عشرات القتلى والجرحى بتصادم قطارين في الإسكندرية

خادم الحرمين وولي العهد يعزيان السيسي... ورئيس الحكومة المصرية يوجه بمحاسبة المتسببين

مصريون يتجمعون حول حطام عربات القطارين عقب حادث التصادم (إ.ب.أ)
مصريون يتجمعون حول حطام عربات القطارين عقب حادث التصادم (إ.ب.أ)
TT

عشرات القتلى والجرحى بتصادم قطارين في الإسكندرية

مصريون يتجمعون حول حطام عربات القطارين عقب حادث التصادم (إ.ب.أ)
مصريون يتجمعون حول حطام عربات القطارين عقب حادث التصادم (إ.ب.أ)

لقي ما لا يقل عن 40 شخصا مصرعهم، وأصيب أكثر من 130، في حادث تصادم قطارين بمصر، التي تعد من أعلى معدلات حوادث القطارات في العالم بسبب سوء حالة كثير من القطارات مع رعونة القيادة للسائقين.
وبعث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ببرقية عزاء ومواساة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قال فيها: {علمنا بألم شديد بنبأ حادث تصادم قطارين بالقرب من مدينة الإسكندرية، وما نتج عنه من ضحايا وإصابات، وإننا إذ نبعث لفخامتكم ولأسر الضحايا ولشعب جمهورية مصر العربية الشقيق باسم شعب وحكومة المملكة العربية السعودية وباسمنا أحر التعازي وأصدق المواساة، لنرجو المولى سبحانه وتعالى أن يتغمّد المتوفين بواسع رحمته ومغفرته، ويلهم ذويهم الصبر والسلوان}.
كما أبرق نائب خادم الحرمين الشريفين الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز معزياً الرئيس السيسي، وقال: {تلقيت بحزن وأسى نبأ حادث تصادم قطارين بالقرب من مدينة الإسكندرية، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، وأعرب لفخامتكم ولأسر الضحايا كافة عن بالغ التعازي وصادق المواساة}.
وجاء الحادث بعد أيام من تداول فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يرصد خمسة من سائقي القطارات وهم يشربون مخدر «الحشيش» داخل كابينة قيادة قطار مصري ويرقصون على إيقاع أغنية شعبية، ويقول أحدهم: «خلي بالك من السكة الحديد».
وهو الفيديو الذي أثار حالة من الجدل في الشارع المصري، الأمر الذي دفع الهيئة القومية لسكك حديد مصر، لوقف سائقي القطار الذين ظهروا في مقطع الفيديو، فيما قررت هيئة النيابة الإدارية فتح تحقيق في الواقعة، لأن فيها استهتارا بالغا بأرواح المواطنين وسلامتهم.
وسجلت حوادث القطارات في مصر مؤشرا مفزعا يفوق المعدلات العالمية حيث تقدر بـ1400 حادث سنوي وفق إحصاءات رسمية في مشهد متكرر من حوادث تصادم القطارات رغم الوعود الحكومية بوضع حلول لتلك الكوارث.
وأعلنت وزارة الصحة أمس أن 40 شخصا على الأقل لقوا مصرعهم، وأصيب 133 آخرون، مؤكدة أن هذا حصر مبدئي، وهناك توقعات بارتفاع الأعداد.
وأوضحت الوزارة أنه «تم نقل المصابين للمستشفيات وما زالوا يخضعون للعلاج والملاحظة، فيما تنوعت الإصابات ما بين جروح بالرأس وكسور، وكدمات شديدة بالصدر والرأس، وأنه تم رفع حالة الطوارئ بجميع المستشفيات بالإسكندرية لاستقبال المصابين وتوفير كميات الدم اللازمة واستعداد غرف العمليات».
وأعلنت هيئة السكك الحديدية اصطدام قطار «رقم 13» إكسبريس (القاهرة - الإسكندرية) بمؤخرة قطار «رقم 571» (بورسعيد - الإسكندرية) بالقرب من محطة خورشيد على خط (القاهرة - الإسكندرية) مما أدى إلى وقوع إصابات وقتلى بين الركاب.
وأوضحت الهيئة في بيان لها أمس، أنه نتيجة اصطدام قطار 13 بمؤخرة قطار 571 نتج عن الحادث سقوط جرار القطار الأول وعربتين من مؤخرة القطار الثاني وإصابة عدد من الركاب. وأشار البيان إلى أنه تم تشكيل لجنة والدفع بأوناش السكة الحديد بمنطقة غرب الدلتا لرفع العربتين والجرار من على القضبان.
