هند مودي... القومية بدل الإصلاح؟

جعل من «عدم الانحياز» ذكرى بعيدة بتعزيزه العلاقات مع واشنطن وتل أبيب

هند مودي... القومية بدل الإصلاح؟
TT

هند مودي... القومية بدل الإصلاح؟

هند مودي... القومية بدل الإصلاح؟

رافقت راما نيغام في يوليو (تموز) 2015 عُمّالاً إلى بيت جدتها في قرية موخراي بولاية أوتار براديش المكتظة، لتشرف على بناء دورة مياه، في إطار برنامج «الهند النظيفة» الذي أطلقه رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وتعهد مودي في حملته الانتخابية لعام 2014 بتزويد 60 مليون بيت بدورات مياه صحية، تحافظ على نظافة المدن والقرى وتحارب تلوث المياه وانتشار الأوبئة في مناطق الهند الفقيرة، ما يؤدي إلى 80 في المائة من حالات المرض وإلى موت أطفال تحت سن الخامسة، بحسب منظمة «يونيسيف».
اليوم، بعد سنتين على دخول دورة المياه بيت جدة نيغام، وقبل أيام من الذكرى السبعين للاستقلال، تعتبر الشابة العشرينية أن رجل الهند القوي متقدم في برنامج الإصلاحات الغني الذي وعد به مواطنيه، مبدية رغم ذلك تخوفاً مما اعتبرته احتقاناً للتوترات بين مختلف مكونات المجتمع (خصوصاً الهندوسية والمسلمة منها) وازدياد الجدل حول جرائم القتل بتهمة «امتلاك لحم البقر»، وبطالة الشباب.
نجح مودي في اكتساب شعبية قد تكون الأكبر منذ عقود في الهند، فحزب الشعب الحاكم «بهاراتيا جاناتا» يتمتع بغالبية كبيرة في الغرفة السفلى في البرلمان، ويسيطر على معظم الولايات الكبيرة في البلاد. كما فاز بانتخابات محلية عديدة، ويتوقع أن يفوز في الانتخابات العامة لعام 2019، فيما تجد المعارضة نفسها يائسة وغير قادرة على تحقيق أي انتصار تشريعي مؤثر.
في الوقت الذي يسجل فيه الاقتصاد الهندي تباطؤاً بنمو لم يتجاوز 6.1 في المائة حتى مارس (آذار) الماضي، يرى المراقبون أن الظروف السياسية والاقتصادية ملائمة أكثر من أي وقت مضى لتحقيق حكومة مودي سلسلة الإصلاحات التي انتُخِب على أساسها. وتشمل هذه إلى جانب مشروع «الهند النظيفة» بحلول 2019، إصلاح قانون الإفلاس واعتماد ضريبة موحدة على السلع والخدمات وتعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر. وبينما حقق مودي عدداً من وعوده الاقتصادية، كتوحيد نظام الضرائب على السلع وقانون الإفلاس، لم يُقنِع أداؤه المراقبين الدوليين بعد تراجع الهند إلى المرتبة الثانية كأسرع نمو في العالم لاقتصاد كبير، بعد الصين. ورأت مجلة «إيكونوميست» البريطانية أن هذه الخطوات، رغم كونها مهمة، تبقى بسيطة أمام التحديات الاقتصادية الحقيقية كنظام مالي تسيطر عليه مصارف حكومية مثقلة بالديون، ما أدى إلى تراجع الإقراض لقطاع الأعمال إلى أدنى مستوياته في عشرين عاماً، وصعوبة شراء الأراضي، وقوانين العمل «المتصلبة».
ورأى غورشوران داس، وهو محلّل اقتصادي هندي تحدث إلى صحيفة «الغارديان» البريطانية، أن قرار مودي سحب الأوراق النقدية من قيمة 500 و1000 روبية «تسبب بتراجع حاد في قطاعات الصناعة والبناء، ما جعل مهمة خلق فرص عمل للخريجين الجدد صعبة للغاية».
وبهذا الصدد، كان رئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ قد انتقد، العام الماضي، حكومة خلفه لفشلها في استغلال أسعار السلع المنخفضة لتعزيز النمو الاقتصادي. وقال سينغ لمجلة «إنديا توداي» في مقابلة إن «حكومة مودي يجب أن تستغل تحسّن الأوضاع المالية في الهند، لتعزيز الاستثمار في الاقتصاد وزيادة التوافر الائتماني للشركات». وأضاف سينغ الذي يعتبر مهندس الإصلاحات الاقتصادية التي أدت إلى سنوات من النمو السريع، أن «الحكومة لم تتمكن من الاستفادة من تراجع أسعار النفط وأسعار السلع التي خفّضت فاتورة الواردات الهندية».
ويبدو أن تراجع النمو وفرص العمل لم يؤثر على شعبية مودي داخل حزبه، إذ يتكئ على سياسات يعتبرها البعض قومية، كإصداره قرار حظر بيع الأبقار لحمايتها من الذبح، وهي خطوة جمّدتها المحكمة العليا.

صعود القومية الهندوسية على حساب العلمانية
لم تقتصر الانتقادات لأداء مودي في رئاسة الوزراء الهندية على هفوات أدائه الاقتصادي، بل عبّر كثيرون في الداخل والخارج عن قلقهم من تنامي العنف في كشمير الهندية، وتكرر حوادث عنف من قوميين هندوس ضد مواطنين بحجة أكلهم لحم البقر أو بيعه، ما أدى إلى مقتل عشرات المسلمين. وأدى تعيين رئيس الوزراء لرجل الدين الهندوسي المتشدد يوغي أديتيانات في منصب الوزير الأول لولاية أوتار براديش إلى جدل واسع في البلاد، نظراً إلى تعليقات الأخير الإقصائية والمسيئة للمسلمين، وإعلانه في أحد التجمعات الشعبية عن استعداده لـ«حرب ديانات».
وخلال عهده، أصبح التعصب سمة بارزة في الحياة السياسية، ما اعتبرته إحدى افتتاحيات صحيفة «نيويورك تايمز» تهديداً لأساس الدولة العلمانية والديمقراطية الهندية. ودعت مؤسسات المجتمع المدني الهندي ونجوم بوليوود أمثال شاروخان وأمير خان وغيرهما، إلى الابتعاد عن سياسات التعصب.
وخلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، دعا السيناتور الديمقراطي تيم كاردين رئيس الوزراء الهندي إلى مواجهة التعصب الديني في بلاده، وعمليات القتل الخارجة على القانون وتفشي الفساد.
ويرجع البعض هذا التوجه السياسي الداخلي لمودي، الذي أكسبه سلطة كبيرة داخل حزبه «بهاراتيا جاناتا» وفي البرلمان، إلى تاريخه السياسي. وبرز بائع الشاي السابق في محطة فادناغر للقطارات داعماً لحركة اجتماعية يمينية هندوسية في السبعينات، نقلته عام 1988 إلى «حزب الشعب الهندي» الذي انتُخِب أميناً عاماً له عام 1998 في ولاية غوجارات.
وفي عام 2001، انتخب مودي رئيساً للولاية التي شهدت أحداث شغب بين الهندوس والمسلمين راح ضحيتها أكثر من ألف شخص، معظمهم من المسلمين، وانتقد فيها لعدم القيام بما يكفي لوقف الاشتباكات. ورغم تبرئته من محكمة عليا، فإن مودي لا يزال يتعرض لانتقاد شديد لعدم اعتذاره عما حصل.

ذكرى «عدم الانحياز» والتقارب مع أميركا
أعلن مودي في مقال رأي له نُشِر بصحيفة «وول ستريت جورنال»، قبل يوم من لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن، أنه واثق من نمو التقارب بين الهند والولايات المتحدة. وعزا الثقة إلى «قوة قيمنا المشتركة واستقرار أنظمتنا»، مشيداً بزيادة «التقارب» بين المصالح والمثل الهندية - الأميركية.
لم تأتِ هذه العبارات المرحِّبَة بتقارب أميركي - هندي من فراغ، إذ شرع مودي منذ تسلُّمه رئاسة الوزراء في 2014 في إعادة هيكلة دور الهند في آسيا، طامعاً في مواجهة النفوذ الصيني في المنطقة عبر تعزيز علاقاته بواشنطن. ويوضح الزميلان هارش بانت ويوغيش جوشي في معهد «تشاتام هاوس» البريطاني، أنه على عكس الحكومات السابقة، يقود مودي «سياسة إعادة انحياز» تضع دلهي ضمن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. ويتابع الباحثان في دراسة تحليلية للعلاقات الأميركية - الهندية أن توجّه مودي المخالف لسياسات الحكومات السابقة يعود إلى ثلاثة عوامل: الأول يتعلّق باقتناع القائد الهندي بأن طموح بلاده الاقتصادي لن يتحقق بمعزل عن تعاون وثيق مع الولايات المتحدة. أما الثاني، فيعود إلى القوة التي يتمتع بها داخل حزبه الحاكم وفي الغرفة السفلى للبرلمان، فيما يتعلق الأخير بالمتغيرات الأمنية على الحدود الهندية التي رافقت سياسات الصين العدوانية ودعمها الاستراتيجي لباكستان.
منذ نهاية الحرب الباردة، أكدت الحكومات الهندية المتعاقبة التزامها بعلاقات جيدة مع واشنطن، إلا أن توازن القوى السياسية داخل الهند وبقايا سياسات حركة عدم الانحياز لم تشجعها على تحقيق تقارب وثيق مع الحليف الغربي وإبداء قطيعة تامّة مع السياسة الخارجية المعتمدة منذ سنوات.

تودد استراتيجي لإسرائيل
في سياق آخر، شكّلت زيارة مودي إلى إسرائيل الشهر الماضي سابقة، إذ جعلت منه أول رئيس حكومة هندي على الإطلاق يزور تل أبيب. كما أنه لم يسافر إلى رام الله ولم يلتقِ الزعماء الفلسطينيين، كما هي العادة مع الزوار البارزين. ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارة مودي بأنها «تاريخية»، وقال إنها «ستعمق التعاون في عدد واسع من المجالات، بينها الأمن والزراعة والمياه والطاقة».
واعتبر كثير من المراقبين هذه الزيارة نقطة تحول في موقف الهند إزاء إسرائيل. فعندما يتعلق الأمر بالعلاقات الهندية - الإسرائيلية، فمن الصعب تماماً تجاهل القضية الفلسطينية، إذ بدأ التضامن الهندي مع الشعب الفلسطيني منذ عهد الراحل نهرو. وأدى قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في عام 1947 إلى نشوب الصراع غير المنتهي في منطقة غرب آسيا. وصوتت الهند ضد قرار تقسيم فلسطين الذي مهد الطريق لإنشاء دولة إسرائيل.
ورفضت دلهي إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل لأكثر من أربعة عقود حتى عام 1992. ورغم التحول في موقف رئيس الوزراء الهندي السابق بي في ناراسيمها راو، فإن الهند ظلت في طليعة الدول الداعمة للقضية الفلسطينية، حتى بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة على مستوى السفراء مع تل أبيب. وفي الواقع، رفض رئيس الوزراء السابق أتال بيهاري فاجبايي، حين كان زعيماً لحزب «بهاراتيا جاناتا» الهندي الحاكم وقتذاك، الطلب الإسرائيلي بأن تدرج الهند حركة «حماس» على قائمة المنظمات الإرهابية. لكن الأمر برمته تغير في عام 2014 بعد تولي حكومة الحزب نفسه الحكم في الهند تحت قيادة مودي.
وبمرور السنين، خففت الحكومات الهندية المتعاقبة من حدة لهجتها حيال المعاملة الإسرائيلية للفلسطينيين. ولم تعد الهند تقدم مشروعات القرارات المعادية لإسرائيل في الأمم المتحدة، واتخذت محاولات جادة لتلطيف قرارات حركة عدم الانحياز ضد الدولة العبرية.
ورغم اختلافهما حول القضية الفلسطينية، فإن الهند وإسرائيل عملتا، على مدى سنوات، عن كثب في القضايا الدفاعية، وكانت الهند من المشترين المنتظمين للسلاح من إسرائيل. والهند التي تعمل لتحديث جيشها لمواجهة باكستان والصين، هي أكبر سوق للسلاح الإسرائيلي، ويُعتَقَد أنها تشتري من تل أبيب أسلحة تبلغ قيمتها السنوية مليار دولار، حسب وكالة «رويترز».
ولمودي في هذا التوجه دور كبير، إذ ربطته علاقات طويلة مع إسرائيل التي زارها عندما كان رئيساً لوزراء ولاية غوجارات الهندية في 2006. وحين تولى رئاسة وزراء البلاد التقى مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العام للأمم المتحدة في دورتها السنوية التي عُقِدت العام الماضي.
ويقول مراقبون إنه من الناحية الآيديولوجية، ينتمي نتنياهو ومودي إلى المدرسة القومية ذاتها، فكلاهما يؤمن بالقومية وبـ«أصالة» عرقيهما وثقافتيهما وديانتيهما، في حين كانت القيادة الهندية السابقة تؤمن بالتنوع. ويتابع أن السبب الثاني لاهتمام مودي الفائق بإسرائيل هو أنه يعتبرها «مفتاحاً لأميركا»، ويود تحقيق توازن في ترسانة بلاده العسكرية التي تتكئ اليوم بشكل كبير على روسيا. في الوقت نفسه، يعتبر مودي أن دول الشرق الأوسط تميل إلى باكستان أكثر من الهند لاعتبارات دينية، وأن الوجود الباكستاني في الجيوش العربية كبير. ويحاول مواجهة هذا التقارب كذلك بالميل إلى إيران، عبر الاستثمار في مشاريع اقتصادية كبيرة، مثل مشروع تشابهار جنوب محافظة بلوشستان.

المعادلة الهندية - الصينية وتهديد التصعيد
لا يكون الحديث عن مكانة الهند في المنطقة كاملاً من دون التطرق إلى المقاربة الهندية - الصينية الاقتصادية والأمنية والسياسية. فالصين هي ثالث أكثر دولة في العالم تتشارك حدودها مع دول مجاورة، بعد روسيا وإيران، وتعاني من مشكلات حدودية متفاوتة الحدة مع معظم «جاراتها». وقارن أحد المحللين المخضرمين الصين بـ«جزيرة» ليست محاطة بالبحر، بل بخصوم. وتسعى بكين إلى الخروج من هذه العزلة بأسلوبين اثنين؛ الأول عبر الاستثمار في مشاريع اقتصادية بدول الجوار، وأبرز مثال على ذلك هو طريق الحرير الجديد الذي يُقيَّم بنحو تريليون دولار، ويهدف إلى تشييد سكك حديدية تمر عبر بلدان عدة ومشاريع اقتصادية في قرغيزستان وكازاخستان وتركمنستان وباكستان وغيرها.
في الوقت ذاته، يتخوف الصينيون من إحياء العلاقة الوثيقة التي جمعت روسيا والهند في الستينات، حيث قامت حروب بين هاتين الدولتين والصين. فانتصر الروس في حربهم على الصينيين وغزوا أراضي شاسعة على طول نهر أوسوري. وفي المقابل، خسرت الهند أمام الصين في عام 1962 أراضي في كشمير وشمال بوتان وغيرهما. ولا تزال فكرة الانتقام لهذه الحروب حاضرة في أذهان القادة الهنود، ويغذي هذا الطموح الدعم الصيني القوي لباكستان، عدو الهند الأول.
يُشار إلى أن بكين بدورها تتخوف من الصعود الهندي لأسباب عدة، أحدها يتعلّق بالنمو الديموغرافي. ففي وقت اعتمدت بكين سياسة الطفل الواحد، لم تتدخّل نيودلهي في تحديد النسل، وهي اليوم في طريقها لتصبح الدولة الأكبر في العالم من حيث عدد السكان الشباب.
أما التخوف الصيني الآخر، فيكمن في النموذج الاقتصادي. تعتمد الصين بالدرجة الأولى على تصدير منتجات رخيصة الثمن إلى الخارج، وتساعدها في ذلك التكاليف المنخفضة لليد العاملة. أما الهند، فتعتمد على نظام اقتصادي يقوم على إشباع السوق المحلية الضخمة أولاً ثم تصدير ما تبقى إلى الخارج.
النقطة الثالثة والأخيرة هي أن ديمقراطية الهند تقلق الجارة الصينية ذات الحزب الواحد، خصوصاً أن وسائل التواصل الحديثة تتيح للصينيين الاحتجاج ضد نظامهم السياسي والمطالبة بتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وحرياتهم.
وفيما يُعتبر رداً صينياً على «التهديد» الهندي، اعتمدت بكين سياسة تكاد تكون استفزازية تجاه نيودلهي عبر «طريق الحرير الجديد» الذي يشكل، في نظر الهنود، مشروعاً لتطويق البلاد عسكرياً، إذ إن الصين ستصبح موجودة غربَ الهند فضلاً عن شمالها وشرقها.
بالإضافة إلى ذلك، شرعت بكين في بناء طريق عسكرية بالقرب من بوتان ستسهل اجتياح هذه المملكة الصغيرة، ما يتيح الوصول إلى الحدود الشرقية الهندية. وفي هذا الصدد، طالب الزعيم الروحي للتبت الدالاي لاما، الأربعاء الماضي، الصين والهند، بالعمل على حل المواجهة الحدودية بينهما من خلال الحوار، بعد أن أظهر الخلاف المتسارع غياب أي إشارة لتخفيف التوتر. وقال حامل نوبل في العاصمة الهندية إن «هذا (الحوار) هو السبيل الوحيد». ونقلت عنه وكالة أنباء «برس تراست» الهندية أن «تراجع طرف وهزيمته هو تفكير قديم. في الأزمنة الحديثة كل بلد يعتمد على الآخر»، لافتاً إلى أن «تدمير جارك هو تدمير لذاتك، على الهند والصين أن تتعايشا جنباً إلى جنب». ويعيش الراهب البوذي البالغ 82 عاماً في المنفى في الهند منذ هروبه، إثر انتفاضة فاشلة في التبت قبل 60 عاماً. ويعتبر وجوده في الهند منذ وقت طويل مصدر توتر في العلاقة الشائكة أساساً بين دلهي وبكين.
وتمركزت القوات الهندية في الأيام الماضية في مواجهة القوات الصينية في هضبة نائية، لكنها مهمة استراتيجياً في الهيمالايا، حيث تلتقي أراضي الهند والصين وبوتان. وتعطي الهضبة الصين مدخلاً إلى ما يسمى «عنق الدجاجة»، وهي قطعة ضيقة من الأرض تصل ولايات الهند الشمالية الشرقية ببقية البلاد. ويستعر الخلاف الحدودي منذ أكثر من شهر بعد رفض دلهي وبكين التراجع في هذه الهضبة البعيدة.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.