رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟

اصطفاف ترمب مع المدافعين عنها وموقفه من أحداث شارلوتسفيل يغضبان المشرعين

رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟
TT

رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟

رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟

«اليهود لن يعوضونا»، «حياة البيض تهم أكثر»، «نظفوا شوارعنا من السود»، كلها شعارات رددها مئات الرجال البيض، بعضهم بلباس عسكري، وبعضهم الآخر مسلح بدروع ورشاشات وأعلام نازية. كلا، لم يكن ذلك مشهداً مقتبساً من وثائقي حول الحرب الأهلية الأميركية، أو حركة الحقوق المدنية في خمسينات وستينات القرن الماضي، بل هي أحداث شهدتها مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا قبل أيام قليلة.
تصدّر النقاش حول عودة العنصرية البيضاء ورموز الحرب الأهلية الأخبار المحلية والنشرات العالمية. وهز مقتل شابة أميركية فيما وصفت بمظاهرات عنصرية تسعى إلى تكريس تفوّق العرق الأبيض، العالم الغربي. وعلى غير العادة، اكتسبت أحداث عنف عنصري في مدينة صغيرة بولاية فرجينيا أبعاداً عالمية، بعد أن أعطتها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب صبغة دولية، وتسببت في إعادة شبح الحرب الأهلية إلى الساحة السياسية، وخلق أزمة هوية داخل اليمين الأميركي.

بدأ التحضير لاحتجاجات شارلوتسفيل قبل أسابيع، عندما قررت حركة «وحدوا اليمين» حشد جماهيرها في ولاية فرجينيا وخارجها، للتظاهر ضد قرار شارلوتسفيل إزالة تمثال «روبرت إي. لي»، الجنرال الذي قاد القوات الكونفدرالية في الحرب الأهلية الأميركية بين 1861 و1865. وفي 11 و12 الماضيين، استجاب مئات المنتمين إلى حركة اليمين البديل «ألت رايت» لدعوة الاحتجاج، وتدفقوا على شارلوتسفيل مسلحين بهراوات وأسلحة نارية، ورافعين أعلاماً وشعارات نازية. وانضم إليهم منتمون إلى حركة النازيين الجدد، وأفراد من جماعة «كو كلوكس كلان»، المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض والمعادين للسامية، بهدف إجهاض قرار إزالة تمثال لي.
وسرعان ما اندلعت اشتباكات عنيفة بين أنصار نظرية تفوق العرق الأبيض من جهة، ومحتجين مناهضين للعنصرية نظموا مسيرات مضادة. وأسفرت المواجهات عن مقتل هيذر هيير الثلاثينية المناهضة للعنصرية، وإصابة عشرين آخرين، بعد أن دهس شاب من النازيين الجدد لم يتجاوز العشرين من عمره، مجموعة من المشاركين في المظاهرة المضادة بسيارته.
تعود قضية إزالة رموز الكونفدرالية والعبودية إلى الواجهة في الولايات المتحدة، بعد كل حادث عنف أو تمييز عرقي، ويعود معها الجدل حول ما إذا كانت التماثيل والأعلام وأسماء جنرالات كونفدراليين التي أطلقت على مدارس وشوارع، جزءاً من التاريخ ينبغي الحفاظ عليه، أو رموز اضطهاد واستعباد يجب إسقاطها وتحويلها إلى عبر تاريخية.
وفي عام 1861، أعلنت سبع ولايات جنوبية، هي كارولاينا الجنوبية، وميسيسيبي، وفلوريدا، وألاباما، وجورجيا، ولويزيانا، وتكساس، انفصالها عن الاتحاد بعد انتخاب الجمهوري أبراهام لينكولن رئيساً للولايات المتحدة، والتزامه بوقف العبودية. وشكلت هذه الولايات التي انضمت إليها في وقت لاحق فرجينيا، وأركنسو، وتينيسي، وكارولاينا الشمالية، حكومة كونفدرالية. واندلعت حرب أهلية بين الجانبين، انتهت باستسلام الكونفدرالية في 1865 وحظر العبودية.
يعتبر كثير من سكان جنوب الولايات المتحدة البيض، أن رموز الكونفدرالية الـ1500 جزء من تاريخ تمردهم على الاتحاد الداعم لحظر العبودية، وأنها تذكر بمكانة الرجل الأميركي الأبيض وإرثه السياسي والاجتماعي؛ لكن كثيرين منهم يتجاهل أنها ترمز كذلك إلى هزيمة الولايات الجنوبية عام 1865 بعد أربع سنوات من الحرب الأهلية، أدت إلى سقوط أكثر من 600 ألف قتيل ودمار مدن بأكملها، كما كان الحال في أتلانتا.
يرى إدوارد أيرز، المحاضر في جامعة «ريتشموند»، في تصريحات لصحيفة «الفايننشيال تايمز»، أن هناك ثلاث حجج يعتمد عليها المدافعون عن التماثيل، هي أن إزالتها تشوه سمعة أجدادهم الكونفدراليين، أو أنها تتسبب في خلافات بين مختلف مكونات المجتمع، أو أنها تؤدي إلى صرف مبالغ من أموال عامة.
وانضم إلى المدافعين عن الحفاظ على تماثيل روبرت لي وأمثاله، رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، بدافع رابع هو الحفاظ على التاريخ. وكتب ترمب في تغريدة على حسابه بـ«تويتر» أول من أمس، أن تاريخ وحضارة الولايات المتحدة يتعرضان «للتمزيق»، بعد إزالة تماثيل لشخصيات من حقبة الكونفدرالية. وأوضح أنه «من المحزن رؤية تمزيق تاريخ وحضارة بلادنا العظيمة، بإزالة التماثيل والصروح الجميلة. لا تستطيعون تغيير التاريخ، ولكن يمكنكم التعلم منه. روبرت إي. لي، وستونوول جاكسون... من التالي: (جورج) واشنطن، (توماس) جيفرسون؟ هذه حماقة!». وقال ترمب في تغريدة ثالثة: «سنفتقد إلى الجمال الذي يتم إزالته من مدننا وبلداتنا وحدائقنا، ولن يتم استبدال شيء به يضاهيه جمالاً».
في المقابل، يعتبر جزء آخر من الأميركيين، أن رموز الكونفدرالية تذكّر بعزيمة بعض الولايات لإبقاء العبودية، وبحقبة التمييز العرقي، ويرون أن مكانها يكمن في المتاحف وكتب التاريخ. وفي تصريحات صحافية سبقت مواجهات شارلوتسفيل، قال كورنيل ويست، أحد أبرز الناشطين اليساريين، إنه «كان ينبغي إزالة هذه التماثيل منذ وقت طويل. شخصيات مثل روبرت لي أو ستونويل جاكسون، كرسوا حياتهم لاستعباد السود، إنهم ليسوا أبطالاً».
بدورها، قالت لوري مارتن، الأستاذة المساعدة في جامعة «لويزيانا»، إن أحداث العنف العرقي، مثل مجزرة تشارلستون في عام 2015، حيث أطلق عنصري أبيض النار على تسعة مصلين سود في كنيسة، أو أحداث شارلوتسفيل الأخيرة: «تسلط الضوء على نقطة أثارها السود وغيرهم كثيراً في السابق: هذه التماثيل رموز للكراهية».
وأزيلت تماثيل لشخصيات بارزة في الكونفدرالية الأميركية، الأسبوع الماضي، في بالتيمور بولاية ماريلاند، وسط اشتداد الحملة لإزالة رموز الحرب الأهلية الأميركية. وعرض التلفزيون المحلي «دبليو بي إيه إل» صوراً لعمال وهم يضعون تمثالي الجنرال روبرت لي وتوماس جاكسون في شاحنة.
كما تمت إزالة نصب النساء وجنود وبحارة الكونفدرالية، فضلاً عن نصب يكرم قاضياً سابقاً في المحكمة العليا، بحسب صحيفة «بالتيمور صن».
وكان القاضي روبرت تاني مسؤولاً عن صدور حكم في 1857، يقضي بأن الأميركيين من أصل أفريقي لا يحق لهم الحصول على الجنسية الأميركية.
وكُتب على قاعدة حجرية كانت تحمل تماثيل لي وجاكسون بالبخاخ الأسود: «حياة السود مهمة».
وصرحت كاثرين بيو، رئيسة بلدية بالتيمور، لصحيفة «بالتيمور صن» بأن المدينة لم تقرر بعد ما الذي ستفعله بالتماثيل بعد إزالتها. وقالت بيو: «كانت إزالتها واجبة. كل ما يهمني سلامة وأمن شعبنا. لقد تحركنا بالسرعة الممكنة».
واللافت في تماثيل الكونفدرالية، هو أن تشييدها انقسم إلى حقبتين زمنيتين: الأولى في 1910 و1920، بهدف ترسيخ قانون «جيم كرو» للتمييز العرقي، الذي ينص على الفصل بين البيض والسود في المدارس وأماكن العمل والمطاعم وحتى الحمامات. ثم بعد ذلك في الخمسينات والستينات التي تزامنت مع إعلان محاكم عليا في أغلب الولايات الأميركية قوانين «جيم كرو» غير دستورية، وازدهار حركة الحقوق المدنية، كما تشير بيانات مركز «ساذرن بوفرتي لو».
ويقول جوزيف لاوندز، محاضر في جامعة «أوريغون»، لصحيفة «الغارديان» البريطانية، إن ظاهرة «جيم كرو» كانت في الحقيقة مشروعاً سياسياً قادته النخبة السياسية الجنوبية لمواجهة ما بدا أنه تحالف بين الطبقات العاملة السوداء والبيضاء في الولايات الجنوبية، ضد ملاك المزارع الكبار. وتابع لاوندز بأن التماثيل كانت جزءاً من استراتيجية التفرقة، وأنها كانت بمثابة رموز ثقافية تعيد اصطفاف المزارعين الفقراء البيض مع الملاك. وأوضح: «كان مشروعاً سياسياً. وكل مشروع سياسي يحتاج إلى رموزه».
من جانبه، كتب العمدة الديمقراطي لمدينة نيو أورلينز، ميتش لوندريو، في مقال بصحيفة «واشنطن بوست»، أن «هذه التماثيل شيدت لإعادة كتابة التاريخ، وتمجيد الكونفدرالية وضمان استمرار فكرة تفوق الجنس الأبيض». وتابع في مقاله الذي نشر في ١١ مايو (أيار) الماضي: «هذه التماثيل ليست رموزاً كئيبة لإرث من العبودية والتمييز العنصري، بل إنها إشادة به. إنها تحكي قصة مغلوطة عن تاريخنا، وتمثل إهانة لحاضرنا ومثالاً متدنياً لمستقبلنا».
بدوره، قال الأميركي جيمس لوين، صاحب كتاب «الأكاذيب التي سمعتها من معلمي»، إنه رغم هزيمة ولايات الجنوب في الحرب الأهلية، فإن التماثيل المنتشرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة توحي بأن الجانبين تعادلا، كما نقلت عنه صحيفة «لوموند» الفرنسية. وضرب لوين مثلاً بولاية تينيسي التي تحتضن اليوم 727 تمثالاً لرموز الكونفدرالية، واثنين فقط للمنتصرين في الحرب الأهلية.

- عزلة ترمب الجمهورية
أثار الرئيس الأميركي عاصفة انتقادات جمهورية وديمقراطية هذا الأسبوع، على خلفية تعليقاته بشأن أحداث شارلوتسفيل. وقال ترمب في مؤتمر صحافي صاخب، الثلاثاء الماضي، إن اللوم «يقع على الطرفين»، مشيراً إلى أن هناك «أناساً طيبين جداً» في الجانبين.
وأثارت هذه التعليقات توبيخاً علنياً من جانب كبار الجمهوريين ورؤساء الشركات، لإحجام ترمب عن التنديد بشكل صريح بأفعال الداعين لتفوق العرق الأبيض، كما أوردت وكالة «رويترز». في المقابل، لقي الرئيس الأميركي دعماً لدى مؤيديه، وفي مقدمتهم نائبه مايك بنس، ومن طرف اليمين المتشدد.
وبرزت أصوات جمهورية انتقدت تصريحات ترمب بشدة، كزعيم الجمهوريين في مجلس النواب بول راين، وعضوي مجلس الشيوخ ليندسي غراهام وجون ماكين. وكتب راين: «يجب أن نكون واضحين. نظرية تفوق العرق الأبيض كريهة. هذا التعصب مخالف لكل ما يؤمن به هذا البلد. لا يمكن أن يكون هناك أي التباس أخلاقي». بينما أعربت النائبة الجمهورية عن فلوريدا، إيليانا روس ليتينن، عن غضبها فكتبت: «اتهام كلا الطرفين بعد شارلوتسفيل؟! لا. العودة إلى مذهب النسبية حين نتحدث عن (كو كلوكس كلان) وأنصار النازية وتفوق العرق الأبيض؟ لا، قطعاً».
بدوره، قال غراهام على حسابه بـ«تويتر»، إن الرئيس الأميركي «تراجع خطوة» الثلاثاء «بالإشارة مرة أخرى إلى وجود مساواة أخلاقية بين دعاة تفوق العرق الأبيض والنازيين الجدد، وأعضاء (كو كلاكس كلان)، وأشخاص مثل هيذر»، في إشارة إلى الشابة العشرينية التي قتلت في أحداث عنف فرجينيا. بدورهما، دعا الرئيسان السابقان جورج بوش الأب وجورج دبليو بوش، في بيان مشترك نادر، الأميركيين إلى «رفض التعصب العنصري بكل أشكاله». واستشهد الرئيسان، من دون أن يسميا ترمب، بإعلان الاستقلال، وذكّرا الأميركيين بأن جميع المواطنين «متساوون».
وفي مؤشر على عدم استعداد الحزب الجمهوري للدفاع عن الرئيس الأميركي، لم يسع أعضاء الكونغرس الجمهوريون إلى تبرير تصريحات ترمب أو شرحها، كما سبق أن فعلوا في مناسبات سابقة. وقالت زعيمة اللجنة القومية الجمهورية، رونا رومني ماكدانيل، لشبكة «إيه بي سي»: «في شارلوتسفيل اللوم يقع كليا على (كو كلوكس كلان) ودعاة تفوق العرق الأبيض». أما جون كيش الذي نافس ترمب على ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة العام الماضي، فقال لشبكة «إن بي سي»: «عليه أن يصلح الأمر، وعلى الجمهوريين أن يتحدثوا بصراحة».
ولم يجلس ترمب مكتوف الأيدي أمام «عزلته الجمهورية»؛ بل رد على انتقادات زملائه في الحزب. وكتب الرئيس على «تويتر»: «قال ليندسي غراهام الذي يسعى إلى الظهور، كذباً، إنني قلت إن هناك مساواة أخلاقية بين جماعة (كو كلاكس كلان) والنازيين الجدد، ودعاة تفوق العرق الأبيض، وأشخاص مثل السيدة هيير». وتابع ترمب: «يا لها من كذبة مقرفة... إنه لا يستطيع أن ينسى هزيمته في الانتخابات. سكان ساوث كارولاينا سيتذكرون»، في إشارة إلى هزيمة غراهام في الانتخابات التمهيدية العام الماضي.
كما انتقد ترمب الجمهوري جيف فليك، أحد الجمهوريين القلائل الذين انتقدوه مباشرة. وقال ترمب على «تويتر»: «من الرائع أن نرى الدكتور كيلي وورد يتنافس ضد فليك جيف فليك، الضعيف في قضايا الحدود والجريمة، والشخص غير الفاعل في مجلس الشيوخ. إنه كالسم». وكان فليك، الذي يتنافس لإعادة انتخابه، كتب الثلاثاء: «لا يمكن أن نقبل أعذاراً لدعاة تفوق العرق الأبيض، وأعمال الإرهاب الداخلي. يجب أن ندين ذلك». وعاد إلى «تويتر»، الأربعاء، ليقول: «لا يمكن أن نزعم أننا من حزب لنكولن، إذا راوغنا في إدانة دعاة تفوق العرق الأبيض». وكان فليك يشير إلى أبراهام لنكولن، رئيس الجمهورية الذي حظر العبودية وهزم الكونفدرالية الجنوبية في الحرب الأهلية.

- صعود اليمين المتطرف
على عكس الانتقادات الجمهورية، لاقت تصريحات الرئيس الأميركي قبولاً واسعاً لدى اليمين المتطرف. وكان أول المرحبين بها ديفيد ديوك، الزعيم السابق لجماعة «كو كلوكس كلان»، التي تؤمن بتفوق البيض، الذي عبّر عبر حسابه بـ«تويتر» عن «تقديره» لسيد البيت الأبيض، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وكتب ديوك: «شكرا سيدي الرئيس ترمب، على صدقك وشجاعتك في قول الحقيقة عن شارلوتسفيل، والتنديد بالإرهابيين اليساريين».
وتحمس أنصار نظرية تفوق العرق الأبيض والنازيون الجدد لانتقاد ترمب «اليسار البديل» بشكل خاص، وتحميله جزءاً من مسؤولية العنف الذي شهدته مدينة شارلوتسفيل.
بدوره، كتب أندرو أنغلن، مؤسس موقع «ديلي ستورمر» المؤيد للنازيين الجدد والمعادي للسامية، والذي يشكل مركزاً لليمين المتشدد: «هذا الرجل يقوم بكل ما في وسعه لدعمنا، وعلينا الاصطفاف خلفه». وأضاف: «سيكون من الصعب حقاً أن نحمل أي مشاعر سلبية تجاه ترمب، حتى بعد وقت طويل جداً من الآن».
أما ريتشارد سبينسر، المنظم القومي الأبيض لمسيرة «وحّدوا اليمين»، فأشاد بتصريح ترمب الذي وصفه بـ«العادل والواقعي». وقال سبينسر، إن «ترمب يُعنى بالحقيقة»، مضيفاً أنه «فخور» بالرئيس. وأعاد جاك بوزوبييك، أحد مسؤولي اليمين البديل، نشر تغريدة ترمب عبر «تويتر»، فقال: «بلغنا وقت الذروة الآن»، و«ليلة سعيدة لليسار البديل».
وذكرت وسائل إعلام محلية، أنه تم حظر حسابات كثير من أفراد مجموعات اليمين البديل الذين شاركوا في المسيرة، على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك» و«إنستغرام»، فيما أغلقت صفحاتهم على الإنترنت من جانب مواقع استضافة تتبع سياسة مناهضة للتهديدات وخطاب الكراهية، إلا أن بعضهم ظل قادراً على إيصال صوته.

- عنف محلي ذو أصداء دولية
أخذت أحداث شارلوتسفيل والتصريحات الرئاسية التي رافقتها أبعاداً دولية، وأعادت أشباحاً حاولت أوروبا الغربية دفنها في الماضي، بعد أن حصدت أرواح الملايين.
وكانت ألمانيا، التي قسمتها النازية وهدمت مدنها وأشعلت نار الحرب العالمية الثانية، من أول المعلقين على تظاهر النازيين الجدد والعنصريين البيض. ووصفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ما قام به المؤمنون بتفوق العرق الأبيض في فرجينيا بالأمر «المقزز»، معتبرة أنه «هجوم شرير» ضد متظاهرين معارضين، حسبما ذكر متحدث باسمها. فيما ندد وزير الخارجية زيغمار غابرييل في وقت لاحق بـ«الخطأ الجسيم» الذي ارتكبه ترمب، برأيه، إذ لم يدن بوضوح النازيين الجدد، والعنصريين، وجماعة «ألت رايت» اليمينية المتطرفة.
بدوره، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من مقر إجازته الصيفية بمرسيليا، دعمه للنشطاء المناهضين للعنصرية في الولايات المتحدة، في رسالة تجنبت انتقاد رد فعل الرئيس الأميركي. وكتب ماكرون على «تويتر»: «إلى جانب أولئك الذين يكافحون العنصرية وكره الأجانب. نضالنا مشترك، الأمس واليوم».
وفي بريطانيا، رأت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، أن لا مجال للمقارنة بين من يحملون أفكاراً فاشية ومن يعارضونها، في معرض ردها على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أحداث شارلوتسفيل. وقالت ماي: «لا أرى أي مجال للمقارنة بين أولئك الذين يتبنون الأفكار الفاشية وأولئك المعارضين لها. أعتقد أنه من المهم لكل من يتولى منصباً مسؤولاً أن يدين أفكار اليمين المتطرف كلما سمعناها».
وأضافت، في تصريح للصحافيين في بورتسماوث بجنوب بريطانيا: «أنا أمقت تماماً العنصرية والحقد والعنف التي رأينا هذه الجماعات تعبر عنه. المملكة المتحدة بادرت إلى حظر المجموعات اليمينية المتطرفة هنا»، كما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي جدلاً واسعاً في إسرائيل كذلك، حيث كان وقع الشعارات النازية التي أنشدها اليمينيون المتطرفون في فرجينيا قاسيا على كثيرين. ورفع الإسرائيليون وتيرة انتقادهم لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على ما اعتبروه رد فعل ضعيفاً على القوميين البيض العنصريين الأميركيين، وتعليقات الرئيس دونالد ترمب.
وجاء رد فعل نتنياهو في تغريدة بعد ثلاثة أيام على مسيرة القوميين البيض العنصريين، وكتب باللغة الإنجليزية على «تويتر»: «أنا غاضب من التعبيرات المعادية للسامية والنازية الجديدة والعنصرية. على الجميع مناهضة هذه الكراهية».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».