السينما السورية تعيش الحرب بلحظاتها الحرجة

أفلام مع النظام وأخرى ضده والصراع جار

«ذاكرة باللون الكاكي» - «تسعة أيام  من نافذتي في حلب»
«ذاكرة باللون الكاكي» - «تسعة أيام من نافذتي في حلب»
TT

السينما السورية تعيش الحرب بلحظاتها الحرجة

«ذاكرة باللون الكاكي» - «تسعة أيام  من نافذتي في حلب»
«ذاكرة باللون الكاكي» - «تسعة أيام من نافذتي في حلب»

إذ تستمر الحرب في سوريا عاماً بعد عام مع ضحايا معظمهم من الأبرياء، وبطرفي نزاع كل يتبنّى خطاً مناهضاً للآخر وينادي بإبادة الآخر دون أن يقدر عليه، ترتفع الأفلام السورية الحديثة حول هذه الحرب فوق الكثير من الإنتاجات العربية الأخرى وتتنوّع بين أفلام مع وأفلام ضد وأفلام غير منحازة. سبب ارتفاع هذه الأفلام عن سواها يعود إلى أنها تروي قصص حرب دامية لا تريد أن تنتهي. ليست الأولى (الحرب الأهلية اللبنانية سبقتها) وليست الوحيدة (العراقية توازيها) لكنها الحرب الأهم والأكبر ومصيرها مجهول بعد 6 سنوات من الطحن.
الأفلام التي دارت حولها تختلف عن تلك التي دارت حول الحرب العراقية مثلاً. بالتأكيد تختلف عن كل ما يتم إنتاجه من أفلام عربية هذه الأيام كون هذه الأفلام بعيدة عن التعاطي مع هذا الوضع إلا فيما ندر. إنها أفلام في الحرب وعن الحرب وتأتي لكي تحمل شهادة أو تدلي بتعليق أو تصوّر وضعاً مأساوياً تلو الآخر. هي أفلام معارك طاحنة وذكريات منهكة. ما يميل منها لطرح موقف ضد النظام، وتلك التي تميل لطرح موقف ضد المعارضة تتشاركان في الانقسام الحاضر ذاته، ولا تضيف إليه شيئا يذكر على الصعيد الدرامي، وعلى مستوى أحداث الفيلم كخط سياسي.
كله بات معروفاً وكله بات سهل التعليق عليه والأصوات دوماً ترتفع بما يناسب الطرف الذي ترتفع منه. ما يميّز فيلم عن آخر هو مستواه الفني. تلك القيمة التي إن وجدت حفظت الفيلم للأبد بصرف النظر عن موقفه، وإن لم تتواجد دفعت الفيلم بعيداً عن الذاكرة صوب نسيان سريع.