وكشفت مصادر بالسكة الحديد عن أن القطار رقم 571 القادم من بورسعيد كان متوقفا بالخط الطولي بمحطة خورشيد على مدخل الإسكندرية بسبب حدوث عطل فني به أثناء رحلته، قبل أن يأتي القطار الآخر رقم 13 القادم من القاهرة ويصطدم به من الخلف بقوة، مما أدى إلى انقلابه من على شريط السكة الحديد، مرجعة أن يكون التصادم نتيجة تجاوز سائق القطار رقم 13 للسرعة المقررة.
وقالت المصادر إن «سائق القطار تجاوز السرعة والسيمافورات التي كانت تسبق القطار رقم 571، رغم أنه كان مفترضا أن يتوقف قبل القطار الآخر المتعطل بما لا يقل عن 600 متر على الأقل وفقا للائحة التشغيل؛ فإن تجاوزه للسرعة أدى للتصادم وعدم قدرته على التوقف».
ووصل إلى مكان الحادث وزراء النقل، والتنمية المحلية، والتضامن الاجتماعي، وقالت المصادر في السكة الحديد إنه تم التحفظ على مراقب البرج، لحين وصوله لمعرفة الأسباب الفعلية للحادث، كما توجهت أوناش السكة الحديد إلى موقع الحادث استعدادا لرفع آثار الحادث بعد قرار النيابة العامة.
من جانبه، وجه شريف إسماعيل رئيس الوزراء، وزير النقل الدكتور هشام عرفات، بإعداد تقرير عن تفاصيل الحادث وإجراء تحقيق فوري لتحديد المسؤولين عنه، والأسباب التي أدت إلى وقوعه، كما وجه بالتأكد من الالتزام بكل القواعد والمعايير المنظمة لسير القطارات ومرورها عبر المزلقانات.
وقال مصدر مسؤول إن رئيس الوزراء وجه وزارة الصحة بمتابعة جهود الإنقاذ ونقل المصابين إلى المستشفيات، وشدد على توفير كل سبل الرعاية الصحية للمصابين وإنهاء الإجراءات اللازمة للوفيات.
مضيفا أن «رئيس الوزراء وجه أيضا وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي بصرف مبالغ مالية مساعدة لأسرة كل متوفى ومصاب، وتقديم الرعاية لأسرهم».
واعتاد المصريون سماع أنباء عن وقوع حوادث تصادم قطارات بين الحين والآخر، وتعتبر تلك الحوادث وما ينتج عنها من فقد لموارد بشرية ومادية تقدر بملايين الدولارات سنويا من أهم الظواهر التي تواجه مصر، وزاد من خطورتها تزايد أعداد السكان والمركبات مع عدم تطور ثاني أقدم شبكة للسكك الحديدية في العالم، وعدم توافر المواصفات الفنية والقياسية في بعض جرارات القطارات... ويشار إلى أن مصر كانت الثانية على مستوى العالم في قطاع السكك الحديدية بعد بريطانيا، والآن أصبحت رقم 78 بسبب الإهمال.
وأكد الدكتور محمد سلطان محافظ الإسكندرية في تصريح خاص له، أن سبب وقوع حادث التصادم هو إصدار إشارة خاطئة من سيمافور، أصدرها العامل المختص بالسكة الحديد، وأسفرت عن تحرك القطار المتحرك على قضبان القطار المتوقف نفسه وتسبب في وقوع الحادث، لافتا إلى أنه «جار حصر الأعداد بدقة».
من جانبه، أمر النائب العام المصري المستشار نبيل صادق بفتح تحقيق عاجل في حادث تصادم قطارين بالإسكندرية. ويرى خبراء أن تصادم القطارات يرجع إلى عدة عوامل منها «سوء حالة قطاع السكة الحديد وتهالك العربات والقطارات ورعونة القيادة. ويوجد في مصر قرابة 1337 مزلقانا معترفا به إلى جانب مناطق عبور يقيمها المواطنون بشكل غير شرعي، وهي أحد أسباب حوادث القطارات. بينما يؤكد المسؤولون أن العامل البشري مسؤول عن أغلب الحوادث». ووفقا للمصادر في السكة الحديد أن إصلاح منظومة السكك الحديدية المصرية عموما يحتاج إلى 70 مليار جنيه.
ودخل على خط الأزمة البرلمان المصري، وعلمت «الشرق الأوسط» أن لجنة النقل بمجلس النواب ستعقد اجتماعا عاجلا خلال ساعات للوقوف على ملابسات الحادث، وستطالب بمحاسبة المتسبب، كما ستطالب خلال الاجتماع بضرورة وضع خطة لتطوير منظومة السكة الحديد على مستوى مصر، تعتمد على تطوير المزلقانات والمحطات والقطارات بشكل عام... فضلا عن إقالة وزير النقل.

أشهر حوادث القطارات في مصر
- حادث قطار العياط الذي وقع في فبراير (شباط) عام 2002 يعد من أسوأ حوادث القطارات التي عرفتها مصر في العقود الأخيرة، حيث اندلعت النيران بعربات القطار رقم ‏832‏ المتوجه من القاهرة لأسوان عشية ليلة عيد الأضحى، وراح ضحيته عشرات من المسافرين لقضاء إجازة العيد، بعد أن تابع القطار سيره لمسافة 9 كيلومترات والنيران مشتعلة فيه، وهو ما اضطر المسافرون للقفز من النوافذ... ولم يصدر حينها أي بيان رسمي بحصيلة العدد النهائي للقتلى، وذكرت بعض المصادر أن عدد الضحايا تجاوز ألف قتيل.
- في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2009 وقع ثاني أسوأ حوادث القطارات في مدينة العياط، حيث اصطدم أحد القطارات بآخر، ما أودى بحياة 30 مواطنا وإصابة 60 آخرين، نتيجة تعطل القطار الأول ليصطدم به الثاني من الخلف، ما أدى لانقلاب 4 عربات من القطار الأول، وبعدها تقدم وزير النقل الأسبق محمد لطفي منصور باستقالته.
- وفي أكتوبر عام 1998 اصطدم قطار بالقرب من مدينة الإسكندرية بإحدى الكتل الإسمنتية الضخمة، ما أدى إلى اندفاعها نحو الموجودين بالقرب من المكان وخرج القطار نحو إحدى الأسواق المزدحمة بالبائعين المتجولين ليودي بحياة 50 شخصا وإصابة أكثر من 80 آخرين.
- وفي أغسطس (آب) عام 2006 اصطدم قطاران أحدهما قادم من المنصورة متجها إلى القاهرة، والآخر قادم من بنها على الاتجاه نفسه، ما أدى إلى وقوع تصادم عنيف بين القطارين، واختلفت الإحصاءات عن عدد القتلى وقد بلغ عدد الضحايا أكثر من 50 قتيلا و163 مصابا.
- وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2012 بالقرب من مركز منفلوط عند قرية المندرة التابعة لمحافظة آسيوط، اصطدمت حافلة مدرسية كانت تستقل العشرات من الأطفال بإحدى القطارات، وذلك أثناء مرورها بـ«المزلقان» وراح ضحية هذا الحادث سائق الحافلة والمشرفة التي كانت ترافق الطلاب و50 تلميذا... وسادت حالة من الحزن جميع أنحاء البلاد بسبب هذا الحادث الذي راح ضحيته العشرات من الأبرياء.
- وفي يناير (كانون الثاني) عام 2013 اصطدم قطار يقل مجندين بقطار آخر قادما من الصعيد ومتجها إلى القاهرة بمدينة البدرشين بمحافظة الجيزة بالقرب من كوبري أبو ربع، وأدى هذا الحادث إلى وفاة 18 مجندا، وإصابة 120 آخرين.

مصريون يتجمعون حول حطام عربات القطارين عقب حادث التصادم (إ.ب.أ)



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.