في كلامه عن الرسل والأنبياء، لم يغفل القرآن الكريم الحديث عن كثيرات من زوجاتهم. تنوع الحديث بين مدح وثناء وبشرى بالنعيم الدائم في جانب، وقدح وذم وتهديد ووعيد بالعذاب في جانب آخر، تبعا للدور الذي أدته كل منهن تجاه زوجها النبي ورسالته. الكثيرات كنّ وفيات لأزواجهن، مؤمنات برسالاتهم، متمسكات بعبادة الله تعالى وحده، مخلصات في إعانتهم، لمواجهة ظلم الكافرين وعنادهم ومكائدهم. وهناك من انحازت للشيطان ضد زوجها ورسالته، وانضمت لأعدائه، وساعدتهم على وضع العراقيل وإثارة العقبات أمام دعوته، وشاركت في الإساءة إليه، والسخرية منه.
نماذج مهمة تستأهل منا دراستها، لاستخلاص العبر منها، والاستفادة بها في بناء حاضرنا ومستقبلنا.
فتحت عينيها وولدت على الإسلام.. كانت أحب النساء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. تزوجها بكرا ومات على صدرها.
ورثت الفضل من والديها ومنحها الله صفات عظيمة لتكون أم المؤمنين ولتقوم بدورها في البيت النبوي الشريف، وفى المجتمع الإسلامي كله بعد ذلك.
كما منحها الرسول صلى الله عليه وسلم وساما فريدا حيث قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم بنت عمران، وآسيا امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
إنها السيدة «عائشة» أم المؤمنين زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت الصديق رضي الله عنهما.
يقول عنها الدكتور حمزة النشرتي في كتابه «سيرة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم»: إن «عائشة» بنت أبى بكر الصديق رضي الله عنه، وأمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر، وقد توفيت أمها بعد حادث الإفك، وورثت «عائشة» الفضل من والديها.. ولدت سنة أربع من المبعث فلم تع في بيت أبويها إلا الإسلام فكأنها ولدت مسلمة ونشأت مسلمة.
وحين توفيت خديجة رضي الله عنها حزن النبي عليها حزنا شديدا، فبعث الله جبريل فأتاه بصورة «عائشة» فقال: يا رسول الله هذه تذهب بعض حزنك، وإن في هذه خلفا من خديجة.. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يختلف إلى بيت أبى بكر يقول: «يا أم رومان، استوصي بعائشة خيرا واحفظيني فيها». فكان لعائشة بذلك منزلة في بيت أهلها وهم لا يشعرون بأمر الله فيها. وفى يوم جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبى بكر، فوجد «عائشة» متسترة بباب الدار وهى تبكي بكاء حزينا، فسألها، فشكت إليه أمها وأنها تقسو عليها، فدمعت عينا النبي صلى الله عليه وسلم ودخل على أم رومان فقال: «يا أم رومان، ألم أوصك بعائشة أن تحفظينى فيها؟» فقالت: يا رسول الله، إنها بلّغت الصديق عنى ما أغضبه علي. فقال صلى الله عليه وسلم: «وإن فعلت» فقالت: لا جرم، ولا سُؤتها أبدًا.. فقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن عائشة ستكون زوجته، أنبأه بذلك جبريل.
ويضيف الكاتب أحمد خليل جمعة في كتابه «نساء الأنبياء في ضوء القرآن والسنة»: لم يكن هذا الزواج بدعا عند العرب، بل هو أمر مألوف، فلا بأس من أن تخطب البنت صغيرة، حتى إذا ما أدركت زفت، ولم تزف «عائشة» إلا بعد الهجرة وبعد أن أدركت.
ولم تكن «عائشة» رضي الله عنها أول فتاة تزف في تلك البيئة إلى رجل في سن أبيها، وقد اتضحت حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في زواجه من «عائشة» الصغيرة السن التي تفتحت عيناها على هذا الدين. فوعت كل كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم فحفظتها وقدمتها للمسلمين كما سمعتها فانتفعوا بها.
وكان الرواة يذهبون إليها فيسمعون منها ما لم يسمعوه من غيرها.. وفى بيت متواضع شيد حول المسجد النبوي أقامت «عائشة».
