أركان السلطة التنفيذية في الهند في قبضة حزب «بهاراتيا جاناتا» اليميني

ممارساته تعكس تآكل شعبية مدرسة الزعيم غاندي

TT

أركان السلطة التنفيذية في الهند في قبضة حزب «بهاراتيا جاناتا» اليميني

للمرة الأولى في تاريخ الهند، التي استقلت عن بريطانية قبل 70 عاما، احتل قادة حزب «بهاراتيا جاناتا» اليميني الحاكم أعلى أربعة مناصب دستورية في البلاد. فهيمنة الحزب اكتملت بتنصيب الرئيس رام ناث كوفيند ونائبه فانكيا نادو، وتعيين رئيس البرلمان سومترا مهجانو، لينضم الثلاثة إلى رئيس الوزراء ناردندرا مودي. بالإضافة إلى ذلك، فإن حزب بهاراتيا جاناتا يتمتع بالأغلبية في غرفتي البرلمان الهندي، علاوة على تشكيله للحكومات في 18 ولاية من إجمالي 29 ولاية تتألف منها الهند.
الهيمنة المساندة للهندوس
وللمرة الأولى أيضا، فإن أصحاب أعلى أربعة مراكز في السلطة التنفيذية في الهند كانوا جميعهم أعضاء نشطين في حزب «راشتريا سوايا مسيك سانغ» الهندوسي القومي اليميني، وكذلك في «المنظمة التطوعية القومية» التي ينظر لها باعتبارها المنظمة الأم لحزب «بهاراتيا جاناتا». واعترف رئيس الوزراء بأن ما حدث يعد أمرا تاريخيا بقوله «رائع، فالتغيير حدث في البلاد بالفعل، فرئيس الجمهورية ونائبه ورئيس البرلمان جميعهم يتبنون الإيديولوجية نفسها والتقاليد نفسها».
في هذا السياق، قال الصحافي سريموي تالوكار: «ما حدث ليس بالشيء الهين. فذلك يرمز إلى تغيير سياسي وآيديولوجي في الحرس القديم، وربما يتطور الأمر إلى تغيير كامل في تاريخ هذه الجمهورية الشابة. فبعد مرور ستة عقود، ومع تضاؤل حزب (المؤتمر) كقوة سياسية وإجباره على إرخاء قبضته على مفاصل الهند وعلى مؤسساتها الديمقراطية، فإن حزب (بهاراتيا جاناتا) على أتم الاستعداد للصعود وملئ الفراغ».
وبحسب المحلل الصحافي بالا شانكار، فإن «هذه سمة فريدة في السياسة الهندية. فللمرة الأولى خلال سبعة عقود تنجح شخصيات قادمة من حزبي بهاراتيا جاناتا وراشتريا سوايا مسيك سانغ الهندوسي في تبوء جميع المناصب القيادية في البلاد، في حين كانت تلك المناصب حكرا في السابق على حزب المؤتمر وكانت بعيدة عن حزب بهارتيا، باستثناء أتال بيهاري فاغباي الذي انتخب رئيسا للوزراء عام 1998 ليرأس حكومة الائتلاف».
الرئيس
امتهن ناث كوفنيد (71 عاما) المحاماة وعمل بها في محكمة دلهي العليا، وكان منصب محافظ ولاية بيهار بشرق البلاد آخر مناصبه قبل تولي الرئاسة. كوفنيد ابن مزارع فقير أمضى حياته في كوخ من الطين، وتيتم بعد أن فقد أمه في سن الخامسة.
ويرى المقربون من الرئيس، أنه شخص هادئ ومتواضع، محب للالتزام بالقواعد والقوانين، وأن منصبه محافظا لم يدفعه ولو مرة واحدة لأن يفقد أعصابه.
وفي وصفه لشخصية الرئيس الجديد، قال الصحافي راغنتا جا: «يحب الرئيس أن يقضي بعض الوقت في قراءة الكتب وفي مشاهدة التلفزيون فقط لمعرفة الأخبار، ويفضل الحياة البسيطة».
وتمكن كوفنيد من هزيمة مرشح حزب المؤتمر المعارض، ميرا كومار الذي شغل في السابق منصب رئيس البرلمان بنسبة أصوات 65 في المائة تحصل عليها من أعضاء البرلمان ومجالس الولايات. كان انتخابه في حكم المؤكد بسبب قوة حزب رئيس الوزراء نرندرا مودي في البرلمان الفيدرالي، وكذلك في المجالس المحلية التي يشارك أعضاؤها في الانتخابات الرئاسية.
تختلف الانتخابات الهندية عن أغلب الرئاسات في العالم، فرئيس الجمهورية لا يمارس سلطات تنفيذية، فهو رئيس البلاد ومطالب وفق الدستور بالعمل بمقتضى نصائح الوزراء. ولذلك؛ فدوره أقرب ما يكون إلى نظام الملكية الدستورية، مثل بريطانيا، أو إلى ملكيات مثل هولندا أو إسبانيا؛ فهو حكم في نظام برلماني يتمتع فيه الوزراء بالقوة الفعلية.
لكن بمقدور الرئيس رد بعض مشاريع القوانين البرلمانية لإعادة مناقشتها، إضافة إلى دوره التوجيهي في مرحلة تشكيل الحكومات. للرئيس دور أساسي خلال الأزمات السياسية، مثل الحالات التي لا تكون فيها الانتخابات العامة حاسمة في تحديد أي الحزبين أقرب لتشكيل الحكومة. فهل سيكون الرئيس كوفنيد مجرد ختم مطاطي على ورق، أم سيكون هناك المزيد من التركيز على التقيد بالدستور؟
وفي هذا الصدد، يقول المحللون إن كوفنيد سيكون ذلك الشخص الوديع الذي سينفذ إرادة الحزبين، وإنه لن يتردد في فرض تعليمات الرئيس في الولايات التي يضع حزبي «بهاراتيا جاناتا» و«التحالف الديمقراطي القومي» أعينهم عليها مثل غرب البنغال، وكيرالا، وتاميل نادو، وكارنتكا وغيرها.
وذكر فيندور شارما، كبير محرري صحيفة «هندوستان تايمز»، أن «القضية الأكبر التي تعد الهدف الذي من أجله سعى الرئيس رام ناث كوفنيد للوصول إلى القصر الرئاسي هي الانتخابات العامة المقررة في 2019».
نائب الرئيس
فنكيا نادو (68 عاما) نائب الرئيس الثالث عشر للهند، ينحدر هو الآخر من عائلة متواضعة تمتهن الزراعة. فمن مرحلة ملأت فيها صوره الملصقات الحزبية إلى مرحلة أخرى بات فيها نموذجا للولاء الحزبي والآيديولوجي، إلى أن أصبح أبرز قادة حزب بهاراتيا جاناتا، ومؤخرا نائبا للرئيس، فإن فنكيا نادو بالفعل سياسي من العيار الثقيل بعد أربعين عاما شغل فيها مناصب وزارية كثيرة من خلال الحكومات التي شكلها حزبه ليصبح كما وصف نفسه «رجل الشعب».
في هذا السياق، كتب المحرر السياسي مانيش تشيبر يقول إن تعيين نادو بمنصب الرجل الثاني في الدولة جاء ليعزز من موقع حزب بهاراتيا جاناتا بجنوب البلاد، حيث يعاني الحزب ضعفا واضحا. فبالإضافة إلى نفوذه الواسع وصداقته مع الأحزاب السياسية كافة، فمن المتوقع أن يساعد وجوده في تفعيل أداء مجلس الشيوخ بالبرلمان.
بات من الملاحظ، أن انتخابات نائب الرئيس الهندي عكست الحقيقة المرة أن مدرسة الزعيم غاندي لم تعد تحظى بشعبية في الهند، فقد فاز نادو على حزب المؤتمر المعارض وعلى الأكاديمي والدبلوماسي البارز غوبال كرشان غاندي الذي ينظر له بوصفه حفيد غاندي، الأب الروحي للشعب الهندي. ولذلك؛ فقد تسببت تلك الانتخابات في الدفع بحزب المؤتمر وبعائلة نهرو غاندي الحاكمة للأسفل، رغم هيمنتها على السلطة أغلب السنوات السبعين الماضية.
ورغم أن نائب الرئيس أفاد بأن المناصب الجديدة تجلب مسؤوليات جديدة وبأنه سينحي جانبا ميوله وانتماءاته السياسية الماضية، قال محللون إن تعيينه نائبا للرئيس سيكون له مردود كبير على وضع حزبه لأنه سيكون رئيسا لمجلس الشيوخ بالبرلمان الهندي أيضا.
وقد ذكر محللون، أن فوز كوفنيد سيساعد مودي في إحكام قبضته على السلطة، وذلك بإرسال رسالة مهمة إلى الطبقة الدنيا من المجتمع والتي طالما عانت التهميش في الانتخابات، والتي كانت يقال عنها يوما إنها «لن تمس». وتعتبر الطبقة الدنيا في الهند، والتي يبلغ عددها نحو 200 مليون نسمة من إجمالي 1.3 مليار نسمة، هي الأفقر في البلاد بعد أن هبطت إلى القاع. وبحسب كاتب الرأي في بي شارما، فبتعيين كوفيند رئيسا للبلاد فقد تدنت فرص عودة مودي للسلطة في انتخابات 2019 العامة. وسوف يرسل كوفيند برسالة من القصر الرئاسي برسالة للطبقة الدنيا يقول فيها «نحن معكم».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...