سعد علي: ما أزال تائهاً بين ثنايا الروح الحلوة

الجانب الرومانسي برز في لوحاته في مرحلة النضج

لوحة «اللقاء الأزلي»
لوحة «اللقاء الأزلي»
TT

سعد علي: ما أزال تائهاً بين ثنايا الروح الحلوة

لوحة «اللقاء الأزلي»
لوحة «اللقاء الأزلي»

على الرغم من انغماس الفنان سعد علي بمشروعيه الفنيين «صندوق الدنيا» و«أبواب الفرج والمحبة» فإن متابعته للمشهد التشكيلي الإسباني القديم والحديث قد فتحت له آفاقاً جديدة لم نعهدها في نتاجاته الفنية السابقة التي أنجزها على مدى أربعة عقود وهو يتنقل بين أربعة بلدان أوروبية عريقة، فقد درس في أكاديمية الفنون الجميلة في مدينتي فلورنسا وبيروجا الإيطاليتين وأقام فيهما منذ عام 1977 حتى عام 1984، ثم انتقل إلى هولندا وعاش في مدينتي أمستردام وأوتريخت حتى عام 1995 ليرتحل بعدها إلى بورغوندي في فرنسا ويقيم فيها حتى عام 2004 ثم يسافر إلى إسبانيا ويقرر الإقامة فيها بشكل نهائي مع زوجته النحّاتة الهولندية مونيك باستيانس. وبغية التعرف على أعماله الفنية التي أنجزها مؤخراً قررت زيارته بمرسمه الكائن في بلدة «شيفا» التابعة لمدينة فالنسيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
هنا حوار معه:
- خلال السنوات الخمس الأخيرة بدأتَ تتمرد على مشروعَيكَ الرئيسيين «صندوق الدُنيا» و«أبواب الفرج والمحبة» ما سرّ هذا التحوّل على صعيدي الثيمة والتقنيات؟
- ما أزال وفياً ومُتشبثاً بالمشروعَين الرئيسيين ولكنني بلغت مرحلة النضج، وصار لِزاماً علي أن أجرّب في الثيمة والأسلوب. ورحلتي الفنية لا تختلف كثيراً عن رحلات أجدادي السندباديين الذين ركبوا البحار مُغامرين بحيواتهم من أجل المعرفة، وحُب الاكتشاف، واختراق المجهول. لا تنس أنني قادم من بلاد ما بين النهرين، هذه البقعة الجغرافية المعروفة بمناخها المتطرف، وبيئاتها المتنوعة، وجنون نهريها في أوقات الفيضانات. وقد تعلّمت من عنفوان دجلة والفرات اللذين يغزوان البحر في كل عام ويحفران في الأرض عميقاً أن أقوم برحلتي الخاصة مهما كان مركبي الخاص صغيراً لأكتشف بنفسي القارة الأوروبية التي عشت في بلدانها أكثر من أربعة عقود متنقلاً بين إيطاليا وهولندا وفرنسا وإسبانيا. وفيما يتعلق بالجانب الرومانسي فقط ظهر عندي في مرحلة النضج التام واكتمال المدارك حيث رسمت عشرات اللوحات المفرطة في رومانسيتها مثل لوحات «حُبّي» و«البحث» و«مِلْكيتي» والقسم الأكبر من لوحات معرضي الأخير الذي سميتهُ بـ«الروح الحلوة». لقد أخذتُ الجانب الإيجابي من الحُب الذي يعشق فيه الإنسان ويكرّس حياته من أجل تكوين عائلة سعيدة شرط ألاّ يتخلى عن روح المغامرة، وارتياد الآفاق، والاستمتاع بحلّ ألغاز الحياة، وفكّ أسرارها، وهذا ما يفعله الأديب والفنان أو المنغمس في أي حقل إبداعي. الموضوعات سهلة وكثيرة، فهي تأتي عن طريق المُشاهدة العابرة أو المُراقبة الدقيقة التي تحتفظ بها ذاكرتي البصرية، وهي ذاكرة فنان، تختلف بالتأكيد عن ذاكرة الناس العاديين الذين لم يتخصصوا في الفن التشكيلي. أما التقنيات فهي تتطور عندي دون أن أشعر بذلك لكنني أكتشف الفرق حينما أشاهد مصادفة أعمالي القديمة التي مرّ عليها بضع سنوات وأقارنها بالأعمال الأخيرة التي تكشف حجم التطور في أساليبي الفنية التي تطوّع الموضوعات التي أشتغل عليها.
