زوجات الأنبياء - الحلقة (13) : «رفقة» زوجة إسحاق.. التنافس للفوز بالدعوة الصالحة

زوجات الأنبياء - الحلقة (13) : «رفقة» زوجة إسحاق.. التنافس للفوز بالدعوة الصالحة

زوجة نبي وأم نبي وجدة نبي.. عاشت على عبادة الله الواحد الأحد الصمد. أنجبت ولدين، هما عيصو ويعقوب، فكان الصغير الأقرب إلى قلبها والأكثر في حبها، أرادت له الفوز بدعوات أبيه النبي إسحاق بن خليل الله إبراهيم (عليهم جميعا السلام). إنها السيدة «رفقة بنت بتوئيل» زوجة نبي الله إسحاق (عليه السلام).
يوضح الكاتب أحمد خليل جمعة، في كتاب «نساء الأنبياء في ضوء القرآن»، أن إسحاق عليه السلام ولد بعد ثلاثة عشر عاما من مولد أخيه إسماعيل، وكان أبو الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) قد بلغ من العمر مائة سنة، في حين بلغت سارة تسعين سنة من عمرها (رضي الله عنها). قال الله تعالى: «ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ.. فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط.. وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.. قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب.. قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد» (هود: 69 - 73).
وتولى إسحاق عليه السلام الدعوة إلى عبادة الله سبحانه وتعالى بعد وفاة الخليل، ليواصل الرسالة التي كلف الله بها إبراهيم وذريته من الصالحين. وأخذ وصية أخيه الأكبر إسماعيل قبل موته، عليهما السلام بأن يؤدي الرسالة التي كلفهم بها الله عز وجل.
وعندما بلغ إسحاق الأربعين من عمره تزوج من «رفقة بنت بتوئيل» وتأخر حملها فترة، ثم أنجب إسحاق ولدين هما عيصو ويعقوب. فكان عيصو البكر كثيف الشعر والذي سماه العرب «العيص» وهو أبو الروم. والثاني سموه يعقوب لأنه خرج وهو آخذ بعقب أخيه وكان خفيف الشعر، فنشّأ إسحاق ولديه على عبادة الله الواحد الأحد الصمد، لا يشركان بالله شيئا، وأخذ ميثاقهما بمواصلة الدعوة من بعده، وأنجب يعقوب اثني عشر ولدا، يقول الله تعالى: «وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذُريتهما مُحسن وظالم لنفسه مبين».. (الصافات: 113).
وهكذا تصف الآية الكريمة انحراف بعض ذرية إسحاق وطغيانهم وأن ظلمهم كان بينا أي عظيما ظاهرا، وهؤلاء هم اليهود الذين انحدروا من ذرية يعقوب بن إسحاق.
ويضيف الدكتور حمزة النشرتي في كتابه «سيرة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم» أن إسحاق كان يحب عيصو أكثر من يعقوب، لأنه بكره. وكانت أمهما «رفقة» تحب يعقوب أكثر لأنه الأصغر. قالوا: فلما كبر إسحاق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما. أمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له، ليبارك عليه ويدعو له. وكان العيص صاحب صيد، فذهب يبتغي ذلك، فأمرت (رفقة) ابنها يعقوب بأن يذبح جديين من خيار غنمه، ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه، ويأتي إليه به قبل أخيه ليدعو له، فقامت فألبسته ثياب أخيه، وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين، لأن العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك. فلما جاء به وقربه إليه قال له: من أنت؟ قال: ولدك. فضمه إليه وجسه وجعل يقول: أما الصوت فصوت يعقوب. أما الجس والثياب فالعيص. فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا، وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده، وأن يكثر رزقه وولده.
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه، فقال: ما هذا يا بني؟ قال: هذا الطعام الذي اشتهيته، فقال: أما جئتني به قبل ساعة وأكلت منه ودعوت لك؟ فقال: لا والله. وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك، فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا. وذكروا أنه توعده بالقتل إذا مات أبوهما، وسأل أباه فدعا له دعوة أخرى، وأن يجعل لذريته غليظ الأرض، وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم.
فلما سمعت أمهما «رفقة بنت بتوئيل» ما يتوعد به العيص أخاه يعقوب، ولأن يعقوب أحب إلى قلب أمه من أخيه العيص وهي التي كانت السبب في ترتيب الدعوة الصالحة من أبيه إسحاق التي كان قد نودي بها لابنه العيص، ولما كانت الدعوة من نصيب يعقوب عليه السلام، خشيت أمه عليه من أخيه العيص أن يقتله فأوصته باللحاق بخاله «لابان بن ناهر» والإقامة معه في بلدته «فدان آرام» بالعراق. وقالت «رفقة» لزوجها إسحاق (عليه السلام) أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له، ففعل. وانطلق يعقوب إلى خاله مزودا بنصيحة من أبيه أن يتزوج من بنات خاله ولا يتزوج من بنات كنعان، وكان خاله لديه ابنتان، «ليا» وهي الابنة الكبرى، و«راحيل» الابنة الصغرى التي فاقت أختها جمالا ونقاء وذكاء.
اشتد المرض بإسحاق بعد سنوات من هروب يعقوب، وكأن الابن قد أحس بدنو أجل أبيه إسحاق، فعاد يعقوب إلى قرية حبرون التي يعيش فيها أبوه والتي عاش فيها جده إبراهيم الخليل من قبل (عليهم جميعا السلام)، وأقام يعقوب مع أبيه حتى استرد الله وديعته فقبض روح إسحاق الذي عاش مائة وثمانين سنة، فدفنه ابناه العيص ويعقوب في المغارة التي اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون الحيثي، ودفن إسحاق عليه السلام إلى جوار إبراهيم الخليل وسارة فضم القبر ثلاثة من أشرف خلق الله.