أفغانستان حرب لا تنتهي: الملا عبد السلام ضعيف: مشكلة طالبان ليست كرزاي بل القوات الأجنبية

أفغانستان حرب لا تنتهي: الملا عبد السلام ضعيف: مشكلة طالبان ليست كرزاي بل القوات الأجنبية

صوت الملا عمر في حوار مع «الشرق الأوسط»: أعمل اليوم بالزراعة وتربية الأغنام وكتابة مذكراتي
الجمعة - 13 ذو الحجة 1431 هـ - 19 نوفمبر 2010 مـ
الملا عبد السلام ضعيف خلال الحوار مع الزميل محمد الشافعي («الشرق الأوسط»)
محمد الشافعي
عادت أفغانستان إلى عين العاصفة وقلب الأحداث، مع تصاعد أعمال العنف الدامي في جنوبها، وكثرة الحديث عن محادثات لا ترقى إلى مستوى المفاوضات جرت في العاصمة كابل، وتسهيل قوات الناتو دخول قيادات من ملالي طالبان إلى قلب العاصمة لعقد لقاءات مع ممثلي حكومة كرزاي.
«الشرق الأوسط» زارت أفغانستان خلال الأسبوعين الماضيين، وتنقلت بين العاصمة الأفغانية تحت حماية قوات «إيساف»، وزارت مزار شريف، حيث تعرفت على نوع من الأمن والاستقرار في الشمال الأفغاني، وتنقلت بطائرات عسكرية من طراز «شينوك» وأسطول جوي بطائرات صغيرة بجناحين تابع للسفارة الأميركية «إمبسي إير»، مع مجموعة قليلة من الإعلاميين العرب، وذهبت إلى مناطق ساخنة مثل ولاية هلمند وعاصمتها لاشكار جاه، لنقل صورة ما يجري على الأرض من أحداث ساخنة.

وأجرت «الشرق الأوسط» سلسلة من التحقيقات الميدانية والحوارات مع شخصيات فاعلة، لمعرفة حقيقة ما يجري هناك، وتعرفت على التغييرات الاجتماعية والثقافية في العاصمة كابل والتقت «الشرق الأوسط» عددا من الشخصيات الحكومية ومن المعارضة وعددا آخر من المحسوبين على حركة طالبان السابقة، التي سقطت نهاية 2001.

وفي هذه الحلقة، يقدم الملا عبد السلام ضعيف «صوت الملا عمر» تجربته منذ اعتقاله في منزله بإسلام آباد وترحيله إلى قاعدة باغرام، ثم في الحبس الانفرادي على متن سفينة حربية قبل أن ينقل إلى غوانتانامو، حيث قضى في الحبس نحو 4 سنوات اعتبرها في حديثه مع «الشرق الأوسط» عبادة في سبيل الله، أتم الله فيها عليه بحفظ كتابه الكريم كاملا.

في ضاحية خوشحال خان غرب العاصمة كابل، وفي منزل متواضع للغاية من دورين في شارع يمتلئ بالحفر والمطبات، ويحرسه مسلحون أشداء من المخابرات الأفغانية لحراسته ومراقبته ليل نهار - على حد قوله بعربية سليمة «لهم ولنا» - يقيم الملا عبد السلام ضعيف سفير طالبان السابق في إسلام آباد، يعيش مع زوجتيه وأطفاله العشرة، أكبرهم عبد المنال، طالب ثانوي في الـ18 عاما من العمر.

وكان العالم قبل عشر سنوات ينتظر يوميا كل كلمة من الملا ضعيف، في مؤتمره الصحافي اليومي نيابة عن حكومة الملا محمد عمر، حاكم الحركة الأصولية المخلوعة. فقد أدار ضعيف من مقر سفارته في إسلام آباد الآلة الإعلامية للحركة الأصولية بمساعدة مترجم بشتوني الأصل بعين واحدة، في مواجهة الآلة الحربية الضخمة التي شنتها قوات التحالف من باكستان على طالبان. وينشغل الملا ضعيف اليوم في زراعة قطعة أرض، بيديه يزرع التفاح والخضراوات ويرعى نحو 25 شاة، قال ذلك وهو في منتهى السعادة والراحة النفسية، مشيرا إلى أنه أيضا ينشغل بكتابة مذكراته، فقد أصدر أكثر من كتاب، منها: «أيامي في غوانتانامو»، و «حياتي مع طالبان»، «تاريخ طالبان» بالبشتو، و«الكبائر في الإسلام»، ودراسة عن «الإصحاحات الستة».

«الشرق الأوسط» ذهبت إلى مقر إقامته في غرب العاصمة كابل من دون وساطة، خاصة من الملا قاسم حليمي خريج كلية الشريعة بجامعة الأزهر، مدير تشريفات الملا عمر سابقا والذي يشغل الآن ثاني أعلى منصب قضائي في المحكمة العليا «سترة محكمة» بعد التصالح مع الحكومة وقضائه فترة السجن في قاعدة باغرام العسكرية، برفقة وزير خارجية الحركة الملا وكيل متوكل. وبحثت «الشرق الأوسط» عن الملا حليمي في جنبات المحكمة العليا، فعلمت أنه ذهب إلى السعودية لأداء الركن الخامس من شعائر الإسلام.

والملا عبد السلام ضعيف لم يتغير كثيرا في ابتسامته المرسومة على وجهه وبساطته الشديدة في الحديث، وعمامته السوداء التي كان يظهر بها على العالم قبل عشرة أعوام، ودخل إلى غرفة الضيوف التي ازدانت بكتب الفقه وتفسير الطبري وصحيح البخاري والحديث الشريف، ثم قادني إلى السطوح أو «الروف غاردن» لنستمتع بشمس كابل أثناء إجراء الحديث.

وأكد أنه لا توجد مصالحة أو محادثات ترقى إلى مستوى مفاوضات، مشيرا إلى أن طالبان لم تطلب الصلح مع الأميركيين أو حكومة كرزاي، مؤكدا أن مطلبهم الوحيد - على حد علمه - هو خروج «القوات الأجنبية» من أفغانستان قبل أي حديث عن صلح أو مفاوضات، على الرغم من أن الأساس هو «الصلح خير». وأكد الملا ضعيف أنه رفض عضوية لجنة المصالحة التي يترأسها البروفسور برهان الدين رباني رئيس أول حكومة للمجاهدين الأفغان، لأنه لا يمكن أن يشارك في لجنة تعمل على تحسين شعبية الرئيس كرزاي وترسخ الوجود الأميركي. ووصف نفسه بأنه «قندهاري مستقل»، لا يقبل بوجود المحتل على أرض بلاده، وقال إنهم يريدون «استسلام طالبان باسم (الصلح خير)»، مشيرا إلى أن هؤلاء الخبراء والمحللين الاستراتيجيين الذين استعان بهم كرزاي أشبه بالخواجات «لا يفهمون أصل المشكلة، وهو وجود المحتل الذي تصر طالبان على خروجه من أراضينا قبل أي محادثات سلام». وأكد أن مشكلة طالبان ليست مع الرئيس كرزاي، بل مع القوات الأجنبية. وقال إن الأفغان يقدرون وساطة السعودية وجميع قلوبهم وأفئدتهم تهفو إلى أرض الحرمين الشريفين، إلا أنه أعرب عن قناعته بأن الوساطة السعودية لن تفلح مع طالبان، لأنه على لن يقبلوا «شروط مسبقة».

وأوضح الملا ضعيف أن طالبان منذ سقوط حركتهم نهاية عام 2001، لا يريدون مناصب وزارية أو أموالا أو مشاركة في الحكم، هدفهم لن يحيدوا عنه وهو خروج القوات الأجنبية من عموم أراضي أفغانستان، أي الاستقلال وإعلاء كلمة الله وتطبيق شرائع المولى عز وجل. وأكد أن قوات التحالف لن تستطيع هزيمة طالبان التي تتعافى الآن أكثر من أي وقت مضى، مشيرا إلى أنهم يسيطرون على أكثر من 50 في المائة من أراضي أفغانستان.

ولم تغير سنوات السجن، التي قضاها في بيشاور وفي سفينة حربية وفي ميناء كراتشي وقاعدتي باغرام وغوانتانامو لمدة أربع سنوات، من اعتقاده أنه الصواب ونقده الحاد لما سماه «الغدر الباكستاني» باعتقال سفير دبلوماسي على أراضيهم، وتسليمه للأميركيين مثل «الذبيحة» دون مراعاة للتقاليد والأعراف الدولية. وقال إنه تعلم العربية وحفظ القرآن الكريم بالكامل على يد السجناء العرب في غوانتانامو، وقال إنه تعرف هناك على عدد من السجناء السعوديين والمصريين الذين كانوا قريبين إلى قلبه، وهونوا عليه الأيام الصعبة في معسكر دلتا وفي السجن الأول والثاني ثم الخامس قبل أن ينقل إلى الرابع. وأشار إلى أنه تعرف أيضا على اليمني سالم حمدان سائق أسامة بن لادن، وكان الأميركيون لا يعرفون شخصيته، لأنه كان يستخدم اسم الكنية «صقر»، وكان يصر عليها، حتى عرف الأميركيون شخصيته من خلال التحقيق مع زوجته في اليمن. وجاء الحوار معه على سطح منزله على النحو التالي:

- أعمل بالفلاحة.. أزرع التفاح والخضراوات، وأرعى 25 خروفا في أرض زراعية تملكها عائلتي، وأنشغل بكتابة مذكراتي عن أيام طالبان، والسنوات التي قضيتها في السجن في باغرام وغوانتانامو وعلى متن سفينة حربية.