- التصوير الذهني
- لديك الكثير من الظِباء والغزلان والحيوانات الآخر التي تبدو وكأنها مُخترَعة ترسمها من مخيلتك الفنية التي تلتقط سرّ التفاصيل بشيء من الغموض المُحبب الذي يغلّف العمل بهالة فنية تدعو، في الأقل، إلى المفاجأة والدهشة والحبور. كيف يشحن الفنان سعد علي مخيلته في اللحظة الإبداعية؟
- يُعيدني هذا السؤال إلى الفترة الإيطالية في أواخر السبعينات من القرن الماضي في مدينتي فلورنسا وبيروجا الإيطاليتين، حيث اعتدت أن أسمع البروفسور أنيغوني وهو يقول بأن «التصوير جيد وله تأثيره في المستقبل» لكنه لم يكن يتوقع الثورة الإلكترونية، ومع ذلك فقد كان يؤمن «بالتصوير الذهني» الذي يُراعي التكوين، ويعطي كل لقطة حقها، فحينما تُمسك يدكَ بالتفاحة ينبغي للمشاهد أن يرى ثقل التفاحة على أوردة اليدّ دون أن تُصوَّر بطريقة عشوائية. البعض من الفنانين العراقيين، يراهنون، مع الأسف، على قابليتهم في تقليد الفن الأوروبي لكن هذه المراهنة خاسرة سلفاً، لأنها لم تضع في الحسبان التدرّج الفني الذي مرّت عليه سنوات، وعقود، وقرون طويلة من المتابعة، والدرس، والتقييم. أنا أراجع نفسي كثيراً، فحينما أُشاهد عملاً للفنان الإيطالي ساندرو بوتشيلي (1445 - 1510) مثل لوحة «الربيع» أقف مدهوشاً ثم أعود راكضاً إلى البيت وكأنني لم أفعل شيئا طوال عمري الذي تجاوزت فيه العقد السادس ببضع سنوات، وهذا الأمر يضعني أمام المسار الطويل الذي أنفقته في تجربتي الفنية. فمثلما تريدون كتابة الشيء الجديد وغير المكتوب سابقاً نحن الفنانين نريد تجسيد الصورة المستحيلة الموجودة في زاوية ما من هذا العالم بعد حكّ وتقشير غلافها الخارجي، وأعني بهذه العملية امتلاك الفنان عُدّته التقنية التي تساعده في إنجاز اللوحة بمدة زمنية معقولة، ولهذا تراني أحتج على بعض الفنانين الذين ينجزون لوحة واحدة خلال سنة أو سنتين وربما أكثر من ذلك. ولكي أكون صريحاً معك أنا أنجز لوحات كثيرة تكفي لإقامة معرضين أو ثلاثة معارض في السنة الواحدة. وكما رأيت فإن مرسمي في بلدة Chiva مليء بالأعمال الفنية المُنجزة التي تنتظر أعين المُشاهدين.
- جماليات التشكيل
- عشتَ في عدة دول أوروبية وتأثرت بفنونها التشكيلية. ما حجم تأثرك بالفن الإسباني القديم والحديث، وهل أفدتَ من ثيماته وتقنياته معاً؟
- المشهد التشكيلي في إسبانيا واسع ويضم عدداً كبيراً من الفنانين التشكيليين الذين يصعب حصرهم في هذا المجال الضيق المتاح لنا، ولكنني أستطيع القول بثقة كبيرة بأن الحركة التشكيلية الإسبانية متطرفة في الإبداع والحداثة لأنهم يجمعون بين الجذور العربية والأوروبية. وقد خلق هذا التزاوج بين الحضارتين العربية والإسبانية نوعاً ثالثاً مُهجناً يحمل العناصر الأولية لكلتا الثقافتين. ومن بين الأسماء الإبداعية البارزة في الفن التشكيلي الإسباني دييغو فيلاسكيز (1599 - 1660) الذي أثّر على أجيال فنية لاحقة حتى أن الفنان الفرنسي إدوار مانيه قد وصفه «برسّام الرسامين»، ونظراً لحرفيته العالية فقد عُيّن فيلاسكيز رسّاماً للملك فيليب الرابع وهو في سنّ الرابعة والعشرين حيث رسم الكثير من البورتريهات للملك ولأسرته، كما أنجز الكثير من اللوحات الفنية للقصور الملكية. لا يقلّ فرانسيسكو غويا (1746 - 1828) عن سلفه فيلاسكيز في التأثير وقد أنجز أعمالاً فنية خالدة مثل «الإعدام رمياً بالرصاص»، «هجوم المماليك»، «عائلة كارلوس الرابع»، «دوقة ألبا»، «العاصفة الثلجية»، «عازف الغيتار الأعمى»، وغيرها من اللوحات الفنية المستقرة في ذاكرة المتلقين. إن مشاهداتي المتواصلة لأعمال الفنانين الإسبانيين الكبار قد أفادتني كثيراً، ولعل لوحاتي الكبيرة التي أنتجتها مؤخراً ناجمة عن هذا التأثر المدروس، وربما هي التي أخرجتني قليلاً من مشروعي القديمين حتى أنني بتُّ أشعر وكأني أطير وأحلّق بجناح ثالث. رحلة التأثر الإيجابي طويلة وربما تمتد من روفائيل وكرافاجو إلى رمبرانت وفيرمير وكوخ ولا تنتهي بفيلاسكيز وبيكاسو وعشرات الفنانين المحدثين الذين أشاهد أعمالهم وأتأملها بعينٍ تشكيلية قادرة على الفرز والتقييم والنقد المُحايد الذي ينتصر لجماليات الفن التشكيلي.
- بصمة لونيّة
- لا تخلو لوحاتك من حس تراجيدي مثل لوحة «مِلكيتي»، فمع أنها تتمحور على الحُب إلاّ أنها مليئة بالمعاناة
- لكي يكون المُشاهد على دراية بما نتحدث عنه لا بد لنا أن نصوّر طبيعة العمل، فهو عبارة عن امرأة اصطحبت معها تمثال حبيبها وأخذت تتنقل به في كل منطقة تحلّ بها، فهو كنزها الوحيد، ومِلكيتها الخاصة بها تحمله معها أينما حلّت وارتحلت. ما يميّز هذه اللوحة هو لون (الفيكَرين)، فلون الرجل غامق وأكثر دُكنة منها، ورغم أنّ هذا اللون بارد لكنه محروق، وهذه بصمة لونية أتميّز بها عن بقية الفنانين العرب خاصة، والأجانب بشكل عام.
- إيهام المتلقي
- بعد سنّ الستين لم تعد تهتم بالمظاهر الخارجية للمرأة المعشوقة فهي بلا شعر مثلاً بينما كانت في السابق مكتملة لا يعوزها شيء. كيف تفسّر لنا هذه الرؤية الجديدة للمرأة المحبوبة؟
- الحُب، بالنسبة لي في هذا العمر، أعمق من الشكل الخارجي الذي يراه عامة الناس، فلا حاجة إلى الغُرّة ولا إلى شعر الرأس كله لأنني أركِّز على ملامح المرأة ولعلك تجد في سلسلة لوحات «البحث» نساء بلا شعور لأنني أريد أن ألفت انتباه المتلقي إلى العينين مثلاً أو الأصابع الطويلة الليّنة أو إلى بقية أعضاء الجسم البشري الذي لم يألفه المُشاهد من قبل. لقد سعيت في السنوات الأخيرة إلى خلق اللوحة السريالية أو إيهام المتلقي بأن الكائن البشري يمكن أن يمتلك ثلاث أيدي لكسر آلية التلقي المعهودة. وقد توصلت إلى جماليات الروح وحلاوتها، وهذا الفهم هو الذي دفعني لأن أسمّي معرض الأخير المُقام حالياً في مدينة ركينا الإسبانية بـ«الروح الحلوة»، وهي تسمية خاصة بي لأنني اجترحتها خلال أسابيع العمل وما أزال تائهاً بين ثناياها.



خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)
اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)
TT

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)
اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

«القولُ إنّ الطبيعة على صواب دائماً ادعاءٌ، من الناحية الفنية، خاطئٌ تماماً، كما هي الحال مع حقيقةٍ يُسلّم بها الجميع»، هكذا صرّح الفنان جيمس ماكنيل ويسلر في محاضرةٍ مثيرةٍ للجدل ألقاها عام 1885 بلندن... «نادراً ما تكون الطبيعة على صواب، لدرجةٍ تجعلنا نكاد نقول إنّها غالباً ما تكون على خطأ»... في متحف «تيت - بريطانيا» بتلك المدينة، حيث يُقام أكبر معرضٍ استعاديٍّ أوروبيٍّ لأعمال الفنان حتى 27 سبتمبر (أيلول)، تتردد هذه الكلمات - حرفياً - في أروقة المتحف المتعرجة التي تأخذ الزائر في رحلةٍ عبر 3 عقودٍ من إبداع هذا الرسام الرائد. هذه الكلمات مقتبسةٌ من خطابه الشهير «السيد ويسلر في العاشرة»، وقد جُسّد هنا بالكامل من قِبل ممثلٍ - مرتدياً بدلة الفنان الداكنة المميزة، مع شعره الجميل وشاربيه الأنيقين - على شاشةٍ كبيرة.

«سمفونية بالأبيض 2» لجيمس ويسلر (متحف تيت - بريطانيا)

ولد ويسلر في لويل، بولاية ماساتشوستس، عام 1834، ونشأ بسانت بطرسبرغ في روسيا، ثم في لندن، بفضل عمل والده مهندس سكك حديدية (الذي تضمن تعيينه من قبل نيكولاس الأول للعمل بأحد أوائل خطوط السكك الحديدية في روسيا). غرس هذا الترحال المبكر في نفسه شعوراً بعدم الاستقرار لازمه طيلة حياته، حيث سافر على نطاق واسع وعاش في 4 قارات. (قال في سنواته الأخيرة: «سأولد متى وأينما أشاء، ولا أختار أن أولد في لويل»، مُصرّاً على أنه صانع مصيره). منذ صغره، كان ويسلر أشبه بطفل مشاغب، له أفكاره الخاصة بشأن كيفية التعامل مع القيود المحافظة للحياة في القرن الـ19؛ أو بالأحرى تجنبها. كان طفلاً متمرداً وسريع الغضب، لكن والديه وجدا في الرسم ملاذاً له. في روسيا، التحق بصفوف الفنون وملأ دفاتر الرسم برسومات دقيقة بالقلم الرصاص تُظهر اهتماماً فطرياً بالحياة اليومية بدلاً من الدراسة الكلاسيكية. في سن المراهقة، أُرسل إلى «الأكاديمية العسكرية الأميركية» في ويست بوينت. طُرد منها لسوء أدائه وقلة أدبه، لكن موهبته الوحيدة ظلت الرسم. تُصوّر مجموعة من الرسومات في معرض «تيت - بريطانيا» زملاءه من الطلاب العسكريين وأحداثاً محلية بخطوط بسيطة وحيوية.

في سن الـ21، وبعد أن ورث ثروة متواضعة، وصل ويسلر إلى باريس لمواصلة دراسته.

تضم إحدى قاعات المعرض، بعنوان «مشاهد من بوهيميا»، مجموعة مذهلة من الرسومات والنقوش لشوارع المدينة؛ الأقل ثراءً، وداخلها، بالإضافة إلى أصدقائه، ومعظمهم من النساء العاملات، في أوضاع مختلفة.

كثيراً ما انتقد النقاد والفنانون ويسلر لطبيعة لوحاته «غير المكتملة»، حيث كان يُنظر إلى انسيابية أسطحها - التي تُعدّ نتاجاً لعمليات تقنية دقيقة، بما في ذلك وضع طبقات محددة من الدهانات المخففة، أو العمل الدقيق على ظهر القماش لإضفاء ملمس مميز - بوصفها دليلاً على الكسل. أما الآن، فتبدو نعومتها وأسلوبها الانطباعي المبكر في غاية الحداثة، وكذلك استخدامه الخط والتكوين؛ فالصورة ليست مجرد تمثيل للموضوع، بل هي عمل فني متناغم يجمع بين التصميم واللون والحجم، حيث تُرتَّب عناصره بدقة متناهية.

اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

كان للفن الياباني في الطباعة، باستخدامه المميز الخطوط الأفقية والمنظور، تأثير كبير، وقد عُرض كثير من أعماله ضمن المعروضات. ومن بين كثير من اللوحات الشخصية المعروضة، تَبرز اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم1)»، (صورة والدة الفنان)، التي تُظهر آنا ويسلر داخل مرسم ابنها في لندن. تجلس في وضع جانبي، ثابتةً بثوبها الأسود وقبعتها البيضاء، وهما لونان ينعكسان في الستارة المعلقة على يسار اللوحة، وفي بياض وسواد اللوحات المنسدلة على الجدار الرمادي الداكن خلفها؛ مما يوحي بترتيب هندسي بقدر ما يوحي بديكور داخلي منزلي. كثيراً ما استخدم الفنان تصنيفاً موسيقياً مميزاً بدلاً من العناوين الوصفية، وتتوالى «الترتيبات» و«السمفونيات» و«التنويعات» و«التناغمات». على سبيل المثال، لوحة «تنويعات في البنفسجي والأخضر» تصور 3 نساء يرتدين ألواناً بنفسجية فاتحة ويجلسن على ضفة نهر. أما لوحة «سمفونية في الأبيض (رقم3)» فتُظهر امرأتين ترتديان فساتين بيضاء أمام أريكة بيضاء، مع أزهار بيضاء تتدفق إلى المشهد من خارج إطار اللوحة.

تضم غرفةٌ مخصصةٌ للوحات «الليلية» 7 لوحاتٍ، رُسمت بين عامي 1872 و1880، تتميز بألوانها الداكنة الناعمة، ونقائها وبريقها؛ مما يُضفي على المرء شعوراً بالهدوء البصري. تُعدّ هذه اللوحات من أشهر أعمال ويسلر، وقد وُضعت في تاريخ الفن ضمن سلسلةٍ من الفنانين، مثل تيرنر قبله وكلود مونيه بعده، الذين انشغلوا بطبيعة الضوء والرؤية العابرة، بل وبالحياة نفسها. كما كانت هذه اللوحات سبباً في إلقاء ويسلر محاضرته اللاذعة «العاشرة»، وفي تدهور وضعه المالي. ففي عام 1877، رفع الفنان دعوى قضائية ضد جون راسكن بتهمة التشهير، بعد أن وصف الناقد لوحته «ليلية بالأسود والذهبي: الصاروخ الساقط» بأنها «غرورٌ جاهل» أشبه بـ«رشّ دلوٍ من الطلاء في وجه الجمهور». انتصر الفنان، لكن القضية كانت طويلة ومكلفة، وأضرّت نزعة ويسلر العدائية بسمعته بين أقرانه، فتركته منعزلاً دون مأوى. طيلة حياته، جال في أنحاء أوروبا وأنتج مئات النقوش الصغيرة ولوحات المناظر الطبيعية.

لوحة «ليلية... ذهبي وبني» (متحف تيت - بريطانيا)

تُظهر لوحة كبيرة من أواخر حياته، بعنوان: «ذهبي وبني: صورة ذاتية»، أنجزها قبل وفاته بعامين، التزام ويسلر الراسخ بمقولته: «الكمال سببٌ للزوال». يطلّ من بين هالة من درجات الذهبي والبني الناعمة، وعلى وجهه ابتسامة مرحة، ويده ممدودة كموجة خفيفة؛ أو تذكير خفي بأن الفنان، لا الناقد، هو من يملك الكلمة الأخيرة في النهاية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الأطعمة تهيمن على أنماط الاحتفال بالأعياد في مصر

الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)
الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)
TT

الأطعمة تهيمن على أنماط الاحتفال بالأعياد في مصر

الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)
الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)

اعتاد هيثم محمود (48 سنة) أن يقيم وليمة لعائلته خلال عيد الأضحى المبارك، ويعتبر هذه الوليمة أو «العزومة» فرصة ليجتمع مع عائلته على مائدة واحدة لمرات قليلة في السنة، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

وأضاف هيثم، وهو صاحب محل ملابس بمحافظة البحيرة (شمال مصر): «هذه العادة كان يحرص عليها أبي قبل رحيله وتعلمتها منه وحافظت عليها بقدر الإمكان، ففي عيد الفطر نجتمع حول أكلة سمك مع الكعك والبسكويت، وفي عيد الأضحى أحرص على إقامة عزومة لإخوتي وأبنائهم تضم أنواعاً من اللحوم، وفي أحيان كثيرة نلتقي أيضاً في عيد شم النسيم لأكل الفسيخ والرنجة».

يتصدر الطعام قائمة مظاهر الاحتفال بالأعياد في مصر، سواء كان أكلات معينة ارتبطت بالأعياد أو بالولائم التي تزدهر في تلك المناسبات، للدرجة التي جعلت حضور الطعام كتسمية للأعياد أقرب للعرف الشعبي بين فئات اجتماعية واسعة، تطلق على أعياد الفطر والأضحى، وحتى عيد شم النسيم التاريخي، تعريفات مثل: «عيد الكعك» و«عيد اللحمة» و«عيد الفسيخ والرنجة».

الأعياد ارتبطت بالولائم والطعام لدى بعض المصريين (فيسبوك)

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر صالح أن «ثقافة الطعام وعاداته لدى المصريين لا تكمنان في الطعام نفسه، وإنما في اعتبار الولائم والمناسبات والأعياد فرصة للتجمع واللقاء بين أفراد العائلة الواحدة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «العادات الاجتماعية الخاصة بالطعام تمنح الأعياد سمتها وتضيف إليها البهجة بالتجمع حول مائدة واحدة سواء كانت وليمة العيد المرتبطة بعيد الأضحى، أو حتى صينية من الكعك والبسكويت وخلافه من الحلويات التي ارتبطت بعيد الفطر، أو التجمع حول أكلة سمك بمناسبة أعياد الربيع وشم النسيم».

وتحتل ثقافة الطعام مساحة كبيرة في تاريخ وحضارة المصريين، وتنعكس بشكل واقعي ومعاصر على حياتهم، وقد أطلق المتحف القومي للحضارة المصرية مبادرة في هذا الصدد بعنوان «طبلية مصر»، رصدت دور الغذاء والطعام وحضوره الاحتفالي في التاريخ المصري، وهي المبادرة نفسها التي كان لها الفضل في تسجيل «الكشري» بوصفه أكلة مصرية أصيلة ومميزة على قائمة التراث الحضاري العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

وتستعيد مسؤولة مبادرة «طبلية مصر» بالمتحف القومي للحضارة المصرية، الدكتورة هند طه، الأبعاد التاريخية للولائم و«العزومات» والأكلات المرتبطة بالأعياد في المجتمع المصري، قائلة إن «المصريين القدماء أول شعوب العالم في استخدام الطعام للاحتفال بالأعياد والمناسبات، حيث كان لكل عيد أو مناسبة طعام خاص بها؛ إذ إنهم استخدموا ذبح الأضاحي سواء تقديمها كقربان للمعبودات أو تناولها في أثناء تلك الأعياد حيث عرفوا ذبح العجول وتقسيمها إلى قطعيات»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه العادات التاريخية أخذت طابعاً اجتماعياً على مر العصور، ولكنها ما زالت راسخة في المجتمع المصري».

وتابعت هند: «كما كان لوجود نهر النيل دور كبير في تنوع الثروة السمكية مما ساعد المصريين في تعدد طرق طهي الأسماك خصوصاً التجفيف والتمليح كنوع من الحفظ، من ثم كانت ضيفاً ثابتاً على موائد المصريين في مناسبات عدة».

وأشارت إلى أن «المصريين أول من عرف صناعة الكعك، حيث إن كلمة كعك هي كلمة هيروغليفية، وهي أصل كلمة cake باللغات الأجنبية، واحتفلوا في الأعياد بالكعك المنقوش المحشو بالعسل والفواكه المجففة مثل الزبيب والتمر».

جانب من فعاليات «طبلية مصر» بمتحف الحضارة (وزارة السياحة والآثار)

مصطفى عبد الفتاح (58 سنة)، موظف بشركة للأدوات الكهربائية، أكد أنه اعتاد سنوياً على ذبح أضحية بالاشتراك مع إخوته الثلاثة، ويتم تقسيمها بينهم، وكل عام تقام وليمة في بيت أحدهم بمناسبة عيد الأضحى.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بعض الأحيان قد لا نتمكن من تجميع أنفسنا على مائدة واحدة، ولكن على الأقل نجمع أكبر عدد من العائلة على مائدة العيد، وهي عادة نحرص عليها في عيد الأضحى، وكذلك في مناسبات أخرى مثل (شم النسيم)، لكن عيد الأضحى هو الموعد الثابت الذي نجتمع فيه حول مائدة واحدة».

ووفق إحصائيات رسمية، يستهلك المصريون آلافاً من أطنان اللحوم خلال عيد الأضحى المبارك، وكشفت وزارة الزراعة المصرية عن قيام مجازرها بذبح 10.172 أضحية مجاناً للمواطنين، ضمن خطتها لتقديم خدمات الإشراف البيطري والكشف والفحص على أضاحي المواطنين، والتأكد من سلامة اللحوم بعد الذبح، تيسيراً على المواطنين، وحفاظاً على البيئة والصحة العامة.

وخلال اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك، تم ذبح 5.588 رأساً من الأبقار، و2.641 رأساً من الأغنام، فضلاً عن 1.551 رأساً من الجاموس، و254 رأساً من الماعز، بالإضافة إلى 138 رأساً من الجمال، وذلك بالمجازر الحكومية المعتمدة.


مصر: اكتشاف صهاريج ومبانٍ نادرة بميناء عيذاب الأثري بحلايب

مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف صهاريج ومبانٍ نادرة بميناء عيذاب الأثري بحلايب

مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الخميس، الكشف عن خزانات وصهاريج مياه ضخمة ومبانٍ ومنشآت خدمية نادرة بميناء عيذاب الأثري على ساحل البحر الأحمر بمنطقة حلايب (جنوب مصر على الحدود مع السودان)، الذي كان محطة رئيسية للحجيج.

وجاء الكشف خلال أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، بموقع ميناء عيذاب الأثري، الذي كان «أحد أبرز وأهم الموانئ المصرية خلال العصور الإسلامية»، بحسب بيان وزارة السياحة والآثار.

ومن جانبه، أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، أن «الكشف يبرز جانباً مهماً من المنشآت الخدمية التي اعتمد عليها ميناء عيذاب التاريخي، حيث مثّلت صهاريج المياه عنصراً أساسياً في دعم النشاط الملاحي والتجاري، فضلاً عن توفير احتياجات الحجاج الوافدين إلى الميناء في طريقهم إلى الأراضي المقدسة»، وفق البيان.

المكان يضم مباني أثرية خدمية للحجيج (وزارة السياحة والآثار)

وأسفرت أعمال الحفائر عن كشف صهريج رئيسي ضخم يبلغ طوله نحو 15.10 متر، وعرضه 3.15 متر، وارتفاعه قرابة 3 أمتار، شُيّد باستخدام الحجر الرملي والأحجار المرجانية المحلية، ثم غُطي بطبقة من الملاط الجيري الأبيض لعزل المياه، ومنع تسربها، بالإضافة إلى الكشف عن عدد من الصهاريج الأخرى بالجهة الجنوبية من الموقع.

وأشار رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية الدكتور ضياء زهران، إلى أن «أعمال المسح الأثري بالمنطقة المحيطة كشفت أيضاً عن بقايا أساسات مبانٍ سكنية، وأبراج مراقبة، ومنشآت خدمية، بما يشير إلى وجود منظومة متكاملة لإدارة الميناء، وتلبية احتياجات الحجاج والتجار الذين توافدوا عليه عبر قرون طويلة».

اكتشاف صهاريج مياه ومبانٍ نادرة بميناء عيذاب بحلايب (وزارة السياحة والآثار)

وعثرت البعثة على مجموعة من اللقى الأثرية، من بينها كسر فخارية تعود إلى العصر الفاطمي، بعضها مطلي باللون الأخضر، إلى جانب شظايا من الخزف الصيني المستورد، وهو ما يعكس ازدهار النشاط التجاري بالميناء، واتساع شبكة علاقاته البحرية مع العديد من المناطق، خصوصاً الهند واليمن وشرق أفريقيا.

وعد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي الكشف بمثابة «مساهمة في إبراز التطور الذي شهدته الموانئ المصرية القديمة، وما تمتعت به من بنية تحتية متقدمة لخدمة حركة التجارة والحجاج»، وقال، في بيان صحافي، إن «الكشف يؤكد المكانة الاستراتيجية لمصر بوصفها مركزاً حضارياً وتجارياً رئيسياً عبر العصور».

وشدد فتحي على «اهتمام الوزارة بأعمال الحفائر والدراسات الأثرية بالمناطق الحدودية والنائية، لما تمثله من أهمية تاريخية وثقافية كبيرة».

بعض القطع المكتشفة في الموقع (وزارة السياحة والآثار)

بدوره، عد المؤرخ الدكتور بسام الشماع هذا الاكتشاف «واحداً من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن الحادي والعشرين»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الاكتشافات الأثرية ليست بحجمها، بل بمدى ما تقدمه من فهم للتاريخ في الأوقات المختلفة».

وأوضح أن «الكشف يثبت وجود علاقات اجتماعية وتجارية بين آسيا ومصر امتدت إلى الصين وغيرها من الحضارات»، كما أنه «يتضمن أبعاداً إنسانية وأمنية بما عثر عليه من مبانٍ خدمية وصهاريج مياه كانت مخصصة لخدمة الحجيج في تلك الفترة وأبراج مراقبة لتأمين الحدود».

واقترح الشماع «تنظيم رحلات سياحية إلى موانئ مصر القديمة، واستغلال الاكتشافات الأثرية في عدد من الموانئ التاريخية على شاطئي البحر الأحمر والمتوسط».

يُذكر أن ميناء عيذاب كان من أبرز موانئ البحر الأحمر خلال العصور الوسطى، حيث مثّل محطة رئيسية للحجاج القادمين من مصر وبلاد المغرب في طريقهم إلى الأراضي المقدسة، فضلاً عن دوره المحوري في حركة التجارة البحرية.