ويوضح الدكتور مصطفى مراد، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر في كتابه «زوجات الأنبياء» أن «عائشة» رضي الله عنها حددت سنها، عند زواجها، فقالت: «تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، وأدخلت عليه وأنا بنت تسع سنين، وكنت ألعب على المرجوحة ولى جُمة، فأتيت وأنا ألعب عليها فأخذت، فهيئت، ثم أدخلت عليه، وأرى صورتي في حريره»، وتحدد رضوان الله عليها شهر الزواج فتقول: «تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بى في شوال فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى منى؟».
وكان عليه الصلاة والسلام أفضل الأزواج على الإطلاق، حيث كان يعاملها معاملة الأطفال لا معاملة الزوجات الكبيرات، فكان يلاعبها ويسابقها ويمازحها ويداعبها ويلاطفها.
* حادثة الإفك
ويضيف الدكتور مراد أن مواقفها رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تطول وتطول، ومنها موقف التخيير بين الحياة الدنيا وزينتها أو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمصابرة معه في ضيق العيش.. قالت «عائشة»: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بى، فقال: «إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك». قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت: ثم قال: «إن الله – جل ثناؤه – قال: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً)».. (الأحزاب: 28 و29).
أما «حادثة الإفك»، فقد ثبت فيها علو منزلة «عائشة» رضي الله عنها في الصبر على الابتلاء والشكر عند الرخاء، والتوكل على رب السماء.. قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه فأيها خرج سهمها خرج بها وأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، ثم قفلنا من الغزوة إلى أن دنونا من المدينة، فقمت حين أذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش وقضيت بعض شأني.
وأقبلت إلى الرحل فلمست صدري، فإذا عقدي قد انقطع، فرجعت ألتمسه فحبسني ابتغاؤه، وارتحل القوم ولم أشعر وأرحلوا هودجى وهم يحسبون أني فيه، ووجدت عقدي فجئت منازل الجيش وليس بها داع ولا مجيب، وفيما أنا جالسة في مكاني غلبتني عيني فنمت.
وكان صفوان بن المعطل السلمي قد تأخر من وراء الجيش فأدلج، فأصبح عند مكاني، فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني واسترجع، ووالله ما كلمني ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته وركبتها، وانطلق يقودها حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا في نحر الظهيرة، قالت: وهلك من هلك في شأني، واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك. قالت أمي: هوني عليك، فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس وتشهد.. ثم قال: أما بعد يا «عائشة»، فإني قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه.
قالت: فوالله ما قام رسول الله من مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله عز وجل على نبيه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان في اليوم الشاتي. فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك – كان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا «عائشة»، أما والله فقد برأك الله.
وقد وصف القرآن هذه البراءة فقال: «إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم».. (النور: 23).
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم براءتها، ويثق في أن «عائشة» لا يمكن أن يحدث منها ما لاكته الألسن الوضيعة بشأنها، ولذلك قال الله تعالى: «إن الذين جاءوا بالإفك عُصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم».. (النور: 11).
وتضاعف حب النبي صلى الله عليه وسلم لها حتى قال فيما يرويه الرواة: «حبك يا عائشة في قلبي كالعروة الوثقى».
* وفاة النبي
ويشير الدكتور حمزة النشرتي في كتابه «سيرة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم» إلى أن «عائشة» ظلت في هذه النعمة حتى جاءت أيام شديدة البأس عليها وعلى غيرها من زوجات الرسول، وعلى المسلمين جميعا وذلك حين مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرض الموت، وكان ذلك بعد عودته من حجة الوداع في نهاية العام العاشر من الهجرة.
وأقام صلى الله عليه وسلم في بيت «عائشة» تمرضه، وتحملت العبء الأكبر في تمريضه، وجاءت اللحظة الحاسمة، وانتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وكان عمر السيدة «عائشة» حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سنة، وعاشت في بيتها ولقد تركت صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في حياتها بركة كبيرة، حتى كانت مرجعا للناس في مهامهم وأمور دينهم ودنياهم.
* وفاتها
وكانت وفاتها رضي الله عنها في خلافة معاوية بن أبى سفيان، في ليلة السابع من رمضان سنة ثمان وخمسين فاضت روحها الطاهرة بعد صلاة العشاء، فاجتمع الناس من كل صوب، وبعد صلاة الوتر حملت جنازتها إلى البقيع، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه، وكان عمرها حين توفيت سبعا وستين سنة.