رجال حلب
منذ البداية وردت الأفلام التي تحمل تعابير مختلفة حول الحرب السورية. فيلم محمد سويد «بلح تعلق تحت قلعة حلب» وفيلم محمد ملص «سلم إلى دمشق» وقبلهما فيلم «مياه الفضة» لأسامة محمد، هي من بين تلك التي وردت باكراً وعزفت على ألحان مختلفة. أفضلها فيلم محمد ملص الذي رمز إلى تطلعات الشعب إلى الحرية.
الفارق الأهم بين تلك الأفلام الأولى وسواها هي أن أفلام العامين الماضيين شهدت تكاملاً أكبر لعناصر العمل. الحرب الدائرة باتت واضحة الأسباب والغايات، وإن ما زالت النتائج النهائية غامضة. لكن في ذلك الوضوح ما يكفي لاتخاذ موقف والدفاع عنه أو اتخاذه والمتاجرة به. وإذا كان فيلم «ماء الفضة» في نهاية أمره عن مخرجه أكثر مما هو عما وقع و«بلح تعلق تحت قلعة حلب» بدا تجميع مشاهد مصوّرة من أكثر من فريق عمل، فإن الأفلام التي وقفت - مثلهما - في صف المعارضة استفادت من الزمن المطوي وسعت لتقديم أعمال مدروسة حول الوضع القائم. ليس كلها بالطبع لكن فيلم «آخر رجال في حلب» لفراس فيّاض و«ذاكرة باللون الكاكي» للمخرج ألفوز طنجور، هما مثالان رائعان في كيفية تحقيق فيلم يفي بالمطلوب طرحه فكرياً من دون خلل فني يعيق تميّز العمل وانتسابه إلى السينما وليس إلى المنشور الخطابي.
في «ذاكرة باللون الكاكي» يأتي المضمون السياسي والإنساني، الذي يعيد الحرب القائمة إلى الثمانينات حين وقعت مجزرة حماة، قوياً ومدهماً لكن هذا الموقف لم يكن ليتبدى بهذا القدر من القوّة والتأثير لولا نجاح المخرج في رفع أدواته الفنية وقدرته على متابعة ما يرد على ألسنة شهود عيان بالتوازي مع شهادات بصرية صامتة وجماليات باهرة يستنتجها حتى من دكانة الواقع.
أما «آخر رجال حلب» لفراس فياض، الفيلم الذي فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان صندانس، مطلع هذا العام، فإنه عرض مؤلم لرجال الدفاع المدني الذين يخوضون المخاطر خلال المعارك الطاحنة التي شهدتها مدينة حلب. سياسياً، الفيلم معاد للنظام، لكن هذا، ضمن شروط السينما، لا قيمة له (أو أن قيمته محدودة جداً ولفريق معين فقط) من دون تلك الدراية بكيفية معالجة الفيلم إبداعياً وإيصال صوره إلى المستوى المفترض بها. وهذا ما يميّزه عن أي فيلم لقطات إخبارية من تلك التي تم تحقيقها في السنوات الثلاث الأخيرة.
هو أفضل بكثير من «الخوذات البيض» الذي نال أوسكار أفضل فيلم تسجيلي قصير في فبراير (شباط) الماضي من إخراج الأجنبي أورلاندو إينسايدل. الفيلم البريطاني الذي اعتمد على أشرطة تسجيلية قام بها مصوّرون سوريون محترفون حول الموضوع نفسه. المخرج في الاستديو في دار الشركة البريطانية لم يكن عليه سوى توليف ما تسلمه من أشرطة ووضع اسمه على عمل لم يشترك عضوياً فيه. نعم يتحدث عن معاناة رجال الدفاع المدني لكن على نحو من يوزّع الأوسمة وليس من يبحث عمقاً فيما يؤلف ويصون هذه البطولات الإنسانية.

في حلب
«9 أيام: من نافذتي في حلب» لعيسى توما هو من الأفلام القليلة التي لم تكترث لموقف مؤيد أو معارض بل نقلت وضعاً يعبر عن الحصار الذي يعانيه الفرد. صحيح أن المخرج هو الفرد المعني، لكن من دون أن يشطح الخيال بعيداً بالإمكان الإدراك بسهولة أن معظم السوريين في حلب أو في سواها من قبل ومن بعد عاشوا محاصرين بين فريقين متقاتلين.
هو فيلم صغير وقصير (نال جائزة الفيلم القصير في جوائز الاتحاد الأوروبي) مصوّر بأكمله داخل الشقة التي يعيش فيها المخرج ويحمل النفس المحبوس لصاحبها. تتوقع أن يراه أحد المسلحين فيطلق صوبه رصاصة قاتلة. أو أن يصعد المسلحون إلى الشقق، وكثير منها بات خالياً من الساكنين، كما يقول عيسى، فيطرقون بابه أو يخلعونه.
لكن من حسن حظه أن أحداً لم يفعل ذلك. هذا الخطر الجاثم لا يغادر الفيلم لحظة واحدة، لأن المخرج وكاميراته في خندق واحد. هي تصوّره وهو يصوّر الآخرين من شق موارب في نافذته. على أن هذا المقدار الضئيل المتاح من زاوية التصوير ومكانه كاف لتجسيد الخطر في حين يعمل الفيلم ككل على تجسيد الحالة وبعض القتال وأصوات المعارك في عموم فحواه.
رغم حياديته، إلا أن المرء يشعر بأن الرجل لا يريد «للرجال الملتحين»، على حد قوله، أن يبقوا في ذلك المكان. يقول المخرج إنه لا يكترث من يحتل الرقعة التي يتقاتل فيها الفرقاء، لكنك تدرك أنه في نهاية الأمر يكترث.
هذا ما ينقلنا إلى فيلم آخر لا يلتصق بالنظام لكنه يعادي المقاتلين ضده في الوقت ذاته. الفيلم هو «مطر حمص» لجود سعيد. الحقيقة الدامغة هي أنه بصرف النظر عن موقف الفيلم من كل هذه القضايا المطروحة بسبب الحرب فإن الفيلم يقص الحكايات اليومية التي توفرها شخصيات بسيطة تجمعها المحنة وقد علقت في حي مهدم بين طرفي النزاع.
قسّم المخرج فيلمه إلى فصول، وفي كل فصل حكاية مرتبطة بما يسبقها أو يليها. الأولى تمهد بقصّة حب بين شاب وفتاة، وفي الثانية يتم القبض عليهما وعلى الراهب الذي قرر البقاء في المنطقة المهجورة. في الفصل الثالث يفرز الفيلم تلك الحكايات ويحدد أكثر وجهة نظر الفيلم في الأحداث الواقعة. هو ضد الإرهابيين والمتطرفين ومع ثورة بدأت سلمية ضد أخطاء في النظام الماثل كان يمكن لها أن تعالج من دون محاولة كسر رأس. في بعض نواحيه يأخذ الفيلم شكل ذكريات وفي أحد المشاهد يقول بطل الفيلم لمقاتل: «أنا الذي نزلت للشارع لأجل مستقبل أفضل لي ولك».
أكثر من مرّة نجد المخرج جود سعيد أمام تحديات فنية كبيرة. لديه فيلم عليه أن يصوغه بانضباط صحيح من بدايته وحتى نهايته في الوقت الذي على الفيلم سرد حكايات متعددة وإن كانت جميعاً تلتقي في حدود المكان. عليه أن يبث رسالة معادية للحرب، في الوقت الذي عليه ألا يكون ساذجاً في طروحاته ومدى قدرته على الاحتفاظ بواقعية الحدث وجنون الحرب.
جماليات العنف أخاذة ورهيبة في آن واحد وهي ائتلاف بين الكتابة والإخراج والتصوير في أكثر عناية ممكنة. مشهد مثل الرقص على لحن «أنا قلبي دليلي» لليلى مراد مبهر. المشاهد المختارة للمدني المختبئ خلف ساعة الميدان غير قادر على مغادرة مكمنه خوفاً من القناص المتربص، ثم مشهد مقتله وحدها تحكي حكاية. مشاهد القصف ذاتها رائعة. حقيقية. شاهدنا مثيلاً لها في كلاسيكيات عن الحرب أكثر من مرّة لكنها هنا تحاكينا على نحو قريب.
السينما العربية خارج سوريا وبعيداً عن إنتاجات لبنانية معيّنة، بقيت بعيدة باستثناء فيلم للمخرج التونسي رضا الباهي عنوانه «زهرة حلب» حققه في العام الماضي حول المرأة التي تلحق بولدها المتطوع في إحدى الفرق المتطرفة. المشكلة هنا هي أن نظرة المخرج تبقى بعيدة عن الواقع ومشغولة بخدمة الفكرة (الأم التي تحاول إنقاذ ابنها). كذلك في أن ما عال عليه المخرج في أعماله السابقة من عمق المعالجة متأثر هنا بحكاية عليها أن تداوم الانتقال من مكان لآخر، وأن تنتهي بمفاد مستمد من الموقف وليس فقط من الفكرة.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز