رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟

اصطفاف ترمب مع المدافعين عنها وموقفه من أحداث شارلوتسفيل يغضبان المشرعين

رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟
TT

رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟

رموز الحرب الأهلية الأميركية... إرث تاريخي أم تمييز عرقي؟

«اليهود لن يعوضونا»، «حياة البيض تهم أكثر»، «نظفوا شوارعنا من السود»، كلها شعارات رددها مئات الرجال البيض، بعضهم بلباس عسكري، وبعضهم الآخر مسلح بدروع ورشاشات وأعلام نازية. كلا، لم يكن ذلك مشهداً مقتبساً من وثائقي حول الحرب الأهلية الأميركية، أو حركة الحقوق المدنية في خمسينات وستينات القرن الماضي، بل هي أحداث شهدتها مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا قبل أيام قليلة.
تصدّر النقاش حول عودة العنصرية البيضاء ورموز الحرب الأهلية الأخبار المحلية والنشرات العالمية. وهز مقتل شابة أميركية فيما وصفت بمظاهرات عنصرية تسعى إلى تكريس تفوّق العرق الأبيض، العالم الغربي. وعلى غير العادة، اكتسبت أحداث عنف عنصري في مدينة صغيرة بولاية فرجينيا أبعاداً عالمية، بعد أن أعطتها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب صبغة دولية، وتسببت في إعادة شبح الحرب الأهلية إلى الساحة السياسية، وخلق أزمة هوية داخل اليمين الأميركي.

بدأ التحضير لاحتجاجات شارلوتسفيل قبل أسابيع، عندما قررت حركة «وحدوا اليمين» حشد جماهيرها في ولاية فرجينيا وخارجها، للتظاهر ضد قرار شارلوتسفيل إزالة تمثال «روبرت إي. لي»، الجنرال الذي قاد القوات الكونفدرالية في الحرب الأهلية الأميركية بين 1861 و1865. وفي 11 و12 الماضيين، استجاب مئات المنتمين إلى حركة اليمين البديل «ألت رايت» لدعوة الاحتجاج، وتدفقوا على شارلوتسفيل مسلحين بهراوات وأسلحة نارية، ورافعين أعلاماً وشعارات نازية. وانضم إليهم منتمون إلى حركة النازيين الجدد، وأفراد من جماعة «كو كلوكس كلان»، المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض والمعادين للسامية، بهدف إجهاض قرار إزالة تمثال لي.
وسرعان ما اندلعت اشتباكات عنيفة بين أنصار نظرية تفوق العرق الأبيض من جهة، ومحتجين مناهضين للعنصرية نظموا مسيرات مضادة. وأسفرت المواجهات عن مقتل هيذر هيير الثلاثينية المناهضة للعنصرية، وإصابة عشرين آخرين، بعد أن دهس شاب من النازيين الجدد لم يتجاوز العشرين من عمره، مجموعة من المشاركين في المظاهرة المضادة بسيارته.
تعود قضية إزالة رموز الكونفدرالية والعبودية إلى الواجهة في الولايات المتحدة، بعد كل حادث عنف أو تمييز عرقي، ويعود معها الجدل حول ما إذا كانت التماثيل والأعلام وأسماء جنرالات كونفدراليين التي أطلقت على مدارس وشوارع، جزءاً من التاريخ ينبغي الحفاظ عليه، أو رموز اضطهاد واستعباد يجب إسقاطها وتحويلها إلى عبر تاريخية.
وفي عام 1861، أعلنت سبع ولايات جنوبية، هي كارولاينا الجنوبية، وميسيسيبي، وفلوريدا، وألاباما، وجورجيا، ولويزيانا، وتكساس، انفصالها عن الاتحاد بعد انتخاب الجمهوري أبراهام لينكولن رئيساً للولايات المتحدة، والتزامه بوقف العبودية. وشكلت هذه الولايات التي انضمت إليها في وقت لاحق فرجينيا، وأركنسو، وتينيسي، وكارولاينا الشمالية، حكومة كونفدرالية. واندلعت حرب أهلية بين الجانبين، انتهت باستسلام الكونفدرالية في 1865 وحظر العبودية.
يعتبر كثير من سكان جنوب الولايات المتحدة البيض، أن رموز الكونفدرالية الـ1500 جزء من تاريخ تمردهم على الاتحاد الداعم لحظر العبودية، وأنها تذكر بمكانة الرجل الأميركي الأبيض وإرثه السياسي والاجتماعي؛ لكن كثيرين منهم يتجاهل أنها ترمز كذلك إلى هزيمة الولايات الجنوبية عام 1865 بعد أربع سنوات من الحرب الأهلية، أدت إلى سقوط أكثر من 600 ألف قتيل ودمار مدن بأكملها، كما كان الحال في أتلانتا.
يرى إدوارد أيرز، المحاضر في جامعة «ريتشموند»، في تصريحات لصحيفة «الفايننشيال تايمز»، أن هناك ثلاث حجج يعتمد عليها المدافعون عن التماثيل، هي أن إزالتها تشوه سمعة أجدادهم الكونفدراليين، أو أنها تتسبب في خلافات بين مختلف مكونات المجتمع، أو أنها تؤدي إلى صرف مبالغ من أموال عامة.
وانضم إلى المدافعين عن الحفاظ على تماثيل روبرت لي وأمثاله، رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، بدافع رابع هو الحفاظ على التاريخ. وكتب ترمب في تغريدة على حسابه بـ«تويتر» أول من أمس، أن تاريخ وحضارة الولايات المتحدة يتعرضان «للتمزيق»، بعد إزالة تماثيل لشخصيات من حقبة الكونفدرالية. وأوضح أنه «من المحزن رؤية تمزيق تاريخ وحضارة بلادنا العظيمة، بإزالة التماثيل والصروح الجميلة. لا تستطيعون تغيير التاريخ، ولكن يمكنكم التعلم منه. روبرت إي. لي، وستونوول جاكسون... من التالي: (جورج) واشنطن، (توماس) جيفرسون؟ هذه حماقة!». وقال ترمب في تغريدة ثالثة: «سنفتقد إلى الجمال الذي يتم إزالته من مدننا وبلداتنا وحدائقنا، ولن يتم استبدال شيء به يضاهيه جمالاً».
في المقابل، يعتبر جزء آخر من الأميركيين، أن رموز الكونفدرالية تذكّر بعزيمة بعض الولايات لإبقاء العبودية، وبحقبة التمييز العرقي، ويرون أن مكانها يكمن في المتاحف وكتب التاريخ. وفي تصريحات صحافية سبقت مواجهات شارلوتسفيل، قال كورنيل ويست، أحد أبرز الناشطين اليساريين، إنه «كان ينبغي إزالة هذه التماثيل منذ وقت طويل. شخصيات مثل روبرت لي أو ستونويل جاكسون، كرسوا حياتهم لاستعباد السود، إنهم ليسوا أبطالاً».
بدورها، قالت لوري مارتن، الأستاذة المساعدة في جامعة «لويزيانا»، إن أحداث العنف العرقي، مثل مجزرة تشارلستون في عام 2015، حيث أطلق عنصري أبيض النار على تسعة مصلين سود في كنيسة، أو أحداث شارلوتسفيل الأخيرة: «تسلط الضوء على نقطة أثارها السود وغيرهم كثيراً في السابق: هذه التماثيل رموز للكراهية».
وأزيلت تماثيل لشخصيات بارزة في الكونفدرالية الأميركية، الأسبوع الماضي، في بالتيمور بولاية ماريلاند، وسط اشتداد الحملة لإزالة رموز الحرب الأهلية الأميركية. وعرض التلفزيون المحلي «دبليو بي إيه إل» صوراً لعمال وهم يضعون تمثالي الجنرال روبرت لي وتوماس جاكسون في شاحنة.
كما تمت إزالة نصب النساء وجنود وبحارة الكونفدرالية، فضلاً عن نصب يكرم قاضياً سابقاً في المحكمة العليا، بحسب صحيفة «بالتيمور صن».
وكان القاضي روبرت تاني مسؤولاً عن صدور حكم في 1857، يقضي بأن الأميركيين من أصل أفريقي لا يحق لهم الحصول على الجنسية الأميركية.
وكُتب على قاعدة حجرية كانت تحمل تماثيل لي وجاكسون بالبخاخ الأسود: «حياة السود مهمة».
وصرحت كاثرين بيو، رئيسة بلدية بالتيمور، لصحيفة «بالتيمور صن» بأن المدينة لم تقرر بعد ما الذي ستفعله بالتماثيل بعد إزالتها. وقالت بيو: «كانت إزالتها واجبة. كل ما يهمني سلامة وأمن شعبنا. لقد تحركنا بالسرعة الممكنة».
واللافت في تماثيل الكونفدرالية، هو أن تشييدها انقسم إلى حقبتين زمنيتين: الأولى في 1910 و1920، بهدف ترسيخ قانون «جيم كرو» للتمييز العرقي، الذي ينص على الفصل بين البيض والسود في المدارس وأماكن العمل والمطاعم وحتى الحمامات. ثم بعد ذلك في الخمسينات والستينات التي تزامنت مع إعلان محاكم عليا في أغلب الولايات الأميركية قوانين «جيم كرو» غير دستورية، وازدهار حركة الحقوق المدنية، كما تشير بيانات مركز «ساذرن بوفرتي لو».
ويقول جوزيف لاوندز، محاضر في جامعة «أوريغون»، لصحيفة «الغارديان» البريطانية، إن ظاهرة «جيم كرو» كانت في الحقيقة مشروعاً سياسياً قادته النخبة السياسية الجنوبية لمواجهة ما بدا أنه تحالف بين الطبقات العاملة السوداء والبيضاء في الولايات الجنوبية، ضد ملاك المزارع الكبار. وتابع لاوندز بأن التماثيل كانت جزءاً من استراتيجية التفرقة، وأنها كانت بمثابة رموز ثقافية تعيد اصطفاف المزارعين الفقراء البيض مع الملاك. وأوضح: «كان مشروعاً سياسياً. وكل مشروع سياسي يحتاج إلى رموزه».
من جانبه، كتب العمدة الديمقراطي لمدينة نيو أورلينز، ميتش لوندريو، في مقال بصحيفة «واشنطن بوست»، أن «هذه التماثيل شيدت لإعادة كتابة التاريخ، وتمجيد الكونفدرالية وضمان استمرار فكرة تفوق الجنس الأبيض». وتابع في مقاله الذي نشر في ١١ مايو (أيار) الماضي: «هذه التماثيل ليست رموزاً كئيبة لإرث من العبودية والتمييز العنصري، بل إنها إشادة به. إنها تحكي قصة مغلوطة عن تاريخنا، وتمثل إهانة لحاضرنا ومثالاً متدنياً لمستقبلنا».
بدوره، قال الأميركي جيمس لوين، صاحب كتاب «الأكاذيب التي سمعتها من معلمي»، إنه رغم هزيمة ولايات الجنوب في الحرب الأهلية، فإن التماثيل المنتشرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة توحي بأن الجانبين تعادلا، كما نقلت عنه صحيفة «لوموند» الفرنسية. وضرب لوين مثلاً بولاية تينيسي التي تحتضن اليوم 727 تمثالاً لرموز الكونفدرالية، واثنين فقط للمنتصرين في الحرب الأهلية.

- عزلة ترمب الجمهورية
أثار الرئيس الأميركي عاصفة انتقادات جمهورية وديمقراطية هذا الأسبوع، على خلفية تعليقاته بشأن أحداث شارلوتسفيل. وقال ترمب في مؤتمر صحافي صاخب، الثلاثاء الماضي، إن اللوم «يقع على الطرفين»، مشيراً إلى أن هناك «أناساً طيبين جداً» في الجانبين.
وأثارت هذه التعليقات توبيخاً علنياً من جانب كبار الجمهوريين ورؤساء الشركات، لإحجام ترمب عن التنديد بشكل صريح بأفعال الداعين لتفوق العرق الأبيض، كما أوردت وكالة «رويترز». في المقابل، لقي الرئيس الأميركي دعماً لدى مؤيديه، وفي مقدمتهم نائبه مايك بنس، ومن طرف اليمين المتشدد.
وبرزت أصوات جمهورية انتقدت تصريحات ترمب بشدة، كزعيم الجمهوريين في مجلس النواب بول راين، وعضوي مجلس الشيوخ ليندسي غراهام وجون ماكين. وكتب راين: «يجب أن نكون واضحين. نظرية تفوق العرق الأبيض كريهة. هذا التعصب مخالف لكل ما يؤمن به هذا البلد. لا يمكن أن يكون هناك أي التباس أخلاقي». بينما أعربت النائبة الجمهورية عن فلوريدا، إيليانا روس ليتينن، عن غضبها فكتبت: «اتهام كلا الطرفين بعد شارلوتسفيل؟! لا. العودة إلى مذهب النسبية حين نتحدث عن (كو كلوكس كلان) وأنصار النازية وتفوق العرق الأبيض؟ لا، قطعاً».
بدوره، قال غراهام على حسابه بـ«تويتر»، إن الرئيس الأميركي «تراجع خطوة» الثلاثاء «بالإشارة مرة أخرى إلى وجود مساواة أخلاقية بين دعاة تفوق العرق الأبيض والنازيين الجدد، وأعضاء (كو كلاكس كلان)، وأشخاص مثل هيذر»، في إشارة إلى الشابة العشرينية التي قتلت في أحداث عنف فرجينيا. بدورهما، دعا الرئيسان السابقان جورج بوش الأب وجورج دبليو بوش، في بيان مشترك نادر، الأميركيين إلى «رفض التعصب العنصري بكل أشكاله». واستشهد الرئيسان، من دون أن يسميا ترمب، بإعلان الاستقلال، وذكّرا الأميركيين بأن جميع المواطنين «متساوون».
وفي مؤشر على عدم استعداد الحزب الجمهوري للدفاع عن الرئيس الأميركي، لم يسع أعضاء الكونغرس الجمهوريون إلى تبرير تصريحات ترمب أو شرحها، كما سبق أن فعلوا في مناسبات سابقة. وقالت زعيمة اللجنة القومية الجمهورية، رونا رومني ماكدانيل، لشبكة «إيه بي سي»: «في شارلوتسفيل اللوم يقع كليا على (كو كلوكس كلان) ودعاة تفوق العرق الأبيض». أما جون كيش الذي نافس ترمب على ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة العام الماضي، فقال لشبكة «إن بي سي»: «عليه أن يصلح الأمر، وعلى الجمهوريين أن يتحدثوا بصراحة».
ولم يجلس ترمب مكتوف الأيدي أمام «عزلته الجمهورية»؛ بل رد على انتقادات زملائه في الحزب. وكتب الرئيس على «تويتر»: «قال ليندسي غراهام الذي يسعى إلى الظهور، كذباً، إنني قلت إن هناك مساواة أخلاقية بين جماعة (كو كلاكس كلان) والنازيين الجدد، ودعاة تفوق العرق الأبيض، وأشخاص مثل السيدة هيير». وتابع ترمب: «يا لها من كذبة مقرفة... إنه لا يستطيع أن ينسى هزيمته في الانتخابات. سكان ساوث كارولاينا سيتذكرون»، في إشارة إلى هزيمة غراهام في الانتخابات التمهيدية العام الماضي.
كما انتقد ترمب الجمهوري جيف فليك، أحد الجمهوريين القلائل الذين انتقدوه مباشرة. وقال ترمب على «تويتر»: «من الرائع أن نرى الدكتور كيلي وورد يتنافس ضد فليك جيف فليك، الضعيف في قضايا الحدود والجريمة، والشخص غير الفاعل في مجلس الشيوخ. إنه كالسم». وكان فليك، الذي يتنافس لإعادة انتخابه، كتب الثلاثاء: «لا يمكن أن نقبل أعذاراً لدعاة تفوق العرق الأبيض، وأعمال الإرهاب الداخلي. يجب أن ندين ذلك». وعاد إلى «تويتر»، الأربعاء، ليقول: «لا يمكن أن نزعم أننا من حزب لنكولن، إذا راوغنا في إدانة دعاة تفوق العرق الأبيض». وكان فليك يشير إلى أبراهام لنكولن، رئيس الجمهورية الذي حظر العبودية وهزم الكونفدرالية الجنوبية في الحرب الأهلية.

- صعود اليمين المتطرف
على عكس الانتقادات الجمهورية، لاقت تصريحات الرئيس الأميركي قبولاً واسعاً لدى اليمين المتطرف. وكان أول المرحبين بها ديفيد ديوك، الزعيم السابق لجماعة «كو كلوكس كلان»، التي تؤمن بتفوق البيض، الذي عبّر عبر حسابه بـ«تويتر» عن «تقديره» لسيد البيت الأبيض، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وكتب ديوك: «شكرا سيدي الرئيس ترمب، على صدقك وشجاعتك في قول الحقيقة عن شارلوتسفيل، والتنديد بالإرهابيين اليساريين».
وتحمس أنصار نظرية تفوق العرق الأبيض والنازيون الجدد لانتقاد ترمب «اليسار البديل» بشكل خاص، وتحميله جزءاً من مسؤولية العنف الذي شهدته مدينة شارلوتسفيل.
بدوره، كتب أندرو أنغلن، مؤسس موقع «ديلي ستورمر» المؤيد للنازيين الجدد والمعادي للسامية، والذي يشكل مركزاً لليمين المتشدد: «هذا الرجل يقوم بكل ما في وسعه لدعمنا، وعلينا الاصطفاف خلفه». وأضاف: «سيكون من الصعب حقاً أن نحمل أي مشاعر سلبية تجاه ترمب، حتى بعد وقت طويل جداً من الآن».
أما ريتشارد سبينسر، المنظم القومي الأبيض لمسيرة «وحّدوا اليمين»، فأشاد بتصريح ترمب الذي وصفه بـ«العادل والواقعي». وقال سبينسر، إن «ترمب يُعنى بالحقيقة»، مضيفاً أنه «فخور» بالرئيس. وأعاد جاك بوزوبييك، أحد مسؤولي اليمين البديل، نشر تغريدة ترمب عبر «تويتر»، فقال: «بلغنا وقت الذروة الآن»، و«ليلة سعيدة لليسار البديل».
وذكرت وسائل إعلام محلية، أنه تم حظر حسابات كثير من أفراد مجموعات اليمين البديل الذين شاركوا في المسيرة، على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك» و«إنستغرام»، فيما أغلقت صفحاتهم على الإنترنت من جانب مواقع استضافة تتبع سياسة مناهضة للتهديدات وخطاب الكراهية، إلا أن بعضهم ظل قادراً على إيصال صوته.

- عنف محلي ذو أصداء دولية
أخذت أحداث شارلوتسفيل والتصريحات الرئاسية التي رافقتها أبعاداً دولية، وأعادت أشباحاً حاولت أوروبا الغربية دفنها في الماضي، بعد أن حصدت أرواح الملايين.
وكانت ألمانيا، التي قسمتها النازية وهدمت مدنها وأشعلت نار الحرب العالمية الثانية، من أول المعلقين على تظاهر النازيين الجدد والعنصريين البيض. ووصفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ما قام به المؤمنون بتفوق العرق الأبيض في فرجينيا بالأمر «المقزز»، معتبرة أنه «هجوم شرير» ضد متظاهرين معارضين، حسبما ذكر متحدث باسمها. فيما ندد وزير الخارجية زيغمار غابرييل في وقت لاحق بـ«الخطأ الجسيم» الذي ارتكبه ترمب، برأيه، إذ لم يدن بوضوح النازيين الجدد، والعنصريين، وجماعة «ألت رايت» اليمينية المتطرفة.
بدوره، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من مقر إجازته الصيفية بمرسيليا، دعمه للنشطاء المناهضين للعنصرية في الولايات المتحدة، في رسالة تجنبت انتقاد رد فعل الرئيس الأميركي. وكتب ماكرون على «تويتر»: «إلى جانب أولئك الذين يكافحون العنصرية وكره الأجانب. نضالنا مشترك، الأمس واليوم».
وفي بريطانيا، رأت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، أن لا مجال للمقارنة بين من يحملون أفكاراً فاشية ومن يعارضونها، في معرض ردها على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أحداث شارلوتسفيل. وقالت ماي: «لا أرى أي مجال للمقارنة بين أولئك الذين يتبنون الأفكار الفاشية وأولئك المعارضين لها. أعتقد أنه من المهم لكل من يتولى منصباً مسؤولاً أن يدين أفكار اليمين المتطرف كلما سمعناها».
وأضافت، في تصريح للصحافيين في بورتسماوث بجنوب بريطانيا: «أنا أمقت تماماً العنصرية والحقد والعنف التي رأينا هذه الجماعات تعبر عنه. المملكة المتحدة بادرت إلى حظر المجموعات اليمينية المتطرفة هنا»، كما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي جدلاً واسعاً في إسرائيل كذلك، حيث كان وقع الشعارات النازية التي أنشدها اليمينيون المتطرفون في فرجينيا قاسيا على كثيرين. ورفع الإسرائيليون وتيرة انتقادهم لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على ما اعتبروه رد فعل ضعيفاً على القوميين البيض العنصريين الأميركيين، وتعليقات الرئيس دونالد ترمب.
وجاء رد فعل نتنياهو في تغريدة بعد ثلاثة أيام على مسيرة القوميين البيض العنصريين، وكتب باللغة الإنجليزية على «تويتر»: «أنا غاضب من التعبيرات المعادية للسامية والنازية الجديدة والعنصرية. على الجميع مناهضة هذه الكراهية».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.