لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

المفكر البريطاني بيري أندرسون يبحث في مفهوم الهيمنة

غرامشي
غرامشي
TT

لماذا غابت الثورات الاجتماعية في «الدولة» الغربية الحديثة؟

غرامشي
غرامشي

لعل البريطاني بيري أندرسون أهم مؤرخ يساري على قيد الحياة اليوم، ومشروعه الفكري في التحليل التاريخي - السوسيولوجي المنحى - يؤهله وفق البعض لينصّب وريثاً تلقائيّاً لجيل المفكرين اليساريين النجوم في أوروبا، المصنفين بالـ(ما بعد - ماركسيين): غرامشي ولوكاش وسارتر وألتوسير. هذا المشروع الممتد على عدة عقود، منذ كتابه الأول عام 1974، عن الانتقال من «العصور القديمة إلى عصر الإقطاع»، مروراً بمجموعة من الكتب التي شكلت علامات فارقة في النقاش الفكري داخل أوساط اليسار الأوروبي حول تقييم تجارب الدّولة الحديثة في نسقها المعاصر، وقضايا ما بعد الحداثة، وأيضاً تحليل مصادر الثقافة السياسيّة الأميركيّة، وبموازاة عشرات المقالات ذات العيار الثقيل التي نشرها، لا سيما خلال رئاسته لتحرير مجلة «مراجعات اليسار الجديد» الفكريّة المرموقة لأربعة وعشرين عاماً.
وعلى الرغم من منطلقات أندرسون الفكريّة المتأتية من مدرسة الماديّة التاريخيّة، وأسلوب التحليل الماركسي، فإنه اختط لنفسه دائماً منحى مستقلاً في قراءة تطورات الحياة السياسيّة، سواء البريطانية منها - التي عدّها مثيرة للملل سياسياً - أو لدى أمم العالم الكبرى بأوروبا، كما الهند والولايات المتحدة، متجاوزاً فكرة الحتميّة التاريخيّة التي طبعت فهم اليسار التقليدي في تحليل الصراع السياسي داخل المجتمعات. فهو مثلاً يرى أن القراءة التقليديّة للفكر الماركسي ستفشل بمهمة تفسير التطور السياسي البريطانيّ، رغم أن المملكة المتحدة كانت أول دول العالم التي حققت الانتقال الكامل نحو الرأسماليّة منذ 300 عام على الأقل، وفيها تكونت أول طبقة بروليتاريّة في التاريخ الحديث، وفق التعريف الكلاسيكي للمفهوم، كما شهدت أول ثورة برجوازية الطابع، ضمن سياق نموذج الدولة الأوروبيّة الحديثة. بالتالي، فلا بدّ أن عوامل أخرى هنا كانت أقدر على التأثير في مآلات اللحظة التاريخيّة من مجرد البنية الاقتصاديّة، وملكيّة وسائل الإنتاج.
كان المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 - 1937) قد حقق نقلة نوعيّة في الفكر السياسي المعاصر، رغم أن أعماله لم تتوفر فعلياً في المجال الثقافي العام قبل عقد السبعينات من القرن الماضي، عبر صياغته الشديدة الذكاء لمفهوم الهيمنة (Hegemony)، منطلقاً بدوره من أبجديات الفكر الماركسي، لكنه ومن خلال التحليل التاريخي الدقيق، قدّم للمشتغلين بالعمل السياسي أكثر النظريات كفاءة - إلى اليوم - في تفسير غياب الثورات الاجتماعيّة في (الدّولة) الغربيّة الحديثة.
كتاب أندرسون الأحدث «الكلمة التي تبدأ بحرف الهاء: تبدلات الهيمنة» يأتي كتتويج لخلاصة تجربته في فهم وتفكيك سيولوجيا المجتمعات المعاصرة، محاولاً عبر 190 صفحة القبض على تعريف محدد للهيمنة التي انتهى الرجل بتجربته العميقة إلى اعتبارها أهم أسلحة المفكر في مواجهة الواقع المعاصر، الذي قد يأبى أحياناً أن يخضع لمنطق التحليل الماركسي التقليدي، مستنداً بالطبع إلى الصياغة الغرامشية للمفهوم.
لكن أندرسون، كما دأبه، لا يأخذ الأفكار على عواهنها - غرامشيّة كانت أو ماركسيّة - وإنما يسائلها في جدليّة يكون الحكم فيها دائماً التطبيق العملي على أرض الواقع. ولذا، فقد انطلق في كتابه بملاحقة حثيثة لاستخدامات المفهوم النظري لـ«الهيمنة»، واستكشاف مقارن لقدرة هذه النظريّة على تفسير الواقع منذ صراعات الإغريق السياسيّة، وانتهاء بعصر الإمبراطوريّة الأميركيّة، مروراً بخبرة اليسار الروسي مطلع القرن العشرين، وتجارب الثورات اليسارية المهزومة في ألمانيا وإيطاليا، والعلاقات الدوليّة إبان الحرب الباردة، وكذلك مساهمات الفكر الصيني القديم، وامتداداته في الحلقة الخاصة من تاريخ تلك الأمة المتمثلة بجُمهورية الصّين الشعبية في القرن العشرين.
ومن خلال استعراضه لهذه التجارب التاريخيّة، يستخلص أندرسون خطيّن هامين لفهم تطبيقات الهيمنة في المجتمعات: أولهما التداخل بين استخدام منطق القوة بالتوازي والتزامن مع الإقناع، ومن ثم توظيف ذات المفهوم الذي طوره غرامشي لتحليل العلاقات السياسيّة داخل المجتمعات، في محاولة تفسير العلاقات الدوليّة والصراعات بين الأمم.
الهيمنة في شكلها الغرامشي تشير إلى حالة في الاجتماع الإنساني تتولى فيها طبقة مسيطرة (بذاتها أو بالتحالف مع طبقات أو فئات من طبقات أخرى) التحكم في مجتمعها، لا من خلال امتلاك أدوات القوة المحضة (الأمن والجيش والقضاء والسجون وغيرها) فحسب، وإنما كذلك من خلال ممارسة القيادة الثقافيّة - الأخلاقيّة على الطبقات المحكومة، تلك القيادة التي تتقاطع بأدوات وعبر قنوات مختلفة لخلق نوع من التقبّل والاندماج في صيغة المجتمع كما تريده الطبقة المهيمنة.
ومع أن مفهوم الهيمنة يقوم على أساس تطور شكل من أشكال الاستقرار الاجتماعي، ودرجة عاليّة من الإجماع، فإن ذلك لا يعني بالضرورة غياب درجات متفاوتة من الصراع السياسي، لكن تمكّن الهيمنة يضمن توجيه هذه الصراعات نحو مسارات آمنة آيديولوجياً، مستوعَبةً في إطار النظام الكلّي من خلال تفاوضات محليّة، وتقديم تنازلات لامتصاص أي حراك قد يتجاوز الحدود المرسومة، من دون المَسّ مطلقاً بالأسس الاقتصاديّة لسلطة الطّبقة المهيمنة.
غرامشي ذهب إلى أن الهيمنة في جانبها الناعم هذا إنما تُنظم من قبل من سمّاهم «المثقفين العضويين»، أي منتجي الفكر والثقافة في المجتمع، بجوانبها الأدبيّة والعلميّة والتقنيّة والإعلامية والقانونيّة كافة، الذين يخدمون - بوعي أو من غير وعي - أغراض إدامة الهيمنة، وتكريس التوازنات القائمة.
قيمة مفهوم «الهيمنة» كنظريّة تتضاعف من وراء فعاليتها الاستثنائيّة في تفسير الظواهر الثقافيّة المعقدة المتعلقة بمختلف جوانب الاجتماع الإنساني، دون الاقتصار على تطبيقاتها التقليديّة في المجال السياسي. فخبراء اللغة مثلاً وجدوا في «الهيمنة» نموذجاً يفسّر تطور الأشكال اللغويّة المختلفة داخل المجتمع الواحد، أو حتى عبر المجتمعات - كما تجارب الكولونياليّة الأوروبيّة في أفريقيا وأميركا اللاتينيّة. ومثلهم أيضاً الباحثون في الظواهر الثقافيّة الشعبيّة، الذين تمكنوا بعد طول انقسام نظري حول جذور تلك الظواهر من تقديم تفسيرات مقنعة لطبيعة ميزان القوى (الدائم الحراك) بين الطبقات الحاكمة والمحكومة، الذي في ظلّه تتشكل الظواهر الثقافيّة في تمثلاتها المختلفة: الطبقة، والجيل، والاتجاهات الدينيّة، ومسائل الإثنية والعرق، والجنسويّة، واندماج المهاجرين، والفنون، والأعمال السينمائيّة والتلفزيونيّة، والإعلانات التجاريّة، وحتى صرعات الأزياء.
أندرسون، وفي تقديمه لمقاربات متعددة عن الهيمنة وتطبيقاتها في كتابه الجديد، كان قد أصدر وبالتوازي معه (كلاهما عن دار فيرسو في لندن ونيويورك) نسخة محدثة من مقالته المفصليّة عن «تناقضات أنطونيو غرامشي»، كان قد نشرها عام 1976، في مجلة «مراجعات اليسار الجديد»، إبان ذروة تصاعد الاهتمام الأكاديمي في الجامعات الغربيّة بغرامشي، وذلك على شكل كتاب توأم لـ«الكلمة التي تبدأ بحرف الهاء»، فكأنه بذلك يؤكد - بالإيماء، ودونما نطق - ضرورة الالتزام بالمنهج النقدي في استخدام النظريّات، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالظواهر السوسيولوجيّة والثقافيّة التي هي شديدة التعقيد بحكم تكوينها، حتى وإن كانت تلك النظريّات نتاج فكر عقول متفردة، مثل ماركس أو غرامشي.
أسلوب أندرسون في الكتابة لا يشبه أحداً في مجاله على الإطلاق، فالقارئ يحسُنُ به أن يكون مطلعاً على الفكر السياسي الغربي بنحوٍ وثيق قبل أن يجرأ على تناول نصوصه، كما أن الرّجل متفرد في لغته، وفي تمكنه من موضوعاته، كما سيطرته على المعاني من خلال قاموس ثرّي من المصطلحات. ذلك كلّه يجعل مرافقته في «الكلمة التي تبدأ بحرف الهاء» أمراً ليس بالرّحلة السهلة، وإن كانت فوائدها جمّة، لا سيما إذا كانت الغاية فهم العالم، وتلك مهمّة غير ممكنة - اليوم - من دون «هيمنة» غرامشي.



كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».