السلطات الصينية تشدد الخناق على التوسعات الخارجية

شركات كبرى تخضع لإعادة هيكلة جذرية

الحكومة الصينية بدأت تخشى من أخطاء ترتكبها شركات جامحة تؤثر في الاقتصاد الوطني  (إ.ب.أ)
الحكومة الصينية بدأت تخشى من أخطاء ترتكبها شركات جامحة تؤثر في الاقتصاد الوطني (إ.ب.أ)
TT

السلطات الصينية تشدد الخناق على التوسعات الخارجية

الحكومة الصينية بدأت تخشى من أخطاء ترتكبها شركات جامحة تؤثر في الاقتصاد الوطني  (إ.ب.أ)
الحكومة الصينية بدأت تخشى من أخطاء ترتكبها شركات جامحة تؤثر في الاقتصاد الوطني (إ.ب.أ)

توقف مراقبون دوليون أمام قرار مجلس الدولة الصيني الخاص بمنع الشركات الصينية العامة والخاصة من التوسع في استثمارات خارجية عقارية وفندقية وترفيهية ورياضية.
صدر القرار يوم الجمعة الماضي، وبدأت تفاعلاته بالظهور تباعاً على المستويات الاقتصادية والسياسية على حد سواء، علماً بأن السلطات كانت أعلنت منذ بداية عام 2017 ضرورة تقنين ومراقبة الاستحواذات الخارجية، لا سيما تلك «المهددة للأمن القومي» لأنها تسهم في الخروج الكثيف للرساميل، أو لأنها قائمة على ديون هائلة، أو هي في قطاعات لا تمثل أولوية للحكومة والحزب الشيوعي الحاكم.
وأثمرت جهود التقنين تراجعاً نسبياً في الاستثمارات والاستحواذات الصينية خارج البلاد هذه السنة مقارنة بالسنة الماضية، التي بلغت فيها قيمة تلك العمليات 221 مليار دولار صعوداً من 97 ملياراً في 2015. أما قيمة الاستثمار الخارجي منذ بداية 2017 حتى منتصف أغسطس (آب) الحالي فبلغت نحو 105 مليارات دولار، أي أقل بنسبة 35 في المائة مقارنة مع الفترة المقابلة من العام الماضي.
وأكدت مصادر متابعة أن «القطاعات المشمولة في قائمة التقنين هي تلك التي فتحت لها وعليها شهية رؤساء شركات لأسباب غير متجانسة جعلت الحكومة تشكك في جدواها الاقتصادية، لا سيما في قطاع العقار الذي سجل طفرة غير مسبوقة في السنتين الماضيتين».
فوفقاً لإحصاءات «بلومبيرغ»، بلغت قيمة الاستثمارات الخارجية في قطاع الطاقة في 10 سنوات 147 مليار دولار مقابل 90 ملياراً في القطاع العقاري. وهذه السنة قفزت الاستثمارات العقارية إلى 33 ملياراً مقابل 8 مليارات فقط لقطاع الطاقة.
ومنذ العام الماضي، الذي سجل 28 مليار دولار استثمارات عقارية خارجية، بات هذا القطاع في المرتبة الأولى على قائمة الاستثمار الصيني الخارجي.
وأوضحت المصادر شبه الرسمية أن «الحكومة تريد وضع حد لهروب الرساميل والحيلولة دون وقوع أزمة مالية بعدما لاحظت صعود موجة استثمارات في قطاعات قد لا تكون مجدية اقتصاديا، لكنها تفاقمت في موازاة الحرب التي يشنها الرئيس على الفساد. وينظر بعض من في الحكومة والحزب إلى تلك الموجة على أنها مدفوعة برغبة إخراج ثروات لتكون في ملاذ ما خارج الصين».
وتضيف: «المقصود من التوجه الحكومي الجديد شركات مثل (آن بانغ) و(فوسان) و(إتش آند إيه) و(واندا).... التي أطلقت العنان لاستحواذات هستيرية في السنوات الماضية. وتوسعت من التأمين إلى السياحة والفندقة والعقار والسينما مرورا بالطيران ووصولاً إلى الصناعات الدوائية والصيدلانية. فشركة (آن بانغ) للتأمين، على سبيل المثال، تأسست في 2004 برأسمال 60 مليون دولار وتدير الآن أصولاً بـ253 مليار دولار. فقد صعدت في 10 سنوات لتحتل المركز السادس في قائمة الشركات الصينية الأكثر استحواذا في الخارج، ولفتت الأنظار المحلية والعالمية باستحواذها على الفندق النيويوركي الأسطوري (والدورف آستوريا) بملياري دولار، كما اشترت سلسلة (استراتيجيك) للفنادق والمنتجعات الأميركية بـ6.5 مليار دولار، حتى إن رئيسها أقدم على مغامرة تقديم عرض بـ14 مليار دولار لشراء سلسلة فنادق (ستاروود). وهذا التهور أدى برئيس الشركة إلى الخسارة، فاعتقلته السلطات وحققت معه وأجبرته على الاستقالة في يونيو (حزيران) الماضي».
أما شركة «فوسان» الناشطة في قطاعات الصحة والمال والترفيه، فقد جمدت بعض مشاريع الاستحواذ الخارجي بعدما كانت خصصت لذلك أواخر 2016 مبلغ 15 مليار دولار. وكان رئيسها خضع في 2015 لتحقيق رسمي، واستقال مديرها في مارس (آذار) الماضي، واضطرت الشهر الماضي لنفي شائعات عن تعرض رئيسها لتحقيق مرة أخرى.
كما تخضع شركة «واندا» لإعادة هيكلة، وأجبرت على التخلي عن أصول تضم 76 فندقاً و13 مرفقاً سياحيا بـ9.3 مليار دولار لسداد جزء من ديونها المتراكمة. وكان حلم رئيسها جعلها شركة «ديزني» عالمية جديدة بفعل استحواذات بالمليارات في قطاعات الترفيه والسينما والسياحة والفندقة. لكن السلطات نبهته وطلبت منه إجراء هيكلة لأنشطة الشركة الموضوعة رسميا الآن تحت المراقبة، وهناك متابعة لأعمال رئيسها الذي يملك ثروة شخصية تقدر بـ31 مليار دولار تضعه بين أكبر أثرياء آسيا.
وتخضع مجموعة «إتش آند إيه» حاليا لمتابعة إعلامية مثيرة بعد شائعات عن تحقيقات فساد تطالها وتربطها بمتنفذين بعدما وصلت قيمة استحواذاتها إلى 40 مليار دولار في قطاعات السياحة والسفر والطيران والفنادق...
وتقول المصادر شبه الرسمية: «كان واضحاً أن الحكومة بدأت تخشى من أخطاء ترتكبها هذه المجموعات الجامحة وتؤثر في الاقتصاد الوطني، فجاء التحرك بخطوات متدرجة لتبريد سخونة هذه المجموعات وإعطاء إشارة سير لغيرها كي تعود إلى الطريق القويم، إذا كانت تخطط لاستحواذات في القطاعات التي باتت الآن شبه محظورة. ولذلك بُعد سياسي أيضاً، لأن المؤتمر الـ19 للحزب الشيوعي سيعقد بعد أسابيع قليلة، وخلاله يجري تقييم السياسات وحصيلة عمل الرئيس، وسيكون مناسبة ليعيد المؤتمر تثبيت معادلة أن الحزب يسيطر أو يوجه الاقتصاد، وليس لعبة الأسواق المالية».
في المقابل، جاء في قرار مجلس الدولة تشجيع الاستثمار في الدول التي يمر فيها طريق الحرير الصيني الواصل إلى أوروبا، على أن تكون هذه الاستثمارات مختارة بعناية لتخدم المشروع الصناعي الذي يبقى الهدف الصيني الأول لأنه يخلق فرص عمل بكثافة وينقل التكنولوجيا ويعزز البحث والتطوير، والأهم من ذلك كله يرفد الاقتصاد بعوامل نمو مستدامة بخلاف بعض الاستثمارات الأخرى التي تخضع لدورات مضاربية لها آثار مالية سلبية، خصوصاً إذا كانت قائمة على الاقتراض بمخاطر عالية.



أسواق آسيا تتنفس الصعداء قبيل قرار «الفيدرالي»

متداولون يقفون قرب شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» الكوري في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)
متداولون يقفون قرب شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» الكوري في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)
TT

أسواق آسيا تتنفس الصعداء قبيل قرار «الفيدرالي»

متداولون يقفون قرب شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» الكوري في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)
متداولون يقفون قرب شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» الكوري في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)

شهدت الأسواق الناشئة في آسيا ارتفاعاً ملحوظاً يوم الأربعاء، مدفوعة بمكاسب قوية في قطاع التكنولوجيا في كل من كوريا الجنوبية وتايوان.

وجاء هذا الصعود في وقت التقطت فيه أسعار النفط أنفاسها بعد سلسلة من الارتفاعات الأخيرة، مما أتاح للمستثمرين فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم والتركيز على القرار المرتقب للاحتياطي الفيدرالي بشأن السياسة النقدية في وقت لاحق يوم الأربعاء.

الأسهم الكورية في القيادة

قادت أسهم سيول المسيرة بصعود صاروخي وصل إلى 4 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ مطلع مارس الجاري، بينما أضافت الأسهم في تايوان 1.7 في المائة لتصل إلى ذروة أسبوعين. هذا الزخم في أكبر سوقين لأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي في المنطقة دفع مؤشر «أم أس سي آي» للأسواق الناشئة في آسيا للارتفاع بنسبة 1.6 في المائة. ويرى المحللون أن ثقة المستثمرين عادت بقوة لأسماء الشركات الكبرى في قطاع الرقائق، خاصة في تايوان التي تتمتع برؤية قوية للأرباح المستقبلية.

إصلاحات وتحديات في كوريا الجنوبية

تزامن صعود مؤشر «كوسبي» الكوري مع ترقب اجتماع الرئيس لي جيه ميونغ مع المحللين ومسؤولي الشركات لبحث سبل تطوير سوق المال. ورغم أن الخبراء يرون في هذه الإصلاحات محفزاً إيجابياً طويل الأمد، إلا أنهم حذروا من أن مثل هذه الخطوات المحلية قد لا توفر حماية كاملة ضد الصدمات الجيوسياسية الممتدة الناتجة عن الحرب مع إيران، مشيرين إلى أن الأسواق العالمية تبدو «متفائلة أكثر من كونها مقتنعة» بقدرة قطاع التكنولوجيا على عزل المنطقة تماماً عن تداعيات الحرب.

معادلة التضخم والحرب

تتجه أنظار المستثمرين الآن صوب واشنطن، حيث سيعلن الاحتياطي الفيدرالي قراره وسط ترقب لكيفية موازنة صُنّاع السياسة بين مخاطر النمو وضغوط التضخم المتزايدة الناجمة عن تصاعد الحرب الإيرانية. وتتوقع الأسواق استمرار دورة التيسير النقدي حتى العام المقبل، وهو ما قد يضع سياسة الفيدرالي في حالة تباعد عن بقية دول مجموعة الـ10 التي قد تبدأ دورة رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.

أداء العملات

على صعيد العملات، حقق الرينغيت الماليزي قفزة بنسبة 0.3 في المائة ليصل إلى أقوى مستوياته منذ أوائل مارس (آذار)، محلقاً قرب أعلى مستوى له منذ خمس سنوات مقابل الدولار السنغافوري.

وفي الفلبين، تعافى البيزو ليغلق عند 59.536 مقابل الدولار بعد أن سجل قاعاً تاريخياً يوم الإثنين الماضي. ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة؛ حيث ألمحت السلطات المالية في مانيلا إلى احتمالية تشديد السياسة النقدية الشهر المقبل إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع بسبب الحرب.

وفيما يلي أبرز النقاط الاقتصادية في المنطقة:

  • اليابان: نمو الصادرات للشهر السادس توالياً مدفوعاً بطلب آسيوي قوي رغم مخاطر الحرب.
  • الصين: أكدت مانيلا أن بكين لن تفرض قيوداً على صادرات الأسمدة إلى الفلبين.
  • تايوان: أكد مسؤولون أن الحرب الإيرانية لم تؤدِ إلى تأخير شحنات الأسلحة الأمريكية المتجهة إلى الجزيرة.
  • إندونيسيا: بقيت الأسواق مغلقة بسبب عطلة رسمية.

«ستاندرد آند بورز»: انخفاض إنتاج النفط يضع تصنيف العراق تحت «المراقبة السلبية»

فنيون يشرفون على عملية استخراج النفط من حقل عراقي (وزارة النفط العراقية)
فنيون يشرفون على عملية استخراج النفط من حقل عراقي (وزارة النفط العراقية)
TT

«ستاندرد آند بورز»: انخفاض إنتاج النفط يضع تصنيف العراق تحت «المراقبة السلبية»

فنيون يشرفون على عملية استخراج النفط من حقل عراقي (وزارة النفط العراقية)
فنيون يشرفون على عملية استخراج النفط من حقل عراقي (وزارة النفط العراقية)

بعد التدهور المتسارع في المشهد الأمني الإقليمي، وضعت وكالة «ستاندرد آند بورز» العالمية تصنيف العراق الائتماني طويل الأجل عند «بي -» تحت «المراقبة السلبية».

وجاء هذا القرار الاستثنائي، الذي خرج عن الجدول الزمني المعتاد للمراجعات الدورية، مبرراً بالانخفاض الحاد وغير المسبوق في إنتاج النفط العراقي الذي تهاوى بنسبة 70 في المائة، ليصل إلى قرابة 1.2 مليون برميل يومياً فقط، نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز منذ انطلاق الصراع في 28 فبراير (شباط) 2026.

وتقاطع بيان الوكالة مع إعلان الحكومة العراقية التوصل الى اتفاق مع حكومة إقليم كردستان لاستئناف صادرات النفط إلى ميناء جيهان التركي، مركز الطاقة، ابتداءً من يوم الأربعاء.

حقول الجنوب والشمال في «مأزق التخزين»

كشف تقرير الوكالة عن وصول سعات التخزين العراقية إلى طاقتها القصوى، مما فرض تعليقاً إجبارياً للإنتاج في مرافق حيوية، على رأسها حقل الرميلة العملاق (الأكبر في البلاد بطاقة 1.4 مليون برميل يومياً). ولم تقتصر الأزمة على الجنوب؛ بل امتدت لتشمل حقول كركوك في الشمال (بمعدل 220 ألف برميل يومياً) التي توقفت لأسباب أمنية. وحذرت الوكالة من أن إعادة تشغيل هذه الحقول العملاقة ليست عملية بسيطة، بل قد تستغرق أسابيع أو شهوراً نظراً للتعقيدات الهندسيّة المرتبطة بآليات الإغلاق والفتح للمنشآت الضخمة.

أعمال إنشاء وحدة تكرير جديدة في مصفى ميسان (وزارة النفط العراقية)

التبعات المالية

على الصعيد المالي، رسمت الوكالة صورة مقلقة؛ حيث يمثل النفط 90 في المائة من إيرادات الدولة و60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ومع استمرار الأزمة، رفعت الوكالة توقعاتها لعجز الموازنة لعام 2026 إلى 4.5 في المائة مقارنة بـ 3.5 في المائة في تقديرات يناير (كانون الثاني).

وما يزيد المشهد تعقيداً هو عدم إقرار موازنة عام 2026 حتى الآن بسبب تأخر تشكيل الحكومة عقب انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مما يضطر الدولة للعمل بقاعدة صرف «1/12»، وهي قاعدة تعطي الأولوية للرواتب والمعاشات التي تلتهم بين 50 و60 في المائة من الإنفاق، لكنها تضع سداد الديون المحلية تحت مخاطر التأخير.

رهان «جيهان»

أشارت الوكالة إلى أن محاولات العراق لفتح مسارات بديلة عبر خط أنابيب كركوك جيهان التركي، أو محاولة الوصول إلى أسواقه الرئيسية في الصين والهند (اللتين تستحوذان على 60 في المائة من صادراته) عبر ممرات بديلة، تظل تحت رحمة التطورات العسكرية. كما رفعت الوكالة تقديراتها لسعر برميل خام برنت لعام 2026 إلى 80 دولاراً نتيجة اضطراب الإمدادات، لكنها أكدت أن ارتفاع الأسعار لن يعوض العراق عن خسارة حجم الكميات المصدرة.

حقل شرق بغداد الجنوبي للنفط (الموقع الإلكتروني لوزارة النفط العراقية)

المصدات المالية

رغم التحذيرات، لفتت الوكالة إلى أن العراق يمتلك «درعاً» يتمثل في احتياطيات دولية ضخمة تبلغ 97 مليار دولار (تغطي 10 أشهر من المدفوعات)، يشكل الذهب منها 25 في المائة. وتتوقع أن تضمن الاحتياطيات سداد السندات الدولية المتبقية (بقيمة 697 مليون دولار)، وهو ما يمنع حالياً خفض التصنيف إلى مستويات أدنى، بانتظار مراجعة شاملة خلال 90 يوماً لتقييم مدى استمرارية الصراع وقدرة المؤسسات العراقية على الصمود أمام الفساد والاضطرابات السياسية الداخلية.


اليوم... انطلاق شحنات النفط العراقي نحو «جيهان» بعد اتفاق بين بغداد وأربيل

عامل يفحص صمامات الأنابيب المرتبطة بخزانات النفط في ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط (رويترز)
عامل يفحص صمامات الأنابيب المرتبطة بخزانات النفط في ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط (رويترز)
TT

اليوم... انطلاق شحنات النفط العراقي نحو «جيهان» بعد اتفاق بين بغداد وأربيل

عامل يفحص صمامات الأنابيب المرتبطة بخزانات النفط في ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط (رويترز)
عامل يفحص صمامات الأنابيب المرتبطة بخزانات النفط في ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط (رويترز)

بعد سلسلة من المباحثات المكثفة والتعقيدات الفنية والقانونية، يدخل الاتفاق بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان حيز التنفيذ، يوم الأربعاء، لاستئناف ضخ النفط الخام إلى ميناء جيهان التركي. وتأتي هذه الخطوة لتكسر حالة الجمود التي فرضتها الظروف الأمنية الاستثنائية وإغلاق مضيق هرمز، حيث يسعى الجانبان من خلال لجنة مشتركة إلى تأمين تدفقات الطاقة وضمان تحويل العائدات إلى الخزينة المركزية، بما يخفف من حدة الضغوط الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

وكان وزير النفط العراقي، حيان عبد الغني، أعلن مساء الثلاثاء أن الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان توصلتا إلى اتفاق لاستئناف صادرات النفط إلى ميناء جيهان التركي، مركز الطاقة، ابتداءً من يوم الأربعاء.

وزير النفط العراقي خلال حديثه في جلسة هيئة الرأي الأحد 28 ديسمبر (وزارة النفط العراقية)

وذكرت وسائل الإعلام الرسمية، نقلاً عن وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، أنه من المتوقع أن يبدأ تدفق النفط من ميناء جيهان في تمام الساعة العاشرة صباحاً بالتوقيت المحلي (07:00 بتوقيت غرينتش) يوم الأربعاء.

من جهتها، أكدت حكومة إقليم كردستان الاتفاق، موضحةً في بيان لها أن الجانبين سيشكلان لجنة مشتركة للتحضير لاستئناف صادرات النفط عبر خط أنابيب الإقليم اعتبارًا من يوم الأربعاء، على أن تُحوّل العائدات إلى الخزينة الاتحادية.

وأضافت حكومة الإقليم أن الجانبين اتفقا أيضاً على اتخاذ التدابير الأمنية اللازمة لحماية حقول النفط وضمان استمرارية عمليات التصدير.

وقال رئيس وزراء إقليم كردستان، مسرور بارزاني، في منشور على منصة «إكس»، إن الإقليم سيسمح بتصدير النفط الخام عبر خط أنابيب كردستان في أقرب وقت ممكن «نظراً للظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد».

وأضاف: «ستستمر المباحثات مع بغداد لرفع القيود المفروضة على الواردات والتجارة مع الإقليم بشكل عاجل، ولتقديم الضمانات اللازمة لشركات النفط والغاز لضمان استئنافها الإنتاج في بيئة آمنة».

صرح بارزاني لاحقاً بأنه خلال مكالمة هاتفية مع المبعوث الأميركي توم باراك، أصدر تعليماته لفريق حكومة إقليم كردستان بتوفير جميع التسهيلات اللازمة لاستئناف صادرات النفط، بما يخدم مصالح المواطنين في ظل الظروف الصعبة.

رئيس وزراء إقليم كردستان يلقي كلمة في قمة الحكومات العالمية، في دبي (أرشيفية -رويترز)

وقالت السلطات الكردية العراقية يوم الأحد إن بغداد فشلت في معالجة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه قطاع النفط، رافضةً اتهامها برفض السماح بتصدير النفط الخام عبر خط أنابيب إقليمي.

وجاء هذا البيان بعد أن صرحت وزارة النفط العراقية بأن حكومة إقليم كردستان رفضت السماح لها باستخدام خط أنابيب كطريق بديل لتدفقات النفط الخام التي تعطلت بسبب الصراع مع إيران، متهمةً السلطات هناك بوضع شروط تعسفية.

وفي وقت سابق من يوم الثلاثاء، حثت الرئاسة العراقية كلاً من الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان على التعاون لاستئناف صادرات النفط الخام، وفقًا لبيان صادر عن الرئاسة.

البرلمان... وسبع نقاط

وأصدر البرلمان العراقي، يوم الأربعاء، قراراً من سبع نقاط خلال جلسة مخصصة لصادرات النفط عبر خط أنابيب جيهان، داعياً الحكومة الاتحادية إلى إيجاد منافذ لتصريف النفط الخام العراقي لتجنب الأضرار الاقتصادية في ظل الظروف الأمنية الراهنة، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الرسمية.

ويبدو أن قرارات البرلمان تهدف إلى تعزيز سيطرة بغداد على قطاع النفط في البلاد، وجاءت عقب اجتماع عُقد مساء الثلاثاء مع وزير النفط العراقي لتقييم آثار توقف صادرات النفط بعد إغلاق مضيق هرمز.

وفي بيان له، أكد البرلمان استعداده للموافقة على أي إجراءات لازمة لدعم هذا المسعى، ودعا الحكومة الاتحادية إلى فرض سيطرتها على جميع مصادر إنتاج النفط ونقله وتوزيعه.

كما حثّ البرلمان الحكومة على تزويد المصانع الحكومية والخاصة بزيت الوقود لمنع ارتفاع مخزونات المصافي، وإعادة تأهيل مسار خط الأنابيب العراقي من كركوك مروراً بغرب الموصل وزمار وفيشخابور وصولاً إلى جيهان.

حقل نهران بن عمر النفطي شمال البصرة (أ.ب)

انخفض إنتاج النفط من حقول النفط الرئيسية في جنوب العراق، حيث يُنتج ويُصدّر معظم نفطه الخام، بنسبة 70 في المائة ليصل إلى 1.3 مليون برميل فقط يومياً، وفقًا لمصادر مطلعة لوكالة «رويترز» في 8 مارس (آذار)، وذلك نتيجةً لإغلاق مضيق هرمز الحيوي، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من النفط العالمي، بسبب الصراع الإيراني.

وفي مطلع مارس، وجّهت وزارة النفط العراقية خطابًا إلى حكومة إقليم كردستان تطلب فيه الإذن بضخ ما لا يقل عن 100 ألف برميل يومياً من النفط الخام من حقول كركوك النفطية عبر شبكة خطوط أنابيب كردستان إلى مركز جيهان للطاقة في تركيا، حسبما أفاد مسؤولان نفطيان لوكالة رويترز الأسبوع الماضي.

ويقول مسؤولون أكراد إن التوترات مع بغداد تصاعدت بعد أن شرعت الحكومة الاتحادية في تطبيق نظام جمركي إلكتروني جديد، يسمح لها بمراقبة الواردات والإيرادات، وهي خطوة تعتبرها حكومة إقليم كردستان تقويضًا لاستقلالها وسيطرتها على التجارة.