التعليم الجامعي العربي يخاصم سوق العمل

التعليم الجامعي العربي يخاصم سوق العمل

الشهادات العليا لم تعد مفتاح تأمين وظائف لائقة
الاثنين - 22 ذو القعدة 1438 هـ - 14 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14139]
مظاهرة لخريجين جامعيين عاطلين عن العمل في غزة يطالبون بتوفير وظائف جديدة في القطاع (غيتي) - طلاب سعوديون يتلقون دورة مهنية في المعهد العالي لتصنيع البلاستيك في الرياض (غيتي)
الدمام: إيمان الخطاف - القاهرة: داليا عاصم - الخرطوم: أحمد يونس - تونس: المنجي السعيداني - عمّان: محمد الدعمة - دمشق - رام الله - الرباط - بيروت: «الشرق الأوسط»
بعدما كان التعليم الجامعي في الدول العربية طريقاً آمناً ومضموناً لتأمين وظائف لائقة عند التخرج، بات الخريجون اليوم يعانون من ظاهرة البطالة ليشعروا أن السنوات التي أمضوها بين المحاضرات والامتحانات ومشاريع التخرج ضاعت سدى. لأسباب قد تختلف من دولة عربية إلى أخرى، تواجه الشباب العربي صعوبات عدة تعرقل محاولاته للاندماج بسوق العمل. البعض يعاني من نظرة المجتمع «الدونية» للتخصصات الإنسانية، وآخرون يحرمهم انعدام الاستقرار في بلادهم أو ركود الاقتصاد من الوظيفة. الصعوبات متنوعة لكن الخلاصة واحدة، التعليم الجامعي العربي لا يلبي متطلبات سوق العمل.

- السعوديون يهجرون التعليم المهني

يكثر الحديث في السعودية عن وجود فجوة بين مخرجات التعليم العالي وحاجات سوق العمل، الأمر الذي دعا كثيرين من المختصين إلى المطالبة بأن تكون الجامعات السعودية قادرة على تلبية احتياجات السوق.

ويؤكد الدكتور فاروق الخطيب، أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبد العزيز، أن من أهم أسباب هذه الأزمة «عدم وجود تخطيط استراتيجي يكشف متطلبات كل قطاع من الأيدي العاملة السعودية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «التعليم لدينا حر، ومن الصعب إجبار الطلبة على الانخراط في تخصص معين». ورأى أن رخص الأيدي العاملة المستوردة أسهم بدوره في إبعاد الطلاب عن التعليم المهني والفني. وأضاف: «لابد من المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، بما يحقق «رؤية 2030»، كخطة لتطوير الاقتصاد وعلاج المشكلات الاقتصادية، وعلى رأسها مشكلة البطالة. وعن أكثر التخصصات العلمية طلباً في الوقت الراهن، يرى الخطيب أنها تتمثل بعلوم الاتصالات والهندسة والطب.

من ناحيته، يرى خالد الشنيبر، الرئيس التنفيذي لمجموعة «إكونسلت» للخدمات الاستشارية، أن بعض الجهات انشغل في ملف البطالة بإيجاد حلول للفجوة بين تكلفة العامل السعودي والعامل غير السعودي، وتأخر في إيجاد الحلول للفجوة بين احتياجات سوق العمل ومخرجات الجامعات والكليات. ويوضح أن «أهم التوجهات التي ينبغي العمل عليها بشكل عاجل هو توجه تحويل المسار للعاطلين من حملة التخصصات غير المرغوبة في سوق العمل وبسببها حصل تكدس لأعداد ليست بقليلة في قائمة المتعطلين». وعن جدوى إعادة النظر في التخصصات التعليمية، يقول الشنيبر «في الوقت الراهن نحتاج إلى التركيز على التعليم التقني والتدريب المهني وتكثيف الجهد لتحسين نوعية مخرجاتهم ومستويات المهارة المهنية».

أما الكاتب الدكتور إبراهيم باداود فيرى أنه «كلما كان هناك ترابط وتواصل وتنسيق بين الجهات التعليمية ممثلة في المدارس والمعاهد والجامعات وبين سوق العمل سواء كان القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، فإن هذا التنسيق يساهم بشكل كبير في استيعاب المخرجات التعليمية كافة في تلك القطاعات».

جدير بالذكر أن الهيئة العامة للإحصاء السعودية كانت قد كشفت في أبريل (نيسان) الماضي، أن معدل البطالة للسعوديين شهد ارتفاعاً طفيفاً وبلغ 12.3 في المائة بنهاية العام الماضي.

- جامعات سوريا... «ماكينات» لإنتاج الشهادات

تزداد الظاهرة تعقيداً في سوريا، ليس فقط من جراء الحرب، بل من جراء سياسات تعليمية متواصلة منذ عقود تحتكر التعليم أثمرت ملايين من حملة الشهادات العالية، باتت عبئاً ثقيلاً بعد أن عصفت ثورة التقنية والمعلومات بالعملية التعليمية وسوق العمل.

تعتمد الجامعات الحكومية المجانية، وعددها خمس جامعات موزعة في المدن الرئيسية، على المفاضلة في قبول الطلاب، على مرحلتين يتم عبرهما حساب المقاعد المتاحة لكل اختصاص ومقدار الطلب عليه. ويحدث أن راغباً بدراسة الطب يضطر إلى دراسة الهندسة، والراغب بدراسة الهندسة يذهب إلى الحقوق أو الآداب وهكذا. أما في الجامعات الخاصة وعددها نحو 17 جامعة، فالأمر مختلف إذ يدفع الطالب مبالغ باهظة لقاء تعلمه الاختصاص الراغب فيه وليس الذي يحتاجه.

أستاذ في جامعة خاصة، أفاد بوجود أكثر من خمسمائة ألف طالب جامعي سوري إما عاطلين عن العمل أو يعملون في غير مجال اختصاصهم. وقال: «للأسف جامعاتنا تحولت إلى ماكينات إنتاج للشهادات العلمية، بغض النظر عن مستوى التعليم الذي يعيش اليوم في أسوأ حالاته، إذ تنعدم إمكانيات تحسينه». وتحدثت أستاذة في إدارة الموارد البشرية متعاقدة مع إحدى المؤسسات التعليمية، عن إقبال الطلاب على دراسة اختصاصات غير مطلوبة في سوق العمل كالآداب والعلوم الإنسانية (لغة أجنبية، أدب عربي، فلسفة، تاريخ علم اجتماع... إلخ). والسبب أن معظم هؤلاء يرغبون بالحصول على شهادة جامعية لاعتبارات اجتماعية وحسب، فيما يتجهون بعدها لممارسة أعمال لا علاقة لها باختصاصهم. وتوقعت أن تكون نسبة الاحتياجات الوظيفية خلال السنوات العشر المقبلة «80 في المائة منها وظائف هندسية دقيقة وما لا يتعدى 20 في المائة وظائف إدارية». أما العلوم الإنسانية فالطلب عليها سيكون شبه محصور بـ«التربية والتعليم الحكوميين».

ومن المفارقات التي أوردتها أستاذة الموارد البشرية في حديثها تزايد إقبال الشابات السوريات على دراسة الصيدلة في الجامعات الخاصة، لزيادة فرص الزواج، فالشابة الحاصلة على شهادة صيدلة مشروع اقتصادي رابح لمن يقترن بها. ففي حال لم تعمل بشهادتها يمكن أن تؤجرها!

- عشرات آلاف الخريجين في فلسطين... والسوق صغيرة

لا يجد كثير من الخريجين في الضفة الغربية وقطاع غزة، عملاً فورياً. وعادة تستمر هذه المعاناة لسنوات طويلة، وقد تنتهي بالكثير منهم للعمل في مجالات أخرى.

ويتكرر هذا المشهد سنوياً. 13 جامعة تتنافس على استقطاب نحو 70 ألف طالب توجيهي، يتخرج منهم 40 ألفاً من الجامعات، يجد منهم نحو 8 آلاف فقط فرصة للعمل. أما الآخرون فيرفعون سنوياً من مستويات البطالة، من دون وضع الدولة أو الجامعات دراسة وخطة مسؤولة لتوجيه الطلاب نحو اختيار التخصصات المناسبة.

وبلغ معدل البطالة بين الخريجين الشباب 53 في المائة خلال الربع الأول من العام الحالي (36 في المائة للذكور و69 في المائة للإناث)، ليسجل الخريجون من تخصص العلوم الطبيعية أعلى معدل بطالة، إذ بلغ 70 في المائة (48 في المائة للذكور و78 في المائة للإناث)، بينما سجل الخريجون من تخصص الصحة أدنى معدل بطالة، إذ بلغ 32 في المائة (19 في المائة للذكور و49 في المائة للإناث). ويرى أستاذ الخدمة الاجتماعية مجدي ضيف أن «المشكلة مركبة، في طبيعة التخصصات في الجامعات، وفي طبيعة وحجم سوق العمل». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «السوق صغيرة، والشواغر قليلة والدولة هي المشغل الأكبر. وسنوياً هناك آلاف الخريجين لشواغر قليلة». وأضاف أن «الجامعات عموماً تعاني من عدم وجود مسارات متخصصة... توجد تخصصات عامة، لا يحتاجها السوق في الأغلب. هناك فجوة، ويحتاج الأمر إلى توجهات رسمية».

وفي الوقت الذي تضبط فيه الحكومة مسألة التوظيف وتسعى إلى إحالة آلاف من موظفيها على التقاعد بسبب الأزمة المالية التي تعاني منها، فإنها تقول إن سوق العمل (غير الحكومي) مشبعة.

ويرى كثير من المتخصصين والأكاديميين والخبراء في سوق العمل أن الحل هو التوجه إلى الحرف المهنية. وأخذت نقابات مهنية على عاتقها مناشدة الطلاب للتوجه إلى مكاتبها قبل اختيار تخصصات في المجال. أما من ينوون الالتحاق بوزارة التربية والتعليم فعليهم الانتظار لسنوات طويلة وتقديم امتحانات متتالية ودورات قبل أن يقع عليهم الاختيار بحسب الاحتياجات.

- خريجو الإنسانيات في مصر «من الدرجة الثانية»

في مصر، ظهرت معالم الظاهرة بوضوح قبل أكثر من ربع قرن، إذ يواجه طلاب أقسام العلوم الإنسانية نظرة دونية من المجتمع وكأنهم «خريجون من الدرجة الثانية»، باعتبار الدراسة تتطلب مجموع درجات أقل من نظيرتها العملية والتطبيقية، وبعدها يصطدمون برفض سوق العمل لهم باعتبار أن تخصصاتهم غير مطلوبة وغير نافعة. ويرى أستاذ التربية في جامعة القاهرة العميد الأسبق لمعهد الدراسات التربوية الدكتور سامي نصار أن «أزمة سوق العمل ليست مرتبطة بالعلوم الإنسانية في حد ذاتها، بل نجد أن خريجي العلوم البحتة كالكيمياء والرياضيات وغيرها يعانون من البطالة أيضاً». وعزا ذلك إلى أن «الأزمة ليست في التخصصات، بل في طرق تدريسها»، مؤكداً أنه «لا يوجد ربط بين مدخلات التعليم الجامعي ومخرجاته وسوق العمل». وأوضح أن «سوق العمل في العالم العربي لم تتطور بالقدر الكافي الذي يجعلها تستوعب أنواع التخصصات كافة. ومن ناحية أخرى، فإن الممارسات أو المهارات التي يتطلبها سوق العمل في مصر باتت تقليدية وبعيدة كل البعد عن مهارات القرن الحادي والعشرين».

ويعتبر نصار أن الحل يكمن في «ضرورة تدريب الطلاب منذ الصغر وقبل المراحل الجامعية على الاعتماد على أنفسهم في اكتساب المهارات التي تعطيهم الكفاءة العامة الأساسية، بحيث يمكنهم توظيف مهاراتهم في أي مجال من مجالات العمل». وتصطدم فكرة توجيه الطلاب إلى التخصصات بعقبات في مصر. ويعتقد أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة عين شمس الدكتور خلف الميري أنه «لا يمكن القول بإمكانية توجيه طلاب بأسرهم لدراسة تخصص أو تخصصات بعينها دون أخرى». وأضاف أن «جميع التخصصات تتكامل مع بعضها البعض، وكل منها ضروري للآخر وسند له في واقع التطبيق».

- كثرة الجامعات وراء بطالة حملة الشهادات في السودان

لا تقتصر بطالة خريجي الجامعات في السودان على كليات العلوم الإنسانية النظرية، بل تشمل حتى خريجي الكليات العلمية التطبيقية. فالجامعات تخرج سنوياً عشرات الآلاف من الطلاب يفوق حجمهم سوق العمل المحلي.

فبعد أن كان عدد الجامعات في السودان لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، فإن ما أطلق عليه «ثورة التعليم العالي»، رفع عددها إلى 35 جامعة حكومية و92 جامعة أو كلية جامعية أهلية، وفقاً لدليل القبول لمؤسسات التعليم العالي للعام الحالي. ويتخرج في هذه الجامعات أكثر من مائتي ألف سنوياً وهو ما لا تستطيع سوق العمل استيعاب نصفه. ويحمل خبراء «ثورة التعليم العالي» المسؤولية عن ارتفاع معدلات البطالة بين خريجي الجامعات. ويقول أستاذ التاريخ في جامعة الخرطوم الدكتور عمر حميدة إن «الجامعات اتجهت للاهتمام بالكم وليس النوعية، فاختفت المعاهد الوسيطة أو أغلقت وتحولت إلى جامعات تستوعب أعداداً كبيرة من الطلاب الذين تلقوا دراسات نظرية».

ليست الكليات النظرية وحدها في السودان هي المشكلة، ف«كليات المقدمة» التي تحرص الأسر على تعليم أبنائها فيها - الطب والهندسة والعلوم - يعاني خريجوها بطالة واسعة، بل إن مدير جامعة الأحفاد للبنات الدكتور قاسم بدري نصح ولي أمر إحدى الطالبات لإقناعها بالتخلي عن دراسة الطب في جامعته والتوجه لدراسة الإدارة بقوله: «هناك عشرة آلاف طبيب عاطلون عن العمل، وحين تتخرجين خلال ست سنوات دراسية فإن عددهم قد يصل عشرات الآلاف».

- تخصصات «وهمية» في تونس

تراجع خلال العقود الماضية إشعاع الاختصاصات الأدبية ومختلف العلوم الإنسانية وغيرها من الاختصاصات التي بات الطلاب في الجامعات التونسية يتوجهون لها مرغمين. وبات التركيز منصباً على المحاماة والطب والهندسة، واستشرت البطالة في الاختصاصات الإنسانية التي مثلت عبئاً على سوق العمل غير القادر على استيعاب نحو 70 ألف خريج جامعي سنوياً. ووفق خبراء تونسيين في مجال التربية والتعليم تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، فإن العائق الأهم الذي خلق مشكلات في الاختصاصات الجامعية يكمن في كثرة أعداد الطلاب الناجحين في امتحانات البكالوريا (الثانوية العامة).

ولم تكن الجامعة التونسية ممثلة إلا ببعض الاختصاصات الواضحة تمثلها أعداد قليلة من المؤسسات الجامعية، أما اليوم فإن عدد المؤسسات الجامعية بات بالمئات. وساهم النظام السابق بطريقة غير مباشرة في «تضخم» أعداد الطلبة في الجامعات من خلال إقرار احتساب نسبة 25 في المائة من المعدل السنوي ضمن معدل نهاية السنة وهو ما جعل الآلاف ينجحون بطريقة تكاد تكون آلية.

ونتيجة هذه الأعداد المتزايدة من الطلبة الذين فاق عددهم 350 ألف طالب، فقد فرض على السلطات التونسية البحث عن اختصاصات جامعية جديدة، وهو ما دفعها إلى اقتراح اختصاصات تكاد تكون «وهمية» وغير قابلة للتشغيل في السوق التونسية. وعانت تونس منذ عقود من ظاهرة البطالة المتزايدة في صفوف أصحاب الشهادات وعملت دون جدوى على ملاءمة البرامج التعليمية والتكوينية المختلفة لحاجة سوق العمل المحلية وتوقعاتها. وأظهرت الدراسات التي أجرتها وزارة التعليم العالي التونسية أن مسألة بطالة خريجي التعليم العالي ليست مرتبطة فقط بالجوانب الكمية، أي بأعداد خريجي الجامعات التونسية، بل أيضاً بجودة التكوين وطبيعة الشهادات المتحصل عليها والتخصصات التعليمية التي يتوجه نحوها الطلبة.

- دعوات مغربية لتحديث التخصصات والمناهج

يتفق المهتمون والمسؤولون في المغرب، على حد سواء، على أن المنظومة التعليمية الوطنية، تعاني، من أزمة، رغم كل المخططات العاجلة التي تم وضعها، على مدى العقود الماضية. وتبقى مسألة توجيه الطلبة إلى تخصص دون آخر لتلبية حاجات سوق العمل، ومدى قدرة هذه الأخيرة على استيعاب أعداد الخريجين، في التخصصات الأدبية والعلمية على حد سواء، من أهم التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية. وكان نقاش الحاجة إلى «مسالك (تخصصات) الآداب والفلسفة» آخر محطة في مسلسل أزمة التعليم في المغرب، خصوصاً بعد أن قال رئيس الوزراء السابق عبد الإله ابن كيران، قبل سنة إن هذه التخصصات «لا تُنتج الثروة».

وعلى عكس المراهنة على ربط التخصصات بمطالب سوق العمل، وتزايد وجهات النظر المتبرمة من مواصلة اعتماد تخصصات الآداب والعلوم الإنسانية، بشكل خاص، يرى آخرون أن المجتمع يحتاج العمل على مختلف التخصصات بغض النظر عن فائدتها المهنية لأصحابها.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية ومدير مختبر الدراسات الدولية حول إدارة الأزمات في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش إدريس لكريني أن «الحديث عن وجود تخصصات لا قيمة لها من منظور سوق العمل نقاش خاطئ». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «انفتاح الجامعات على محيطها الاجتماعي والاقتصادي لا يعني إهمال تخصصات معينة بقدر ما يتطلب مواكبة التحولات الجارية من خلال فتح تخصصات جديدة، وفي الوقت نفسه تطوير المناهج والمضامين الخاصة ببعض العلوم والتخصصات التقليدية عوض إلغائها أو القول بلا أهميتها».

وأضاف لكريني: «يبدو أن بعض المسؤولين يحاولون إفراغ بعض التخصصات من مضمونها، بالقول إن واقع التعليم يقتضي عدم الاهتمام بها، وهذا شيء يحتمل الكثير من الخطأ، خصوصاً أننا نعرف أن المنظومة التعليمية تعاني من تراكمات سلبية في جوانبها المنهجية وفي المضامين والبنية التحتية، وفي مدى مشاركة المعنيين في هذا القطاع في صنع السياسة التعليمية، في وقت يقتضي الإصلاح رؤية استراتيجية متكاملة تنفتح على التطورات العالمية وتتجاوز المقاربات الاستعجالية».

- القطاعات الأردنية راكدة ومشبعة

يسعى الأردن إلى ربط الإقبال على التخصصات التعليمية بعملية العرض والطلب في سوق العمل، خصوصاً أن الثقافة الشائعة بين الأردنيين تشجع الإقبال على التعليم الجامعي وعلى التخصصات العلمية، حتى باتت معظم القطاعات راكدة أو مشبعة، وفق ديوان الخدمة المدنية.

وقال رئيس هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها في الأردن الدكتور بشير الزعبي إن الجامعات الأردنية تخرج سنوياً أكثر من 50 ألف خريج في مختلف التخصصات، 55 في المائة منهم في العلوم الإنسانية واللغات. وأضاف أن الجامعات الأردنية البالغ عددها 32 جامعة، منها 22 جامعة خاصة، تضم على مقاعدها نحو 280 ألف طالب، منهم 40 ألفاً من الطلبة العرب والأجانب في مختلف التخصصات للبكالوريوس والدراسات العليا.

وأشار إلى أن مجلس التعليم العالي قرر قبل عام تخفيض نسبة القبول في التخصصات التي لا إقبال عليها بنسبة 10 في المائة سنوياً، لعمل موازنة بين المتوفر في السوق وحاجتها. وأكد أن التوجه العام لدى الحكومة هو تشجيع التوجه نحو التعليم الفني والتقني، وقد بدأت بعض الجامعات بهذه السياسة لتلبية حاجة السوق المحلية والأسواق المجاورة.

وأوضح الزعبي أن هيئة الاعتماد أخذت على عاتقها دعم مؤسسات التعليم العالي في تطبيق مؤشرات ومعايير التصنيف الأردني، وأنها وضعت المؤشرات والمعايير بشكل واضح وواقعي وقابل للقياس، وذلك لتحفيز المؤسسات على العمل بها.

- لبنان... جمود السوق وغياب الأرقام الرسمية

في لبنان لا إحصاءات ولا أرقام واضحة ورسمية حول الاختصاصات التي تشكل فائضاً كبيراً لا يستطيع سوق العمل استيعاب خريجيها، ويتسببون بمزيد من البطالة. أكثر من ذلك، ليس هناك تنسيق بين الوزارات المعنية والجامعات لتوجيه الطلاب صوب المهن التي تحتاجها البلاد وتعاني من نقص في إيجاد خريجيها. هذه شكوى رئيس «الاتحاد العمالي العام» في لبنان بشارة الأسمر الذي يعتبر أن هذه المشكلة تحديداً ستكون موضع اهتمام الاتحاد خلال الشهور المقبلة، لأن المعاناة صارت كبيرة، والمعالجة الرسمية شبه غائبة.

وإذا كان الرقم المتداول هو أن واحداً فقط من كل خمسة خريجين يجد عملاً في لبنان، فقد بات من الصعب الحديث عن اختصاصات مطلوبة فعلاً إذا ما استثنينا الاختصاصات المهنية التي لا تجد تشجيعاً من أسرة الطالب نفسه. فكما الاختصاصات الإنسانية مثل الحقوق والفلسفة والتاريخ والآداب على أنواعها، فيها فائض في الخريجين، كذلك الأمر بالنسبة لهندسة الكومبيوتر أو الهندسة بشكل عام حيث وصل عدد المهندسين في لبنان إلى 50 ألفاً.

أما خريجو الآداب، فحسب كثير من الأساتذة في اختصاصات إنسانية مختلفة فإن عدداً وافراً منهم تمتصه المدارس، كما أن خريجي الأدب الفرنسي والإنجليزي يتمكنون من الحصول على وظائف في الدولة، ويجتازون امتحانات «مجلس الخدمة المدنية». لكن الاختصاصين الأصعب حالاً، على ما يبدو هما الحقوق والعلوم السياسية، خصوصاً حين لا يجيد الخريج لغة أجنبية ويتمكن من اجتياز امتحانات قبول لوظائف الدولة.

وبالتالي فليس خريجو الإنسانيات هم الأسوأ حالاً بالضرورة، لكن الذين يدخلون المدارس المهنية هم الأسرع في الحصول على عمل، ومداخيلهم هي الأفضل بالنسبة لمستوى التعليم الذي يحصلون عليه.

يمكن اختصار الوضع على النحو التالي. المشكلة في لبنان ليست في نوعية الاختصاص وإنما محدودية حاجة السوق لكل المهن ووفرة الخريجين، مع جمود الدورة الاقتصادية، وغياب الدولة عن إجراء دراسات توضيحية، والتنسيق بين الشركات والجامعات لمعرفة بالحاجات إن وجدت.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة