحدود بما فيها كركوك، لكن كركوك مدينة كردستانية، هويتها هوية كردستانية، ومستعدون أن نجعل منها نموذجاً يحتذى به في التعايش القومي والديني والمذهبي. لكن أي قوة تفكر في أن تسترد كركوك بالقوة سيواجهها كل شعب كردستان المستعد للموت إلى آخر شخص للدفاع عنها.
> تقول: سنموت من أجل كركوك إذا حاول أحد استردادها بالقوة؟
- طبعاً. لكننا منفتحون، فكركوك ليست مدينة كردية فقط. كركوك هي للكرد وللعرب وللتركمان وللمسيحيين، ويجب أن يتفاهموا ويتفقوا فيما بينهم. حتى بالنسبة إلى كل كردستان، لا نريد أن تكون هناك دولة مركزية وإنما نظام يكون أشبه بنظام فيدرالي داخل كردستان، بحيث تكون لكل محافظة حكومتها المحلية وبرلمانها المحلي والعاصمة تكون في أربيل، وكذلك المسائل السيادية كالجيش والسياسة الخارجية والسياسة المالية. أما في المسائل الأخرى، فهذه المحافظات هي التي تدير نفسها، ولا يجوز أن نفكّر في حكم مركزي متسلط، بالعكس يجب أن نكون منفتحين تماماً.
> في عام 1991 قال لك صدام إنه يعرف أن كركوك كردية؟
- نعم، قال أنا لا أقول إن كركوك ليست كردية، بل هي مدينة كردية، ولكن هي قاعدة اقتصادية جاهزة لبناء دولة، لذلك لن نوافق على ضم كركوك لمنطقة الحكم الذاتي.
> هل هذا الحديث جرى عندما استبدل صدام قدح الشاي الذي أمامكم بقدحه؟
- نعم في نفس اللقاء.
> هل لديك مرارة من المالكي، كونك اعتبرت أن ذهاب صدام سيحل المشكلة، لكن ظهر أن المشكلة ليست في صدام فقط؟
- هذا ما كنا نتصوره، لكن فيما بعد اكتشفنا أنه لا، وأنه بذهاب صدام لا تنتهي المشاكل. بل بالعكس، واجهنا مشاكل أمرّ، ورأينا طعناً من الخلف من أناس كنا نعتبرهم حلفاءنا. نحن حاربنا صدام وحاولنا إسقاطه، وربما سماع كلمة طيبة من صدام كان غريباً بالنسبة لنا.
> هل إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي أعلنت تأييدها بصراحة للاستفتاء على استقلال كردستان؟
- نعم هذا صحيح، وأنا أشكر مواقف الدول العربية أيضاً، وبالمناسبة مواقف الدول العربية أفضل بكثير من مواقف الدول الأوروبية وأميركا. ليست هناك ردود استفزازية من قبلهم، والكل يعترفون بحق الشعب الكردي، حتى وصلتني رسالة معقولة جداً من الأمين العام للجامعة العربية. مواقف الدول العربية مواقف متوازنة.
> هل سيكون هذا أول تعديل للخرائط في المنطقة منذ قيام إسرائيل؟
- صحيح، وحدث ذلك أيضاً في جنوب السودان.
> هناك من يعتقد أن الأكراد إذا أصبحوا دولة وعاشوا لوحدهم سيواجهون ما واجهه جنوب السودان وتفرغوا للمرارات الكردية والاقتتال؟
- هذا ليس صحيحاً. الكرد أثبتوا جدارتهم وكفاءتهم منذ عام 1991 عندما أتيحت لهم فرصة بسيطة لإدارة منطقتهم. ورغم المشاكل الداخلية، لا يمكن أن يُقاس الوضع في كردستان بجنوب السودان.
> قلتم إنكم أخطأتم في 2003 عندما ذهبتم مختارين لتجديد الشراكة مع بغداد رغم أن كردستان كانت شبه مستقلة، بفضل مناطق حظر الطيران والمنطقة الآمنة التي أعلنت عام 1991 بحسب قرار مجلس الأمن. الإقليم أُعلن في عام 1992 والدستور العراقي صوّت عليه عام 2005؟
- لكن لم يُعمل بهذا الدستور. لو طُبّق هذا الدستور لما واجهنا هذه المشاكل ولا هذه التطورات.
> كيف هو الوضع الاقتصادي في كردستان حالياً؟
- ليس سهلاً، لكن هناك أملاً بتجاوزه وإصلاحه.
> مع إعلان نتائج الاستفتاء في ليلة 25 سبتمبر أو صباح 26 سبتمبر، ماذا سيفعل مسعود بارزاني؟
- لأول مرة سيعبّر شعب كردستان عن رأيه بحرية ويقرر مصيره. هذه رسالة إلى العالم وإلى بغداد وإلى المنطقة. هذا هو قرارنا. تعالوا نبحث على أساس هذا القرار عن العلاقة المستقبلية. إذا رأينا أن هناك استعداداً وتجاوباً فأهلاً وسهلاً، أما إذا لم يكن هناك استعداد وتجاوب فسنعلن عن الدولة. وإذا كان هناك تفاوض فسنتفاوض للوصول إلى تفاهمات، وهذا الذي نرغب فيه. نحن لا نريد أن يكون هناك تحدٍ، لا من قبلنا ولا من قبلهم، لكن لن نتراجع.
> ليس لديك قدرة على التراجع أم لا تمتلك الرغبة في التراجع؟
- ليس لدي رغبة ولا يمكن أن أسمح بخسارة تاريخي النضالي كله، كيف أتراجع؟
> هل تعتقد أنك تضع نفسك شخصياً في دائرة الخطر عندما تقود كردستان في هذا المنعطف؟
- أنا مستعد في كل لحظة أن أضحي بحياتي في سبيل هذا الهدف، ولا أفكر في مصيري وبحياتي.
> هل حاول «داعش» أن يغتالك؟
- حاول «داعش» اغتيالي واغتيال كل شعب كردستان. حقيقة هم ما كان بإمكانهم الوصول إلي. بذلوا محاولات كثيرة، لكنهم كانوا يعلمون أنه ما كان في استطاعتهم الوصول إليّ. لكن حدث الكثير من المحاولات في الجبهة من خلال القصف والمفخخات.
> كم بقيتم في جبهات القتال؟
- أكثر من سنة ونصف، إلى أن حررنا كل المناطق وأبعدنا خطر «داعش» عن المدن والمواقع الرئيسية واسترددنا المواقع الأساسية كسنجار وزمار ومخمور وجلولاء ومناطق أخرى، وعدت أنا إلى مقري الرئيسي.
> كم عدد شهداء البيشمركة؟
- 1779 شهيداً، أما الجرحى فبلغ عددهم 10158 جريحاً.
> هل أعطت الحرب مع «داعش» المزيد من الشرعية للبيشمركة لإعلان الاستقلال؟
- من دون شك.
> ما دور الجيش العراقي في منع «داعش» من اجتياح إقليم كردستان؟
- الآن من الممكن أن نتحدث عن الجيش العراقي، لكن قبل الآن كان «جيش المالكي»، وهو الجيش الذي انهار والجيش الذي تعب عليه «الناتو» مدة عشرة أعوام انهار خلال عشر ساعات، بل هو الذي سلّم كل المناطق وترك سلاحه ومعسكراته وسلم كل هذه الإمكانات إلى «داعش». البيشمركة هم الذين قاتلوا «داعش» وبإسناد من قوات التحالف وأميركا بالدرجة الأساسية. قوات البيشمركة هي التي أنقذت المنطقة وهي التي حطمت أسطورة «داعش».
> قلتم لنا في لقاء سابق إن المناطق التي عادت بالدم لن تعيدوها لأحد؟
- طبعاً، أقولها الآن أيضاً، فهي مناطقنا الكردستانية، وعندما وافقنا على المادة 140 ليس لأننا كان لدينا شك على هوية هذه المناطق، لكننا قلنا نعم لتحل هذه المشكلة الدستورية، فطالما هم أهملوا الدستور وهناك من ادعى في بغداد أن المادة 140 ماتت، إذن إحياء الموتى أمر صعب.
> هل هناك أسرى لـ«داعش» لدى الإقليم؟
- نعم يوجد.
> هل كركوك وكل المناطق المتنازع عليها مشمولة بالاستفتاء؟
- هذا يتوقف على المجالس المحلية. إذا هم طلبوا، طبعاً سيشملون بالاستفتاء، أما إذا لم يطلبوا فلن يُشملوا.
> وستظل بوصفها متنازعاً عليها؟
- خاضعة للتفاوض.
> ماذا عن كركوك، هل طلبت ذلك؟
- هناك اجتماع لمجلس محافظة كركوك اليوم، إذا قدموا طلباً بذلك، فنحن سنلبي طلبهم.
> ما هو وضع المكوّن العربي السني، هل خروج كردستان من الخريطة العراقية سيضاعف تهميشه؟
- المكوّن السني ارتكب أخطاء منذ البداية، والآن هم في وضع صعب. نحن مستعدون لمساعدتهم، لكن يجب في الأول أن يساعدوا هم أنفسهم. العرب السنة الموجودون في الإقليم حالهم حال الكرد، ونتعهد أنه لن يكون هناك تمييز بين العربي والكردي. أما العرب الموجودون خارج الإقليم فنحن مستعدون لمساعدتهم، لكن يجب أن يقولوا لنا ما هو نوع المساعدة.
> هل زارك العرب السنة بعد 2003 ونصحتهم بتأسيس إقليم؟
- ليس مرة واحدة بل زاروني ثلاث مرات. فبعد سقوط النظام لاحظنا أن هناك إرباكاً في حالة السنة. ولبناء عراق جديد وعلى أساس شراكة حقيقية بين كل المكونات، بادرت إلى توجيه دعوة إلى شيوخ عشائر وشخصيات أكاديمية ووجهاء المناطق السنية للاجتماع في أربيل. وتكرر هذا الاجتماع ثلاث مرات، وقلت لهم إن العراق تغيّر والمنطقة تغيّرت والعالم تغيّر، وعليكم أيضاً أن تغيّروا عقولكم. أولاً، لا يمكن لأي جهة أو أي حزب أو طائفة أن يعمل على الاستفراد بالحكم في العراق، وهذا ما كنا نتوقعه فعلاً، وقلت لهم إنكم إذا كنتم تتوقعون أن الكرد والشيعة سيتحالفون ضدكم، فانا أعطيكم وعد شرف بأننا لا نسمح بذلك. أما إذا كنتم تتصورون أنتم أنه من رئيس الجمهورية إلى الشرطي القرار سيكون بيدكم، فلو قبل الكرد والشيعة بذلك فأنا لا أقبل.
وقلت لهم أنتم رفضتم أن نكون شركاء، لكن تعالوا ندعُكم إلى بناء العراق على أساس الشراكة. قسم منهم ممن شعروا بالمسؤولية استوعبوا الوضع الجديد، ولكنهم كانوا يخافون من المزايدات أو ربما من الاغتيال. قسم آخر منهم لم يقبلوا أصلاً أن يفكّروا في الموضوع لأنهم لا يزالون تحت تأثير ثقافة الحزب الواحد والحزب الحاكم. وقسم آخر منهم كانوا في عالم آخر، ولم يستطيعوا خلال المرات الثلاث من تنظيم أنفسهم، ولم تتشكل لهم قيادة تستطيع أن تقودهم، حتى في فترة مناقشة الدستور كانت هناك مواقف متباينة منهم. وحقيقة، هم آذوا أنفسهم أكثر من أي جهة أخرى. أما الآخرون فاستغلوا الفرصة. الشيعة، في البداية بعد سقوط النظام، كانوا شاكرين لو أن السنة يقبلون بالفيدرالية، وحتى فترة التصويت على الدستور عام 2005 (كان الوضع مستمراً على هذا المنوال). ومن ثم رأوا أن السنة بدأوا يفقدون نفوذهم ومناطقهم التي أصبحت حاضنة للإرهابيين، وتعرضت للضرب من قوات التحالف. والحقيقة أن السنة خسروا خسارة كبيرة وفقدوا الفرصة.
> هل نصحتهم بإنشاء إقليمهم؟
- نعم، لكنهم قالوا: نحن مع الوحدة العراقية. والحقيقة أن السنة هم الذين دفعوا الثمن. انظر إلى الدمار فكله في المناطق السنية. «داعش» دمّر بيوتهم ومدنهم، وهذه نتيجة السياسة الخاطئة. بعد ذلك فتحنا لهم أبواب الإقليم عندما تعرضوا إلى الظلم والعدوان. وحاليا هناك أكثر من مليون ونصف مليون نازح غالبيتهم من السنة، وهناك شيعة أيضاً موجودون في الإقليم، وقد انسجموا مع المجتمع في كردستان انسجاماً كبيراً. نحن مستعدون لمساعدتهم وإذا قرر السنة إقامة إقليم في العراق فنحن سنؤيدهم.
> وهل ما زال هذا ممكناً؟
- لم لا؟ الآن السنة يريدون إقليماً، لكن الآن الشيعة لا يقبلون. لقد اجتمعت مع الكثير من العرب السنة الذين تقع مناطقهم ضمن إقليم كردستان، وكلهم يؤيدون البقاء مع إقليم كردستان.
> هل هناك دولة شيعية تتكون في بغداد؟
- هذا هو الواقع.
> هل هذه الدولة الشيعية تقودها إيران؟
- نفوذ إيران كبير جداً، لا أستطيع أن أقول إنها تديرها بالكامل أو أصبحت جزءاً من إيران، لكن نفوذ إيران كبير.
> ماذا عن النفوذ الأميركي؟
- النفوذ الأميركي في بغداد أقل بكثير من النفوذ الإيراني، بحسب تصوري.
> وكيف تقدّر نفوذ إيران في الإقليم؟
- لا أستطيع أن أقول إنه ليس هناك نفوذ إيراني. لكن في الحقيقة، وأنا أبلغت الإيرانيين به بكل صراحة، نحن نريد علاقات طيبة، علاقات حسن الجوار والمحبة والمصالح المشتركة، ولكن قد نتقاطع معكم أو قد نتفق معكم، القرار هو قرارنا وهو لن نسمح لكم بمصادرة قرارنا، ولن نسمح لأي دولة أخرى بأن تصادر القرار الكردي. قرار كردستان العراق موجود في كردستان العراق. الشعب الذي ناضل من أجل حريته وقدم الشهداء كيف يجوز أن يسلم قراره إلى أي دولة؟
> كيف ترى الوضع في سوريا؟
- أرى فوضى، لكن حالياً هناك بعض الملامح الجديدة التي اتضحت، لكن الأسد سيبقى، والنظام لم يسقط. يبدو أن هناك اتفاقاً روسياً - أميركياً جزء منه واضح والجزء الآخر سري لا يعلمه أحد. والنفوذ الإيراني موجود في سوريا، وتركيا على الحدود. فمثلاً في العراق على رغم وجود خلافات بيننا وبين بغداد، فإن الجبهة واضحة وهي أننا جميعا في جبهة واحدة ضد الإرهاب. والتحالف الدولي متماسك ومنسجم ويقدم الدعم، لكن في سوريا المعارضة مختلفة مع بعضها، وصحيح أن هناك نظاماً إلا أن قوى أخرى تحرك الساحة وهي روسيا وإيران، وهناك خلاف بين أميركا وروسيا في بعض المناطق واتفاق في مناطق أخرى. وهناك اتفاق إيراني - تركي - روسي، وهناك اتفاق أميركي - روسي. الحقيقة أن هناك فوضى.
> الحدود بين إقليم كردستان وسوريا، من يسيطر عليها في الجانب الآخر؟
- هناك القوات الكردية والقوات السورية في هذه المناطق، وهناك تنسيق فيما بينها.
> هل سيكون لديكم مشكلة إذا عاد نظام الأسد ليحكم كل سوريا غداً؟
- هذا القرار للسوريين، وليس لنا علاقة بالموضوع، إذا الشعب السوري قرر أن يحكم الأسد فأهلاً وسهلاً.
> كيف هي علاقاتكم مع الروس؟
- علاقاتنا جيدة، والموقف الروسي من الاستفتاء متوازن جداً.
> هل لديكم أي اتصال مع نظام الأسد؟
- لا أستطيع أن أقول إن هناك اتصالاً. ليس هناك اتصال رسمي ومباشر. حدث لقاء قبل نحو عامين أو ثلاثة، مع شخصية سورية رفيعة المستوى.
هناك ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية وهي مدعومة من قبل أميركا، وتحارب في الرقة، وهم يستفيدون من هذا الوضع واستفادوا سابقاً من دعم النظام، ومن الاتفاق السري بينهم وبين النظام، واضطهدوا الأكراد الآخرين غير المتفقين معهم سياسيا. الآن يستفيدون من الدعم الأميركي لمواصلة هذا الاضطهاد. الشعب الكردي في سوريا مقسم، جزء منه يحارب مع أميركا وسابقاً كان مع النظام، والقسم الآخر يتعرض إلى الظلم، والآخرون يغضون الطرف عن هذه الممارسات الديكتاتورية الظالمة لأنهم يستخدمونهم في القتال ضد «داعش» في الرقة.
> هل تخشى أن تدخل تركيا إلى الأراضي السورية وتوجه ضربة كبيرة للأكراد؟
- لا أتوقع ضربة كبيرة ولا تدخل، لكن من الممكن أن تكون هناك مناوشات، وخروقات للحدود.
> هل هناك اتصالات بينكم وبين صالح مسلم؟
- من فترة طويلة لا توجد اتصالات، بعدما استمروا في سياستهم الخاطئة وفي اضطهادهم للتنظيمات الكردية الأخرى، ونكروا الجميل. انتهت العلاقة معه.
> هل سيلهب إعلان الاستقلال في كردستان مشاعر الأكراد في الدول المجاورة؟
- سيكون له تأثير، لكن عملياً أرى أنه سيكون بالعكس، وسيكون هناك تأثير إيجابي مستقبلاً، ونشجعهم على سلك طريق السلام والمفاوضات والأساليب الديمقراطية للتوصل إلى حلول في دولهم. فلكل جزء خصوصياته، لكننا نريد للكرد في كل هذه الدول أن يحصلوا على حقوقهم بطرق سلمية، وسنعمل من أجل ذلك.
> ما طموحاتك؟
- في اليوم الذي حملت فيه السلاح في 20 مايو (أيار) 1962 لم أكن أتوقع أن أعيش لحد هذا اليوم، لكن عندما حملت السلاح كان هدفي أن أرى كردستان مستقلة، الآن أنا مسرور جداً ومتفائل لأننا قطعنا شوطاً كبيراً، في اللحظة التي سيعلن فيها استقلال كردستان أعتبر أنني أديت رسالتي.
> هل سنكون مدعوين؟
- أنتم مدعوون دائماً إلى كردستان.
> أتعتقد أن كردستان ستنعم بالاستقلال في 2017 أم في 2018؟
- لنرَ الاستفتاء ونتائجه.
> هذا منعطف كبير العمل بالخرائط في المنطقة؟
- أولاً هي خرائط مصطنعة، وليست طبيعية، انظر إلى تجارب الشعوب الأخرى في تشيكوسلوفاكيا، وفي البلقان وفي الاتحاد السوفياتي، لماذا فقط في كردستان نعتبر أننا اقترفنا جريمة لأننا نريد أن نعبّر عن رأينا، وشعبنا يريد أن يقرر مصيره؟
> هل تعتقد أنك على وشك أن تحقق ما تعذّر على ياسر عرفات تحقيقه؟
- أعتقد أن ما تحقق هنا يختلف عما تحقق هناك، أولاً من ناحية الجغرافيا، وليس من الصواب أن نقارن وضع كردستان بفلسطين، فالوضع مختلف. وأنا أدين لعرفات بأنه قدم لي مساعدة في وقت كنت فيه بحاجة إلى تلك المساعدة عندما تعرضت إلى محاولة الاغتيال في النمسا عام 1979، فهو أنقذني.
> ألست متوتراً؟
- أنا لست متوتراً أبداً، إذا ظللنا ننتظر القدر، فهذه مجازفة ستكون أخطر مائة مرة من الإقدام على هذه الخطوة (الاستفتاء).



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.