ألمانيا تحقق فائضاً في الموازنة هو الأكبر منذ ربع قرن

رغم تراجع طفيف بالمعنويات... الثقة لا تتزحزح في زعيمة الاقتصاد الأوروبي

يظهر تحقق الناتج القومي الألماني المحلي ارتفاعا بنسبة 0.6 في المائة
يظهر تحقق الناتج القومي الألماني المحلي ارتفاعا بنسبة 0.6 في المائة
TT

ألمانيا تحقق فائضاً في الموازنة هو الأكبر منذ ربع قرن

يظهر تحقق الناتج القومي الألماني المحلي ارتفاعا بنسبة 0.6 في المائة
يظهر تحقق الناتج القومي الألماني المحلي ارتفاعا بنسبة 0.6 في المائة

سجلت ألمانيا في النصف الأول من العام الحالي رقما قياسيا غير مسبوق منذ أكثر من ربع قرن في فائض موازنتها، بفضل النمو الاقتصادي القوي والأوضاع المواتية على نحو غير مسبوق في سوق العمل... وذلك على الرغم من الإشارة أمس إلى أن ثقة الشركات الألمانية تراجعت قليلا في شهر أغسطس (آب) الحالي، بعدما كانت قد سجلت رقما قياسيا في شهر يوليو (تموز) الماضي... وهي النتائج التي تعزز كثيرا من الاطمئنان إلى مستقبل الاقتصاد الألماني قبل نحو شهر من الانتخابات العامة التي تؤثر كثيرا على هذا البلد، وعلى اقتصاد منطقة اليورو، والاقتصاد الأوروبي بشكل عام.
وأعلن مكتب الإحصاء الاتحادي، في مقره بمدينة فيسبادن أمس (الجمعة) استنادا إلى بيانات مؤقتة، أن إجمالي إيرادات الحكومة الاتحادية والولايات والمحليات وصناديق الضمان الاجتماعي ارتفع عن نفقاتها بمقدار 18.3 مليار يورو (نحو 21.59 مليار دولار) في النصف الأول من العام الحالي؛ وذلك نظرا لارتفاع إيرادات قطاع التصدير ومعدلات الاستهلاك، وبالتالي استقرار النمو الاقتصادي، وتراجع نسبة البطالة إلى نسبة 5.9 في المائة. وأكد المكتب في تقريره أمس، أن «ارتیاح الاقتصاد العالمي ساهم في النصف الأول من العام الحالي في زيادة الطلب على البضائع الألمانیة، ولا سیما الآلات؛ الأمر الذي يؤدي تلقائیا إلى ارتفاع معدلات التوظیف».
كما أظهرت البيانات الصادرة أمس نمو أكبر اقتصاد في منطقة اليورو بنسبة 0.6 في المائة على أساس معدل موسمياً في الربع الثاني. وجاءت هذه الزيادة نتيجة لارتفاع الاستهلاك الخاص بنسبة 0.25 في المائة على أساس ربع سنوي، وهو معدل أكثر من المتوقع سابقا.
ولم يحقق هذا المعدل سوى مرة واحدة منذ عام 2011، وكان أقوى من توقعات النمو الاقتصادي البالغة 0.7 في المائة. وبذلك، حققت الخزائن العامة في ألمانيا أعلى زيادة في إيراداتها بـ«إمكاناتها الخاصة» منذ توحيد شطري البلاد عام 1991؛ وذلك بتجنيب «حدث استثنائي» وحيد، حين سجلت ألمانيا فائضا أعلى في إيرادات موازنتها في النصف الثاني من عام 2000، والذي بلغ آنذاك 28.8 مليار يورو، وذلك بفضل بيع تراخيص نظم الاتصالات الجوالة.
وبهذه النتائج يظهر تحقق الناتج القومي الألماني المحلي ارتفاعا بنسبة 0.6 في المائة، مقارنة بالنصف الثاني من العام الماضي، لیبقى بذلك أكبر اقتصاد في أوروبا بعیدا عن خطر تكبد الديون الذي تحدده اتفاقیة «ماستريخت» عند نسبة 3 في المائة من الناتج القومي المحلي.
وفي سياق متصل، أعلن المكتب أن ألمانيا حققت فائضا في ميزانيتها العام الماضي أكبر مما أُعلن من قبل. وذكر المكتب، ردا على استفسار، أن فائض ميزانية الحكومة الاتحادية والولايات والمحليات وصناديق الضمان الاجتماعي بلغ إجماليه العام الماضي 25.7 مليار يورو.
وكان المكتب أعلن في فبراير (شباط) الماضي، استنادا إلى بيانات مؤقتة، أن فائض الميزانية لكامل عام 2016 بلغ 23.7 مليار يورو، وهو ثالث عام على التوالي تحقق فيه ألمانيا فائضا في الميزانية. وشكل فائض الميزانية العام الماضي، وفقا للحسابات الجديدة، ما نسبته 0.08 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
لكن على صعيد التجارة الخارجية، بدت الأرقام أمس أقل قليلا من قوة الاقتصاد الألماني؛ إذ زادت الصادرات بنسبة 0.7 في المائة فقط خلال الربع الماضي، بينما نمت الواردات بنسبة 1.7 في المائة.
وتواجه ألمانيا، التي تقود بقوتها الاقتصادية النمو والانتعاش في منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي، انتقادات كبرى من الولايات المتحدة وإدارة الرئيس دونالد ترمب، والذي يقول إن برلين تخفض قيمة عملتها (اليورو) عمدا من أجل خنق التنافسية، وأنها تتسبب في اختلال بتوازن الاقتصاد العالمي. وفي سياق ذي صلة، أظهر مسح نشرت نتائجه أمس، أن ثقة الشركات الألمانية تراجعت قليلا في أغسطس بعدما بلغت ثلاث مستويات قياسية على التوالي، بما يشير إلى أن موجة الصعود بقيادة الاستهلاك في أكبر اقتصاد أوروبي ربما بلغت مداها... لكن النتائج تظهر في الوقت ذاته أن ثقة قطاع الأعمال الألمانية لا تزال قوية، وبخاصة إذا ما وضع في الاعتبار أن الدولة مقبلة على انتخابات تشريعية قريبة بعد نحو شهر من الآن، والتي تطمح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من خلالها الفوز بولاية رابعة، وهو الأمر الأكثر احتمالا في غياب مرشحين أقوياء منافسين لها.
وقال معهد «إيفو» الاقتصادي ومقره ميونيخ، إن مؤشره لمناخ الأعمال، الذي يستند إلى مسح شهري يشمل نحو سبعة آلاف شركة، تراجع إلى 115.9 نقطة من 116 في يوليو. وشمل الاستطلاع سبعة آلاف شركة، وجاءت نتيجته أفضل من المتوقع... وكان متوسط التوقعات في استطلاع لـ«رويترز» يشير إلى قراءة تبلغ 115.5 نقطة، في حين كان المحللون الذين استطلعت آراءهم مؤسسة «فاكت - سيت» توقعوا تراجعا إلى مستوى 115.7 نقطة.
وقال كليمنس فيوست، رئيس معهد «إيفو»، في بيان: إن «الثقة لدى قطاع الأعمال لا تزال قوية»، مضيفا أن «الاقتصاد الألماني لا يزال على مسار النمو». وقال المعهد إن «التراجع الطفيف» مرده تقديرات قادة الأعمال «الأقل إيجابية» للوضع الراهن، في حين توقعاتهم المستقبلية «مشرقة».
وتضاف الثقة القوية إلى سلسلة من المعطيات الإيجابية للقوة الاقتصادية الأوروبية الأولى؛ ما يعزز موقع المحافظين وعلى رأسهم المستشارة أنجيلا ميركل عشية انتخابات 24 سبتمبر (أيلول) المقبل.
وفي قطاعات أخرى من الاقتصاد، فإن «التشاؤم الأكبر» يأتي من تجار التجزئة الذين كانوا «أقل رضا» بوضعهم الحالي وأقل تفاؤلا بالمستقبل. وقال فيوست، إن «تجار السيارات مسؤولون إلى حد كبير عن التراجع». ويواجه قطاع السيارات القوي في ألمانيا تبعات فضيحة تدليس خاصة بمحركات السيارات العاملة بالديزل، واتهامات بأن بعض صانعي السيارات تلاعبوا بمسائل تقنية بينها تكنولوجيا الانبعاثات... غير أن الفضيحة لم تؤثر بعد على الثقة بين مصنعي السيارات، بحسب فيوست، والذي قال إنه «في كارتل قطاع السيارات، لم تنعكس الاتهامات وقضية الديزل على نتائج الاستطلاعات لغاية الآن، ومؤشر مناخ الأعمال لا يزال عند مستوى مرتفع جدا». لكن على الجانب الآخر، بلغ التفاؤل مستويات قياسية جديدة في قطاعي التصنيع والبناء، حيث أنهى قطاع صناعة البناء والتشييد في ألمانيا الربع الثاني من العام الحالي على ارتفاع، في الوقت الذي ساعدت فيه معدلات الفائدة المنخفضة التاريخية، وارتفاع الأجور والنمو الاقتصادي القوي على تحقيق طفرة في الإسكان، حسبما أظهرت بيانات أصدرها مكتب الإحصاء الاتحادي «ديستاتيس» أمس. وقال مكتب ديستاتيس أن سجل الطلبيات بشأن أعمال البناء في أكبر اقتصاد في أوروبا سجلت قفزة بنسبة 3.9 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، مقارنة بشهر مايو (أيار) السابق.



منتدى اليونيسكو في الرياض يبحث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسارعه

إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)
إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

منتدى اليونيسكو في الرياض يبحث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسارعه

إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)
إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)

في وقت تتسارع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة تسبق قدرة الحكومات والمؤسسات على وضع أطر فعالة لإدارة مخاطره، جاء المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض لبحث الانتقال من وضع المبادئ العامة إلى تطبيقها عملياً، وسط جدل متصاعد حول ما إذا كانت وتيرة تطوير التقنيات المتقدمة قد أصبحت أسرع من قدرة أنظمة الحوكمة والسلامة على مواكبتها.

ويأتي المنتدى في ظل دعوات من قيادات في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء تطوير بعض القدرات المتقدمة لإتاحة مزيد من الوقت لتعزيز إجراءات السلامة والحوكمة، في مقابل توجهات سياسية تؤكد ضرورة مواصلة السباق التقني والحفاظ على التفوق في هذا المجال.

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، دعا شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات النماذج المتقدمة، مقترحاً إطاراً يتضمن وجود جهات مستقلة لتقييم السلامة، ووضع معايير مشتركة، وتعزيز التعاون الدولي لإدارة المخاطر. وحظيت دعوته هذه بتأييد الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان، وإيلون ماسك، فيما أيدها كذلك ديميس هاسابيس من «غوغل ديب مايند».

وقال أمودي إن التطور «يجب أن يكون أبطأ»، معتبراً أن إتاحة مزيد من الوقت لإجراءات السلامة ضرورية مع استمرار التقدم السريع في قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدعوات إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى الحفاظ على ريادة الولايات المتحدة في هذا المجال، في ظل المنافسة مع الصين.

وتضع هذه التطورات قضية الحوكمة في صلب النقاش الذي يناقشه المنتدى في الرياض، مع انتقال الاهتمام الدولي من وضع المبادئ العامة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى كيفية تطبيقها وإدارة المخاطر المرتبطة بالتطور السريع للتقنية.

وقالت آسيا ريجينيه، المديرة العامة المساعدة للعلوم الاجتماعية والإنسانية في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، خلال افتتاح المنتدى، إن العالم يمر «بلحظة حاسمة» مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن التقنية «تتقدم بسرعة غير مسبوقة، وربما بسرعة أكبر من اللازم، فيما تكافح الحوكمة للحاق بها».

وأضافت أن التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي تؤكد الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي في حوكمة التقنية، مشيرة إلى أن توصية اليونيسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي اعتمدتها 193 دولة عضواً قبل خمس سنوات، انتقلت إلى مرحلة جديدة من التنفيذ.

الدول الأعضاء

وأوضحت أن 109 دول أعضاء تحركت نحو تنفيذ التوصية، فيما بدأت أو استكملت 78 دولة تقييم الجاهزية للذكاء الاصطناعي وفق منهجية اليونيسكو، مؤكدة أن الهدف لم يعد يقتصر على الاتفاق على المبادئ، وإنما دعم المؤسسات والأفراد في تحويلها إلى تطبيقات عملية.

وفي السياق ذاته، ذكر رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، أن المخاوف التي عبرت عنها مؤخراً قيادات شركات كبرى بشأن تسارع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة تتطلب تحويل المبادئ المشتركة إلى تطبيق عملي.

ووفق الغامدي فإن «المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه المبادئ المشتركة وتحويلها إلى تطبيق عملي من خلال سياسات قابلة للتنفيذ، وأدوات فاعلة لإدارة المخاطر، وقدرات مؤسسية تمكّن الدول من تطبيقها في واقعها».

وأوضح أن تطبيق الحوكمة لا يعني تبني نموذج موحد بين الدول، قائلاً: «لا يعني بالضرورة أن تتبنى الدول نموذجاً موحداً، بل أن ننطلق من مبادئ مشتركة، وأن نتبادل الخبرات والأدوات مع احترام أولويات كل دولة وثقافتها».

جانب من الحضور في المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

البنية التحتية

وشدد الغامدي على أهمية ربط الحوكمة بالقدرة على الاستفادة من التقنية، قائلاً: «لا ينبغي أن تنفصل الحوكمة عن التمكين؛ فالدول تحتاج إلى الأطر كما تحتاج إلى المهارات، والبيانات، والبنية التحتية التي تمكّنها وتعظّم الاستفادة من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي».

ولفت إلى أن السعودية أطلقت في 2026 الإطار الوطني لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب علامات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بما يجعل الحوكمة وإدارة المخاطر جزءاً من عملية تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويشارك المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (إيكايِر) في استضافة المنتدى إلى جانب اليونيسكو والسعودية ممثلة في «سدايا»، ويضطلع المركز بدور في دعم البحث وبناء القدرات في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بعد انضمامه إلى شبكة مراكز الفئة الثانية التابعة لليونيسكو.

ويبحث المنتدى، الذي تستضيفه السعودية في الرياض، سبل الانتقال من المبادئ الأخلاقية للذكاء الاصطناعي إلى تطبيقها عملياً، في وقت يتزايد فيه الضغط على الحكومات والمؤسسات لتطوير أطر قادرة على مواكبة سرعة تطور التقنية وإدارة مخاطرها.


«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)
شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)
TT

«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)
شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)

دعت «منظمة التجارة العالمية»، الثلاثاء، أعضاءها إلى إصلاح قواعد التجارة العالمية، محذرة بأن الفشل في ذلك قد يدفع بالاقتصاد العالمي نحو مزيد من الانقسام والتشرذم، بما يهدد بخفض الإنتاج الاقتصادي العالمي وإلحاق أضرار جسيمة بالدول الأكبر فقراً.

وقالت «المنظمة»، التي تتخذ من جنيف مقراً لها، في تقريرها السنوي، إن القواعد التجارية الحالية تواجه صعوبة متصاعدة في مواكبة تحولات موازين القوى الاقتصادية العالمية، وصعود السياسات الصناعية، واتساع نطاق التجارة الرقمية، فضلاً عن تصاعد التوترات السياسية بين القوى الكبرى، وفق «رويترز».

ويأتي هذا التحذير بعد إخفاق الدول الأعضاء الـ166 بـ«المنظمة» في التوصل إلى اتفاق بشأن حزمة إصلاحات خلال الاجتماع الوزاري الذي عُقد في ياوندي بالكاميرون خلال مارس (آذار) الماضي، قبل استئناف المفاوضات في جنيف بشأن قضايا تشمل آليات اتخاذ القرار، وتسوية النزاعات التجارية، والتحديات المرتبطة بالدعم الحكومي وتدخل الدولة في الاقتصاد.

وتواجه «المنظمة» صعوبات في تحقيق توافق بين جميع أعضائها؛ نظراً إلى اختلاف مستويات التنمية الاقتصادية وتباين المصالح بين الدول الأعضاء، في ظل اعتمادها على مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات.

وأظهرت نماذج أعدها اقتصاديون في «المنظمة» أن انقسام العالم إلى كتل جيوسياسية متنافسة قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 5.1 في المائة، وانخفاض الصادرات العالمية بنسبة 18.6 في المائة، بحلول عام 2050، مقارنة بالمسار الأساسي.

وفي سيناريو أكبر تشدداً، يتمثل في انهيار التعاون متعدد الأطراف واستبدال شبكة متفرقة من اتفاقيات التجارة الحرة به، قد يتراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 6.9 في المائة وتنخفض الصادرات بنحو 27 في المائة.

في المقابل، أشار التقرير إلى أن تعزيز التعاون متعدد الأطراف يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.9 في المائة ويزيد الصادرات العالمية بنحو 18 في المائة.

وأكدت «المنظمة» أن الدول الأقل نمواً ستكون المستفيد الأكبر من تعزيز التعاون الدولي، لكنها في الوقت نفسه ستكون الأكبر عرضة للخسائر إذا تسارع تفكك النظام التجاري العالمي.

التجارة العالمية عند مفترق طرق

وقال كبير الاقتصاديين في «منظمة التجارة العالمية»، روب ستايغر، لـ«رويترز»، إن نظام التجارة العالمي يقف عند «منعطف حاسم»، مشيراً إلى 4 تحديات رئيسية تواجهه، هي: اتساع توزيع القوة الاقتصادية عالمياً، وازدياد تدخل الحكومات في الاقتصادات الوطنية، والتحولات التي فرضتها الرقمنة وسلاسل القيمة العالمية على طبيعة التجارة، إضافة إلى تصاعد الاحتكاكات السياسية بين الدول.

وأضاف: «القواعد الحالية تتعرض لضغوط متصاعدة، وهذا يترك أثراً ملموساً بالفعل. وإذا انهار النظام متعدد الأطراف على المستوى العالمي، فإن السيناريوهات التي أعددناها تشير إلى أن التكاليف الاقتصادية ستكون كبيرة للغاية».

وتأتي هذه التقديرات في وقت تتجه فيه دول كثيرة إلى إبرام ترتيبات تجارية إقليمية وقطاعية خاصة، وسط تصاعد التوترات التجارية وفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية واسعة النطاق.

وفي مارس الماضي، وافقت مجموعة من أعضاء المنظمة على المضي قدماً في أول مجموعة أساسية من القواعد المنظمة للتجارة الرقمية من خلال اتفاق متعدد الأطراف، متجاوزة اعتراضات بعض الأعضاء.

ورأى ستايغر أن الاتفاقيات التجارية الإقليمية والمبادرات متعددة الأطراف المحدودة قد تسهم في تعزيز النظام التجاري العالمي، لكنه حذر بأنها قد تتحول كتلاً متنافسة تقوض هذا النظام إذا ابتعدت عن الإطار متعدد الأطراف.

وأوضح أن غياب إطار قوي لـ«منظمة التجارة العالمية» قد يدفع بهذه الترتيبات إلى توجيه التجارة نحو شركاء مفضلين بدلاً من المنتجين الأعلى كفاءة، كما قد يشجع التكتلات التجارية على إقامة حواجز جديدة أمام الأطراف الخارجية.

وأضاف أن قواعد «المنظمة» تلعب دوراً أساسياً في الحد من التمييز ضد الدول غير الأعضاء في الاتفاقيات التجارية، وفي ضبط كيفية تصميم اتفاقيات التجارة الحرة.

وأشارت «المنظمة» إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية بلغت مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، مع ازدياد استخدام الحكومات الرسوم الجمركية، والدعم الحكومي، وقيود التصدير، والسياسات الصناعية.

ورغم أن نحو 72 في المائة من تجارة السلع العالمية لا تزال تجري وفق مبدأ «الدولة الأولى بالرعاية» المعتمد في «منظمة التجارة العالمية»، مقارنة بنحو 80 في المائة عام 2022، فإن ستايغر وصف هذا التراجع بأنه «اتجاه مقلق»، يعكس خطر التآكل التدريجي للنظام التجاري متعدد الأطراف.


أسعار النفط والفائدة تضيّقان هوامش تقدم الجمهوريين قبيل انتخابات نوفمبر

أميركي يزود سيارته بالوقود داخل محطة وقود بولاية كاليفورنيا وسط ارتفاع كبير في أسعار الديزل 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أميركي يزود سيارته بالوقود داخل محطة وقود بولاية كاليفورنيا وسط ارتفاع كبير في أسعار الديزل 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

أسعار النفط والفائدة تضيّقان هوامش تقدم الجمهوريين قبيل انتخابات نوفمبر

أميركي يزود سيارته بالوقود داخل محطة وقود بولاية كاليفورنيا وسط ارتفاع كبير في أسعار الديزل 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أميركي يزود سيارته بالوقود داخل محطة وقود بولاية كاليفورنيا وسط ارتفاع كبير في أسعار الديزل 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)

مع بدء اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم الثلاثاء، يواجه الجمهوريون اختباراً اقتصادياً تتضاءل فيه قدرتهم على فصل اضطرابات الشرق الأوسط عن ضغوط تكاليف المعيشة المحلية في الولايات المتحدة. فتكلفة الحرب تصل إلى الناخب الأميركي بطريقتين: عند دفع فواتير الوقود، وعند طلب القروض لشراء منزل أو تمويل مشروع تجاري. وبين هذين العبئين، تبرز احتمالات تشديد السياسة النقدية، في توقيت يحتاج فيه الحزب إلى إقناع الأميركيين بأن سياسات الرئيس دونالد ترمب تقربهم من الرخاء.

حسب جدول أعمال مجلس الاحتياطي الفيدرالي، من المتوقع صدور القرار يوم الأربعاء. ومع ذلك، فقد بدأ التأثير السياسي يظهر بالفعل: فارتفاع تكاليف الطاقة يُهدد باستمرار التضخم، بينما يُثير توقع رفع أسعار الفائدة القلق بشأن تكلفة كبحه. وهذا يُعقّد السؤال المطروح في عام الانتخابات: متى سيشعر المواطنون بتحسن في أوضاعهم إذا كانت مكافحة ارتفاع الأسعار تتطلب إبطاء الإنفاق ورفع تكاليف الاقتراض؟

عبء مزدوج

تكشف بيانات شهر أغسطس (آب) عن حجم المشكلة وحدودها. فقد ارتفعت أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة الأميركية، بنسبة 0.4 في المائة شهرياً و3.4 في المائة سنوياً، بينما ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 3.9 في المائة خلال الشهر، مما يمثّل أكثر من ثلث الزيادة الإجمالية. ووفقا لمكتب إحصاءات العمل الأميركي، بلغ الارتفاع السنوي في تكاليف الطاقة 16.3 في المائة.

ومع ذلك، بلغ معدل التضخم الأساسي -الذي يستثني الغذاء والطاقة- 2.4 في المائة سنوياً، منخفضاً من 2.5 في المائة في يوليو (تموز). هذه التفاصيل تمنع اختزال الوضع إلى سيناريو ارتفاع أسعار جنوني شامل. فبينما تلعب الطاقة دوراً مهماً، لا تتسارع جميع مكونات التضخم بالوتيرة نفسها. ومع ذلك، لا تقتصر صدمة الوقود على المحطات. إذ يمكن أن تنتقل تكاليف النقل والإنتاج المتزايدة تدريجياً إلى السلع والخدمات، مما يضغط على أرباح الشركات وميزانيات المستهلكين. وتوضح دراسة أجراها «الاحتياطي الفيدرالي»، أنه كيف يمكن لصدمات إمدادات النفط أن ترفع الأسعار الأساسية أيضاً عندما تنقل الشركات جزءاً من تكاليفها الإضافية إلى المستهلكين.

وتضيف تكاليف الاقتراض طبقة أخرى من الضغط. إذ حسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة حاجز 5 في المائة، يوم الاثنين. ونظراً إلى تأثير هذه العوائد على أسعار التمويل طويلة الأجل، فقد تتشدد شروط القروض حتى قبل اتخاذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي أي إجراء، مع تغير توقعات السوق.

ولا يعني هذا بالضرورة ارتفاعاً فورياً في الأقساط لجميع المقترضين، إذ إن حاملي قروض الرهن العقاري ذات الفائدة الثابتة الحالية محميون من التغييرات الفورية. ومع ذلك، يواجه مشترو المنازل الجدد، والراغبون في إعادة تمويل قروضهم، والشركات الباحثة عن الائتمان، وضعاً أقل ملاءمة.

معضلة «الفيدرالي»

أفادت «رويترز» بأن بنوكاً كبرى، من بينها «غولدمان ساكس» و«جيه بي مورغان»، تتوقع رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماع سبتمبر(أيلول)، في أعقاب بيانات التضخم الأخيرة. ورغم أن هذه تقديرات ما قبل القرار، فإنها تعكس تحولاً في معنويات السوق، من توقع تيسير السياسة النقدية إلى احتمال تشديدها.

تكمن المعضلة في أن أسعار الفائدة لا يمكنها إصلاح خط أنابيب متضرر أو تأمين ممر ملاحي بحري. فأدوات البنك المركزي تعمل بشكل أساسي من خلال قنوات الطلب والائتمان: فهي تزيد من تكلفة الإنفاق والاستثمار، وتحدّ من استمرار ارتفاع الأسعار. وبالتالي، قد يكون للاستجابة لصدمة الطاقة تكلفة اقتصادية دون معالجة السبب الجذري.

وفي المقابل، قد يكون التقاعس مكلفاً إذا ترسخت توقعات ارتفاع الأسعار وبدأت تؤثر على التسعير والأجور. وسط هذه المخاطر، يصبح منطق «الاحتياطي الفيدرالي» لقراره بنفس أهمية القرار نفسه: هل ينظر إلى الوضع على أنه اضطراب مؤقت سيزول، أم ضغط مستمر يتطلب استجابة أكثر استدامة؟

وسياسياً، لا يقدم أي من السيناريوهين رسالة تروق للجمهوريين. فرفع أسعار الفائدة يعني استمرار الضغط على تكاليف التمويل، بينما لا يضمن تثبيت أسعار الفائدة انخفاض تكاليف الاقتراض أو أسعار الوقود. علاوةً على ذلك، فإن تصوير البنك المركزي على أنه المسؤول الوحيد عن ارتفاع تكاليف المعيشة يتجاهل تأثير أسعار الطاقة، الذي يسبق قرارات سياسة البنك.

وعود تحت الضغط

تتضح محدودية نطاق الحلول السريعة في موقف وزير الداخلية دوغ بورغوم. فقد صرَّح يوم الاثنين، وفقاً لـ«رويترز»، بأن حظر صادرات النفط أو الوقود الأميركي لن يؤدي بالضرورة إلى خفض الأسعار، وقد يُفضي إلى إجراءات انتقامية تضر بالمستهلكين. كما تبحث الإدارة سبلاً لزيادة طاقة التكرير، مع العلم أن الإجراءات الصناعية تستغرق وقتاً للتأثير على الإمدادات.

يُبرز هذا المأزق الذي يواجه الخطاب الجمهوري: فبينما تستطيع الإدارة الدفاع عن أهدافها الأمنية والتأكيد على أهمية الإنتاج المحلي، عليها أيضاً توضيح التناقض بين هذه السياسات والتكلفة اليومية لأن الإشارة إلى تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية لا يمحو الضغط المالي الذي تعاني منه الأسر، حيث تستحوذ تكاليف الوقود والتمويل على نسبة كبرى من دخلها.

تُتيح هذه الفجوة للديمقراطيين فرصة لربط إدارة الحرب بالإدارة الاقتصادية، إلا أنها لا تُحدد نتيجة التصويت النهائية. إذ يُوازن الناخبون هذه العوامل مع قضايا أخرى كالوظائف والدخل. ومع ذلك، فإن تداخل أسعار النفط وأسعار الفائدة يُلقي بعبء إثبات ملموس على الجمهوريين: تقديم مسار موثوق لخفض التكاليف في الأسابيع القليلة المتبقية قبل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني).