رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟

اصطفاف ترمب مع المدافعين عنها وموقفه من أحداث شارلوتسفيل يغضبان المشرعين

رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟
TT

رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟

رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟

«اليهود لن يعوضونا»، «حياة البيض تهم أكثر»، «نظفوا شوارعنا من السود»، كلها شعارات رددها مئات الرجال البيض، بعضهم بلباس عسكري، وبعضهم الآخر مسلح بدروع ورشاشات وأعلام نازية. كلا، لم يكن ذلك مشهداً مقتبساً من وثائقي حول الحرب الأهلية الأميركية، أو حركة الحقوق المدنية في خمسينات وستينات القرن الماضي، بل هي أحداث شهدتها مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا قبل أيام قليلة.
تصدّر النقاش حول عودة العنصرية البيضاء ورموز الحرب الأهلية الأخبار المحلية والنشرات العالمية. وهز مقتل شابة أميركية فيما وصفت بمظاهرات عنصرية تسعى إلى تكريس تفوّق العرق الأبيض، العالم الغربي. وعلى غير العادة، اكتسبت أحداث عنف عنصري في مدينة صغيرة بولاية فرجينيا أبعاداً عالمية، بعد أن أعطتها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب صبغة دولية، وتسببت في إعادة شبح الحرب الأهلية إلى الساحة السياسية، وخلق أزمة هوية داخل اليمين الأميركي.

بدأ التحضير لاحتجاجات شارلوتسفيل قبل أسابيع، عندما قررت حركة «وحدوا اليمين» حشد جماهيرها في ولاية فرجينيا وخارجها، للتظاهر ضد قرار شارلوتسفيل إزالة تمثال «روبرت إي. لي»، الجنرال الذي قاد القوات الكونفدرالية في الحرب الأهلية الأميركية بين 1861 و1865. وفي 11 و12 الماضيين، استجاب مئات المنتمين إلى حركة اليمين البديل «ألت رايت» لدعوة الاحتجاج، وتدفقوا على شارلوتسفيل مسلحين بهراوات وأسلحة نارية، ورافعين أعلاماً وشعارات نازية. وانضم إليهم منتمون إلى حركة النازيين الجدد، وأفراد من جماعة «كو كلوكس كلان»، المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض والمعادين للسامية، بهدف إجهاض قرار إزالة تمثال لي.
وسرعان ما اندلعت اشتباكات عنيفة بين أنصار نظرية تفوق العرق الأبيض من جهة، ومحتجين مناهضين للعنصرية نظموا مسيرات مضادة. وأسفرت المواجهات عن مقتل هيذر هيير الثلاثينية المناهضة للعنصرية، وإصابة عشرين آخرين، بعد أن دهس شاب من النازيين الجدد لم يتجاوز العشرين من عمره، مجموعة من المشاركين في المظاهرة المضادة بسيارته.
تعود قضية إزالة رموز الكونفدرالية والعبودية إلى الواجهة في الولايات المتحدة، بعد كل حادث عنف أو تمييز عرقي، ويعود معها الجدل حول ما إذا كانت التماثيل والأعلام وأسماء جنرالات كونفدراليين التي أطلقت على مدارس وشوارع، جزءاً من التاريخ ينبغي الحفاظ عليه، أو رموز اضطهاد واستعباد يجب إسقاطها وتحويلها إلى عبر تاريخية.
وفي عام 1861، أعلنت سبع ولايات جنوبية، هي كارولاينا الجنوبية، وميسيسيبي، وفلوريدا، وألاباما، وجورجيا، ولويزيانا، وتكساس، انفصالها عن الاتحاد بعد انتخاب الجمهوري أبراهام لينكولن رئيساً للولايات المتحدة، والتزامه بوقف العبودية. وشكلت هذه الولايات التي انضمت إليها في وقت لاحق فرجينيا، وأركنسو، وتينيسي، وكارولاينا الشمالية، حكومة كونفدرالية. واندلعت حرب أهلية بين الجانبين، انتهت باستسلام الكونفدرالية في 1865 وحظر العبودية.
يعتبر كثير من سكان جنوب الولايات المتحدة البيض، أن رموز الكونفدرالية الـ1500 جزء من تاريخ تمردهم على الاتحاد الداعم لحظر العبودية، وأنها تذكر بمكانة الرجل الأميركي الأبيض وإرثه السياسي والاجتماعي؛ لكن كثيرين منهم يتجاهل أنها ترمز كذلك إلى هزيمة الولايات الجنوبية عام 1865 بعد أربع سنوات من الحرب الأهلية، أدت إلى سقوط أكثر من 600 ألف قتيل ودمار مدن بأكملها، كما كان الحال في أتلانتا.
يرى إدوارد أيرز، المحاضر في جامعة «ريتشموند»، في تصريحات لصحيفة «الفايننشيال تايمز»، أن هناك ثلاث حجج يعتمد عليها المدافعون عن التماثيل، هي أن إزالتها تشوه سمعة أجدادهم الكونفدراليين، أو أنها تتسبب في خلافات بين مختلف مكونات المجتمع، أو أنها تؤدي إلى صرف مبالغ من أموال عامة.
وانضم إلى المدافعين عن الحفاظ على تماثيل روبرت لي وأمثاله، رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، بدافع رابع هو الحفاظ على التاريخ. وكتب ترمب في تغريدة على حسابه بـ«تويتر» أول من أمس، أن تاريخ وحضارة الولايات المتحدة يتعرضان «للتمزيق»، بعد إزالة تماثيل لشخصيات من حقبة الكونفدرالية. وأوضح أنه «من المحزن رؤية تمزيق تاريخ وحضارة بلادنا العظيمة، بإزالة التماثيل والصروح الجميلة. لا تستطيعون تغيير التاريخ، ولكن يمكنكم التعلم منه. روبرت إي. لي، وستونوول جاكسون... من التالي: (جورج) واشنطن، (توماس) جيفرسون؟ هذه حماقة!». وقال ترمب في تغريدة ثالثة: «سنفتقد إلى الجمال الذي يتم إزالته من مدننا وبلداتنا وحدائقنا، ولن يتم استبدال شيء به يضاهيه جمالاً».
في المقابل، يعتبر جزء آخر من الأميركيين، أن رموز الكونفدرالية تذكّر بعزيمة بعض الولايات لإبقاء العبودية، وبحقبة التمييز العرقي، ويرون أن مكانها يكمن في المتاحف وكتب التاريخ. وفي تصريحات صحافية سبقت مواجهات شارلوتسفيل، قال كورنيل ويست، أحد أبرز الناشطين اليساريين، إنه «كان ينبغي إزالة هذه التماثيل منذ وقت طويل. شخصيات مثل روبرت لي أو ستونويل جاكسون، كرسوا حياتهم لاستعباد السود، إنهم ليسوا أبطالاً».
بدورها، قالت لوري مارتن، الأستاذة المساعدة في جامعة «لويزيانا»، إن أحداث العنف العرقي، مثل مجزرة تشارلستون في عام 2015، حيث أطلق عنصري أبيض النار على تسعة مصلين سود في كنيسة، أو أحداث شارلوتسفيل الأخيرة: «تسلط الضوء على نقطة أثارها السود وغيرهم كثيراً في السابق: هذه التماثيل رموز للكراهية».
وأزيلت تماثيل لشخصيات بارزة في الكونفدرالية الأميركية، الأسبوع الماضي، في بالتيمور بولاية ماريلاند، وسط اشتداد الحملة لإزالة رموز الحرب الأهلية الأميركية. وعرض التلفزيون المحلي «دبليو بي إيه إل» صوراً لعمال وهم يضعون تمثالي الجنرال روبرت لي وتوماس جاكسون في شاحنة.
كما تمت إزالة نصب النساء وجنود وبحارة الكونفدرالية، فضلاً عن نصب يكرم قاضياً سابقاً في المحكمة العليا، بحسب صحيفة «بالتيمور صن».
وكان القاضي روبرت تاني مسؤولاً عن صدور حكم في 1857، يقضي بأن الأميركيين من أصل أفريقي لا يحق لهم الحصول على الجنسية الأميركية.
وكُتب على قاعدة حجرية كانت تحمل تماثيل لي وجاكسون بالبخاخ الأسود: «حياة السود مهمة».
وصرحت كاثرين بيو، رئيسة بلدية بالتيمور، لصحيفة «بالتيمور صن» بأن المدينة لم تقرر بعد ما الذي ستفعله بالتماثيل بعد إزالتها. وقالت بيو: «كانت إزالتها واجبة. كل ما يهمني سلامة وأمن شعبنا. لقد تحركنا بالسرعة الممكنة».
واللافت في تماثيل الكونفدرالية، هو أن تشييدها انقسم إلى حقبتين زمنيتين: الأولى في 1910 و1920، بهدف ترسيخ قانون «جيم كرو» للتمييز العرقي، الذي ينص على الفصل بين البيض والسود في المدارس وأماكن العمل والمطاعم وحتى الحمامات. ثم بعد ذلك في الخمسينات والستينات التي تزامنت مع إعلان محاكم عليا في أغلب الولايات الأميركية قوانين «جيم كرو» غير دستورية، وازدهار حركة الحقوق المدنية، كما تشير بيانات مركز «ساذرن بوفرتي لو».
ويقول جوزيف لاوندز، محاضر في جامعة «أوريغون»، لصحيفة «الغارديان» البريطانية، إن ظاهرة «جيم كرو» كانت في الحقيقة مشروعاً سياسياً قادته النخبة السياسية الجنوبية لمواجهة ما بدا أنه تحالف بين الطبقات العاملة السوداء والبيضاء في الولايات الجنوبية، ضد ملاك المزارع الكبار. وتابع لاوندز بأن التماثيل كانت جزءاً من استراتيجية التفرقة، وأنها كانت بمثابة رموز ثقافية تعيد اصطفاف المزارعين الفقراء البيض مع الملاك. وأوضح: «كان مشروعاً سياسياً. وكل مشروع سياسي يحتاج إلى رموزه».
من جانبه، كتب العمدة الديمقراطي لمدينة نيو أورلينز، ميتش لوندريو، في مقال بصحيفة «واشنطن بوست»، أن «هذه التماثيل شيدت لإعادة كتابة التاريخ، وتمجيد الكونفدرالية وضمان استمرار فكرة تفوق الجنس الأبيض». وتابع في مقاله الذي نشر في ١١ مايو (أيار) الماضي: «هذه التماثيل ليست رموزاً كئيبة لإرث من العبودية والتمييز العنصري، بل إنها إشادة به. إنها تحكي قصة مغلوطة عن تاريخنا، وتمثل إهانة لحاضرنا ومثالاً متدنياً لمستقبلنا».
بدوره، قال الأميركي جيمس لوين، صاحب كتاب «الأكاذيب التي سمعتها من معلمي»، إنه رغم هزيمة ولايات الجنوب في الحرب الأهلية، فإن التماثيل المنتشرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة توحي بأن الجانبين تعادلا، كما نقلت عنه صحيفة «لوموند» الفرنسية. وضرب لوين مثلاً بولاية تينيسي التي تحتضن اليوم 727 تمثالاً لرموز الكونفدرالية، واثنين فقط للمنتصرين في الحرب الأهلية.

- عزلة ترمب الجمهورية
أثار الرئيس الأميركي عاصفة انتقادات جمهورية وديمقراطية هذا الأسبوع، على خلفية تعليقاته بشأن أحداث شارلوتسفيل. وقال ترمب في مؤتمر صحافي صاخب، الثلاثاء الماضي، إن اللوم «يقع على الطرفين»، مشيراً إلى أن هناك «أناساً طيبين جداً» في الجانبين.
وأثارت هذه التعليقات توبيخاً علنياً من جانب كبار الجمهوريين ورؤساء الشركات، لإحجام ترمب عن التنديد بشكل صريح بأفعال الداعين لتفوق العرق الأبيض، كما أوردت وكالة «رويترز». في المقابل، لقي الرئيس الأميركي دعماً لدى مؤيديه، وفي مقدمتهم نائبه مايك بنس، ومن طرف اليمين المتشدد.
وبرزت أصوات جمهورية انتقدت تصريحات ترمب بشدة، كزعيم الجمهوريين في مجلس النواب بول راين، وعضوي مجلس الشيوخ ليندسي غراهام وجون ماكين. وكتب راين: «يجب أن نكون واضحين. نظرية تفوق العرق الأبيض كريهة. هذا التعصب مخالف لكل ما يؤمن به هذا البلد. لا يمكن أن يكون هناك أي التباس أخلاقي». بينما أعربت النائبة الجمهورية عن فلوريدا، إيليانا روس ليتينن، عن غضبها فكتبت: «اتهام كلا الطرفين بعد شارلوتسفيل؟! لا. العودة إلى مذهب النسبية حين نتحدث عن (كو كلوكس كلان) وأنصار النازية وتفوق العرق الأبيض؟ لا، قطعاً».
بدوره، قال غراهام على حسابه بـ«تويتر»، إن الرئيس الأميركي «تراجع خطوة» الثلاثاء «بالإشارة مرة أخرى إلى وجود مساواة أخلاقية بين دعاة تفوق العرق الأبيض والنازيين الجدد، وأعضاء (كو كلاكس كلان)، وأشخاص مثل هيذر»، في إشارة إلى الشابة العشرينية التي قتلت في أحداث عنف فرجينيا. بدورهما، دعا الرئيسان السابقان جورج بوش الأب وجورج دبليو بوش، في بيان مشترك نادر، الأميركيين إلى «رفض التعصب العنصري بكل أشكاله». واستشهد الرئيسان، من دون أن يسميا ترمب، بإعلان الاستقلال، وذكّرا الأميركيين بأن جميع المواطنين «متساوون».
وفي مؤشر على عدم استعداد الحزب الجمهوري للدفاع عن الرئيس الأميركي، لم يسع أعضاء الكونغرس الجمهوريون إلى تبرير تصريحات ترمب أو شرحها، كما سبق أن فعلوا في مناسبات سابقة. وقالت زعيمة اللجنة القومية الجمهورية، رونا رومني ماكدانيل، لشبكة «إيه بي سي»: «في شارلوتسفيل اللوم يقع كليا على (كو كلوكس كلان) ودعاة تفوق العرق الأبيض». أما جون كيش الذي نافس ترمب على ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة العام الماضي، فقال لشبكة «إن بي سي»: «عليه أن يصلح الأمر، وعلى الجمهوريين أن يتحدثوا بصراحة».
ولم يجلس ترمب مكتوف الأيدي أمام «عزلته الجمهورية»؛ بل رد على انتقادات زملائه في الحزب. وكتب الرئيس على «تويتر»: «قال ليندسي غراهام الذي يسعى إلى الظهور، كذباً، إنني قلت إن هناك مساواة أخلاقية بين جماعة (كو كلاكس كلان) والنازيين الجدد، ودعاة تفوق العرق الأبيض، وأشخاص مثل السيدة هيير». وتابع ترمب: «يا لها من كذبة مقرفة... إنه لا يستطيع أن ينسى هزيمته في الانتخابات. سكان ساوث كارولاينا سيتذكرون»، في إشارة إلى هزيمة غراهام في الانتخابات التمهيدية العام الماضي.
كما انتقد ترمب الجمهوري جيف فليك، أحد الجمهوريين القلائل الذين انتقدوه مباشرة. وقال ترمب على «تويتر»: «من الرائع أن نرى الدكتور كيلي وورد يتنافس ضد فليك جيف فليك، الضعيف في قضايا الحدود والجريمة، والشخص غير الفاعل في مجلس الشيوخ. إنه كالسم». وكان فليك، الذي يتنافس لإعادة انتخابه، كتب الثلاثاء: «لا يمكن أن نقبل أعذاراً لدعاة تفوق العرق الأبيض، وأعمال الإرهاب الداخلي. يجب أن ندين ذلك». وعاد إلى «تويتر»، الأربعاء، ليقول: «لا يمكن أن نزعم أننا من حزب لنكولن، إذا راوغنا في إدانة دعاة تفوق العرق الأبيض». وكان فليك يشير إلى أبراهام لنكولن، رئيس الجمهورية الذي حظر العبودية وهزم الكونفدرالية الجنوبية في الحرب الأهلية.

- صعود اليمين المتطرف
على عكس الانتقادات الجمهورية، لاقت تصريحات الرئيس الأميركي قبولاً واسعاً لدى اليمين المتطرف. وكان أول المرحبين بها ديفيد ديوك، الزعيم السابق لجماعة «كو كلوكس كلان»، التي تؤمن بتفوق البيض، الذي عبّر عبر حسابه بـ«تويتر» عن «تقديره» لسيد البيت الأبيض، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وكتب ديوك: «شكرا سيدي الرئيس ترمب، على صدقك وشجاعتك في قول الحقيقة عن شارلوتسفيل، والتنديد بالإرهابيين اليساريين».
وتحمس أنصار نظرية تفوق العرق الأبيض والنازيون الجدد لانتقاد ترمب «اليسار البديل» بشكل خاص، وتحميله جزءاً من مسؤولية العنف الذي شهدته مدينة شارلوتسفيل.
بدوره، كتب أندرو أنغلن، مؤسس موقع «ديلي ستورمر» المؤيد للنازيين الجدد والمعادي للسامية، والذي يشكل مركزاً لليمين المتشدد: «هذا الرجل يقوم بكل ما في وسعه لدعمنا، وعلينا الاصطفاف خلفه». وأضاف: «سيكون من الصعب حقاً أن نحمل أي مشاعر سلبية تجاه ترمب، حتى بعد وقت طويل جداً من الآن».
أما ريتشارد سبينسر، المنظم القومي الأبيض لمسيرة «وحّدوا اليمين»، فأشاد بتصريح ترمب الذي وصفه بـ«العادل والواقعي». وقال سبينسر، إن «ترمب يُعنى بالحقيقة»، مضيفاً أنه «فخور» بالرئيس. وأعاد جاك بوزوبييك، أحد مسؤولي اليمين البديل، نشر تغريدة ترمب عبر «تويتر»، فقال: «بلغنا وقت الذروة الآن»، و«ليلة سعيدة لليسار البديل».
وذكرت وسائل إعلام محلية، أنه تم حظر حسابات كثير من أفراد مجموعات اليمين البديل الذين شاركوا في المسيرة، على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك» و«إنستغرام»، فيما أغلقت صفحاتهم على الإنترنت من جانب مواقع استضافة تتبع سياسة مناهضة للتهديدات وخطاب الكراهية، إلا أن بعضهم ظل قادراً على إيصال صوته.

- عنف محلي ذو أصداء دولية
أخذت أحداث شارلوتسفيل والتصريحات الرئاسية التي رافقتها أبعاداً دولية، وأعادت أشباحاً حاولت أوروبا الغربية دفنها في الماضي، بعد أن حصدت أرواح الملايين.
وكانت ألمانيا، التي قسمتها النازية وهدمت مدنها وأشعلت نار الحرب العالمية الثانية، من أول المعلقين على تظاهر النازيين الجدد والعنصريين البيض. ووصفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ما قام به المؤمنون بتفوق العرق الأبيض في فرجينيا بالأمر «المقزز»، معتبرة أنه «هجوم شرير» ضد متظاهرين معارضين، حسبما ذكر متحدث باسمها. فيما ندد وزير الخارجية زيغمار غابرييل في وقت لاحق بـ«الخطأ الجسيم» الذي ارتكبه ترمب، برأيه، إذ لم يدن بوضوح النازيين الجدد، والعنصريين، وجماعة «ألت رايت» اليمينية المتطرفة.
بدوره، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من مقر إجازته الصيفية بمرسيليا، دعمه للنشطاء المناهضين للعنصرية في الولايات المتحدة، في رسالة تجنبت انتقاد رد فعل الرئيس الأميركي. وكتب ماكرون على «تويتر»: «إلى جانب أولئك الذين يكافحون العنصرية وكره الأجانب. نضالنا مشترك، الأمس واليوم».
وفي بريطانيا، رأت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، أن لا مجال للمقارنة بين من يحملون أفكاراً فاشية ومن يعارضونها، في معرض ردها على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أحداث شارلوتسفيل. وقالت ماي: «لا أرى أي مجال للمقارنة بين أولئك الذين يتبنون الأفكار الفاشية وأولئك المعارضين لها. أعتقد أنه من المهم لكل من يتولى منصباً مسؤولاً أن يدين أفكار اليمين المتطرف كلما سمعناها».
وأضافت، في تصريح للصحافيين في بورتسماوث بجنوب بريطانيا: «أنا أمقت تماماً العنصرية والحقد والعنف التي رأينا هذه الجماعات تعبر عنه. المملكة المتحدة بادرت إلى حظر المجموعات اليمينية المتطرفة هنا»، كما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي جدلاً واسعاً في إسرائيل كذلك، حيث كان وقع الشعارات النازية التي أنشدها اليمينيون المتطرفون في فرجينيا قاسيا على كثيرين. ورفع الإسرائيليون وتيرة انتقادهم لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على ما اعتبروه رد فعل ضعيفاً على القوميين البيض العنصريين الأميركيين، وتعليقات الرئيس دونالد ترمب.
وجاء رد فعل نتنياهو في تغريدة بعد ثلاثة أيام على مسيرة القوميين البيض العنصريين، وكتب باللغة الإنجليزية على «تويتر»: «أنا غاضب من التعبيرات المعادية للسامية والنازية الجديدة والعنصرية. على الجميع مناهضة هذه الكراهية».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.