الإمام «الخفي» غافل أجهزة الأمن وشكّل خلية برشلونة الإرهابية

كان يرتدي الجينز ولحيته قصيرة ودرّب الشبان الذين استمالهم للعيش في {حياة مزدوجة ذات وجهين}

علي ياسين إمام مسجد «ريبول» يتحدث لممثلي الإعلام عن سلفه   (نيويورك تايمز)
علي ياسين إمام مسجد «ريبول» يتحدث لممثلي الإعلام عن سلفه (نيويورك تايمز)
TT

الإمام «الخفي» غافل أجهزة الأمن وشكّل خلية برشلونة الإرهابية

علي ياسين إمام مسجد «ريبول» يتحدث لممثلي الإعلام عن سلفه   (نيويورك تايمز)
علي ياسين إمام مسجد «ريبول» يتحدث لممثلي الإعلام عن سلفه (نيويورك تايمز)

كان في بعض الأحيان يرتدي الجينز ويبدو مثل الشباب العصري، وكانت لحيته قصيرة للغاية. كان مهذبا للغاية ومثابرا لأقصى درجة. ويبدو أنه درّب الشبان الذين استمالهم إلى خليته الإرهابية لكي يتصرفوا بطريقته الخاصة من العيش في حياة مزدوجة ذات وجهين كانت تخفي القليل من نواياهم الحقيقية.
كان عبد القادر الساتي الإمام الخفي الذي كان أستاذا في الخداع والتخفي والذي تعتقد السلطات هنا أنه محور الهجمات الإرهابية التي وقعت الأسبوع الماضي في برشلونة وبالقرب منها. وكانت علاقاته مع الإرهابيين تعود لأكثر من عقد من الزمان، ولكنه تمكن ببراعة من التهرب من تدقيقات السلطات ومن شكوك الكثير من سكان بلدة ريبول الإسبانية الصغيرة الواقعة في شمال إقليم كاتالونيا، حيث ظهر العام الماضي عارضا خدماته على المجتمع المحلي.
وكان أسلوب الساتي، وفقا لخبراء الإرهاب، يتسق تماما مع أساليب المجندين الإرهابيين التابعين لتنظيم القاعدة والذين كانت له معهم اتصالات قبل 11 عاما مضت. ويبدو الآن أنه استخدم تلك الأساليب نفسها بعناية في اختيار المجندين الشباب وتدريبهم، لكن لصالح تنظيم داعش الإرهابي هذه المرة.
تقول وفاء مارسي (30 عاما) التي نشأت مع الأعضاء الكبار من الخلية التي كوّنها ذلك الإمام الخفي في البلدة: «كان لطيفا، ومهذبا، ومؤدبا للغاية، ولكنه كان مبالغا في أدبه وسلوكه. يمكنك الإحساس بالشخص الذي تقابله من نظرته وابتسامته، ولكن لم نكن نستطيع ذلك مع هذا الرجل. وذلك سبب عدم ثقتي فيه منذ البداية».
لقي الساتي مصرعه في 16 أغسطس (آب) الحالي عندما انفجرت العبوة المتفجرة التي كان يعمل على إعدادها برفقة بعض من المجندين الشبان في المنزل الآمن الذي اتخذوه في بلدة ألكانار إلى الجنوب من برشلونة. وتشير سجلات المحكمة إلى أن الشرطة استعادت في وقت لاحق كتابا يعود إلى الإمام الساتي من أنقاض المنزل المتهدم، وكان يحمل عنوان «جنود الدولة الإسلامية في أرض الأندلس».
ولكن حتى بعد وفاته، كان تأثير الساتي على الشبان الصغار قويا لدرجة أن المؤامرة التي أرسى معالمها قد استمرت في اليوم التالي على مقتله ومن دون القنبلة التي كان يجهزها؛ مما أسفر عن مصرع 15 شخصا في نهاية المطاف.
كيف تمكن الساتي من النفاذ عبر شبكات حماية الجمهور من الإرهابيين المحتملين هو تساؤل يتعلق مباشرة بمستوى الاتصالات بين أجهزة إنفاذ القانون والهيئات القضائية على المستوى الوطني الإسباني وعلى المستوى الإقليمي في كاتالونيا.
ولكنه يعكس أيضا مهارة مسؤول التجنيد المتمرس، والمتدرب على البقاء متواريا عن الأنظار حتى لا يفكر أحد في البحث وراءه وفي تاريخ حياته.
وإن كانت السلطات كلفت نفسها عناء البحث لكانوا عثروا على إدانة سابقة بتهمة الاتجار في المخدرات. وذلك من أهم الأسباب التي مكنت الساتي من المرور أسفل رادار أجهزة الأمن الإسبانية المعنية بمكافحة الإرهاب، فلم توجه إليه من قبل أي اتهامات أو إدانات تتعلق بجرائم التطرف والإرهاب.
ورغم ذلك، كان الساتي معروفا لدى السلطات القضائية الإسبانية وأجهزة مكافحة الإرهاب خلال السنوات العشر الماضية، وفقا إلى فرناندو ريناريس مدير برنامج الإرهاب العالمي في معهد إلكانو الملكي في مدريد، وهو المعهد الذي يضم قاعدة بيانات كبيرة للمتطرفين الإسبانيين بناء على سجلات المحاكم وغيرها من المصادر الأمنية الرسمية.
وأفاد السيد ريناريس قائلا: «كانت لعبد القادر الساتي بعض الاتصالات التي تعود إلى عقد ماض من الزمان، مع بعض المسهلين لشبكة تفجير القطار في مدريد والمستقرين في إقليم كاتالونيا، ثم بعد ذلك في السجن مع عضو من أعضاء الشبكة الإرهابية نفسها».
وأسفرت تفجيرات قطار عن مصرع 190 شخصا وإصابة المئات الآخرين. وفي أعقاب هجمات الأسبوع الماضي، تبادلت سلطات إنفاذ القانون الإقليمية والوطنية والساسة في إسبانيا الاتهامات والانتقادات بشأن الفشل في التعاون البيني بصورة أكثر وثاقة. وكانت تلك العلاقات تعاني من المزيد من التوتر بسبب جهود إقليم كاتالونيا للحصول على الاستقلال عن إسبانيا.
وكانت سلطات إنفاذ القانون الإقليمية في كاتالونيا تعاني منذ فترة طويلة من عدم السماح لها بالعمل المنفرد مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
ومن بين المشاكل الأخرى التي ظهرت على سطح الأحداث تتعلق بالمعلومات التي يجمعها عناصر الاستخبارات العاملة في مجال مكافحة الإرهاب والتي لا تسفر عن توجيه الاتهامات أو الإدانات الجنائية والتي لا تكون متاحة بصورة منتظمة لسلطات إنفاذ القانون الإقليمية.
كما يبدو أن سجلات السلوكيات المرصودة داخل السجون لا يتم مشاركتها على نطاق واسع بين مختلف الأجهزة الأمنية، ومن المفهوم بصورة متزايدة أنها عامل من أهم العوامل في التطرف والميل نحو الإرهاب.
وعلى الرغم من وجود مجلس إسلامي في إقليم كاتالونيا والذي يحقق في هوية أئمة المساجد، فإن أحدا لم يسأل عن هوية الإمام الساتي، كما قال جمال التواقي منسق المجلس الإسلامي في كاتالونيا.
وقال خوردي مونيل، عمدة بلدة ريبول، إنه كان ينبغي على الشرطة المحلية أن تكون أكثر حذرا وانتباها بشأن المخاطر التي شكلها تواجد الإمام الساتي هناك، وأردف يقول: «إن المعلومات التي في حوزة بعضهم لم تبلغ السلطات المعنية في الوقت المناسب»، مضيفا أن الحكومة الإسبانية لم تمرر هذه الصلاحيات إلى السلطات المعنية في إقليم كاتالونيا.
وفي الأثناء ذاتها، ندد ضباط الأمن الإسبانيين بالمسؤولين في إقليم كاتالونيا لتهميش أدوارهم بصورة مؤلمة أثناء مساهمة السلطات الوطنية والعسكرية الإسبانية في التحقيقات الجارية وملاحقة المشتبه فيهم.
ولد عبد القادر الساتي في المغرب نحو عام 1970 في قرية صغيرة في منطقة الشوين بالقرب من مدينة طنجة الشمالية. ولا يُعرف إلا القليل عن حياته المبكرة. وقال لرواد المسجد في ريبول أين كان يعمل حتى نهاية يونيو (حزيران)، وأنه متزوج ولديه تسعة من الأبناء.
ولكنه لم يذكر أنه لديه معارف أدينوا بارتكاب جرائم تتعلق بالإرهاب، أو أنه قضى فترة في السجن لاتهامه بالاتجار في المخدرات من قبل.
وفي عام 2006، ظهر اسمه في قضية ضد مجموعة من الرجال متهمين بتجنيد المجاهدين للقتال في العراق. وأحد هؤلاء الرجال، على أدنى تقدير، كان يساعد المتآمرين المشاركين في تفجيرات قطار مدريد لعام 2004 على الهرب.
وتم العثور على وثائق تتعلق بالساتي، أو نسخ منها، في منزل أحد عناصر التجنيد المتهمين، وهو محمد مرابط فاهسي، والذي زعم حصوله على تلك الوثائق بسبب عمله في المسجد المحلي. ورفضت المحكمة في خاتمة المطاف القضية لقلة الأدلة المؤدية للاتهامات. ثم ظهر اسم الساتي مرة أخرى في السجلات العامة، وهذه المرة في المحكمة نفسها، ردا على اتهامات الاتجار بالمخدرات في عام 2010، وذلك وفقا للسلطات القضائية الإسبانية.
وحكم عليه بالسجن لمدة 4 سنوات. وربطته هناك صداقة بالمدعو رشيد أغليف والمشهور باسم «الأرنب»، والذي كان يقضي حكما لمدة 18 عاما لاشتراكه في تفجيرات قطار مدريد الإرهابية.
ورفض أحد القضاة في عام 2015 أمرا بإبعاد الساتي عن البلاد عقب إطلاق سراحه في قضية الاتجار بالمخدرات، وقال القاضي في حيثياته: إن الساتي «أظهر إشارات إيجابية للعمل وبذل جهدا معقولا للاندماج». ثم أطلق سراحه واختفى تماما عن الأنظار منذ ذلك الحين.
ثم عاود الظهور مرة أخرى في بدايات عام 2016 في بلجيكا، موطن خلية «داعش» الإرهابية المسؤولة عن هجمات باريس وبروكسل في ذلك الوقت تقريبا.
وليست هناك معلومات متوفرة تفيد بأن الساتي كان على اتصال مع تلك الخلية، ولكن السلطات البلجيكية أفادت بأنه تبحث في الوقت الراهن وبصورة أعمق في خلفيات الإمام الساتي وتحركاته خلال فترة وجوده في البلاد.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بوركينا فاسو: مقتل 7 جنود في هجومين نفذهما «تنظيم القاعدة»

أفريقيا رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)

بوركينا فاسو: مقتل 7 جنود في هجومين نفذهما «تنظيم القاعدة»

أعلن «تنظيم القاعدة» مسؤوليته عن مقتل 7 من جنود جيش بوركينا فاسو وميليشيات مُوالية له بشمال البلد الواقع غرب أفريقيا

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج التعاون مستمر بين الجانبين لمكافحة التطرف الرقمي والحد من انتشاره (الشرق الأوسط)

«اعتدال» و«تلغرام» يكافحان التطرف الرقمي بإزالة 97 مليون مادة خلال 2025

أسفرت الجهود المشتركة بين المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال) ومنصة «تلغرام»، في مجال مكافحة التطرف الرقمي، عن إزالة 97.611.787 مادة متطرفة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي عناصر من الأمن الداخلي السوري (صفحة الداخلية السورية على إكس)

الداخلية السورية تلقي القبض على خلية ﻟ«داعش» في ريف دمشق

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الثلاثاء، القبض على أفراد خلية تتبع لتنظيم «داعش» في ريف دمشق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)

نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

حذَّرت تقارير أمنية في نيجيريا من حصول تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» على طائرات مسيَّرة متطورة، ينوي استخدامها في هجمات إرهابية جديدة...

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي أفراد من قوات الأمن العام السوري يحرسون في حي الأشرفية في حلب، سوريا 11 يناير 2026 (رويترز)

سوريا: توقيف عنصرين من «داعش» ضالعَين بتفجير مسجد في حمص

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الاثنين، توقيف شخصين، قالت إنهما من تنظيم «داعش»، بتهمة الضلوع في تفجير مسجد في مدينة حمص الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.


ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».