أفغانستان حرب لا تنتهي - مخاض أفغانستان (9): الأفغان في عيد «القربان»

أفغانستان حرب لا تنتهي - مخاض أفغانستان (9): الأفغان في عيد «القربان»

أضاحٍ ومكسرات وفواكه مجففة وحلويات.. والعروس تفوز بحصة الأسد من الهدايا
الخميس - 19 ذو الحجة 1431 هـ - 25 نوفمبر 2010 مـ
افغانيان احدهما اصيب من الغام الحروب يهنئان بعضهما بعد صلاة العيد («الشرق الاوسط»)
محمد الشافعي
قبل عيد الأضحى في العاصمة كابل بأيام طويلة عاشت «الشرق الأوسط» الازدحام في أسواق أفغانستان لشراء الملابس الجديدة، وشاهدت النساء الأفغانيات من دون محرم، كما كان متبعا في عهد طالبان، وهن في شارع شهرانو، ويعني المدينة الجديدة، وهن يتنقلن من محل إلى آخر، أو يذهبن إلى صالونات التجميل، ويزرن المولات في كابل الجديدة مثل «صافي لاند مارك»، الذي تكثر به متاجر الأقمشة النسائية والباشمينا والروائح والعطور ودكاكين السياحة، ومقاه تقدم الكابتشينو والاكسبريسو بحثا عن أسعار أفضل في وقت تعيش فيه العاصمة الأفغانية أزمة اقتصادية خانقة.
عيد القربان عند الأفغان هو عيد الأضاحي والحلويات والمكسرات والفواكه المجففة. وتحية العيد عند الأفغان هي بالفارسية: «عيدتان مبارك» أي «عيد مبارك» و«عبادت تان قبول» أي «عبادة مقبولة» و«داخل حاجيان وغازيات باشيد» أي «يجعلك الله من الحجاج والمجاهدين». وبينما احتفل الرئيس الأفغاني كرزاي مع كبار وزرائه بالعيد في القصر الجمهوري بعد أن صلى العيد في مسجد صغير داخل القصر بسبب المخاوف الأمنية، ودعا طالبان بعد صلاة العيد إلى اللحاق بركب السلام والمصالحة لإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد، كان الشيخ الدكتور قاري محمد أياز يتحدث في مسجد حي وزير أكبر خان وهو حي الصفوة في العاصمة كابل عن فضل العيد في نسي الخصومات وفتح صفحات جديدة مع الأهل، والشيخ أياز يتحدث العربية بطلاقة وهو من خريجي جامعة الأزهر في مصر، وقال الشيخ أياز في خطبته: «نسمات العيد الإيمانية تقبل علينا، فتسري عن نفوسنا، وتمسح عن صدورنا، وتعيننا على الإقبال على طاعة ربنا، ففي الأعياد تتجلى مظاهر الفرح والسعادة، وتمتزج المشاعر الإنسانية بكل ما هو أصيل وطيب في النفس البشرية، من معان لا تحمل إلا الصفاء والود والإخاء.. (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) (الحجرات: 10). ومن هذه المظاهر الطيبة، خروج المسلمين جميعا في يوم العيد، رجالا ونساء، كبارا وصغارا، في مهرجان عظيم إلى مصلى العيد؛ حيث التكبير والتهليل، ونبدأ هذا اليوم بالصلاة، ثم الاستماع إلى خطبة العيد في خشوع وخضوع لله رب العالمين».

وقال خطيب صلاة العيد في مسجد شارع شهرانو إن العيد عند المسلم له مذاق خاص.. إن يوما لا نقصر فيه في حق إخواننا لهو يوم عيد، وإن يوما نقدم فيه شيئا لأحبابنا، ونشارك في مسح دموعهم وإغاثة محتاجهم والدفاع عنهم لهو يوم عيد.. إن يوما ننصر فيه دعوتنا ونرفع فيه راية الإسلام، وندافع عن ديننا، وندعو غيرنا إلى العودة إلى منهج الله وإلى شريعته لهو يوم عيد. وعيد «القربان» بحسب كثير من الأفغان مناسبة عزيزة، يحتفل فيها أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين. وكما يقول خطيب مسجد شهرانو «في هذا اليوم نصلي العيد ونذبح الأضاحي ونحتفل بهذه المناسبة المباركة وقلوبنا تعتصر ألما لما يحل بالأمة الإسلامية من مآس في جميع أنحاء العالم».

وغير بعيد خارج العاصمة كابل وفي مدن أخرى كانت خطب العيد تتحدث عن الجهاد ضد المحتل وانتقاد الفساد المستشري في طول البلاد وعرضها، والتنديد بانتشار الملاهي ومحلات بيع الخمور والهجوم الثقافي من استوديوهات بوليوود الهندية. وبعد أن انتهت صلاة العيد أقبل الأفغان في حرارة وحب وصدق يهنئ بعضهم بعضا، ويعانق بعضهم بعضا.. يقول الصحابي الجليل جبير بن نفير، رضي الله عنه، كان أصحاب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إذا التقوا يوم العيد قال بعضهم لبعض: «تقبل الله منا ومنكم»، وفي الحديث، كما يقول الشيخ أياز في خطبته «إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت عنهما الذنوب كما يتساقط ورق الشجر». ويقول المحلل الأفغاني أبو يوسف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «إن عيد القربان هو عيد التضحية، والعريس يجب أن يقدم لأهل عروسته في عيد الأضحى كميات كبيرة من اللحوم والأسماك والفواكه المجففة والحلويات، وكذلك هدية ذهبية لخطيبته، وهو تقليد ونوع من التقدير لها ولأهلها».

تختلف تقاليد وعادات الأفغانيين في الاحتفال بعيد الأضحى أو «عيد القربان» أو«اختر مبارك» أو ما يسمى بـ«لوي أختر» من منطقة إلى أخرى، فيقوم التركمان والأوزبك في مزار الشريف، شمال أفغانستان، بعد أداء صلاة العيد بتناول الإفطار المشترك في مسجد القرية أو «دار الضيافة المشتركة»، كما يقوم الجميع بإعداد الإفطار الذي عادة ما يكون عبارة عن حليب، وقشطة، وزبدة، وتمر، وتين، وجبن، وغيرها من الأطعمة. وبعد الانتهاء من الإفطار يقدم كل فرد تهانيه للآخر بحلول العيد.

ووجبة الغداء في أول أيام عيد الأضحى عند التركمان والأوزبك فتكون عبارة عن «كلة باجة» (لحم الرأس والأرجل)، وفي اليوم الثاني الكبد والطحال، وفي اليوم الثالث «كري» (الكرش).

ويرتدي الأطفال (البنين والبنات) الملابس الجديدة من الصدريات (القمصان من دون أكمام)، والقبعات الأوزبكية والتركمانية المطرزة الجميلة، ويطوفون على البيوت؛ لتقديم التهاني، وكلما دخلوا بيتا قبلتهم ربة البيت على جباههم، ثم تعطيهم هدية العيد أو كما يعرف في البلاد العربية «العيدية». ويجمع الأطفال حلويات العيد وهداياه من البيوت التي يمرون بها، وتشمل البيض المقلي، والجوز، والموز، والفستق، والمكسرات، والزبيب، والحمص المقلي والبسكويت. والعيد في أفغانستان، ربما يختلف كثيرا عن العيد في دول أخرى، فما زالت تئن من وقع الاحتلال الذي دخل عامه العاشر. فبأي حال عاد عيد الأفغان؟! يمثل العيد بالنسبة لمئات الآلاف من الأفغان فرصة ذهبية لهم لرؤية أصدقائهم وعائلاتهم، ولو مرة واحدة في العام، فمئات الآلاف من الأفغان ممن ينتمون إلى المناطق النائية يفضلون العمل بالمدن الكبيرة لكسب قوتهم، بسبب عدم توافر فرص العمل في المدن والقرى التي أتوا منها. ويقول صحافي غربي في العاصمة كابل لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكنني أن أنسى نظرات التوسل التي تبدو في أعين الأطفال هناك، وكيف أنهم يعانون ولا يستمتعون بقضاء العيد بسبب الحرمان من الكثير من الضروريات الحياتية».

ويعاني معظم الأفغان في كابل الجديدة من ارتفاع الأسعار بشكل عام، وهو ما ترك بصمات واضحة على استقبال الأفغان للعيد، حيث قل إقبالهم على شراء الهدايا ومستلزمات العيد. وفي كابل التي تئن من وقع وجود القوات الأجنبية بالآلاف من المقاولين والعاملين في المنظمات الدولية الذين أدى وجودهم إلى ارتفاع أسعار الشقق السكنية لدرجة أن شقة متواضعة من ثلاث غرف في حي ماكريان الشعبي الذي بناه الروس قبل أكثر من 30 عاما وصل إيجارها إلى ما يزيد على 500 دولار في الشهر، وكان لعيد الأضحى في كابل على المستوى الشعبي مذاق خاص على وقع المظاهرات الضخمة التي خرجت بعد يومين من أداء صلاة العيد، تندد بنتائج الانتخابات البرلمانية الأفغانية التي شابتها مزاعم والتي جرت في سبتمبر (أيلول) وحذروا من أعمال عنف محتملة إذا لم تنظم انتخابات جديدة. ولم تعلن النتائج بعد مرور نحو 7 أسابيع على الانتخابات. والاحتجاجات علامة أخرى على عدم الاستقرار السياسي في أفغانستان التي تواجه بالفعل تمردا متناميا تشنه حركة طالبان. وانضم مئات المتظاهرين إلى المرشحين وأعضاء البرلمان الذين سعوا لإعادة انتخابهم ووصفوا الانتخابات بأنها غير قانونية. وكتب على لافتة حملها المحتجون لدى مرورهم أمام قصر الرئيس حميد كرزاي ومقر الأمم المتحدة «ندين انتخابات 18 سبتمبر ونعتبرها غير قانونية، ونطالب الحكومة بإجراء انتخابات أخرى». وعلى نقيض الرئيس كرزاي الذي دعا إلى السلام والمصالحة من على منبر مسجد القصر الجمهوري، قالت طالبان كلمتها، على لسان الملا محمد عمر، زعيم الحركة، في بيان نشره على الإنترنت بمناسبة عيد القربان، مؤكدا أن مقاتليه قريبون من تحقيق النصر وطرد القوات الأجنبية من أفغانستان، فيما قال كرزاي «مرة أخرى أدعو جميع الأشقاء والمعارضة إلى التخلي عن العنف وقتل الأشقاء والانضمام لعملية السلام في البلاد». ويحتفل الأفغان المنهكون من الحرب، ولكن المفعمون بالأمل بعيد الأضحى وسط إجراءات أمنية مشددة حيث تم نشر قوات الشرطة في جميع المناطق والشوارع الحساسة في العاصمة كابل لضمان أمن المواطنين. وقدم كرزاي عرضه في الوقت الذي دعا فيه زعيم طالبان الهارب الملا عمر مقاتليه في رسالة عشية عيد الأضحى، لتكثيف الهجمات ضد القوات الأفغانية والقوات بقيادة «الناتو» المتمركزة في أفغانستان.

وكان الرئيس كرزاي قد أعلن قبل أسابيع تشكيل مجلس السلام برئاسة البروفسور برهان الدين رباني، رئيس حكومة المجاهدين الأسبق، بهدف تسريع الجهود لتحقيق برنامج للمصالحة الوطنية، تدعمه الحكومة ولإجراء محادثات مع مسلحي طالبان.

ورفضت قيادة طالبان مرارا أي عرض لإجراء محادثات مع الحكومة الأفغانية، مؤكدة أنه لن تكون هناك أية محادثات في ظل وجود القوات الأجنبية في أفغانستان. وقال زعيم الحركة، مخاطبا الشعب الأفغاني، إن المعاناة والصعوبات لن تطول أكثر من ذلك، وستنتهي بطرد «العدو الغازي» القريب. أما عن الأضاحي، فكل من يستطيع أن يشتري خروفا أو يشترك مع الآخرين في بقرة أو جاموسة أو جمل يفعل ذلك، ثم يتم تقسيم اللحم إلى 3 حصص كما شرع الدين الإسلامي: ثلث للفقراء، وثلث للأقارب، وثلث لصاحب البيت. أما عيد الأضحى في الولايات الجنوبية والشرقية، فيبدأ كذلك بالإفطار المشترك في المسجد أو دار الضيافة المشتركة بعد أداء صلاة العيد، حيث يأتي كل شخص بما يستطيع من الأطعمة والحلويات. وبعد انتهاء الإفطار بعد أداء صلاة العيد يقدم الصغار للكبار تهاني العيد ويقبلون أيديهم، ومن عادات ولاية «باكتيا» الواقعة جنوب أفغانستان الاحتفال بالعيد من خلال زيارة الأقارب والجيران لمدة 5 إلى 6 أيام. وتكون الزيارة في اليوم الأول لبيت كبير القرية أو رئيس القبيلة، حيث يجتمع جميع سكان القرية عنده يهنئونه بالعيد ويأكلون عنده، ثم يقومون بعد ذلك بزيارة بعضهم بعضا، حيث يكون الغداء عند أحدهم والعشاء عند الآخر، وهكذا...

وتتم إقامة حفل بالولايات الجنوبية في اليوم الأول من العيد في ميدان واسع يجتمع فيه الشباب ويؤدون «الدبكة الشعبية»، وهي نوع من الرقص، كما تقام المسابقات بالبيض والجوز، والمسابقات الرياضية، مثل: المصارعة، والجري، ورمي الحجارة. ويقوم الخال والعم بمنح الأطفال المال وهو ما يسمى «العيدية»، كما تذهب النساء اللاتي تزوجن حديثا إلى أسرهن، وأحيانا يذهب معها زوجها لتقديم التهنئة لأسرة صهره، ويسمى ذلك «دست بوسي» أي تقبيل اليد.

وهناك بعض العادات السيئة التي يتبعها الأفغان في شمال البلاد في عيد الأضحى، مثل القمار بالبيض المسلوق والجوز، أو لعب الورق، وذلك في ميادين واسعة، وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى اقتتال الشباب بالسكاكين، أو المسدسات، أو العصي، أو الأحجار. كما أن من عادات تلك المنطقة اجتماع الشباب ليلة العيد حيث يلعبون بالآلات الموسيقية، مثل: الربابة، والقيثارة، والمزامير، وغيرها من الآلات، كما يرقصون ويتغنون أغنياتهم الخاصة بالمناسبة. وإذا انتهت صلاة العيد أقبل المسلمون في حرارة وحب وصدق يهنئ بعضهم بعضا، ويعانق بعضهم بعضا.. كما ذكر في خطبة العيد؛ يقول الصحابي الجليل جبير بن نفير، رضي الله عنه، كان أصحاب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إذا التقوا يوم العيد قال بعضهم لبعض: «تقبل الله منا ومنكم»، وفي الحديث: «إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت عنهما الذنوب كما يتساقط ورق الشجر».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة