العمر وانعكاساته في الأدب... عربياً وعالمياً

بعد أن تمدد ربيع الإنسان على حساب خريفه

الروائي الياباني كواباتا - نجيب محفوظ - أنطون تشيخوف
الروائي الياباني كواباتا - نجيب محفوظ - أنطون تشيخوف
TT

العمر وانعكاساته في الأدب... عربياً وعالمياً

الروائي الياباني كواباتا - نجيب محفوظ - أنطون تشيخوف
الروائي الياباني كواباتا - نجيب محفوظ - أنطون تشيخوف

حسب إحصاء الأمم المتحدة، ارتفع متوسط أعمار البشر في الفترة بين 1950 و2010 من 46 عاماً إلى 68. وتتوقع المنظمة الدولية أن يرتفع معدل الأعمار بنهاية هذا القرن إلى 81 عاماً. الإحصاء العالمي يشمل بالطبع دول الفقر والحرب التي تدهور فيها المعدل عن معدلات عام 1950، بينما تسجل الإحصاءات الوطنية لدول الرفاه الآن متوسطات تتخطى ما تتوقع الأمم المتحدة بلوغه في نهاية القرن الحادي والعشرين.
بدا هذا التغير تحدياً اجتماعياً وسياسياً، يحتم إيجاد سياسات جديدة في التشغيل وتقدير سن التقاعد، لصالح البشر أنفسهم، ولتلافي انهيار مؤسسات الضمان الاجتماعي التي خططت ميزانياتها في زمن سابق، على أساس أنها ستتولى الإنفاق على المتقاعد وقتاً أقل مما يعيشه حالياً!
راودت البعض أحلام بإمكانية ممارسة مهنتين في عمره المديد، وأفسحت البطولات الرياضية مكاناً للكبار، مثلما رأينا في بطولة EMAC لألعاب القوى بالدنمارك في يوليو (تموز) الماضي، التي شارك بها مسنون في التسعين من العمر، ثم تبعتها بطولة المجر في السباحة التي تضمنت مسابقة للمسنين فوق الثمانين، وشارك فيها المصري عصام ناصر (86 سنة).

- أدب العمر الطويل
الفن والأدب استجابا من جهتهما للتغيرات الجديدة؛ الكثير من الأفلام كرست للحب في الفترة التي كانت موصوفة بـ«أرذل العمر» ولم يعد المسن محل شفقة أو تنكيل في الروايات، وسيصبح تلقي الفن والأدب الكلاسيكيين مختلفاً. القارئ صاحب الحس الفكاهي سيستقبلهما بالابتسام، وقد صرنا نفعل ذلك حقيقة عند مشاهدة الأفلام الدرامية المصرية، التي صار استقبالها كوميدياً في ظل تطور مفاهيم ومستويات الشر!
في مجال الكتابة، تضع التغييرات العمرية الجديدة على المحك عدداً كبيراً من الكتب التي لاقت رواجاً حول الأزمات المرتبطة بالسن، خصوصاً تلك المعروفة بـ«أزمة منتصف العمر» وهي في الأساس تتعلق بالخوف من الشيخوخة ومساءلة الذات عما أنجزت وما لم تنجز، ويتوقعها علم النفس بين الخامسة والثلاثين والخمسين من العمر. هذه الكتب التي لا تكف المطابع عن إنتاجها يمكن أن تقوم بتحريك فترة المنتصف في طبعاتها التالية، لكن الذي سيبقى على حاله هو الإشارة إلى العمر والموقف منه في الأدب الكلاسيكي.
منذ سنوات، وقبل أن تصبح مناقشة زيادة معدلات الأعمار ضرورة عملية تتعلق بالاقتصاد والمجتمع، كنت أقرأ عبارة «عجوز في الخمسين» وأثرها في نفسي، خصوصاً عندما بدأت الزحف الإجباري نحو الخمسين. كانت تصيبني بقليل من الخوف، وأقف منها على الحافة، بين التصديق، وبين اعتبارها تراثاً من زمن انقضى، عندما كانت صعوبات المناخ تأكل فيه الأعمار، خصوصاً في أوروبا، التي لم يسلم من الموت المبكر بالربو فيها عدد من أهم الكتاب حتى بدايات القرن العشرين.
الدهشة الكبرى، ستظل تترصد قراء «لوليتا» كيف يصف همبرت همبرت السيدة هيز بأنها «في العقد الثالث، في عشية الخريف من عمرها». امرأة بين العشرين والثلاثين في خريف عمرها؟! لا بأس، هي رؤية منحرف مدمن على عشق القاصرات، وهو نفسه، كان في الثامنة والثلاثين عندما التقى بمسز هيز وطفلتها لوليتا، ولا يمكننا الاطمئنان لأحكام همبرت المنحرف، مثلما لا يمكننا أن نثق بأندراش في عشقه للناضجات برواية «في مديح النساء الأكبر سناً»، ليس لأن الحرب شوهت المراهق المجري فحسب؛ بل لأن ستيفن فيزينشي كتبه بصنعة لا تذكرنا إلا بتصنع القصص المهيجة في كتب الإيروتيكية العربية، وافتعال أناييس نن في «مثلث فينوس».

- مع الأسوياء... أفضل جداً
العبقري تشيخوف، روسي آخر وسوي، ومع ذلك كان من أكثر الكتاب الممسوسين بالعمر. في قصة «القبلة» وهي واحدة من قصصه العصية على النسيان، يتلقى ضباط فرقة مدفعية تعسكر في قرية دعوة من وجيه محلي لتناول الشاي في منزله، يصفه تشيخوف بأنه «شيخ بهي، في نحو الستين» ويصف زوجته بالعجوز.
ولا يكتفي الكاتب الحنون بوضع من هم دون الستين في فئة الشيوخ، بل يجعلهم مستسلمين لواقع الاقتراب من الموت، بلا أمل في الحب، ولا أشواق لأجسادهم؛ ففي منزل «فون - رابيك» سيتلقى أكثر الضباط خجلاً «النقيب ريابوفتش» قبلة هي الأولى في حياته من امرأة لم يعرفها في ظلام غرفة دخلها بالخطأ، وستصبح هذه القبلة وصاحبتها هاجسه الدائم، يحاول أن يخمن صاحبتها من بين الحاضرات من نساء البيت «وفكر وهو يطوف بوجوه النساء: ولكن من هي؟ ينبغي أن تكون شابة، لأن العجائز لا يذهبن إلى المواعيد الغرامية».
كاواباتا، يرسل العجائز، لكن من الرجال، إلى المواعيد الغرامية، من أجل التنكيل بهم، لا إمتاعهم. في «الجميلات النائمات» الرواية التي ستعيش طويلاً، يذهب «العجوز إيغوشي» إلى بيت مخصص للرجال الذين لا يثيرون المشكلات. يستلقي بالقرب من مراهقة منومة، لن تشعر بوجوده أبداً، ويتساءل الراوي «أيكون مجيء إيغوشي إلى هنا اكتشافاً لهول الشيخوخة المطلق؟». لنتذكر أن إيغوشي ذهب إلى البيت ذاك احتفالاً بعيد ميلاده السابع والستين، أي بعد سنتين فقط من مغادرة سن الشباب حسب تصنيف لا نعرف مدى صحته!
يفعل كاواباتا هذا بإيغوشي في بلد يضم أكبر نسبة في العالم للمعمرين الذين يتخطون المائة، لكن هذا التنكيل، لا تمكن مقارنته بالتقليد الياباني الذي خلده في رواية أخرى من رواياته، حيث يحمل الابن الأكبر والده المسن على ظهره ويتركه على قمة الجبل، ويقفل هابطاً لا ينظر وراءه! الآن تُكفِّر اليابان عن تراثها الحزين باحتفال «يوم احترام الكبير» في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول).

- خالدون في الشباب
من حسن حظ الأدب العربي أنه ليس ممسوساً بالسن كغيره من الآداب، على الرغم من صيحة السأم التي أطلقها مبكراً زهير بن أبي سلمى: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش / ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم. ربما لأنه أدب فحولة لا يعترف بالضعف ولا يتوقف أمامه.
الأمر يستحق الدرس، فهذا التجاهل للشيخوخة لا يخص الشعر وحده. في كتابنا السردي المؤسس «ألف ليلة» نرى الملكات في سن الإنجاب، والنساء معظمهن في سن الحب، تظهر العجوز نادراً في أدوار السحر والقوادة، أي في صورة أخرى من صور القوة والسيطرة، بينما لا تتوقف «الليالي» كثيراً أمام عمر الرجال، نعرف أعمارهم على وجه التقريب في القصة التي نرى فيها الجد والأب والحفيد. وليس هناك من عمر يتوقف فيه السلطان عن طلب الزواج. قد يمرض، كما في حكاية الملك يونان والحكيم دوبان، وقد يموت ليفسح السرد مكاناً للملك الجديد، لكن الموت يأتي خبراً عابراً، لا يسبقه وهن ولا يصحبه نحيب.
لا مكان للوهن في الليالي، النص المنذور للرواية الشفاهية، قبل أن يسجنه التدوين، لم يكن يحتمل إلا المتعة والوعد بمزيد من المتعة، كلما توغل الليل واقترب المستمعون من النوم. غير أن هذا الإمساك بالجمهور لا يكفي سبباً لتجاهل الشيخوخة في الأدب العربي الممسوس بالقوة؛ قوة السلطة، التي تجلب القوة البدنية، وتجر في إثرها الفحولة.
ولم يتنكر أدبنا الحديث لهذا النزوع للفحولة. في ثلاثية نجيب محفوظ، لا يبدو السيد أحمد عبد الجواد وأصدقاؤه مكترثين للسن. ينقطع عن سهراته المترعة بالمتعة بسبب استشهاد ابنه فهمي في ثورة 1919، لكنه يعود بعد خمس سنوات ليستأنف ما كان، ويظل يتنقل بين الغانيات، يستبدل الصغرى بالكبرى، دون أن تكف الكبريات عن التطلع إلى استعادة الزمن المفقود، لا يمنعهن إلا الأنانية الذكورية والقسوة المفرطة لأصدقائهن القدامى، ولا يوقفه إلا تكاتف الأمراض ضده. وحتى عند الولوغ في أرذل العمر، يفقد الناس القدرة الجسدية، ولحسن الحظ يفقدون معها القدرة على الاحتشام! لا تذهب أم مجدوب إلى لقاءات غرامية في رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» لكنها لم تستسلم للزمن وتتصرف بالوقار الذي يسبغه تشيخوف على عجائزه، بل تحكي ذكرياتها الحميمة مع أزواجها في ملأ من الناس، تمنح مستمعيها البهجة، وتعيد تدوير بهجتها الخاصة.
هل يكمن السر في «العود الأبدي»؟ في الفرق بين الزمن الخطي الغربي وزمان الشرق الدائري، الذي يعيق تقدمنا، بما في ذلك التقدم في العمر؟



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.