* هل تعيش بحرية اليوم من جهة التنقل من مقر إقامتكم والذهاب إلى المساجد أو أماكن أخرى ومن هؤلاء الحراس على بوابة منزلكم؟

- يمكن القول إنها نصف حرية، يعني أنا مراقب تقريبا، ولكني أذهب لصلاة الجمعة في المسجد القريب، ولا يسمح لي بالخطابة، وهؤلاء الحراس من الاستخبارات الأفغانية هم لي وعلي؛ أي: «إنهم لحراستي ومراقبتي».

* هل ما زلت تعاني لحظة اعتقالكم في باكستان وأنت سفير دبلوماسي لديهم تمثل أفغانستان؟

- أقسى أنواع الغدر تعرضت له، لأنهم هم الذين اعتقلوني بداية في منزلي التابع للسفارة في العاصمة إسلام آباد، نهاية عام 2001، وأنا سفير معتمد لديهم، وجاءوا في الصباح الباكر في الساعة الثامنة، وقالوا إنهم الفرع الخاص، وكنت أعيش تحت الرقابة لمدة أسبوع، وقالوا إن المخابرات الباكستانية ستأتي في الساعة الثانية عشرة ظهرا لاعتقالي ونقلي إلى بيشاور، لأن الأميركيين يريدون التحدث إلي، لمدة عشرة أيام فقط ثم أعود إلى منزلي وأطفالي، وجاءوا فعلا في منتصف النهار، واعتقلوني وأخرجوني من المنزل ونقلوني إلى بيشاور، وبعد عشرة أيام لم يتم الإفراج عني من سجن الاستخبارات الباكستانية في بيشاور، بل سلموني إلى الأميركيين، وما حدث لي يمكن وصفه بعبارة واحدة أنه «الغدر» بمعانيه، وقد شرحت هذا الأمر في كتابي «صورة غوانتانامو»، بالبشتو وهو 170 ورقة، وتُرجِّم ولكنه لم يطبع بالإنجليزية، لأنني لم أجد الناشر، الذي يساعدني على هذا الأمر. والباكستانيون فعلوا أكثر من الأميركيين ضد طالبان، لأنهم سمحوا للطائرات بأن تخرج من الأراضي الباكستانية لضرب الأراضي الأفغانية وقتل الأبرياء.

* هل أنت عضو في لجنة المصالحة التي يترأسها الأستاذ برهان الدين رباني؟

- رفضت عضوية لجنة المصالحة، كما رفضت مناصب من قبل الحكومة ومن قبل المحققين، حتى لو عرضوا علي منصب كرزاي، والله لن أقبل، لأن «لجنة المصالحة» - في حد ذاتها - أيضا مشكّلة لتحسين شعبية الرئيس كرزاي، وأنا رجل بشتوني قندهاري مستقل لا أقبل مثل هذا الأمر، لأن الصلح يجب أن يكون حقيقيا، والمشكلة الأساسية من وجهة نظري هي وجود الاحتلال، هم في الواقع يريدون استسلام طالبان باسم «الصلح خير»، لكن واقع الأمر يعرفون أن الجلوس مع كرزاي «لا يفيد».

* حسب معايشتك ومعرفتك بقيادات طالبان، هل ترقى المصالحة إلى مستوى مفاوضات في ظل القوات الدولية؟

- لا توجد في الأساس محادثات ترقى إلى مستوى مفاوضات أو غيره، ومطلب طالبان الوحيد هو خروج القوات الدولية ولن يحيدوا عنه.

* هناك معلومات وتسريبات بأن قيادات طالبان سيتسلمون مناصب حكومية في جنوب أفغانستان مقابل دخولهم في المحادثات؟

- أستطيع أن أؤكد أن طالبان عندما بدأت «الجهاد» قبل عشر سنوات، لم تكن تريد أموالا أو مناصب حكومية، هم فقط يردون خروج المحتل من أراضيهم، وهو مبدأ ثابت يؤمنون به.

* من يساعد طالبان؟

- أفغانستان محاطة بست دول، جميعها تعتبر القوات الأميركية غريبة عن هذه الديار، بما فيهم الروس والصينيون والإيرانيون، وهناك مسلمون حول العالم يؤيدون طالبان.

* ما المشكلة الحقيقية في أفغانستان؟

- طالبان ليست لديهم مشكلة مع الرئيس كرزاي، ومشكلتهم مع القوات الأجنبية التي لا يقبلون بوجودها.

* ما الدور السعودي من وجهة نظركم في المحادثات، هل سيكون للسعوديين تأثير على طالبان؟

- أرض الحرمين الشريفين تحظى بتقدير واحترام كبير بين جموع الأفغان بما فيهم طالبان، ويحظى خادم الحرمين الشريفين بحب واحترام كبيرين من جميع الأفغان، وقلوبهم تهفو إلى مكة والمدينة المنورة، ولكني أعتقد أن الوساطة السعودية لن تنجح مع قيادات طالبان، لأنها جاءت بـ«شروط مسبقة»، وهم لن يقبلوا مثل هذا الأمر، لأن طالبان خسرت في هذه الحرب الكثير من الأنفس والضحايا، وأعتقد أن طالبان تريد للسعودية دورا حياديا لحل المشكلة. وأستطيع أن أؤكد أن طالبان لم تطلب أي معادلة للحل أو سلاما أو صلحا، الأميركيون هم الذين طلبوا الصلح، ولذا فإن الشروط المسبقة لن تفلح معهم.

* ما الدعاء الذي تتذكره وكنت تحدث به نفسك في غوانتانامو؟

- الفرج قريب إن شاء الله، والحمد لله حفظ القرآن في سنوات السجن الأربع، كان المصحف رفيقي الوحيد في السجن الانفرادي، واعتبرت السنوات الأربع عبادة في سبيل الله.

* هل تتذكر أحدا من سجناء غوانتانامو؟

- عرفت يوسف الطاجيكي وكان يتحدث العربية بطلاقة على الرغم من أن لغته الأصلية الطاجيكية، واليمني سالم حمدان سائق بن لادن، وكانت زنزانتي قريبة منه، وأبو عبد العزيز، وهو سعودي مدير مؤسسة «وفا»، قبض عليه في قندهار، وعرفت أيضا الشيخ عبد الرحمن والشيخ أبو علاء، وهما مصريان، ومن السعوديين غسان والشيخ أبو عبد العزيز والأخ شاكر، وكان يتحدث الإنجليزية بطلاقة، وكان الحديث يتواصل مع الإخوة بالعربية.

* هل كنت تصلي إماما بالمساجين في غوانتانامو؟

- أغلب الأوقات كنت أصلي في العنبر إماما، ولكن الأول بموقعه في ترتيب الزنازين يكون هو الإمام.

* كم يوما قضيتها تقريبا في السجون منذ اعتقالكم في العاصمة إسلام آباد بداية عام 2002؟

- ثلاث سنوات وخمسة أشهر.

* ما أصعب فترة في السجن كانت؟ باغرام أم غوانتانامو؟

- أصعب لحظة مرت بحياتي كانت لحظة تسليمي من قبل الإخوة في الدين الباكستانيين إلى الأميركيين، لم أكن أتصور أن هذا الأمر يمكن أن يحدث، أما السجن في قاعدة باغرام فكان لمدة شهر واحد تقريبا، ولكنها كانت قاسية على الروح والنفس، كانت خلال فترة الشتاء، وهي منطقة مرتفعة، والرياح الباردة فيها مثل السَّموم، ولم يكن لدينا سوى بدلة زرقاء، ولم يسلمونا جوارب، أحذية فقط لا غير، وبطانية واحدة، وخلال شهر كامل لم أغسل وجهي أو يديَّ، ولم يفكوا السلاسل من يدي أو قدمي، وكنت أتيمم فقط، ولم أعرف صلاة الجماعة أبدا في قاعدة باغرام. ومن الأيام الصعبة أيضا احتجازي في سفينة أميركية قبل نقلي إلى باغرام، كانت السفينة راسية خارج ميناء كراتشي ولم أكن أعرف الفرق بين الليل والنهار، ونقلت بعدها من باغرام إلى قندهار ثم إلى غوانتانامو.

*ما طبيعة الأسئلة الموجهة إليكم في التحقيقات في باغرام وغوانتانامو؟

- كانت تدور حول الملا عمر وأسامة بن لادن، وأخرى بالنسبة للمؤتمرات الصحافية التي كنت أعقدها في إسلام آباد قبل سقوط الحركة.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة